أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: وإذا قامت البينة في أثناء النهار برؤية الهلال تلك الليلة، وجب الإمساك والقضاء لذلك اليوم الذي أطغره، على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه؛ أي وجوب الصوم، وإن لم يكن حال الفطر من أهل وجوبه. وكذا حائض ونفساء طهرت في أثناء النهار، فيمسكان ويقضيان. وكذا مسافر قدم مفطراً يمسك ويقضي.
وكذا لو برئ مريض مفطراً، أو بلغ صغير في أثنائه مفطراً، أمسك وقضى. فإن كانوا صائمين أجزأهم. وإن علم مسافر أنه يقدم غداً لزمه الصوم، لا صغير علم أنه يبلغ غداً لعدم تكليفه.
أحسن الله هنا. ذكر المصنف رحمه الله تعالى مسائل يلزم فيها الإمساك والقضاء لتغير حال الصائم؛ لتغير حال الصائم بعلمه بدخول الشهر، أو تغير حاله؛ زال عنه مانع الوجوب، أو تحقق فيه شرط الوجوب ونحو ذلك، فهذه يلزم فيها الإمساك والقضاء.
المسألة الأولى: إذا قامت البينة في أثناء النهار برؤية تلك الليلة؛ يعني شعبان ما تم ثلاثين، الهلال خرج لكن لم يروا الهلال، فتم شعبان ثلاثين يوماً، جاء الظهر، جاء شخص وقال: رأينا الهلال في المكان الفلاني، هنا نقول: الذين أفطروا أول النهار يلزمهم الإمساك لأنهم الآن علموا أنه من رمضان، ويلزمهم القضاء، ويلزمهم القضاء لأنهم لم يصوموا يوماً تاماًّ؛ لأن الصيام الشرعي من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، ولم يتحقق هذا الأمر، وهذا قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى، كما ذكره الموفق ابن قدامة.
طيب، قال: وجب الإمساك والقضاء لذلك الذي أفطر، على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوب؛ وجوب الصوم، وهم المكلف المسلم القادر. طيب، قال: وإن لم يكن حال الفطر من أهل وجوبه؛ يعني مثلاً الشخص كان مجنوناً أول اليوم، مجنون أول اليوم هم ما راوا الهلال لكنه أفاق، أفاق قبل أن يثبت، قالوا: إننا رأينا الهلال تلك الليلة، سواء قبل أن يثبت أو بعد ما ثبت، قالوا: رأينا الهلال تلك الليلة، فيلزمه الصوم، يلزمه نعم، يلزمه الإمساك والقضاء، يلزمه أن يقضي، أن يقضي معه، وإن كان حال فطره أول اليوم كان أصلاً غير مكلف، فيقولون: يلزمه الإمساك لأنه الآن هذا اليوم من رمضان، ويلزمه القضاء لأنه لم يصم يوماً كاملاً.
قال: وكذا حائض ونفساء طهرتا في أثناء النهار، فيمسكان ويقضيان. وكذا مسافر قدم مفطراً يمسك ويقضي. وكذا مريض، لو برئ مريض مفطر. عندنا هذه ثلاث مسائل؛ تجتمع هذه المسائل الثلاث في أنه زال مانع الوجوب، زال مانع الوجوب في أثناء النهار؛ يعني الحائض والنفساء لا يجب عليهما الأداء، زال مانع وجوب الأداء، لا يجب عليهما أداء الصيام، فزال هذا المانع أثناء النهار. المسافر لا يجب عليه أداء الصيام في سفره، فزال هذا المانع، أقام أثناء النهار. المريض لا يجب عليه الصيام أثناء مرضه، فبرئ أثناء النهار، وكانوا مفطرين، وكانوا مفطرين.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: يلزمهم الإمساك والقضاء، يلزمهم الإمساك والقضاء، وطبعاً وجوب القضاء هذا إجماعاً، ووجوب الإمساك هذا على الصحيح من المذهب، كما قاله المرداوي في الإنصاف.
والمسألة التي تليها: إذا بلغ الصغير في أثناء النهار مفطراً، ومثلها إذا أسلم الكافر، ومثلها إذا أفاق المجنون. هؤلاء تحقق فيهم شرط الوجوب، هؤلاء الأولون الحائض والمريض والمسافر زال مانع الوجوب، مانع الوجوب. إذاً هؤلاء المسلم، نعم، الكافر إذا أسلم، المجنون إذا أفاق، الصغير إذا بلغ، هؤلاء تحقق فيهم شرط الوجوب، تحقق فيهم شرط الوجوب أثناء النهار، فيلزمهم الإمساك بحرمة الشهر، ويلزمهم القضاء، ويلزمهم القضاء لأنهم لم يصوموا يوماً كاملاً، لم يصوموا يوماً كاملاً.
قال: فإن كانوا صائمين أجزأهم. فإن كانوا صائمين أجزأهم؛ يعني يقصد بهم الصغير والمريض والمسافر. الصغير المريض المسافر لو كانوا صائمين أجزأهم، وهذا واضح في الصغير، نعم، وهذا واضح في المسافر والمريض. طيب، الصغير لماذا يجزئه مع أن صومه أول اليوم يعتبر نفلاً؟ قالوا: الآن وجدت النية منه من الليل، وهو يصح صوم؛ يعني شخص الآن صام وهو صبي لم يبلغ بعد، لم، مثلاً هو ولد في 10 رمضان 1427، إذاً 15 سنة في 10 رمضان 1442 الظهر، فهو صام في أول اليوم ما بلغ بعلامة البلوغ الأخرى، سيبلغ بالسن، فيبلغ أثناء اليوم، طيب لو كان مفطراً في أثناء اليوم، كنا خلاص من الساعة 12 تمشي، يعني لو يتم الساعة 12، قَبْلَ الساعة 12 تُمْسِكْ وتَقْضِي، هذا واضح، طيب إذا كان لا، صائماً، هل نقول يقضي أيضاً؟ يكون لا، لا يقضي، طيب لماذا صيام أول نهار نفل وآخره واجب؟ يقولون: هذا لا يمتنع، هذا لا يمتنع، قالوا: نظيره، نظيره لو أن شخصاً بالغاً نوى صوماً تطوعاً، ثم في أثناء اليوم نذر أن يتم هذا الصوم التطوع، نذر أن يتم هذا الصوم التطوع، تتم صومه، تتمة صوم هذا اليوم يعتبر واجباً؛ أول يوم نفل وآخره واجب، قالوا: هذا مثله، الصبي مثله، أول يوم نفل وآخره واجب.
وهذه المسألة؛ كونه يصح صومه ولا يلزمه القضاء، هذا طبعاً قول في المذهب، واختاره القاضي أبو يعلى. المرداوي في الإنصاف لم يرجح شيئاً، لم يرجح شيئاً، واما في تصحيح الفروع فقد رجح هذا القول، وكذلك اقتصر عليه في التنقيح، واتفق عليه صاحب الإقناع والمنتهى، فيكون المعتمد عند المتأخرين، ويكون هو المذهب، ولو لم يرجح الإنصاف شيئاً؛ لأن كتاب تصحيح الفروع لاحق للإنصاف، والمرداوي رحمه الله أيضاً نص في مقدمة التنقيح على أن ما وجد في هذا الكتاب مخالفا لأصله، ويقصد الإنصاف، فالمعتمد ما في التنقيح، لأنه وضع عن تحرير.
قال: وإن علم مسافر أنه يقدم غداً لزمه الصوم، لا صغير علم أنه يبلغ غاداً لعدم تكليفه. المؤلف رحمه الله فرق بين مسألتين بينهما شبه من وجه واختلاف من وجه، وهما المسافر والصبي، السفر والصغر. السفر والصغر مانعان من وجوب صوم رمضان أداء، أما المسافر فلتحلف شرط الإقامة، وأما الصبي فلتحلف شرط التكليف. ويختلفان في التكليف، فالمسافر مكلف يعني يلزمه القضاء من الأصل، وأما الصبي فغير مكلف.
فإذا كان هناك شخص مسافر ونوى أنه سيقدم بلده غداً نهاراً، يعني مثلاً مسافر إلى مكة وسيرجع إلى بلده، مثلاً سيصل إلى بلده اليوم العاشر من رمضان بعد صلاة الظهر، فهو يعلم أنه سيقدم بلده نهاراً، فيقولون: يلزمه الصوم هنا، وإن كان لا زال فيه السبب المبيح للفطر، قالوا: لأنه مكلف هنا. هنا قول آخر في المذهب، وهو أنه لا يلزمه الصوم قبل زوال عذره، لأن سبب الرخصة موجود، فيثبت حكمها كما لو لم يعلم قدومه أثناء النهار، طبعاً كونه يلزمه الصوم هذا من مفردات الحنابلة، كما ذكره المرداوي في الإنصاف.
وأما الصبي، أما الصبي فلا يلزمه أن ينوي الصوم من الليل، حتى لو علم أنه سيبلغ أثناء النهار، لأنه لم يتحقق في التكليف بعد، لكن إذا جاء، إذا كلف أثناء النهار فإنه يلزمه الإمساك لوجود التكليف، ويلزمه القضاء لعدم وجود الصوم الكامل منه، نعم.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان