دخولتسجيل الدخول

كتاب الصيام 09 | ما يلزم الحامل والمرضع إن أفطرتا

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وموالاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا.

قال المصنف رحمه الله تعالى: وإن أفطرت حامل أو أفطرت مرضع خوفاً على نفسهما فقط أو مع الولد قضتا؛ أي: قضتا الصوم فقط من غير فدية؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه. وإن أفطرت خوفاً على ولديهما فقط قضتا عدد الأيام وأطعمتا؛ أي: وجب على من يَمُون الولد أن يطعم عنهما في كل يوم مسكيناً، ما يجزئ في كفارة، من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحُبْلَى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. رواه أبو داود. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما. وتجزئ هذه الكفارة إلى مسكين واحد جملة.

ومتى قَبِلَ رضيع ثدي غيرها وقدر أن يستأجر له لم تفطر، وظِئْر كالأم. ويجب الفطر على من احتاجه لأنقاذ معصوم من هلكة غرق. وليس بمن أُبيح له فطر برمضان صوم غيره فيه.

فعل المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة عن مسألة صوم الحامل والمرضع. وإنما خصَّهما بالذكر عن غيرهما لتميزهما ببعض الأحكام عن سائر الصائمين. والحامل والمرضع ذكر بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى أنه يكره لهما الصوم، ويسن لهما الفطر، وهذا إذا كان الصوم طبعاً يشق عليهما كالمريض، وهذا صرح به المرداوي أو قبله ابن مفلح في الفروع، والمرداوي في التنقيح والفتوح، وفي المنتهى، والحجاوي في الإقناع.

والحامل والمرضع لا تخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يخافا على أنفسهما وعلى ولدهما. والحالة الثانية: أن يخافا على أنفسهما فقط.

الحالة الأولى: الحامل مثلاً تفطر خوفاً على نفسها من المشقة، وخوفاً على ولدها من أن ينقص عنه التغذية التي تصل إليه من أمه؛ وهكذا المرضع تخاف على نفسها من المشقة، وتخاف على ولدها ألا يشبعه لبنها إذا كان يرضع منها. فالحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما وطفلهما -هذان حالتان- فإنهما يفطران ويقضيان ما أفطرتا لأنهما كالمريض، وأولى منه، لا سيما إذا انضم إلى ذلك خوفهما على ولدهما.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله في مسألة خوفهما على أنفسهما: قال: فلهما الفطر وعليهما القضاء فحسب، لا نعلم بين أهل العلم اختلافاً، لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافاً؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه. وكونهما لا يجب عليهما الإطعام إذا خافتا على أنفسهما أو على أنفسهما وولدهما، ذكر ابن مفلح في الفروع أن هذا هو قول الأئمة الأربعة.

لكن شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة، وأيضاً الزركشي في شرح مختص الخرقي، ذكر أن المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الحامل والمرضع تطعم مطلقاً، سواء أكانت أخافت على أنفسهما أو على ولدهما، يعني الولد فقط، أو على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما مع الولد.

وذكر الزركشي رحمه الله أن هذا هو نص الإمام أحمد في رواية الميموني وصالح. وساق أيضاً شيخ الإسلام روايتهما في شرح العمدة. والقاضي أبو يعلى تأول هذه الرواية على الخوف على الولد، الخوف على الولد فقط، وهي الحالة الثالثة.

لكن شيخ الإسلام والزركشي ذكروا أن هذا بعيد؛ لأن الإمام أحمد نصَّ في رواية صالح أنه إذا خافت على أنفسهما أو على ولدهما فقال: خافت على أنفسهما أو ولدهما فإنهما تفطران وتطعمته.

الحالة الثالثة: طبعا الحنابلة رحمهم الله تعالى تتابعوا على متابعة القاضي أبي يعلى في التفريق هذا، في التفريق هذا، وهو يعني فهمه فهماً من نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى وإن لم يكن منصوصاً، وإلا فالمنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله أن الحامل والمرضع إذا خافتا مطلقاً، سواء على أنفسهما ووالديهما، فإنهما تفطران وتقضيان وتطعم.

الحالة الثالثة: أن يكون الخوف على الولد فقط. فهنا إذا خافت على الولد فإنهما يفطران ويقضيان عدد الأيام التي أفطرتاها، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، وحكومة الإطعام في نوعه ومكاله كحكم الطعام الواجب في الكفارة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] وتفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لها في قوله: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والمرضع والحُبْلَى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. هذا جاء عن ابن عباس وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ووجوب الإطعام عليهما الحامل المرضع ورد عن ابن عمر وابن عباس.

قال الموفق: ولا يُعرف لهما مخالف من الصحابة. وزاد ابن مفلح في الفروع: وأبو هريرة، وأخذه من قول الإمام أحمد رحمه الله: أذهب إلى حديث أبي هريرة، يعني ولا أقول بقول ابن عمر وابن عباس في نفي القضاء. وكلمة الإمام أحمد هذه ذكرها الموفق في المغني وغيره أن الإمام أحمد قال: أخذ بقول أبي هريرة، ولا أخذ بقول عمر بن عباس؛ عمر بن عباس يرى أن أنها تطعم بدون قضاء، وأنها تطعم بدون قضاء. والامام أحمد رحمه الله استنبط من قول أبي هريرة أنهما تفطران وتطعمات وتقضيان، يعني إطعام مع القضاء.

طيب، فما حديث أبي هريرة المقصود؟ الظاهر والله أعلم أن أثر أبي هريرة هو قوله في الرجل يمرض في رمضان فلا يصوم حتى يَبْرَأ أو لا يصوم حتى يدركه رمضان آخر، قال: يصوم الذي حضره، ويصوم الآخر، ويطعم كل ليلة مسكيناً. وهذا عند عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي.

طيب، ما علاقته بمَسألة الحامل والمرضع الآن؟ كلام أبي هريرة في تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان، يقول: يقضي ويطعم. طيب، ما علاقته بمسألة الحامل والمرضع؟ نقول: الحامل إذا وضعت الحمل الآن، مر عليها رمضان الأول وهي حامل فأفطرت، ثم لما وضعت الحمل صارت مرضعاً، فمر عليها رمضان الثاني وهي مرضع، فهنا ستفطر رمضانين، ستفطر رمضانين، ترتب على ذلك أنها أخرت قضاء رمضان إلى ما بعد رمضان الآخر، وكان هذا التأخير لعذر، فيقاس على ما قاله أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في المريض إذا أخر قضاء رمضان لعذر، فإنه يفطر، فإنه يفطر، فإنه يقضي ويطعم.

ولذلك الإمام، ولذلك في سؤالات صالح الإمام أحمد رحمه الله جاءت مسألة الحمل المرضع ثم جاء بعدها مسألة من توالي عليه رمضان، ومن أراد الاستزادة يرجع لمسألة صالح الإمام أحمد. فيه قال الإمام أحمد في الحامل المرضع: إذا أفطرت تقضي وتطعم، أذهبوا فيه إلى حديث أبي هريرة، ثم جاء المسألة بعدها: قلت في رجل توالى عليه رمضان؟ قال: قال أبو هريرة: يقضي ويطعم كل يوم مسكيناً، وابن عباس وابن عمر يقولان: يطعم ولا يصوم، يطعم ولا يصوم إلى آخره.

والإطعام، الإطعام على من يجب هنا؟ المؤلف يقول: وأطعمتا، والحجاوي يقول: وأطعمتا. البهوتي صرف عبارة الحجاوي قال: أي وجب على من يَمُون الولد أن يطعم عنهما، أن يَمُون أن يطعم عنهما. وصرفه ليوافق المشهور من المذهب، ويوافق أيضاً قوله قول الحجاوي نفسه في الإقناع. قول الحجاوي نفسه في الإقناع، فالحجاوي نفسه في الإقناع ذكر أن الإطعام يكون على من يمون الولد، يعني من تجب عليه نفقته.

لماذا؟ لماذا أوجبها على من يمون الولد؟ قالوا: لأنها كفارة وجبت بسببه، بسبب الولد، فصارت على من يمونه لا بسبب الأم.

وقال المؤلف رحمه الله هنا: وتجزئ هذه الكفارة إلى مسكين واحد جملة. يعني الآن إذا أطعمت كل يوم مسكيناً ستطعم مثلاً ثلاثين مسكيناً. طيب هل يجوز أن تطعمها لمسكين واحد؟ يقول: نعم يجوز أن تطعمها لمسكين واحد جملة؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة، كل يوم عبادة مستقلة، فكل يوم كفارة مستقلة. وهذا قاله في الفروع، وقال في الإنصاف بلا نزاع، وذلك لظاهر الآية التي هي: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] حيث لم يشترط فيها تفريق الطعام بين المساكين.

قال: ومتى قَبِلَ رضيع ثدي غيرها، ثدي غير أمه، وقدر أن يستأجر له، لم تفطر، لم تفطر. يعني أنه لو كان الآن الام مرضع، لكن هناك تستطيع أن تستاجر له أو يستأجر له أبوه من يرضعها، من يرضع هذا الطفل، ويكون الطفل يقبل ثديها، فهنا نقول: خلاص الآن زالت الحاجة التي من أجلها تفطرين، إذا كان خوف على الولد فقط فزالت الحاجة التي تفطر. فنقول: إذن تفطر يعني المرضع تفطر بشرطين: بشرط ألا يكون الطفل يقبل ثدي غيرها، والشرط الثاني أن يكون عندها أو عند والده، عند يعني من يمون الطفل، القدرة على استئجار مرضعة ترضع الطفل.

قال المؤلف رحمه الله: وظِئْر كالأم. يعني أنها لو كانت هناك امرأة استأجرت لارضاع هذا الطفل، كانت امرأة استؤجرت لرضاع هذا الطفل، جاء رمضان، استأجرت مثلاً من رجب، فجاء رمضان الآن، تقول: إذا صمت يعني سيقل الحليب الذي سيرضيه الطفل، فسيتاثر بذلك، فنقول: فهل لها الرخصة في الفطر كالمرضعة التي هي أمه؟ يقولون: نعم، الظِّئر كالأم، قاله الأصحاب، كما قاله المفلح في الفروع والمرداوي، قيده بأن تكون هذه الأم محتاجة إلى رضاعه وهو محتاج إلى رضاع.

قال: أما إذا كانت مستغنية عن رضاعه، أو هو مستغنٍ عن رضاعه، لم يجزها الفطر، يعني مثلاً لو كانت لو كان مستغنياً بالحليب الصناعي مثلاً ويرضع الصناعي ولا يتاثر، فنقول هنا: إذا تعطي الحليب الصناعي ولا ولا تفطر لأجل ذلك.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يلحق بالحامل والمرضع اللذان أو اللتان تفطران لأجل غيرهما، من احتاج الفطر لإنقاذ معصوم من هلكة كغرق. يعني الآن شخص صائم وجد شخصاً يغرق الآن في البحر، هو يستطيع أن ينقذه، لكن يقول: أنا صائم يعني في العصر الآن، لا استطيع يعني أخشى نفسي من الهلاك أو أو أنا ضعيف، أحتاج إلى أن أفطر لكي أتقوى وأنقذه، نقول: نعم له أن يفطر، بل يجب عليه أن... قال: يجب الفطر على من احتاجه لإنقاذ معصوم من هلكة كغرق.

لماذا؟ قال: لأنه يمكنه تدارك الصوم بالقضاء، الصوم له بدل القضاء، بخلاف الغريق؛ الغريق فلا يمكن ما يقول: أترك إلى أن أفطر المغرب، فإذا إلى أن يفيد فإنه سيهلك، وإنقاذ الغريق واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

قال رحمه الله: وليس لمن أُبيح له فطر رمضان صوم غيره فيه. يعني أن من أُبيح له فطر في رمضان كالمريض مثلاً المسافر، فهنا يباح له، يعني يقصدون أنه لا يحرم عليه، وإلا فالقائل المسافر قال: يسن له... المراد بالاباحة هنا ليس لمن أُبيح له يعني أنه لا يحرم عليك، فيدخل فيها الاستحباب.

فلو كان مريضا شخص مريض يشق عليه الصيام قال: خلاص لن أصوم غداً، ثم لما مثلاً جاء الضحى قال: أنا ما صمت ما الصيام، أصل الليل، خلاص يمديني أصوم نفلاً، خلاص سأصوم نفلاً سأصوم نفلاً، فهنا يقولون: لا، لا يصح، لماذا؟ لأن رمضان ظرف لا يسع غير ما فُرض فيه، لا يسع غير ما فُرض فيه، يعني أن رمضان ظرف هذا مضيق لصيام الفريضة، فلا يصح أن توقع غيره فيه. قالوا: ولأن الفطر تخفيف ورخصة، فاذا لم يؤده، لم... فإذا لم يرد، فإذا لم يرد التخفيف الرخصة نقول: يلزم الإتيان بالأصل.

ومثله لو كان مسافراً شخص سافر إلى مكة، قال: غداً يوم 13 خلاص سأصومه على أنه من أيام البيض، فنقول: لا يجوز له أن يصومه عن... لابد أن يصومه عن رمضان، فإذا صام عن غير رمضان في رمضان، يعني مثل هنا صام على أنه من أيام البيض، فنقول: صومه يلتقي، يلتقي كما صرح به الموفق في المغني والحجاوي في الإقناع، فلا يقع عما نوى ببطلانه؛ لأنه لا يجوز أن يصوم عن غيره في رمضان، ولا يقع عن رمضان، وإن كان ممسكاً لا يقع عن رمضان لعدم تعيين النية له، وهي مبنية على مسألة وجوب تعيين النية في رمضان ستاتنا بعد قليل إن شاء الله.

وذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله هذه المسألة في قواعده في القاعدة الحادية عشرة، حيث قال: من عليه فرض، هل له التنفل قبل أدائه بجنسه أم لا؟ وذكر أن المسألة تنقسم إلى قسمين: يمنع منها القسم الأول العبادات المحضة، وذكر أنها إما أن تكون موسعة أو تكون مضيقة، وكلامنا على المضيقة. قال: إذا كانت مضيقة لم تصح على الصحيح، ولذلك صور، وذكر منها صوم رمضان، قال: لا يصح أن يصوم فيه عن غيره، لا يصح أن يصوم في رمضان عن غيره، فإن فعل لم يصح عن نفله، مثل هذا صام البيض نقول: لم يصح عن نفله.

طيب هل ينقلب عن فرضه؟ قال: ينبني على وجوب نية التعيين، سأتينا إن شاء الله بعد قليل. نعم.