دخولتسجيل الدخول

كتاب الصيام 21 | مسائل في ليلة القدر

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أحس الله إليك، قال رحمه الله: وترجى ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان في قوله صلى الله عليه وسلم: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه. وفي الصحيحين: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» وما تأخر.

وسميت بذلك لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، أو لعظم قدرها عند الله، أو لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً. وهي أفضل الليالي وهي باقية لم ترفع للأخبار.

وأوتارها آكد بقوله صلى الله عليه وسلم: «اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين أو سبع بقين أو تسع بقين». وليلة سبع وعشرين أبلغ، أي أرجاها لقول ابن عباس وأبي بن كعب رضي الله عنهم وغيرهما. وحكمة إخفائها ليجتهد في طلبها ويدعو فيها؛ لأن الدعاء مستجاب فيها بما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه. ومعنى العفو الترك. وللنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «اسألوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أوتي أحد بعد يقين خيراً من معافاة» فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة.

ثم ختم المؤلف رحمه الله باب صوم التطوع بالكلام على ليلة القدر، وهي أفضل الليالي وأعظمها وأشرفها. قال: وترجى ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» فهي مختصة بالعشر الأخير من رمضان عند الإمام أحمد وأكثر العلماء من الصحابة وغيرهم.

وذكر المؤلف رحمه الله تعالى فضل قيام ليلة القدر. قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». وهذا الأجر غفران ما تقدم من الذنوب جاء في صيام رمضان وقيامه، فجاء في الحديث: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». وهذه أجور عظيمة جداً، لكن الإنسان ينبغي له أن يحقق هذا العمل إيماناً واحتساباً؛ إيماناً رجاء بموعود الله عز وجل، واحتساباً للأجر والثواب من الله تعالى، لا يقوم بهذا العمل رياء للناس أو يقوم به على وجه العادة ونحو ذلك أو يستثقله، بل يقوم به طيبة بها نفسه فيحصل له غفران ما تقدم من الذنوب.

قال: زاد أحمد في رواية «وما تأخر». وهذه الزيادة جاءت خارج الصحيحين، وضعفها بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى. بل ذكر شيخ شيخنا ابن عثيمين رحمه الله عن شيخ الإسلام رحمه الله أن كل حديث ورد فيه أنه يغفر لصاحبه ما تأخر من الذنوب فهو ضعيف، لأن هذه المزية خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم. كذا نقله شيخنا رحمه الله عن شيخ الإسلام، وقد بحثت عن موضعه قديماً في كتب شيخ الإسلام لكنني لم أهتدي إليه. لكن الذي وجدته أن ابن كثير رحمه الله في تفسير سورة الفتح قال في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] قال: وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره: غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، انتهى كلامه رحمه الله.

ولعل مما يسوغ اختصاص هذه المزية به صلى الله عليه وسلم أنه لما نزلت عليه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لقد أنزلت علي الليلة آية أحب إلي مما على الأرض» ثم تلاها عليهم فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله، لقد بيان الله عز وجل ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت الآية التي بعد: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات﴾ [الفتح: 5] إلى آخر الآية متفق عليه من حديث أنس. وهذا لعل فيما يوحي إلى اختصاصه صلى الله عليه وسلم بهذه المزية.

والحافظ ابن حجر رحمه الله كأنه يميل إلى صحة الأحاديث الواردة في غفران ما تأخر من الذنوب، وله رسالة في هذا الباب أشار لها في الفتح، اسمها: معرفة الخصال المكفره للذنوب المقدمة والمؤخرة، وهذه الرسالة مطبوعة.

قال: وسميت بذلك لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، أي قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4]، أو لعظم قدرها عند الله تعالى، أو لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً. قال: وهي أفضل الليالي. وهذا بالإجماع. قال: وهي باقية لم ترفع للأخبار التي فيها الأمر بالتحري، فلو كانت مرفوعة لما أمر بتحريها.

ثم ذكر أي العشر آكد، فذكر أن أوتار العشر آكد لقوله صلى الله عليه وسلم: «اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين أو سبع بقين أو تسع بقين». وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في تفسير الأوتار يقول: الأوتار أحياناً تعد باعتبار ما مضى، وأحياناً تعد باعتبار ما بقي؛ باعتبار ما مضى كأن نقول: ثلاثة وعشرين، خمسة وعشرين، وباعتبار ما بقي نقول: إذا بقي ليلة من رمضان، بقي ثلاث ليالي، بقي خمس ليالي، بقي سبع ليالي. إذا كان الشهر ناقصاً تسعاً وعشرين فاعتبار ما مضى وما بقي واحد، يعني الأوتار هي نفسها. أما إذا كان الشهر تاما فإذا كنا سنعتبر ما بقي فإننا نعتبر ليالي الأشفاع ثالثة تبقى هي ليلة ثمان وعشرين وخامسة تبقى هي ليلة ست وعشرين وسبعة تبقى هي ليلة أربع وعشرين.

قال: وليلة سبع وعشرين أبلغ لقول ابن عباس وأبي بن كعب وغيرهما. وأبي بن كعب كان يحلف أنها ليلة سبع وعشرين. ثم ذكر أن حكمة إخفائها ليجتهد الناس في طلب هذه الليلة. قال: ويدعو فيها؛ لأن الدعاء مستجاب فيها بما ورد، ومنه ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أنها تقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.