دخولتسجيل الدخول

كتاب الصيام 17 | ما يستحب في قضاء رمضان

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يستحب قضاء رمضان فوراً متتابعاً؛ لأن القضاء يحكي الأداء، سواء أفطر بسبب محرم أو لا. وإن لم يقض على الفور وجب العزم عليه، ولا يجوز تأخير قضائه إلى رمضان الآخر من غير عذر، لقول عائشة رضي الله عنها: كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه.

فلا يجوز التطوع قبله ولا يصح. فإن فعل، أي أخره بلا عذر، حرم عليه، وحينئذ فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم ما يجزئ في كفارة، رواه سعيد بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدارقطني بإسناد صحيح من أبي هريرة رضي الله عنه. وإن كان لعذر فلا شيء عليه، وإن مات بعد أن أخره لعذر فلا شيء، ولغير عذر أطعم عنه لكل يوم مسكين كما تقدم، ولو بعد رمضان آخر؛ لأنه باخراج كفارة واحدة زال تفريطه، والاطعام من رأس ماله أوصى به أو لا.

أما ذكر رحمه الله تعالى في هذه الجملة شيئاً من أحكام قضاء رمضان، فذكر أنه يستحب التتابع في القضاء. أما القضاء نفسه فواجب؛ يعني من أفطر في رمضان سواء كان فطره لعذر أو لغير عذر فيلزمه القضاء. يقول موفق رحمه الله: لا نعلم في ذلك خلافاً؛ لأن الصوم كان ثابتاً في الذمة فلا تبرأ منه إلا بادائه، ولم يؤده فبقي على ما كان عليه.

وذكر أنه يستحب التتابع في القضاء؛ لأن هذا أسرع لإبراء ذمته. وقال البخاري عن ابن عباس: لا بأس أن يفرق، لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في شرح العمدة أن القول بجواز تأخير القضاء وأنه ليس على الفور أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

وإنما لزم قوله هنا؛ لأن القضاء يحكي الأداء، فلما كان الأداء متتابعاً شرع في القضاء كذلك، لكن التتابع لزم في أداء الصوم لمقيم لا عذر له أنه على الفور؛ ولأن الوقت معين له لا لوجوب التتابع في نفسه، كما ذكره البهوتي في شرح المنتهى. وقوله: سواء أفطر بسبب محرم أو لا؛ يعني أن توسيع وقت القضاء لا يختلف في حال المفطر، سواء أفطر لعذر أو لدون عذر، لعدم ورود النص بوجوب الفورية في قضاء من أفطر بسبب غير مشروع.

وقال: وإن لم يقض على الفور وجب العزم عليه؛ يعني أنه حتى وإن قلنا يجوز فسخ القضاء؛ يعني الشخص عليه ثلاثة أيام قضاء من رمضان، فنقول: حتى ولو ما صمت في شوال، لكن يجب عليك أن تعزم على أنك ستصوم صومها قبل رمضان القادم، وكذا في كل واجب موسع يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله، وإلا كان آثماً بذلك كما قرره الأصوليون رحمهم الله تعالى.

لا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان. وظاهره يدل على أنه لا يجوز تأخير القضاء عن رمضان، وهذا نص عن الإام أحمد رحمه الله تعالى أنه لا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر، وهذا بلا نزاع، كما قاله المرداوي في الإنصاف.

وقوله: فلا يجوز التطوع قبله ولا يصح؛ يعني أنه إذا اجتمع عليه صوم تطوع وصوم قضاء، قال شخص: أنا أريد أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وعليه مثلاً عشرة أيام قضاء من رمضان، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى إنه لا يجوز التطوع قبله ولا يصح، ولو قدمه لم يصح عن واحد منهما، وهذا منصوص عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، نقل حنبل أنه لا يجوز، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه. واستدل الحنابلة بحديث عند الإمام أحمد رحمه الله: من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه. وهذا عند أحمد، لكنه ضعيف وهو معلل متن أيضاً بوجود عبارة فيه ليس عليها العمل، وهي قوله: ومن أدركه رمضان وعليه من رمضان شيء لم يتقبل منه.

قال: فإن فعل، أن آخر القضاء إلى رمضان القادم، فلا يخلو من أمرين؛ أما أن يؤخره لعذر أو يؤخره لدون عذر. هنا المؤلف قدم الكلام إذا أخره بدون عذر؛ فإذا أخره بلا عذر فهذا يلزمه القضاء والاطعام، إطعام مسكين لكل يوم. أما القضاء فللآية: ﴿فَعِدَّةٌ مِّن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. وأما الاطعام فمروي عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، منهم ابن عباس حيث قال: فإذا قضى أطعم. وروي عن أبي هريرة وابن عمر، ولم يعلم عن صحابي خلافه، كما قاله الموفق. وذكر يحيى بن أكثم رحمه الله تعالى أنه وجد في هذه المسألة الاطعام عن ستة من الصحابة لم يعلم لهم منهم مخالفاً.

أما إذا كان لعذر فإنه لا شيء عليه؛ يعني يلزمه القضاء فقط بدون إطعام لأنه غير مفرط، وإن آخر البعض لعذر والبعض لغيره فلكل حكمه. قال: واما بعد أن أخره لعذر فلا شيء عليه، ولغير عذر أطعم لكل يوم مسكيناً؛ كما يعني إن مات من آخر القضاء لعذر؛ مات من آخر القضاء لعذر؛ يعني مرض في شهر رمضان عام اثنين وأربعين واستمر به المرض واستمر به المرض لم يقض لم يقض، فيقولون إذا استمر به المرض إلى أن توفي خلاص، لا شيء عليه لا قضاء ولا إطعام؛ لأنه حق لله تعالى وجب بالشرع، مات قبل إمكان فعله فيسقط إلى غير بدل كالحج.

أما إذا مات بعد أن أخره لغير عذر، لغير عذر، فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكين، سواء مات بعد رمضان أو قبل رمضان، فإنه يجزئ فيه كفارة واحدة لكل مسكين، في قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى. واستدل على أنه يطعم عنه ولا يصام عنه؛ يعني إذا أخره لغير عذر، يعني أنه تمكن من القضاء فلم يقض ثم مات، فإنه لا يقضى عنه، وإنما يطعم عنه لكل يوم مسكين، سواء مات بعد رمضان القادم أو قبله. يدل على ذلك ما جاء في حديث ابن عمر مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم: من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً، هذا عند الترمذي وابن ماجه، والترمذي قال: الصحيح عن ابن عمر موقوفاً. وجاء في بعض الروايات تقييد الصيام بكونه صيام رمضان. وقالت عائشة: يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام عنه. وعن ابن عباس أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر يصوم شهراً وعليه صوم رمضان قال: أما رمضان فليطعم عنه، وأما النذر فيصام عنه.

ولا يشرع القضاء عنه على المذهب وعليه جماعة الأصحاب؛ لأن الصوم الواجب بأصل الشرع لا تدخله النيابة حال الحياة، فبعد الموت كذلك كالصيام. وروي عدم الصيام عن عائشة وابن عباس وابن عمر ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة، كما ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله في شرح العمدة.

فإن قيل: جاء في حديث عائشة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، وهذا يشمل القضاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ماتت وعليها صوم شهر فأمر بالصيام عنها، وهذا مطلق يشمل النذر والقضاء. فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول أنه جاء في بعض روايات حديث ابن عباس وعائشة في البخاري تقييده بصوم النذر، والأصل عدم تعدد القصة. الوجه الثاني أن عائشة وابن عباس أفتيا به في النذر دون القضاء، والراوي أعلم بما روى، قاله الموفق وابن مفلح رحمهم الله تعالى، ولشيخ تقي الدين كلام جميل في شرح العمدة يرجع له من أراد الاستزاده.

قال: والاطعام من رأس ماله أوصى به أو لا. وقبل ذلك، يعني أنه لا تزيد الكفارات بتعدد الرمضانات التي مرت عليه، لماذا؟ قالوا: لأن كثرة التأخير لا يزداد بها الواجب قياساً على الحج، لو أخره سنين عدداً فانه لا يجب عليه أكثر من فعله. والاطعام من رأس ماله أوصى به أو لا؛ يعني أن الاطعام يعتبر ديناً في ذمته لله تعالى فيقدم على الوصية، تقسيم التركة بين الورثه فيخرج عنه ولو لم يوص به، ولا ينظر لكونه هل زاد من الثلث أو لا، ولو أوصى؛ لأنه أمر واجب.

حسن الله إليكم، قال رحمه الله: وإن مات وعليه صوم كفارة أطعم عنه كصوم متعة، ولا يقضى عنه ما وجب بأصل الشرع من صلاة وصوم. وإن مات وعليه صوم نذر أو اعتكاف نذر أو صلاة نذر استحب لوليه قضاؤه، لما في الصحيحين أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: «نعم». ولأن الننيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها، وهو أخف حكماً من الواجب بأصل الشرع. والولي هو الوارث، فإن صام غيره جاز مطلقاً لأنه تبرع، وإن خلف تركة وجب الفعل فيفعله الولي أو يدفع إلى من يفعله عنه، ويدفع في الصوم عن كل يوم طعام مسكين. وهذا كله فيمن أمكنه صوم ما نذره فلم يصم، فلو أمكنه بعضه قضي ذلك البعض فقط، والعمرة في ذلك كالحج.

أحسنت، هنا قال: وإن مات وعليه صوم كفارة؛ الآن تقدم الذي تقدم قبل قليل، إذا مات وعليه صوم فرض رمضان قضى. هنا إذا مات عليه صوم كفارة؛ إذا مات عليه صوم كفارة أو صوم متعة، صوم متعة يعني كفارة عدم وجود الهدي، يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فإذا وجد عليه صوم كفارة أو صوم متعة فانه ومات فإنه لا يقضى عنه بل يطعم عنه؛ لأنه صوم وجب بأصل الشرع فلا يقضى عن الميت كقضاء رمضان. وعلله القاضي أبو يعلى بأنه يجب؛ هذه الكفارة تجب على طريق العقوبة لارتكاب مأثم، فهو كالحد؛ يعني أن الذي عوقب هو الذي سيعاقب، كفارة هو الميت، فإذا صيم عنه فإنه كأنه عوقب غير الميت، فيطعم عنه.

قال: ولا يقضى عنه ما وجب بأصل الشرع من صلاة وصوم، فلا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد. ثم تكلم عن النذر؛ إذا مات وعليه عبادة منذورة، صوم نذر أو حج نذر أو اعتكاف نذر أو صلاة نذر، قال: يستحب لوليه قضاؤه. نقول: هذه الأمور إذا نذرها الشخص ثم توفي، ويشترط لكونها تلحق ذمته أن يتمكن من فعلها، أن يتمكن من فعلها؛ يعني يمضي وقت يتسع لفعلها قبل موته، فلو قال: نذرت أن أصوم شهر رجب ثم مات في شهر جمادى الآخرة، فهنا لم يتمكن من فعلها فلا يقضى عنه. لكن إذا قال: نذرت أن أصوم شهر رجب ثم جاء شهر رجب ولم يصم ومات في شعبان، فهنا نقول يقضى عنه. فهذه المنظورات يشترط لها التمكن، ما عدا الحج، الحج يكون يقضى عنه ولو لم يتمكن.

فإذا نذر صوماً، مثلاً نذر صوم ثلاثة أيام، وتمكن من فعل الصوم لكنه لم يصم ثم توفي، فنقول: وليه مخير بين أمرين؛ أما أن يفعله عنه استحباباً، ودليل الفعل عنه ما ذكر المؤلف رحمه الله من الحديث. وطبعاً فعله عنه ترى هذا من مفردات القول بجواز صوم النذر على الميت، هذا من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، وهذا الأفضل أن يفعله الولي عنه. فإذا فعله غيره فلا بأس.

الأمر الثاني الذي يخير؛ أن إذا لم يرد الولي أن يفعله عنه فنقول: يطعم عنه من تركته لكل يوم مسكين إذا خلف مالاً. فإذا خلف مالاً فيطعم عنه لكل يوم مسكين، سواء يطعم عنه أو يدفع إلى من يفعله عنه، يدفع على سبيل الجعالة؛ يعني نقول: الآن توفي شخص عليه نذر صيام ثلاثة أيام، نقول: أنت يا الولي، إما أن تفعله عنه، أو يفعله عنه غيره. طيب، ما فعله عنه، نقول: إذا كان له تركة، فالأول استحباب، الثاني وجوب، يجب أن تخرج عنه من تركته، إما أن تخرجوا إطعام، يطعم عنه بكل يوم مسكين، أو أنكم تخرجوا مالاً لمن يفعل عنه، تقول: من يصوم عن فلان فله كذا من تركته، ويدفع لهم على سبيل الجعالة؛ لأنه لا يجوز أن يكون على سبيل الإجارة؛ لأن من شروط الإجارة، من شروط صحة الإجارة ألا تكون على فعل شرط أن يكون صاحبه من أهل القربة.

لذلك قال: وإن خلف تركة وجب الفعل فيفعله الولي أو يدفع إلى من يفعله عنه، ويدفع في الصوم عن كل يوم طعام مسكين. قال: وهذا كله فيمن أمكنه صوم نذره فلم يصم. ومثله الصلاة، الاعتكاف، هذا كله يشترط فيه التمكن. أما الحج فلا يشترط فيه التمكن كما قاله المرداوي في الإنصاف، وذكره الحجاوي في الاقناع، والبهوتي في الفتح، والبهوتي في المنتهى. قال: فلو أمكنه بعضه قضي ذلك البعض فقط؛ يعني شخص نذر أن يصوم عشرة أيام ثم مات بعد خمسة أيام.

يتمكن خمسة أيام فقط؟ فنقول: يقضى عنه خمسة أيام فقط. قال: والعمرة في ذلك كالحج، فإذا نذرها فتلزمه بالنذر، وإذا مات ولم يؤدها فإنها تؤدى عنه. طيب، هذا والله أعلم.