احسن الله إليكم. قال رحمه الله: ويجب مطلقاً اجتناب كذب وغيبة ونميمة وشتم ونحوه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه أحمد والبخاري وأبو داود وغيرهم.
قال أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه. كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحداً، ولا يعمل عملاً يجرح به صومه.
أحسنت. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يجب على الصائم اجتنابه من الأمور التي تحرم على الصائم وغيره، لكن يتاكد وجوبها في حق الصائم ليحقق المقصد الذي من أجله شرع الصوم وهو التقوى.
فذكر أنه يجب في كل وقت، يعني يجب مطلقاً في كل وقت، اجتناب كذب وغيبة ونميمة وشتم ونحوه، للحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به» وفي بعض أفاظ الأحاديث: «والجهل» فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
ويجتنب هذا في كل وقت وفي رمضان هكذا.
ثم ذكر كلام الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه. كانوا إذا صاموا -يعني السلف رحمهم الله تعالى- قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحداً، ولا يعمل عملاً يجرح به الصوم. لأن هذا كله يؤثر في أجرِه وتمام أجرِه.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: وسن له كثرة قراءة، وذكر، وصدقة، وكف لسانه عما يكره، وسُنَّ لمن شُتم قوله جهراً: إني صائم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم».
وسن المؤلف رحمه الله تعالى أموراً مستحبة في كل وقت وتتاكد في حق الصائم: كثرة القراءة -قراءة القرآن- وكثرة الذكر وكثرة الصدقة، وهذه الكلام فيها يعني معروف ومشهور، وأن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يخصون رمضان بمزيد من العبادة، ومما يخصونه به: كثرة قراءة القرآن.
قال: وكف لسانه عما يكره. أما كف لسانه عما يحرم فهذا واجب كما تقدم آنفاً، وأما كف لسانه عما يكره فهذا مستحب، بل قال البهوتي في الكشاف: قلت وعن المباح أيضاً يكف لسانه المباح. قال: لحديث: «من حسن إسلام تركه ما لا يعنيه».
قال: وسُنَّ لمن شتم قوله جهراً: إني صائم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم».
وهل يقولها سرا أو جهراً؟ هنا ذكر في الروض أنه يقولها جهراً يعني برمضان وغيره، واختاره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قال: لأن القول المطلق باللسان هو شدة صوت اللسان.
قال المرداوي في التصحيح: وهو ظاهر الحديث وكلام الأصحاب، وهو ظاهر اطلاقه في التنقيح، و ظاهر إطلاق الفتوح في المنتهى. أما الحجاوي في الاقناع فذهب إلى التفريق بين الفرض والنفل، فقال في الفرض يجهر به وفي النفل يسر به خوفاً من الرياء، وهو اختيار المجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام.
قال المرداوي في الإنصاف: وهو المذهب. وعلى ما اصطلحنا -يعني المذهب على ما اصطلحه المرداوي في الإنصاف- أنه التفريق، لكن على ما اختاره في التنقيح أن المذهب هو أن يقوله جهراً مطلقاً.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: وسُنَّ تأخير سحور إن لم يخشَ طلوع فجر ثانٍ، لقول زيد بن ثابت رضي الله عنه: تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. متفق عليه.
وكره جماع شك في طلوع فجر لا سحور. وسُنَّ تعجيل فطر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» متفق عليه. والمراد إذا تحقق غروب الشمس، وله الفطر بغلبه الظن وتحصل فضيلته بشرب، وكمالها بأكل، ويكون على رطب، لحديث أنَسٍ رضي الله عنه: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حسى حسوات من ماء، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب. فإن عدم الرطب فتمراً، فإن عدم فعلى ماء لما تقدم. وقول ما ورد عند فطره، ومنه: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبل مني، إنك أنت السميع العليم.
ويستحب -هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يسن- تأخير السحور إن لم يخشَ طلوع الفجر الثاني، ثم استدل بحديث زيد بن ثابت في تاخير النبي صلى الله عليه وسلم السحور إلى قرب أذان الفجر. ومما يدل على ذلك أن قصد السحور التقوي على الصوم، وما كان أقرب إلى الفجر كان أعون عليه.
قال: وكره جماع مع شك في طلوع الفجر لا سحور، يعني أنه إذا كان يشك في طلوع الفجر فله الأكل والشرب، لكن يكره له الجماع، لماذا؟ لأنه ليس مما يتقوى به على الصوم، وفيه تعريض لوجوب الكفارة.
وذُكر أنه يسن تعجيل الفطر، الحديث الذي ذكره المؤلف لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». والمراد إذا تحقق غروب الشمس، فإذا تحقق غروب الشمس فانه يسن له الفطر، أما إذا لم يتحقق لكن غالب على ظنه الفطر فنقول: يباح له ذلك ولا يستحب، إقامة للظن مقام اليقين. وقد أفطر الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في عهده ثم طلعت الشمس -يعني في يوم غيم ثم طلعت الشمس- فدل على جوازه، لكن الاحتياط أنه لا يفطر إلا إذا تحقق.
قال: وتحصل فضيلته بشرب وكمالها بأكل. هنا هذا البهوتي رحمه الله ذكر هذه الجمله في أحكام الفطور -في أحكام الفطر- وابن قاسم رحمه الله في الحاشية استدل على حصول الفضيلة بالشرب بحديث: «ولو أن يجرع جرعة من ماء» وكما أن الفضيلة بأي نوع من المأکولات، لكن جملة من الأصحاب رحمهم الله تعالى -كالمراوي في الإنصاف والفتوحي في المنتهى والحجاوي في الإقناع- يذكرونها من أحكام السحور، السحور للفطور. والظاهر أنها أقرب: تحصل فضيلته -يعني السحور- بشرب وكمالها بأكل، لا سيما وأن الماء في الفطر جاء بعد التمر، وهذه الجملة تقتضي -هذه الجملة إذا قلنا: تحصل فضيلته بشرب وكمالها بأكل- تقتضي أن أكل شيء من غير التمر أفضل من الماء. ويستدل لحصول الكمال في السحور بالأكل بحديث: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر»، وحديث: «نعم سحور المؤمن التمر». وينا إلى أن حديث أيضاً: «ولو أن يجرع جرعة من ماء» هذا ورد في السحور لا في الفطور، أوله -أول الحديث-: «السحور أكلة بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع جرعة من ماء».
طيب، قال: ويكون على رطب فإن عدم فتمراً فإن عدم فماء، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث وقال الخلوتي في حاشيته: نبه بعضهم على أن حكمة ذلك التفاؤل بأكل الحلو التي لم تمسها النار. قال: وهذه العلة تقتضي حصول السنة بالفطر على الزبيب ونحوه وانه مقدم على الماء. قال: لكن هذه عله بعد الوقوع فلا تعارض النص.
قال بعضهم: مما يستملح فطور التمر سنة رسول الله سنة ينال الأجر، عبد يحلي منه سنة. وهذان البيتان ذكرهما الخلوتي رحمه الله بدون نسبة، ونسبهما ابن جاد الله رحمه الله في حاشية المنتهى للشيخ المقرئ المغربي. والظاهر أن هذا تصحيف، والصوابه: المقرئ الغزي، وهو شهاب الدين الغزي، توفى سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة، وقد ذكر هذه الأبيات له أخوه نجم الدين الغزي صاحب الكواكب السائرة في ترجمته من الكواكب السائرة.
ويسُنُّ أن يقول عند فطره الدعاء الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وقبل مني، إنك أنت السميع العليم. وهذا فيه ضعف، وجاء في حديث ابن عمر: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله، وهذا يعني حسنه بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى.
قال: ولان وقت الفطر من رمضان إجابة الدعاء، وفي الخبر: «للصالصائم عند فطره دعوة لا ترد». وهذا حديث يعني فيه ضعف، لكن يعني ابن كثير رحمه الله استدل بالآية، يعني قال إن الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ جاءت في ختام آية الصيام، مما يدل على أن الصائم مرجو إجابة دعوته.
طيب، الدعاء هذا هل يقوله قول هنا عند الفطر هل هو قبل أن يفطر، أو حتى إذا أفطر وانتهى؟ قال الخلوتي رحمه الله: قوله عند أي بعد استعمال المفطر، ليحصل تمام التطابق بينه وبين قوله: وعلى رزقك أفطرت. قال: ويؤيده ما في حواشي نصر الله على الفروع، وعبارته عند الكلام على قول ابن عباس: كان يقول ذلك إذا أفطر، اللي هو اللهم لك صمت. قال: وهذا يقتضي أن الدعاء بعد الفطر لا قبله، وقول مصنف عند فطره -قول المصنف يعني الآن هذا كلام نصر الله يقصد صاحب الفروع- وقول المصنف عند فطره يحتمله، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «للصائم عند فطره دعوة لا ترد»، وهذه يعني نغفل عنها كثيراً -يعني كثير من الناس إذا قيل: للصائم عند فطره دعوة لا ترد يظن أنها فقط قبيل الفطر- هي صحيح قبيل الفطر، لكن حتى بعد الفطر؛ لأنه يشمله لفظ: عند فطره. فتكون قبيل الفطر أو بعد الفطر، كله بإذن الله مظنة إجابة الدعاء.
نعم.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان