تكلم المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل عن المفطر الأخير من مفطرات الصيام. تقدم لنا ذكر ست مفطرات؛ الأكل والشرب وما كان بمعنى الأكل والشرب، وإخراج المني أو المذي في بعض الصور، والقيء عمداً، والحجامة؛ هذه الست، والسابعة هي الجماع، وإنما أفرده بفصل لاختصاصه ببعض الأحكام.
واعتبار الجماع في نهار الصوم من المفطرات هذا دل عليه النص والإجماع كما تقدم سابقاً، ويلزم من جامع القضاء والكفارة إضافة إلى الإثم المترتب عليه إذا كان متعمداً بدون عذر، ويلزمه القضاء لفساد الصوم فلم تبرا ذمته به، وقد ورد في بعض روايات حديث المجامع في نهار رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «واقض يوماً مكانه»، وهذه الرواية خارج الصحيح، وفيها كلام من أهل العلم ضعفها، والقول بلزوم القضاء لمن جاع في نهار رمضان هو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى.
والكفارة دليلها حديث المجامع في نهار رمضان، والقول بوجوبها هو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، ولعل من لم يقل بها لم يبلغه الحديث كما قاله الخطابي. وتكون الكفارة واجبة في الجماع في نهار رمضان إذا كان الصوم أداءً لا قضاءً، ويكون الصوم واجباً عليه لإخراج ما إذا صام المسافر مثلاً أو يلزمه إمساكه كما ياتينا بعد قليل إن شاء الله. أما إذا كان في صوم تطوع أو في صوم واجب غير أداء رمضان كالقضاء مثلاً أو الكفارة أو النذر أو كان مسافراً مثلاً فجامع، فليس عليه سوى القضاء لا كفارة عليه.
والقضاء والكفارة يلزمان عدة أشخاص؛ الأول: من جامع في نهار رمضان وهو صائم فيه، وهذا واضح. الثاني: من جامع في يوم يلزمه إمساكه مثل من قدم من سفر مفطراً قدم الآن وهو مفطر، طيب إذا قدم البلد نقول يمسك، طيب جامع وهو بعد قدومه البلد جامع بعد قدومه البلد وهو يلزمه الإمساك فنقول: يلزمه القضاء والكفارة؛ يلزمه القضاء لأنه أفطر النهار، والكفاره لأنه يلزمه الإمساك. الثالث: من جامع في يوم وقد راى الهلال ليلته ردت شهادته؛ سبق أن قلنا من انفرد برؤية هلال رمضان فيلزمه حكم الصوم فيلزمه الصوم وما يترتب عليه من الأحكام، وإن كان الحاكم قد رد شهادته، ومما يترتب عليه أنه إذا جامع فيه فانه يلزمه القضاء والكفارة لما لازمه الصوم ولزمه أحكامه.
وقوله: وغيب حشفة ذكره الأصلي في قبل أصلي أو دبر؛ هذا حقيقة الجماع أنه تغييب الحشفة، وهذا تقدم معنا حقيقة الجماع في ذكر أحكام الغسل. الرابع: من جامع ناسياً، فمن جامع ناسياً فإنه يلزمه القضاء والإمساك بظاهر المذهب كما ذكره الموفق والشارح، وذكر المرداوي أنه نقله الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله، وعليه أكثر الأصحاب، وهو من مفردات المذهب، يعني لزوم الكفارة للجماع ناسياً من مفردات المذهب كما ذكر المرداوي. ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل السائل الذي سأله عن الجماع في رمضان عما يترتب عليه، لم يستفصل عن هل أنت ناسي أو لا، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. وقالوا أيضاً إن الصوم عبادة يفسدها الوطء، فالصلاة والحج يفسدهما الوطء فيفسدهما الوطء ولو كان ناسياً، فهكذا الصوم.
الخامس: من جامع مكرهاً، ففي ظاهر المذهب يلزمه الكفارة كما قاله ابن مفلح رحمه الله، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله، وعليه أكثر الأصحاب كما قاله المرداوي. قال القاضي في التعليل لوجوب الكفارة على المكره: قال لأن الإكراه على الوطء لا يمكن، لأنه لا يوطأ حتى ينتشر ولا ينتشر إلا عن شهوة فهو كغير المكره، يعني يقول الإكراه على الوطء غير متصور؛ لماذا؟ لأن الوطء يكون عن انتشار -انتصاب الذكر- والانتشار لا يكون إلا عن شهوة فانتفى الإكراه هنا. وقال الخلوتي رحمه الله فيه أنهم قد جعلوا فعل المكره كلاً فعل في غالب الأبواب، يعني يقول الخلوتي رحمه الله إن الأصحاب رحمهم الله تعالى في غالب الأبواب يعتبرون فعل المكره لا يعتبرون فعل المكره صحيحاً أو لازماً ويترتب عليه أحكامه يلغون فعل المكره، يقول فكان مقتضى ذلك عدم لزوم الكفارة لأن فعل المكره كلاً فعل، قال إلا أنهم نظروا إلى أن الإلاج لا يكون إلا عن انتشار والانتشار يدل على الرغبة فلم يدم الإكراه، يعني كأنه أكره فرغب في ذلك، فرغب في ذلك فلما رغب زال حكم الإكراه فصار كغير المكره فتلزمه الكفارة.
السادس: الجاهل، فالجاهل تلزمه الكفارة من جامع جاهلاً أن الجماع مفطر في رمضان فيلزمه القضاء والكفارة، وسبق أن قلنا لكم أن الأصحاب رحمهم الله تعالى لا يعذرون بالجهل في المفطرات وسبق أن ذكرنا الدليل على ذلك.
فعليه القضاء والكفارة؛ هؤلاء سياتينا أيضاً إضافة إليهم، قال: إنزل أ... يعني لا يشترط الانزال، لا يشترط لوجوب القضاء والكفارة الإنزال. قال: ولو أولج خنثى مشكل ذكره في قبل خنثى مشكل أو قبل امرأة أو أولج رجل ذكره في قبل خنثى مشكل لم يفسد صوم واحد منهما إلا أن ينزل كالغسل. تقدم معنا في الغسل في أحكام الغسل أن من شروط وجوب الغسل بالجماع أن يكون الفرج أصلياً أن يكون الفرج أصلياً الواطئ والموطوء، فهنا يقول إذا كان أحد الفرجين لا يتحقق كونه أصلياً فانه لا يجب القضاء ولا الكفارة هنا، لأن الأصل صحة الصوم، إلا إذا انزل؛ إذا انزل خلاص نقول الكفارة نعم نقول القضاء، إلا أن ينزل إلا أن ينزل فيكون عليه القضاء لوجود الانزال لا لوجود صورة الجماع.
وكذا إذا انزل مجبوب أو امرأتان بمساحقة؛ هنا هل يقال وكذا معطوف على أنه يجب الغسل فقط يجب الغسل فقط بدون كفارة؟ نعم يجب القضاء فقط بدون كفارة يعني معطوفة على إذا أحكام الخنثى المشكل، أو نقول لا معطوفه على ما قبلها فيما يلزمه القضاء والكفارة؟ هما احتمالان، وسبقه ابن فيروز رحمه الله تعالى، لكن الظاهر والله أعلم أنها معطوفة على وجوب القضاء والكفارة؛ إذا انزل مجبوب بالكف... ما انزل مجبوب يعني ساحق زوجته حتى أنزل أو أنزلت امرأتان بمساحقة تدالك فهما في حكم الجماع فيلزم القضاء والكفارة.
وإنما قلت أن هذا لعله أظهر لأن المؤلف البهوتي رحمه الله ذكر لاحقا أن الانزال بالمساحقة كالجماع على ما في المنتهى. وكون من أنزل وهو مجبوب أو أنزلت امرأتان بمساحقة كونهم يلزمهم القضاء والكفارة هذا قول في المذهب قول في المذهب، وقال به ابن مفلح رحمه الله في الفروع في ظاهر كلامه، وتبعه المنقح الحجاوي في الاقناع والفتوح في المنتهى، وذكره البهوتي هنا في الروض. والأكثر من الحنابلة على أن المجبوب والمساحق لا يلزمهم إلا القضاء فقط إذا وجد الإنزال، وهذا هو الذي صححه الموفق في المغني والشارح، لأن الانزال بمساحقة المراتين أو مساحقة المجبوب ليس منصوصاً عليه، ليس منصوصاً على أن فيه الكفارة ولا هو في معنى المنصوص عليه فنبقى على الأصل في عدم الوجوب، ونقله المرداوي في الإنصاف عن الأصحاب وجزم به الحجاوي في الإقناع، فهو مما اختلف فيه المنتهى والإقناع.
قال رحمه الله: وإن جامع دون الفرج ولو عمداً فانزل منيا أو مذيا أو كانت المراه المجامعة معذورة بجهل أو نسيان أو اكراه فالقضاء ولا كفارة، وإن طاوعت عامدة عالمة فكفارة أيضاً. أو جامع من نوى الصوم في سفره المباح فيه القصر أو في مرض يبيح الفطر أفطر ولا كفارة، لأنه صوم لا يلزم المضي فيه أشبه التطوع، ولانه يفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعده.
هنا ذكر مسائل فيها جماع لكنها يلزم فيها القضاء فقط بدون كفارة. الأولى: إذا جامع دون الفرج فانزل سواء انزل منيا أو مذيا فانه يلزمه القضاء ولا كفارة لعدم تحقق الجماع منه، ولأنه لا نص في وجوب الكفارة على من جامع دون الفرج ولا هو في معنى المنصوص، لأن الجماع في الفرج أبلغ بدليل تعلق الكفاره به من غير انزال، يعني من جمع في الفرج فانه يجب به الكفارة ولو لم ينزل، بخلاف هنا من جامع دون الفرج فانهم لا يلزمه القضاء إلا إذا انزل، وكذلك الكفارة على القول به يعني من الأصحاب من قال انه تلزم الكفارة فيقولون إذا قلنا على الكفارة فعليه الكفارة إذا انزل.
لكن المشهور عند الحنابلة رحمه الله تعالى أنه لا كفارة عليه فيه، قال لأن الجماع في الفرج أبلغ بدليل تعلق الكفاره به من غير انزال ويجب به الحد، وتعلق به أحكام لا تتعلق بالجماع فيما دونه كما قاله الموفق في المغني، ولا قضاء عليه إلا إذا انزل منيا أو مذيا. الثانية: قال أو كانت المرأة المجامعة معذورة بجهل أو نسيان أو اكراه فقضاء ولا كفارة، إذا كانت المرأة جمعت ناسية أنها صائمة في نهار رمضان أو جاهلة الحكم أو مكرهة فلا كفارة عليها في قول أكثر الأصحاب كما ذكره المرداوي رحمه الله، تدفعه إذا أكرهه بالاسهل فالاسهل وإن أدى إلى قتله كالمار بين يدي المصلي كما ذكره المفليح في الفروع ناقلاً له عن ابن عقيل.
طبعاً يلزمها القضاء بدون كفارة، وعدم الكفارة على المكره والناسية والجاهلة هو قول أكثر أهل العلم، وذكر الموفق رحمه الله تعالى أنه لا خلاف في فساد صوم المرأة بالجماع في المذهب لأنه نوع من المفطرات فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل. فوجوب الكفارة على المرأة إذا اجتمعت فيها ثلاثة شروط: أن تكون مطاوعة -لذلك قال: وإن طاوعت عالمة عامدة عالمة فكفارة أيضاً- فلا بد أن تكون مطاوعة، وأن تكون عالمة فيحكم غير الجاهل، وأن تكون ذاكرة للصوم غير ناس. فإذا اجتمعت فيها هذه الشروط الثلاثة وحصل الجماع فانه يلزمها القضاء والكفارة كالرجل، لأنها هتكت حرمة صوم رمضان بالجماع مطاوعة فأشبه الرجل. لا يسقط حكم الكفارة عنها قياساً على تمكينها له من الزنا فيجب عليهما حد الزنا، ففي الكفارة أولى، لماذا قلنا الكفارة أولى؟ لأن حد الزنا يدرأ بالشبهة بخلاف الكفارة.
الثالثة: أو جامع من نوى الصوم في سفره المباح فيه القصر أو في مرض يبيح الفطر، يعني من جامع والصوم غير لازم له المسافر والمريض فانه يلزمه القضاء ولا كفارة، يلزمه القضاء فقط لأنه لم يهتك الحرمة لاباحه فطره فيه، يقول لأنه صوم لا يلزم المضي فيه أشبه التطوع، وقوله هنا ولأنه يفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعده، هذه تراها رد على بعض العلماء رحمهم الله تعالى الذين يقولون أن المسافر والمريض إذا أرادوا أن يفطرون لابد أن يفطروا ياكلوا يتناولوا شيء من المفطرات قبل الجماع، أنه إذا جامع مباشرة فنقول عليكم الكفارة لكن إذا تناولوا شيء لأنهم صائمون صوماً هو واجب في الأصل، أما إذا تناول شيء من المفطرات قبل فنقول خلاص وقع الجماع حال كونكم مفطرين. هنا يقول لا يشترط هذا التعليل، ولأنه يفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعده، يعني يقول لا يشترط أن يسبق الجماع شيء من المفطرات، لماذا؟ لأن المجامع من أراد أن يجامع زوجته وهو صائم أو مريض وتكون زوجته طبعا معذوره فانه يحصل فطره بنية الجماع، لأنه سبق قلنا ومن نوى الإفطار أفطر، خلاص حصل الفطر بالنية فجاء الجماع وهو مفطر لا صائم.
قال رحمه الله: وإن جامع في يومين متفرقين أو متواليين أو كرره أي كرر الوطء في يوم ولم يكفر للوطء الأول فكفارته واحدة، وهي ما إذا كرر الوطء في يوم قبل أن يكفر قال في المغني والشرح بغير خلاف، وفي الأولى وهي ما إذا جامع في يومين فثنتان لأن كل يوم عباده مفردة. وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فكفارته واحدة، لأنه وطء محرم وقد تكرر فتكرر، فقد تكرر فتتكرر هي كالحج. وكذلك من لزمه الإمساك كمن لم يعلم برؤيه الهلال إلا بعد طلوع الفجر أو نسي النية أو أكل عامداً إذا جامع فعليه الكفارة لهتكه حرمة الزمن.
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن تكرار الجماع، فهل تتكرر الكفارة بتكرار الجماع أو لا؟ هذه المسألة لا تخلو من ثلاث حالات.
الحالة الأولى: إذا كرر الجماع في يومين؛ يعني جامع في اليوم الأول من رمضان ثم في اليوم الثاني، أو سواء متواليين أو متفرقين، جمع في اليوم الأول ثم في اليوم العاشر، فانه تلزمه كفارة ثانية للجماع الثاني؛ تلزمه كفارتان. لماذا؟ قالوا لأن كل يوم عبادة مفردة، لا يفسد أحدهما بفساد الآخر؛ يعني لا نقول إن الكفارات تتداخل، لا. لماذا قالوا؟ لأن كل يوم عبادة مفردة، ويددل على أن كل يوم عبادة مفردة أنه لا يفسد الصوم؛ صوم اليوم الأول لا يفسد صوم اليوم الثاني. وذكر الموفق رحمه الله أنه إن كفر في اليوم الأول -يعني إن جامع ثم كفر في اليوم الأول ثم جامع في يوم ثاني- قال: فتلزمه الكفارة الثانية بغير خلاف. أما إن لم يكفر -إن لم يكفر- فهذا فيه الخلاف، والمذهب لزوم الكفارة الثانية لما ذكرنا من التعليل.
الثاني: إذا كرره في يوم ولم يكفر. فهنا تتداخل -يعني مثلاً جامع الصباح ثم جامع في نفس اليوم العصر- فهنا تكفيه كفارة واحدة، فتتداخل الكفارتان لأن موجبهما واحد، قياسا على ما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى فيما إذا تعدد موجب الحد واتحد، فيكفيه حد واحد. قال الموفق: بغير خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى. هكذا قال الموفق، وابن مفلح رحمه الله في الفروع قال: على الأصح، على الأصح. وذكره الشيخ -يعني الموفق- بغير خلاف، مما يوحي بوجود الخلاف. وصرح المرداوي رحمه الله بوجود الخلاف، وأن عن الإمام أحمد رحمه الله رواية أخرى بأنه تلزمه كفارتان.
الثالثة: إذا كرره في يوم بعد التكفير. يعني جامع الصباح ثم أخرج الكفارة، أطعم ستين مسكيناً، ثم جامع العصر، فتلزمه كفارة ثانية؛ تلزمه كفارة ثانية لأنه يلزمه الإمساك هنا لحرمة الزمن. وقد ذكر المؤلف هنا أنه تلزم الكفارة من لزمه الإمساك إذا جامع. يعني قد يقال: لماذا الآن نلزمه كفارة ثانية للجماع الثاني وهو قد فسد صومه؟ نقول: نلزمه لأنه هتك حرمة الزمن، هتك حرمة الزمن بدليل أن من لزمه الإمساك كمن لم يعلم برؤيته إلا بعد طلوع الفجر وجامع فإنه يلزمه الإمساك فجامع، فإنه تلزمه الكفارة؛ أو نسي النية، أو أكل عامداً؛ هؤلاء كلهم تلزمهم الكفارة، نعم. هؤلاء كلهم يلزمهم الإمساك، فإذا جامعوا فانه يلزمهم الكفارة، وإن كان سيلزمهم القضاء حتى لو لم يجامع. لكن قالوا: لما هتكوا حرمة الزمن لزمتهم الكفارة. هذه منصوص عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهي من المفردات: لزوم الكفارة عن الجماع الثاني في اليوم إذا كرره بعد التكفير، وهي من المفردات كما في الإنصاف؛ الأئمة الثلاثة رحمهم الله تعالى يرون أنه لا تلزمه كفارة للوطء الثاني، وهي رواية مخرجة في المذهب، وقد ذكره ابن عبد البر إجماعاً بما يقتضي دخول الإمام أحمد فيه، كما قاله ابن مفلح.
فإن قيل: الجماع الأول تضمن هتك حرمة الصوم فوجب فيه الكفارة، بخلاف الثاني لأنه لم يتضمن هتك حرمة الصوم فيمتنع الإلحاق. أجاب الموفق في المغني عن هذا الإشكال قال: هذا ملغي بمن طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام؛ فإنه تلزمه الكفارة مع أنه لم يهتك الصوم -يعني عندنا لم يهتك الصوم، لكنه هتك حرمة الشهر-.
قال رحمه الله: ومن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط الكفاره عنه لاستقرارها كما لو لم يطرا العذر. أحسنت. هنا المؤلف رحمه الله تعالى يرى أن الكفارة بالجماع لا تسقط عمن وجبت عليه إذا صار له عذر عن إتمام الصوم، وكان هذا العذر إنما حصل بعد الفعل، وهذا المذهب. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله عليه في الصائم إذا جامع وهو صحيح ثم مرض أن الكفارة تلزمه، وذلك في رواية صالح بن منصور؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأعرابي هل طرا له عذر بعد وطئه بل أمره بالكفاره، ولو اختلف الحكم بذلك لسال عنه؛ ولانه افسد صوما واجبا من رمضان بجماع تام فاستقرت كفارته كما لو لم يطرا عذر. ويزاد في مسألة المسافر: المسافر لو قلنا بسقوط الكفارة إذا سافر -إذا جامع وهو مقيم ثم سافر- لأفضى إلى أن يتحيل كل من أراد إسقاط الكفارة بالجماع عن أن يسقطها بالسفر بعده، وهذا غير جائز، والواجب سد أبواب الحيل.
قال رحمه الله: ولا تجب الكفاره بغير الجماع في صيام رمضان لانه لم يرد به نص وغيره لا يساوي، والنزع جماع والانزال بالمساح كالجماع على ما في المنتهى. وهي ذكر أنه لا تجب الكفارة -المفطرات كلها لا تجب الكفارة إلا بالجماع فقط، بالجماع كما قلنا، وأيضاً يكون في نهار رمضان، فلا كفارة في الجماع ليلاً، وأيضاً لابد أن يكون في صيام الأداء، لا يكون في صيام قضاء أو نذر أو كفارة، لأن النص ورد بالكفارة في الجماع في نهار رمضان وليس غيره في معناه لاحترام الشرع وتعينه لهذه العباده فلا يقاس غيره عليه.
قال: والنزع جماع. النزع يعني إخراج الرجل ذكره من فرج الأنثى، هذا يعتبر جماعاً، وعلى هذا فمن طلع عليه الفجر وهو يجامع زوجته ثم نزع مع طلوع الفجر، فانه يعتبر فعله هذا جماعاً يفسد به الصوم وتلزمه الكفارة إن كان في شهر رمضان. لأن النزع -دليل الأصحاب- لأن النزع يتلذذ به كالجماع، وهذا وجوب الكفارة بالنزع من مفردات الحنابلة كما ذكره المرداوي في الإنصاف. ومن الأصحاب رحمهم الله تعالى من قال: لا قضاء عليه ولا كفارة إذا نزع مع طلوع الفجر، وهذا أحد الوجهين في المذهب واختاره أبو حفص العكبري والشيخ شيخ الإسلام رحمه الله وتلميذه صاحب الفائق. قالوا لأن النزع ترك للجماع وليس فعلاً له، والتلذذ الحاصل بالاخراج حصل ضرورة مفارقة المحظور، فلا يأثم به ولا يعاقب عليه. قالوا هذا نظير من غصب أرضاً ثم تاب في وسطها؛ فإن مشيه عليها خارجاً لا يعاقب عليه لأن هذا وسيلة للتخلص من المحظور. المرداوي رحمه الله في تصحيح الفروع توسط وقال: الصواب أنه إن تعمد فعل الوطء قريبا من طلوع الفجر مع علمه بذلك فعليه القضاء الكفارة وإلا فلا كفارة.
ابن رجب رحمه الله ذكر هذه المسألة في القاعدة الخامسة عشر، ونصها: من تعلق به الامتناع من فعل هو متلبس به فبادر إلى الاقلاع عنه، هل يكون اقلاعه فعلاً للممنوع منه أو تركاً له فلا يترتب عليه شيء من أحكامه؟ قسم المسألة إلى أربعة أنواع، يهمنا منها النوع الثاني: أن يمنعه الشارع من الفعل في وقت معين ويعلم بالمنع، لكن لا يشعر بوقت المنع حتى يتلبس بالفعل فيقلع عنه في الحال. وذكر أن للأصحاب وجهين في هذا النوع من القاعدة، وذكر من أمثلتها ما إذا جامع في ليل رمضان فأدركه الفجر وهو مجامع فنزع في الحال؛ فالمذهب أنه يفطر بذلك، وفي الكفارة روايتان. الموفق ابن قدامة رحمه الله ألمح إلى ملمح آخر، وهو أن المسألة هذه قريبة من المستحيلة، يقول في المغني: وهذه المسالة تقرب من الاستحالة، إذ لا يكاد يعلم أول طلوع الفجر على وجه يتعقبه النزع من غير أن يكون قبله شيء من الجماع، فلا حاجة إلى فرضية الكلام فيها. يعني يقول الآن: ايش اللي يضمن لنا أن هذا النزع هو الذي وافق طلوع الفجر؟ لو كان بعده فهذه ليست مسألتنا؛ لو نزع بعد الفجر بعد طلوع الفجر خمس دقائق أو عشر دقائق ليست مسألتنا. مسألتنا إذا نزع في الوقت الذي أطلع في الفجر. قد تقول: طيب، مع الأذان؟ الأذان أظني أنه وافق طلوع الفجر، قد يكون تأخر عن طلوع الفجر دقيقة دقيقتين. المسألة مفترضة فيما إذا وافق نزعه طلوع الفجر.
وقوله: «والإنزال بالمساحقة كالجماع على ما في المنتهى»؛ أن تقدم معنا قبل قليل أن صاحب المنتهى ألحق الإنزال بالمساحقة بالجماع، وصاحب الإقناع لم يلحق، وهما قولان في المذهب.
قال رحمه الله: وهي -أي كفارة الوطء في نهار رمضان- عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب الضارة بالعمل، فان لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصوم فإطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مد بر أو نصف صاع تمر أو زبيب أو شعير أو أقط، فإن لم يجد شيئاً يطعمه للمساكين سقطت الكفارة؛ لأن الأعرابي لما دخل إليه النبي صلى الله عليه وسلم -لأن الأعرابي لما دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم التمر ليطعم للمساكين فأخبره بحاجته قال: اطعمه أهلك ولم يأمره بكفارة أخرى ولم يذكر له بقائها في ذمته، بخلاف كفارة حج وظهر ويمين ونحوها. ويسقط الجميع بتكفير غيره عنه باذنه. أحسنت. هنا ذكر الكفارة قال: هي عتق رقبة، فإن لم يجد... متتابعين، فإن لم يستطع... إطعام مساكين. وهذه هي التي وردت على هذا الترتيب في حديث المجامع في نهار رمضان. وقوله «عتق رقبة»: اشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة، وأن تكون سليمة من العيوب الضارة بالعمل. وتقييدها بالإيمان هو المذهب، والفقهاء رحمهم الله تعالى ترى يتكلمون عن شروط الرقبة وشروط الكفارة هذه في باب الظهار. وشرط الإيمان هو قول الجمهور: أن تكون الرقبة مؤمنة. قالوا لأن الرقبة قيدت في كفارة القتل بالإيمان، فألحق به الكفارات الأخرى التي أطلق فيها الرقبة، باب من باب تقييد المطلق بالمقيد؛ ولأن الإيمان وصف مناسب للإعتاق، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لمن ضرب جاريته وأراد أن يكفر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ائتني بها»، فسألها: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «اعتقها فإنها مؤمنة». فذكر أن وصف الإيمان مناسب للإعتاق.
الثاني: أن تكون سليمة من العيوب الضاره بالعمل؛ لأن الرقبة المعيبة تحتاج إلى من يقوم على شؤونها ويرعاها. قال: «فإن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين»؛ طبعا ما الذي يقطع التتابع وما لا يقطعه هذا يتكلمون عنه في الظهار. «فإن لم يستطع الصوم فإطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط»، وهذا قاعدة المذهب في الكفارات أن الواجب فيما لم ينص فيه شيء أنه الواجب فيه مد بر أو نصف صاع من غيره. قال: «فإن لم يجد شيئاً» -الآن عجز عن الكفارة كلها- قال: إنها تسقط الكفارة عنه. وهذا سقوط الكفارة بالعجز هو خاص بالكفارة في نهار رمضان بالجماع في رمضان وكفارة الوطء في الحيض كما تقدم معنا في باب الحيض، وهو صحيح من المذهب نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية الأثرم لظاهر الخبر، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي أن يطعم التمر أهله ولم يأمره بكفارة أخرى، ولا بين له بقائها في ذمته ولا يجوز تأخر البيان عن وقت الحاجة. قال: «بخلاف كفارة حج وظهار ويمين ونحوها» فهي لا تسقط بالعجز لأن أدلتها تشمل حال الإعسار، استثنيت كفارة الجماع في رمضان لنص فبقي ما عداها على الأصل، واستثنوا كفارة الوطء للحائض لعدم البدل فيها كما ذكره المرداوي في الإنصاف.
قال: «ويسقط الجميع بتكفير غيره عنه بإذنه» يعني لا يلزم لا يلزم إذا قلنا عليه كفاره أن يباشرها بنفسه لو أخرج الكفارة غيره عنه بإذنه فيجزئ ذلك، بشرط أن يأذن منه، لأنه لابد -يعني اشترطنا الأذن- لأنه لابد في إخراج الكفارة من النية، والإذن دليل النية.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان