دخولتسجيل الدخول

كتاب الصلاة 20 | باب سجود السهو (3)

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على "الروض المربع" أثناء باب سجود السهو، وأخذنا السبب الأول والسبب الثاني من أسباب السجود وهما الزيادة والنقص، ووقفنا على السبب الثالث وهو الشك.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: "ومن شك في عدد الركعات بأن تردد أصلى اثنتين أم ثلاثًا مثلًا، أخذ بالأقل لأنه المتيقن. ولا فرق بين الإمام والمنفرد. ولا يرجع مأموم واحد إلى فعل إمامه، فإذا سلم إمامه أتى بما شك فيه وسجد وسلم. وإن شك هل دخل معه في الأولى أو الثانية، جعله في الثانية لأنه المتيقن. وإن شك من أدرك الإمام راكعًا: أرفع رأسه قبل إدراكه راكعًا أم لا؟ لم يعتد بتلك الركعة لأنه شاك في إدراكها، ويسجد للسهو. وإن شك المصلي في ترك ركن، فكتركيه أي فكما لو تركه، يأتي به وبما بعده إن لم يكن شرع في القراءة التي بعدها، فإن شرع في قراءتها صارت بدلا عنها. ولا يسجد للسهو لشكه في ترك واجب كتسبيح ركوع ونحوه، أو لشكه في زيادة، إلا إذا شك في الزيادة وقت فعلها؛ لأنه شك في سبب وجوب السجود والأصل عدمه. فإن شك في أثناء الركعة الأخيرة أهي رابعة أم خامسة؟ سجد لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا في كونه منها وذلك يضعف النية. ومن شك في عدد الركعات وبنى على اليقين ثم زال شكه وعلم أنه مصيب فيما فعله لم يسجد".

أحسنت. هنا تسلم المؤلف رحمه الله تعالى عن السبب الثالث من أسباب سجود السهو وهو الشك. وذكر هنا أنه إذا شك في عدد الركعات قال: "ومن شك في عدد الركعات بأن تردد أصلى اثنتين أم ثلاثًا مثلًا أخذ بالأقل لأنه المتيقن، ولا فرق بين الإمام والمنفرد". الآن إذا شك وهو في الصلاة وهو في القيام يقرأ الفاتحة فشك هل هذه الركعة هي الثالثة أو الرابعة؟ أو أنها هي الثانية أو الثالثة؟ شك في عدد الركعات، فهنا المؤلف رحمه الله يقول: "يأخذ بالأقل لأنه المتيقن". شك هي الثانية أم الثالثة يجعلها هي الثانية، شك هي الثالثة أم الرابعة يجعلها هي الثالثة وهكذا. لماذا؟ لأنه المتيقن، وهذه الزيادة مشكوك فيها. لو شك هي الثانية أو الثالثة، فكونه هي الثانية هذا يقين أنه صلى ركعة واحدة كاملة، أما هل صلى ثانية أو لا؟ مشكوك فيها، لذلك نقول ألغي المشكوك فيه، فيأخذ بالمتيقن، يأخذ بالأقل لأنه المتيقن؛ لحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على مستيقن»، وفي حديث عبد الرحمن بن عوف نحوه.

ويأخذ بالمتيقن مطلقاً في الشك مطلقاً، سواءً غلب على ظنه أحد الأمرين أم لم يغلب، وسواءً كان إماماً أو منفرداً أو مأموماً كذلك كما سيأتي إن شاء الله بعد قليل، فكلهم يأخذون بالأقل وهو المتيقن. وهذا هو المشهور من المذهب أنه يؤخذ بالأقل مطلقاً. وفي المذهب قول آخر ورواية أخرى عن الإمام أحمد رحمه الله أنه يأخذ باليقين إذا لم يترجح عنده شيء، فإن ترجح عنده شيء فيأخذ بما غلب على ظنه. وهذه رواية الإمام أحمد رحمه الله، وهناك رواية ثالثة وهي الثانية وهي اختيار شيخ الإسلام رحمه الله، وهي التفريق بين الإمام والمنفرد، وهي التي أشار لها المؤلف رحمه الله قال: "لا فرق بين الإمام والمنفرد" هنا يشير إلى الخلاف فيها؛ لأن هناك رواية ثالثة عن الإمام أحمد رحمه الله أن الإمام يأخذ بما يغلب على ظنه، وأما المنفرد لا يأخذ باليقين. لماذا؟ يقول مثلاً الإمام شك هي ثانية أو ثالثة فترجح عنده أنها الثالثة فيأخذ بها؛ لأنه لو كانت هي الثانية وهو عدها الثالثة فجاء فقام للرابعة سينبهه المأمومون، بخلاف المنفرد فليس له من ينبهه. ولذلك خص بعض الأصحاب هذه الرواية الثالثة بما إذا كان مع الإمام أكثر من واحد. لماذا؟ قالوا لأنه إذا كان معه واحد فقط فإنه أصلاً غير ملزم باتباعه كما تقدم معنا في الدرس الماضي أنه إذا سبح به واحد لا يلزمه أن يرجع، إنما يرجع إلى قول الاثنين.

فلذلك هذه ثلاث روايات، العجيب أن الرواية الثالثة عن الإمام أحمد رحمه الله هي التي كانت مشهورة عند المتقدمين؛ لأن الموفق ذكر أنها هي المشهورة عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذا ذكره ابن رجب رحمه الله أنها هي المشهورة عن الإمام أحمد رحمه الله. والإمام أحمد رحمه الله جمع بين حديث أبي سعيد وحديث عبد الرحمن بن عوف الذي فيه الأخذ باليقين، مع حديث ابن مسعود الذي فيه الأخذ بما ترجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود قال: «إذا شك أحدكم في الصلاة فليتحرى الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين». فهنا اختلف الأصحاب في الجمع بين هذه الأحاديث. المشهور والمذهب قلنا لكم أنهم يعملون اليقين مطلقاً، طيب وعلى ماذا يحملون حديث ابن مسعود؟ يحملون قوله "فليتحرى الصواب" يقصد به الأقل، ذكروا هذا عن الزركشي، يقول الأصحاب حملوا التحري في حديث ابن مسعود على استعمال اليقين لكونه أحوط وأقرب إلى الصواب. أما الرواية الثانية قالوا لا، التحري هذا يحمل فيما إذا غلب على ظنه شيء، والبناء على اليقين فيما إذا لم يترجح عنده شيء. الرواية الثالثة قالوا لا، حديث ابن مسعود هذا يحمل على الإمام، أنه هو الذي يستطيع أن يتحرى ويبني على غالب ظنه لأن له من ينبهه، بخلاف المنفرد فليس له من ينبهه.

قال: "أخذ بالأقل لأنه متيقن ولا فرق بين الإمام والمنفرد". طبعاً هذا إشارة إلى خلاف، وهي الرواية الثالثة عن الإمام أحمد وهي التي ذكرها الموفق وابن رجب رحمه الله أنها هي المشهورة. قال: "ولا يرجع مأموم واحد إلى فعل إمامه. فإذا سلم إمامه أتى بما شك فيه وسلم". الآن إمام يصلي بمأموم واحد، قام الإمام للرابعة والمأموم يعتقد أنها هي الثالثة، لكنه شك يعني ما عنده يقين أنها هي الثالثة، فيقولون لا يرجع إلى فعل الإمام، بل يجلس. هل يسلم؟ لا، يقول فإذا سلم إمامه أتى بما شك فيه وسجد وسلم. هذا مثلاً لو كان المأموم يعتقد أنها ثالثة والإمام يعتقد أنها رابعة، فالإمام جلس للتشهد الأخير والمأموم يعتقد أنها ثالثة، فهل ينفصل عنه ويجيب الرابعة؟ لا، بل يجلس. طبعاً هذا إذا كان شك، المسألة هذه فيما إذا كان شك، إذا كان متيقنا هذا أمر آخر وتقدم معنا، لكن إذا شك هل هذه هي الرابعة أو الثالثة؟ المأموم يعتقد أنها الثالثة والإمام على أنها الرابعة، فالمأموم يقولون يجلس فإذا سلم الإمام أتى بما شك فيه لأنه هو الآن شك هل هي الثالثة ولا الرابعة؟ فلا يرجع إلى فعل إمامه لأن إمامه واحد، لكن إذا كان الجماعة أكثر من اثنين، الجماعة ثلاثة فأكثر، وقام الإمام ومجموعة من المأمومين وفي واحد مأموم شك، فهنا نقول يرجع إليهم ما في إشكال. لكن إذا كان الجماعة من اثنين فقط إمام ومأموم، فشك المأموم لما جلس الإمام للركعة الرابعة هل هي الثالثة أو الرابعة؟ فنقول لا تأخذ بفعل إمامك وإنما تبني على اليقين وهو الأقل، فتجعله هي الثالثة وتأتي بركعة رابعة بعد سلام إمامك، وتسجد للسهو.

ثم قال المؤلف رحمه الله وهذا مثال على القاعدة التي ذكرها أنه يبني على اليقين: "إذا شك هل دخل معه في الأولى أو في الثانية؟ جعله في الثانية لأنه هو المتيقن". يعني مثلاً دخل معه في الظهر، لما سلم الإمام قال: أنا ما أدري، هل أنا دخلت معه في الأولى فما فاتني شيء؟ ولا دخلت معه في الثانية ففاتني ركعة؟ نقول ما المتيقن؟ المتيقن أنه دخل في الثانية، يعني هو متيقن أنه أدرك الثانية والثالثة والرابعة لكن شك في الأولى. فنقول خلاص ألغي الشك واجعل نفسك كأنك دخلت في الثانية وائت بركعة بعد السلام. قال: "وإن شك من أدرك الإمام راكعاً، أرفع رأسه قبل إدراكه راكعاً أم لا؟ لم يعتد بتلك الركعة لأنه شك في إدراكه، ويسجد للسهو". يعني الآن مأموم دخل مع الإمام وهو راكع، فكبر الإحرام وهوى للركوع، إذا أدرك مع الإمام أقل قدر من الركوع خلاص أدرك الركعة، هو يقول ما أدري أنا وصلت، ما أدري هل أنا أدركت أقل قدر من الركوع ولا ما أدركت شيئاً؟ يعني رفع الإمام على طول، شك، فنقول اعتبر نفسك أنك لم تدرك، واعتبر نفسك أنك لم تدرك، يأتي بركعة وأيضاً يسجد للسهو لوجود هذا الشك. وابن رجب رحمه الله ذكر هذه المسألة في القاعدة الثامنة والخمسين بعد المائة من قواعده: "إذا تعارض عندنا أصلان عومل بالأرجح منهما لاعتضاده بما يرجحه". وذكر من المسائل هذه إذا شك هل أدرك الإمام راكعاً أم أدركها بعد رفع الإمام من الركوع؟ يقول: الأصل عدم الإدراك فيأخذ به.

قال: "وإن شك المصلي في ترك ركن فكترك". عندنا الآن شك في ترك الركن وشك في ترك الواجب وشك في الزيادة. طبعاً هذه كلها إذا شك فيها بعد الصلاة لا يلتفت لها؛ لأن الأصل أن الصلاة صحيحة، فلا يلتفت للشك، وهذه قاعدة في كل العبادات أنه لا أثر للشك بعد الفراغ من العبادة. الشك بعد الفراغ لا يؤثر وهكذا إذا الشكوك تكثر. أما إذا كان الشك أثناء الصلاة، قال: إذا شك في ترك ركن فكترك، يعني شك وهو مثلاً في الركعة الأولى هل قرأ الفاتحة ولا لا؟ وهو ساجد شك في قراءة الفاتحة أو لا. فنقول الأصل ماذا؟ الأصل عدم، لذلك يقول فك تركي، فماذا يفعل؟ يقول فكما لو تركه، فيأتي به وبما بعده، مثل المسألة التي تقدمت معنا في نقص الركن، يأتي به وما بعده، إلا إذا شرع في قراءة الركعة التي تليها، فتلغو الركعة السابقة وتقوم التي تليها مقامها. أما إذا شك في ترك واجب، عندنا مثلاً وهو بالركعة وهو ساجد، شك هل قال "سبحان ربي العظيم" في الركوع أو لا؟ فيقول المؤلف رحمه الله: لا يسجد له. لماذا؟ علل قال لأنه شك في سبب وجوب السجود والأصل عدمه.

يعني عندنا الشك في ترك الركن، ماذا يقتضي؟ يقتضي أنك تأتي بالركن وما بعده، ثم تسجد للسهو، فالأصل أنك ما جئت بالركن. طيب إذا شك في ترك الواجب؟ ما يجيب الواجب، فقط يأتي بسجود السهو. هنا حقيقة هو شك في سبب وجوب السجود، يعني هو الآن السجود الذي وجب عليه بسبب ترك الواجب إنما وجب عليه بسبب ترك واجب مشكوك فيه، كونه أتى به أو لم يأت به. فالسجود هذا تابع له. قالوا والتابع للمشكوك فيه يكون مشكوكاً فيه، فيكون خلاص لا يأتي به. وهذا يعني ننقل عليكم عبارة ابن المنجا يقول لأنه شك في وجوب سجود السهو؛ لأنه تابع لترك واجب، وذلك مشكوك فيه، والتابع للمشكوك فيه مشكوك فيه، والشيء لا يجب بالشك. لكن ترك الركن نقول تأتي بالركن نفسه، الواجب لن يأتي به، فقط الواجب عليه سجود السهو، الواجب إذا تركه يعني تيقن تركه فعليه سجود السهو، فإذا شك فعندنا فقط عليه سجود السهو، يعني الواجب سجود السهو في اليقين فإذا شك، فنقول لا يجب عليه سجود السهو، لماذا؟ لأن سجود السهو مبني على ترك متيقن، فإذا كان مشكوكاً فيه، هذا الترك فيكون سجود السهو.

هذا مشكوك فيه أيضًا، والشيء لا يوجب بالشك. قال أو لشكه في زيادة، يعني لا يسجد للسهو لشكه في زيادة؛ وهو يصلي شك هل ركع ركوعين ولا ركوعًا واحدًا؟ فنقول لا يسجد لها؛ والتعليل نفس التعليل السابق.

قال إلا إذا شك فيها وقت فعلها، يعني مثلًا وهو راكع قال: ما أدري هذا ركوع زائد أو هو الركوع الأصلي؟ فيقولون هنا يسجد لها؛ لماذا؟ قالوا لأنه هنا أدى جزءًا من عبادته وهو شاك، بخلاف المثال السابق لا، يوم يركع هو ما شك، طرأ عليه الشك فيما بعد. لكن في المثال هذا لما ركع شك هل هو ركوع زائد أو الركوع الأصلي؟ فيكون أدى جزءًا من عبادته وهو شاك، فيسجد جبرًا لهذا النقص.

جاب مثال ثاني، إذا شك في أثناء الركعة الأخيرة أهي رابعة أم خامسة؟ فإنه يسجد. طبعًا إذا شك أهي رابعة أو خامسة؟ وش يزين؟ يعتبرها رابعة، يأخذ بالأقل، فيعتبرها رابعة؛ لكن يسجد في النهاية، يسجد في النهاية. طيب لماذا يسجد؟ قالوا لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا، وهذا التردد يضعف النية. لكن قال ابن قاسم في الحاشية وهذا منقول من البابطين، الشيخ ابن بابطين يقول مفهوم هذا التعليل أنه إذا شك في التشهد الأخير يعني لما جلس التشهد الأخير شك هل هي رابعة أو خامسة؟ فيقولون لا يسجد؛ يعني لا يجب عليه السجود؛ لماذا؟ لأن الركعة الأخيرة كلها أداها وهو متيقن، ما جاءه الشك إلا قبيل السلام، فلا يجب عليه سجود السهو.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله مسألة ما إذا زال الشك للإنسان، يقول شك هل هي الثانية أو الثالثة؟ طيب قلنا ابن على اليقين أخذ أنها الثانية، ثم تذكر أنها هي الثانية؛ فطرأ عليه الشك في جزء من صلاته ثم زال الشك، يعني زال الشك قبل السلام؛ فهنا يقول لا يسجد، من شك في عدد الركعات وبنى على اليقين ثم زال شكه وعلم أنه مصيب فيما فعله لم يسجد، لماذا؟ لزوال موجب السجود، الآن وجب السجود في الشك، الشك زال وتيقن أنها هي الثانية فزال موجب الشك. وهنا قول آخر في المذهب أنه يسجد له ترغيماً للشيطان. إي نعم، إذا لم يزل شكه واستمر شكه لنهاية الصلاة فهنا يسجد، إي ولو بنى على اليقين.

قال رحمه الله: ولا سجود على مأموم دخل مع الإمام من أول الصلاة إلا تبعًا لإمامه؛ إن سها الإمام فيتابعه وإن لم يتم ما عليه من تشهد ثم يتمه، فإن قام بعد سلام إمامه رجع فسجد معه ما لم يستتم قائمًا، فيكره له الرجوع أو يشرع في القراءة فيحرم. ويسجد مسبوق سلم معه سهوًا، ولسهوه مع إمامه أو فيمن انفرد به، وإن لم يسجد الإمام للسهو سجد مسبوق إذا فرغ وغيره بعد إياسه من سجوده.

أحسنت، هنا في هذه الجملة يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن السجود على المأموم، هل يجب على المأموم سجود إذا سها؟ الآن الكلام السابق كله في الإمام والمنفرد، طيب المأموم هل يجب عليه سجود أو لا؟ هنا يقول لا سجود على مأموم دخل مع الإمام من أول الصلاة إلا تبعًا لإمامه، يعني إذا كان المأموم دخل مع الإمام من أول الصلاة ما فاته شيء من الصلاة، من أول الصلاة يقصدون أنه لم يفته شيء، لا يلزم أن يكون من تكبيرة الإحرام، لا أهم شيء أنه دخل قبل أن يرفع الإمام من الركوع في الركعة الأولى.

فإذا دخل مع الإمام من أول الصلاة ولم يفته شيء من الصلاة وسها في صلاته، مثلًا سجد الإمام للتلاوة فحسب أنه ركع فركع، ثم تبين أن الإمام سجد للتلاوة فسجد، فهنا الآن زاد فعلاً من جنس الصلاة، الأصل أنه يجب عليه السجود، لو كان منفردًا أو إمامًا وجب عليه السجود زاد فعلاً من جنس الصلاة، لكن لما كان مأمومًا فإن الإمام يتحمله عنه، هذا إذا كان المأموم دخل مع الإمام من أول الصلاة ما فاته شيء من الصلاة، أما إذا فاته فإنه يسجد وسيأتينا بعد قليل.

قال إلا تبعًا للإمام، فإذا سها الإمام فيسجد المأموم معه وإن لم يسهُ المأموم، يعني مثلًا الإمام في أثناء الصلاة في الركوع قال سبحان ربي الأعلى، نسي ثم رفع من الركوع تذكر أنه قال سبحان ربي الأعلى في الركوع، فهنا يجب على الإمام أن يسجد للسهو، طيب سجد للسهو، المأموم ما سها، فنقول يسجد معه، قال إلا تبعًا للإمام، وهذا مجمع عليه حكاه ابن المنذر وإسحاق إجماعًا، وقال الموافق أنه في قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى، وفي حديث لكن فيه ضعف وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه»، ولكن يدل عليه عموم «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وذكر منها وإذا سجد فاسجدوا، طبعًا وهذا حتى لو كان المأموم مسبوقًا لم يدرك سهو الإمام، يعني مثلًا لو كان الإمام سهوه أنه قام من التشهد الأول، المسبوق دخل المسجد والإمام يقوم من التشهد الأول، وشاف الإمام يسهو، لكنه هذا الفعل لم يدخل معه المسبوق، فدخل مع الإمام في الركعة الثالثة، فإذا سجد الإمام للسهو فإن المسبوق هذا يسجد مع إمامه لماذا؟ لأنه تابع لإمامه.

قال: إن سها الإمام فيتابعه وإن لم يتم ما عليه من تشهد ثم يتم؛ يعني يقول: لو سجد الإمام للسهو والمأموم ما تم التشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فيسجد مع الإمام للسهو ثم يتم تشهده ثم يسلم. طيب إذا كان المأموم مسبوقًا، يقول طبعًا إذا كان السجود قبل السلام هذا واضح أنه سيسجد معه، لكن إذا كان السجود بعد السلام يقول: فإذا قام بعد سلام إمامه رجع فسجد معه، قام بقضاء ما فاته فسجد الإمام للسهو بعد السلام، فيرجع يسجد معه؛ إلا إذا استتم قائمًا يكره له الرجوع، وإذا شرع في القراءة يحرم عليه الرجوع، يعني مثل مسألة القيام للتشهد الأول، التفصيل الذي ذكر في القيام للتشهد الأول متى يجب الرجوع؟ متى يكره الرجوع؟ متى يحرم الرجوع؟ يقال هنا، يجب على المسبوق الرجوع لسجود السهو إذا سجد إمامه أو علم بسجود إمامه قبل أن يستتم قائمًا، فإن استتم قائمًا كره له الرجوع، وإذا شرع في القراءة حرم عليه الرجوع.

ثم ذكر أن المسبوق يسجد مع إمامه في حالاته كلها، فيقول يسجد مسبوق سلم معه سهوًا، يعني هنا سها مع إمامه سواء يقصد أنه سلم مع إمامه سهوًا وهو قد فاته ركعة أو أن إمامه أيضًا سلم سهوًا، الإمام سلم مثلًا من ثلاث ركعات والمسبوق أصلاً فاته ركعة، فأدرك مع الإمام ركعتين فسلم مع الإمام ناسيًا، فهنا يسجد، وأيضًا يسجد فيما أدركه مع الإمام، يعني مثلًا الركعتين اللي أدركهم مع الإمام سها فيهم، فهنا يسجد سهوًا لا يتحمله عنه الإمام، وكذلك فيما انفرد به، يعني وهو قائم يقضي ما فاته سها فيسجد؛ يعني الإمام لا يتحمل عن المسبوق سجود السهو. الجملة هذه نستفيد منها أن الإمام لا يتحمل عن المسبوق سجود السهو وإنما يتحمل عن المأموم الذي دخل معه من أول صلاته.

قال: وإن لم يسجد الإمام للسهو سجد مسبوق إذا فرغ وغيره بعد إياسه من سجوده؛ يعني عندنا الآن الإمام سها وسلم ولا سجد للسهو، طيب هذه متصورة فيما إذا الإمام لم يترك السجود عمدًا وكان السجود محله بعد السلام، أما إذا كان السجود محله قبل السلام وتركه الإمام متعمداً وهو يعتقد وجوبه فهنا تبطل صلاته وصلاته من خلفه من المأمومين على الصحيح من المذهب. إذن هذه المسألة تتصور فيما إذا لم يتعمد الإمام ترك السجود، يعني نسي سجود السهو، أو لا يعتقد وجوبه، يعني مثلًا الإمام على المذهب الشافعي، المذهب الشافعي سجود السهو عندهم سنة، أو أنه كان سجود السهو محله بعد السلام فتركه متعمدًا، ففي هذه الأحوال الثلاث إذا لم يسجد الإمام للسهو فإنه يسجد المسبوق، المسبوق لا يسقط عليه السجود فيسجد المسبوق. فيسجد المسبوق متى؟ هل يسجد من حين يسلم إمامه؟ لا، يسجد إذا فرغ، إذا قام لقضاء ما فاته وانتهى يسجد بسهو إمامه. وغيره، يعني غير المسبوق، يسجد بعد إياسه من سجوده، يعني لو أنه أيس من سجود الإمام، يعني نبهوا الإمام ما انتبه أو رفض فإنهم يسجدون. ولا يسقط السجود عن المسبوق رواية واحدة لأنه لم يوجد من الإمام ما يكمل به صلاة المأموم، أما غير المسبوق ففيه روايتان، هل يسقط عنه أو لا يسقط؟ لكن المعتمد من المذهب أنه لا يسقط، لأن صلاة المأموم نقصت بسهو الإمام ولم تنجبر بسجوده، فيلزم المأموم جبروها، والقول بسجود المأموم إذا ترك الإمام السجود هذا من المفردات.

وسجود السهو لما أي لفعل شيء أو تركه يبطل الصلاة عمده، أي تعمده، ومنه اللحن المحيل للمعنى سهوًا أو جهلًا، واجب لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره به في غير حديث، والأمر للوجوب. وما لا يبطل عمده كترك السنن، وزيادة قول مشروع غير السلام في غير موضعه، لا يجب له السجود، بل يسن في الثاني.

أحسنت، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حكم سجود السهو، فأعطاك ضابطًا، قال لك إذا كان سجود السهو هنا سجده لأمر لو تركه متعمداً بطلت صلاته، فهنا يجب سجود السهو، أما إذا كان لا، سجود السهو سيسجده لأمر لو تركه متعمداً لا تبطل صلاته، فسجود السهو هنا غير واجب. هذا هو الضابط، فقال وسجود السهو لما أي لفعل شيء أو تركه يبطل الصلاة عمده، أي تعمده، فهو واجب، يعني لو زاد ركوعًا ساهياً فنقول هنا سجود السهو هنا واجب أو مستحب؟ واجب، لماذا؟ لأنه لو زاد ركوعًا متعمداً بطلت صلاته. طيب لو سلم من نقص ركعة، سلم من ثلاث ثم أتى بالركعة الرابعة، فسجود السهو هنا واجب؛ لماذا؟ لأنه لو تعمد أن يسلم من ثلاث بطلت صلاته، فهذا هو الضابط.

قال: ومنه اللحن المحيل للمعنى، طبعًا قال: ومنه هنا إشارة إلى قوة الخلاف في هذه المسألة، لأن هذا اللحن المحيل للمعنى ينطبق على القاعدة، لكن هنا أشار إلى قوته، لأن من الأصحاب رحمهم الله تعالى ومنهم المجد ابن تيمية رحمه الله في شرح الهداية ذكر أنه لا يجب السجود هنا، لكن المعتمد في المذهب أنه يجب السجود اللحن المحيل للمعنى، طبعًا في غير القراءة الزائدة على الفاتحة، فمثلًا لو قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، طبعًا فيها قراءة لكنها شاذة، فلو قرأها هكذا فنقول هذا لحن محيل للمعنى، فإذا تعمده بطلت صلاته، لكن إذا أتى به سهوًا أو جهلًا لا تبطل صلاته، فعلى المذهب أنه يسجد له، يسجد له قبل السلام، فهذا مثال لللحن المحيل للمعنى. لكن إذا كان اللحن لا يحيل المعنى، مثل لو قال والسماء ذات البروج، والسماء ذات البروج، فهنا نقول هذا لحن لكنه لا يحيل المعنى، فلا تبطل الصلاة ولا يجب له سجود سهو.

ودليل وجوب سجود السهو قال لفعله عليه الصلاة والسلام وأمره به في غير حديث، النبي صلى الله عليه وسلم فعل وأمر بسجود السهو، في مثل حديث الشك وحديث الزيادة فأمر به وفعله والأصل في الأمر أنه للوجوب، طبعًا يستثني الأصحاب رحمهم الله تعالى سجود السهو الذي قبل السلام، فهو إذا طبقت عليه الضابط فإنه على الضابط أنه واجب، سجود السهو الذي قبل السلام لو تركه عمداً بطلت صلاته كما سيأتينا بعد قليل، لكن إذا تركه سهوا قالوا لا يسجد له، كما تقدم معنا في بداية الباب أنه لا يسجد للسهو في سجود السهو وكذا لترك سجود السهو فلا يسجد له.

وما لا يبطل عمده كترك السنن، يعني شخص ترك سنة، سنة مثل دعاء الاستفتاح أو ترك القراءة بعد الفاتحة أو ترك الافتراش في الجلوس بين السجدتين ونحو ذلك، فهذا لا يبطل الصلاة تعمده فلا يجب له سجود سهو.

زيادة قول مشروع غير السلام في غير موضعه. يعني مثلاً لو قال سبحان ربي العظيم في السجود، أو قال سبحان ربي الأعلى وزاد عليها سبحان ربي العظيم، فهنا زاد قولاً مشروعاً لكنه زاده في غير موضعه، فهذا لا يجب له السجود بل يسن في الثاني.

والأول ترك السنن؛ ترك السنن كل ما لا يبطل عمده كترك السنن وزيادة قول مشروع في غير السلام وفي غير موضع لا يجب له السجود بل يسن في الثاني. طيب في الأول هل يسن؟ ترى مرت معنا قريباً في نهاية الفصل السابق لسجود السهو لمكروهات الصلاة وأركان الصلاة وواجباتها، ذكر أن السجود لترك السنن مباح في نهاية الباب السابق لسجود السهو، فهذه ذكرها في غير موضعها فليتنبه، وهنا قال: بل يسن في الثاني. طيب في الأول يحيلك إلى الموضع الذي ذكره سابقاً.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وتبطل الصلاة بتعمد ترك سجود السهو واجب أفضليته قبل السلام فقط. فلا تبطل بتعمد ترك سجود مسنون، ولا واجب محل أفضليته بعد السلام، وهو ما إذا سلم قبل إتمامها؛ لأنه خارج عنها فلم يؤثر في إبطالها. وعلم من قوله أفضليته أن كونه قبل السلام أو بعده ندب لورود الأحاديث بكل من الأمرين. وإن نسيه، أي نسي سجود السهو الذي محله قبل السلام وسلم ثم ذكر، سجد وجوباً إن قرب زمنه، وإن شرع في صلاة أخرى، فإذا سلم، وإن طال فصل عرفاً، أو أحدث، أو خرج من المسجد، لم يسجد، وصحت صلاته.

أحسنت. قال وتبطل الصلاة بتعمد ترك سجود سهو واجب أفضليته قبل السلام فقط. إذاً نتكلم عن محل سجود السهو، ثم نأتي إلى هذه المسألة. فمحل سجود السهو كان فيه خلاف كبير بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، لكن عندنا في المذهب أن سجود السهو محله يكون قبل السلام في كل الصور إلا في صورتين؛ إحداهما ذكرها غالب الأصحاب، والأخرى هي قول أو رواية في المذهب وليست المعتمدة عند المتأخرين.

المسألة المستثناة الأولى: إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر، حتى عن نقص ركعة فأكثر هذا قيده بعض الأصحاب، ولا بعضهم قال إذا سلم قبل إتمامها عن نقص ولم يقيدها بركعة فأكثر. فإذا سلم عن نقص ركعة فأكثر فإنه يسجد بعد السلام؛ يعني يأتي مثلاً صلى الظهر ثلاثاً ثم نبه فيأتي برابعة ويسلم ثم يسجد للسهو، وهذا دل عليه حديث ذي اليدين وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم عن نقص سجد بعد السلام.

المسألة الثانية المستثناة: إذا شك فبنى على غالب ظنه. وهذه أنا أريدكم لو رجعتم للإنصاف تجدوننا نقول هذا هو المذهب، لكن يقصد هذا هو المذهب على القول بأن الشك يفرق فيه بين الإمام والمنفرد، فيأخذ الإمام بما غلب على ظنه والمنفرد يبني على اليقين، فعلى هذا القول إذا قلنا الإمام يبني على غالب ظنه أو قلنا مطلقاً -يعني سواء الإمام أو المنفرد- يبني على غالب ظنه، يقولون إذا قلنا يبنى على غالب الظن فيسجد بعد السلام، ولذلك في الإنصاف لما جاء مسألة في الشك التي ذكرناها في أول الدرس، ذكر أن المذهب مطلقاً أنه يبني على اليقين، فلذلك الأصل أنه لا يستثنى إلا مسألة واحدة، لكنه لما ذكر المسألة الثانية قال وهو المذهب، اللي هي إذا أن يبني على غالب ظنه فيسجد بعد السلام، وهذا يقصد أنه هو المذهب على القول بأنه يفرق بين الإمام والمنفرد، أو على القول بأنه يفرق بين من ترجح عنده شيء ومن لم يترجح عنده شيء. وهذا يفيدكم، قد يحس الشخص الذي يقرأ الإنصاف فيه تناقض في الموضع، لا، هو يقصد أنه مبني على القول الثاني.

نرجع إلى كلامه هنا، يقول: لا تبطل الصلاة بتعمد ترك سجود سهو واجب أفضليته قبل السلام فقط. إذاً إذا كان محل السجود قبل السلام فتركه متعمداً لا بد أن يكون السجود قبل السلام، ولا بد أن يكون السجود واجباً، يعني لو كان السجود لترك سنة أو أتى بغير المشروع في غير موضعه لا تبطل حتى لو تعمد. فلا بد أن يكون موضع السجود لبطلان الصلاة بترك سجود السهو أن يتحقق ثلاثة أمور: لا بد أن يكون السجود محله أفضليته قبل السلام، وأن يكون السجود واجباً، وأن يتركه متعمداً. إذا توفرت هذه القيود الثلاثة بطلت الصلاة، لكن إذا تركه ساهياً لا تبطل الصلاة، إذا كان السجود أصله مستحباً مثل سجود لترك مسنون لا تبطل الصلاة، إذا كان محل السجود أصلاً بعد السلام لا تبطل الصلاة.

فلذلك قال: لماذا تبطل بسجود سهو أفضليته قبل السلام؟ قالوا لأنه اللي قبل السلام هذا من شأن الصلاة فهو كترك أحد واجباتها أو أحد أركانها، لكن السجود الذي بعد السلام قالوا هذا كأنه مستقل عن الصلاة، وجب للصلاة مستقلاً عنها فلم تبطل الصلاة ببطلانه مثل الأذان؛ يعني لو صلى شخص بدون أذان ولا إقامة -شخص خارج البلاد وما سقط فرض الكفاية به- فمجموعة صلوا بدون أذان ولا إقامة، صلاتهم صحيحة مع الإثم، أثموا بترك الأذان والإقامة لأن الأذان والإقامة واجب للصلاة وليس واجباً فيها، فقالوا سجود السهو الذي بعد السلام هذا واجب للصلاة، أما الذي قبل السلام فهذا واجب فيها.

لذلك قال فلا تبطل بتعمد ترك سجود مسنون، هذا لقيد الواجب، ولا واجب محل أفضليته بعد السلام، هذا قيد قبل السلام، وهو ما إذا سلم قبل إتمامها، لأنه خارج عنها فلم يؤثر في بطلانها كما قلنا لكم كالأذان. قال وعلم من قوله أفضليته أن كونه قبل السلام وبعد السلام لا تبطل لورود الأحاديث في كلا الأمرين. هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، هل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد قبل السلام أو سجد بعد السلام أنه لا بد أن يتقيد به؛ فما قبل السلام يسجد قبل السلام وما بعد السلام يسجد بعد السلام أو لا؟ المذهب وهو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى أنه على سبيل الاستحباب، فلو سجد قبل السلام دائماً أو سجد بعد السلام دائماً فصلاته صحيحة ولا تثريب عليه في ذلك. وهناك من أهل العلم وحكي الإجماع عليه، حكاه ابن عبد البر والماوردي الشافعي وغيرهم إجماعاً، لكن هناك من أهل العلم من قالوا لا، أنه على سبيل الوجوب ومنهم شيخ الإسلام رحمه الله، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد، وأيضاً ذكر في الإنصاف أنه ظاهر كلام الموفق ابن قدامة وبعض الأصحاب أنه لا على سبيل الوجوب لا على سبيل الاستحباب، لكن الجمهور أنه على سبيل الاستحباب.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا نسي سجود السهو الذي محله قبل السلام وسلم ثم ذكر فإنه يسجد وجوباً؛ لأنه تبطل الصلاة في تعمد تركه. يقول إن قرب زمنه، يعني عندنا يسجد وجوباً إذا لم يطل الفصل وكان في المسجد ولم يحدث، يعني بثلاثة قيود: إن لم يطل الفصل، ولم يحدث، وكان في المسجد. طيب سجد وجوباً إن قرب زمنه ولو انحرف عن القبلة وتكلم لورود عن النبي صلى الله عليه وسلم. طيب إذا شرع في صلاة أخرى مثل في التراويح أو مثلاً السنة الراتبة قبل الظهر صلى أربعاً فالتسليم الأولى سها فيها، والأصل أنه يسجد للسهو قبل السلام ونسي، شرع في التسليم الثانية فنقول خلاص إذا سلم من الثانية يأتي بسجود السهو، لأن سجود السهو حق الأولى لأن الفصل الفاصل ليس طويلاً.

قال وإن طال الفصل عرفاً فهنا لا يسجد، لأن الصلاة عبادة واحدة لا ينبني بعضها على بعض مع التباعد، أو أحدث فإنه لا يسجد؛ لأن الحدث يمنع من بناء الصلاة بعضها على بعض، أو خرج من المسجد فإنه لا يسجد. وعلل ابن المنجى خروجه سقوط سجود السهو بالخروج من المسجد بأن المسجد محل الصلاة وموضعها، فاعتبر المسجد لها كمجلس الخيار في البيع؛ يقول خيار المجلس يسقط إذا فارق المجلس، يقول مثله سجود السهو يسقط إذا فارق المسجد لأنه موضع الصلاة. قال وصحت صلاته، قالوا لأنه مشروع للصلاة خارجاً منها فلم تفسد بتركه كالأذان، نعم.

قال المصنف رحمه الله تعالى: ومن سها في صلاة مراراً كفاه لجميع سهوه سجدتان ولو اختلف محل السجود، ويغلب ما قبل السلام لسبقه، وسجود السهو وما يقال فيه وفي الرفع منه كسجود صلب الصلاة، فإن سجد قبل السلام أتى به بعد فراغه من التشهد وسلم عقبه، وإن أتى به بعد السلام جلس بعده مفترشاً في ثنائية ومتوركاً في غيرها وتشهد وجوباً التشهد الأخير ثم سلم؛ لأنه في حكم المستقل في نفسه.

أحسنت، قال المؤلف رحمه الله تعالى ومن سها في صلاة مراراً كفاه لجميع سهوه سجدتان ولو اختلف محل السجود. يعني إذا تكرر السهو من المصلي أثناء الصلاة فإنه يكتفي بسجدتين، يعني لا يسجد لكل سهو سجدتين، وإنما يكتفي بسجدتين فقط لجميع ما حصل من السهو. وقوله ولو اختلف محل السجود هذه إشارة إلى خلاف، أما إذا لم يختلف محل السجود بأن كان جميع ما سهى فيه موضعه قبل السلام فإنه يكتفي بسجدتين بإجماع أهل العلم كما حكاه الموفق رحمه الله تعالى.

أما إذا اختلف محل السجود بأن سهى مرتين؛ مرة موضع السجود الأفضل قبل السلام ومرة أخرى موضع السجود الأفضل بعد السلام، فهنا يكتفي بسجدتين قبل السلام. يعني مثلاً شخص سلم من ثلاث ركعات ثم نبه، فأتى بالرابعة وفي الرابعة هذه زاد ركوعاً، فهنا اجتمع لديه سهوان؛ فالسهو الأول موضع السجود فيه بعد السلام والثاني قبل السلام. فإذا اجتمع سهوان أحدهما قبل السلام والآخر بعد السلام فإنه يكتفي بسجدتين، لا يسجد لكل منهما سجدتين. طيب هنا اختلف المحل، فهل يسجد قبل السلام أو يسجد بعد السلام؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويغلب ما قبل السلام لسبقه. ويغلب ما قبل السلام لسبقه ولكونه آكد؛ لسبقه يعني كونه يسبق ما موضعه بعد السلام، ولكونه آكد لأنه داخل الصلاة. وتقدم لنا أن تعمد تركه يبطل الصلاة بخلاف تعمد ترك ما بعد السلام فإنه لا يبطل الصلاة، وإن كان التعمد في الكل يأثم به، لكن الكلام في البطلان فيقدم ما قبل السلام لكونه آكد ولسبقه.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يقول في سجود السهو، فيقول: وما يقال فيه وفي الرفع منه كسجود صلب الصلاة، فيقول في السجود سبحان ربي الأعلى، وفي الجلوس بين السجدتين ربي اغفر لي، ثم في السجود الثاني سبحان ربي الأعلى، ثم يسجد سجدة يسيرة ويسلم. إذا كان السجود قبل السلام قال فإن سجد قبل السلام أتى به بعد فراغه من التشهد وسلم عقبه، يعني إذا فرغ من التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا بما شاء وكان لديه سجود سهو موضعه قبل السلام فإنه يسجد قبل السلام سجدتين، فإذا سجد الثانية يجلس يسيراً ويسلم عقبه.

وإن أتى به بعد السلام جلس بعده مفترشاً في ثنائية ومتوركاً في غيرها، وتشهد وجوباً التشهد الأخير ثم سلم؛ يعني السجود بعد السلام يختلف عما قبل السلام بأنه يزيد تشهداً، فإذا سجد بعد السلام يسجد ثم يجلس ثم يسجد ثم يجلس الثانية ويتشهد تشهد التشهد الأخير -التحيات والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم- ثم يسلم. واستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على أنه يتشهد التشهد الأخير للسجود بعد السلام بحديث عمران بن حصين.

حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم سها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم. لكن هذا الحديث فيه ضعف، ولذلك أصله في صحيح مسلم حديث عمران بدون ذكر التشهد، وهو أصح؛ أقصد الحديث أصح بدون ذكر التشهد.

ويقيسه أهل العلم أيضًا، الأحناف رحمهم الله يقيسونه على سجود صلب الصلاة، فيقولون: سجود صلب الصلاة فيه تشهد بعده، فكذلك سجود السهو. وقالوا: إنما لم يتشهد في سجود قبل السلام لأنه تابع للصلاة، أما السجود بعد السلام فكأنه مستقل عنه. ولذلك قال المؤلف: تشهد التشهد من التشهد الأخير ثم سلم؛ لأنه هنا يعلل للتشهد، لماذا يتشهد؟ قال: لأنه في حكم المستقل في نفسه.

والرواية الثانية أو القول الثاني في المذهب أنه لا يجب التشهد في السجود بعد السلام؛ لأن ظاهر حديث عمران في صحيح مسلم، وحديث ابن مسعود في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سجد بعد السلام لم يتشهد، وهما أصح من حديث عمران الذي فيه التصريح بالتشهد.

ولأنه سجود مفرد فلم يجب له تشهد، قياسًا على سجود التلاوة. وهذا القول هو الذي مال إليه الموفق ابن قدامة رحمه الله، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمهم الله تعالى. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.