أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله لزمه الصوم، وجميع أحكام الشهر من طلاق وغيره معلق به؛ لعلمه أنه من رمضان، أو رأى وحده هلال شوال صام ولم يفطر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس» رواه الترمذي وصححه. وإن اشتبهت الأشهر...
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة المنفرد برؤية الهلال. سبق لنا أن هلال رمضان يقبل فيه شهادة الواحد العدل، وأما بقية الشهور فلابد فيها من شهادتين عادلين. طيب، لو تخلف شرط قبول الرؤية فلم يشهد برؤيته إلا شوال سوى واحد، أو شهد شهد واحد برؤية رمضان لكن لم يقبل الحاكم شهادته لكون لم تثبت لديه عدالته، فهل يلزمه هو بنفسه الصوم؟ هل يلزمه هو بنفسه الصوم أو لا؟
نقول: الناس أصلاً يلزمهم الصوم برؤية العدل، والفطر لابد من رؤية عدلين. طيب، المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أنه يلزمه الصوم في كلتا الحالين؛ أما في رؤية هلال رمضان فيلزمه الصوم ولو رد الحاكم شهادته ولم يأخذ بها؛ لأن هذا اليوم يعتقده من رمضان، فلزمه حكم هذا الاعتقاد؛ لأنه رأى الهلال فلزمه حكم هذا الاعتقاد.
طيب، قد يقول قائل: طيب حنا جعلناه من شعبان، نحن جعلناه من شعبان في حق غيره؟ فيقول الأصحاب رحمهم الله تعالى: إنما جعل شعبان، إنما جعل هذا اليوم من شعبان في حق غيره ظاهراً لعدم علمهم برؤية الهلال، ولا ينكر تبعض الأحكام في حق مكلفين؛ لأن أحياناً يتبعض -يعني- يختلف حكم الشيء من شخص لآخر.
ويضرب الأصحاب لذلك مثلاً يقولون: الان لو أن شخصاً فاسقاً علم أن هذا الماء طرأت، ماء قليل طرأت عليه نجاسة؛ الماء القليل إذا طرأت عليه نجاسة فإنه ينجس بذلك، فلا يجوز له التوضؤ به. هذا الفاسق هذا لا يجوز له التوضؤ هذا الماء النجس؛ لماذا؟ لأنه في قراره نفسه يعلم نجاسته. طيب، جاء أخبر غيره بالنجاسة، غيره ما صدقه؛ فنقول: لا يلزم هذا المخبر تصديق خبر الفاسق، ويبقى حكم الماء عند هذا الشخص الذي أخبر على أصل الطهارة؛ فلا ينكر تبعض الأحكام.
فلا ينكر تبعض الأحكام. ذكر المؤلف رحمه الله أيضاً أنه يلزمه كل الأحكام التي تتعلق بشهر رمضان، من طلاق وعتق وغيرهما؛ معلق بدخول رمضان، فلو علق طلاق زوجته بدخول شهر رمضان فإنها تطلق بمجرد رؤيته للهلال ولو ردت شهادته، ولو ردت شهادته.
طيب، وفي شوال: إذا رأى هلال شوال وحده، فانه أيضاً لا يأخذ برؤيته؛ للحديث: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس»، وهو عند أبي داود وابن ماجه والترمذي معنىً من حديث عائشة، وقال: حسن صحيح غريب، وهو مروي عن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهما. قال الموفق: ولا يعرف لهما مخالف في عصرهما فكان إجماعاً.
قال: وهو وإن اعتقده -يعني هذا الرائي- إن اعتقده من شوال يقيناً، فلا يثبت به اليقين في نفس الأمر لجواز أنه خيل إليه، فينبغي أن يتهم في رؤيته احتياطاً للصوم وموافقة للجماعة، لا سيما وأن رؤية الواحد -رؤية الشخص الواحد- لا يثبت بها دخول شهر شوال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإن شهد شهيدان فصوموا وأفطروا».
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: وإن اشتتبهت الأشهر على نحو مأسور تحرى وصام، فإن لم يعلم أنه يتقدمه يقضي ما وافق عيدا أو أيام تشريق.
هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى من كان معذوراً بعدم علمه بدخول شهر رمضان، كان كان مأسوراً أو مطموراً -يعني مغيباً في الحبس لدى دولة كافرة مثلاً- ولم يخبره بدخول شهر رمضان، ولم يتيسر له سبيل لمعرفة دخول الشهر من عدمه، فماذا يفعل؟ قال: تحرى وصام، يتحرى ويجتهد ويصوم الشهر الذي يعتقد أنه من رمضان؛ لأن هذا غاية جهده، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
طيب، هل يجزئه هذا الصوم أم لا؟ يقول: أجزأه إن لم يعلم أنه تقدمه، ويقضي موافقة عيدا أو أيام تشريق. نقول: لا يخلو حاله من ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: ألا يتبين له شيء؛ صام وطلع من السجن ولا يبين هل صام قبل رمضان، بعد رمضان، في رمضان؛ ما تبين له شيء، فنقول: يجزئه الصوم لأنه أدى فرضه باجتهاده وفعل الواجب عليه، فأجزأه قياساً على ما لو اجتهد في الصلاة بعد دخول الوقت بالاجتهاد في يوم غيم، ولم يتبين له شيء لاحقاً، فإن الأصل صحة صلاته.
الحالة الثانية: إذا تبين له الحال، وأن صيامه وافق رمضان أو وافق بعده، فانه يجزئه عنه. قال الموفق في قول عامة الفقهاء، وقال المرداوي في الإنصاف: لا نزاع في الإجزاء -يعني إذا وافق رمضان أو بعده- لأنه فعل ما استطاع وأدى الواجب عليه؛ أما إذا وافق رمضان أو قضاء، إن كان بعده، طبعا باستثناء ما لو وافقت بعض أيام صيامه أحد يوم العيد أو أيام التشريق، فانه يلزمه قضاؤها؛ لأن صومهما محرم شرعاً، فلا يصح أداءً ولا قضاءً سوى ما استثني في صوم أيام التشريق وأنه يجوز صومه للمتمتع إذا لم يجد الهدي.
الحالة الثالثة: إذا تبين له أن صيامه وافق شعبان السابق لرمضان، فانه لا يجزئ عنه في قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى، كما قاله الموفق في المغني؛ ولذلك قال: وأجزأه إن لم يعلم أنه تقدمه، يعني كان بأن كان صام شعبان -طبعاً شعبان يقصدون شعبان أو غيره من الأشهر السابقة، لكن يمثلون على شعبان من باب التمثيل، والأمر سواء: شعبان، رجب، جمادى، ربيع، أي شهر قبل رمضان- فانه لا يصح؛ لأنه تبين أنه أتى بالعبادة قبل وقتها فلم تجزئه، كما لو صلى المغرب في يوم غيم ظاناً غروب الشمس ثم انجلى الغيم وتبين أن الشمس لم تغرب، فانه يلزمه أداؤها مرة أخرى وتنقلب صلاته الأولى نفلاً. قد نص الأصحاب رحمهم الله على أنه ينقلب نفلاً ما بان عدمه كفائت، فلم تكن فرضاً ولم يدخل وقته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان