أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويجب تعيين النية بأن يعتقد أنه يصوم من رمضان أو قضائه أو نذر أو كفارة؛ بقوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، ولما روى الدارقطني بإسناده عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له»، وقال: إسناده كلهم ثقات، ولا فرق بين أوله أو أوسطه أو آخره.
ولو أتى بعدها ليلاً بمنافٍ من نحو أكل ووطء بصوم كل يوم واجب؛ لأن كل يوم عبادة مفردة، لا يفسد صومه بفساد صوم غيره، لا نية الفرضية؛ أي لا يشترط أن ينوي كون الصوم فرضاً؛ لأن التعيين يجزئ عنه، ومن قال: أنا صائم غدا إن شاء الله متردداً، فسدت نيته لا متبركاً، كما لا يفسد الإيمان بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله غير متردد في الحال، ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم، ويصح.
أحسنت. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل تتعلق بالنية. والنية شرط لصحة الأعمال كلها، من طهارة وصلاة وصوم وغيرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، ذكره الموفق رحمه الله إجماعاً. لكن متى يجب الاتيام بالنية؟ وهل لها شروط لتحققها؟ هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروطاً للنية في صوم الفريضة.
يقول إنه أول شيء أول شرط تعيين النية، والثاني أن يكون من الليل، والثالث أن لكل يوم نية مستقلة، والرابع الجزم بالنية. نرجع إلى الشرط الأول؛ تعيين النية. تعيين النية يعني أن ينوي أن هذا الصوم عن أداء رمضان، أو إذا كان قضاءً عن قضاء رمضان، أو إذا كان نذراً عن نذر، أو إذا كان كفارة عن كفارة، ونحو ذلك. لماذا؟ قالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا هو الصحيح من المذهب؛ أنه يشترط تعيين النية.
فلو صام مثلاً في رمضان ولم يعين أنه لرمضان، أو صام مثلاً قضاءً ولم يعين أنه قضاءً، وإنما صام نوى من الليل أنه سيصوم غداً، فلما جاء من الصباح قال: خلاص هذا عن القضاء، أنا نويت من الليل لكن الآن أُعينه عن القضاء، نقول: لا، لابد أن يعينه مع النية، أن تكون النية معينة من الليل. والإمام أحمد رحمه الله نص على اشتراط التعيين في رواية الأثرم؛ قال الأثرم لأبي عبد الله: أسير صام في أرض الروم شهر رمضان، ولم أعلم أنه من رمضان، كان ينوي التطوع. يعني كان سجيناً في بلد كفار ولم يعلموه بدخول رمضان وخروجه، فصام تطوعاً، فلما انتهى من صيام التطوع صام ثلاثين يوماً، فلما انتهى إذا هو صيام هذا وافق صوم رمضان. فقال الإمام أحمد رحمه الله: لا تجزئه إلا بعزيمة أنه من رمضان. فهذا أخذ منه الأصحاب رحمهم الله أنه يشترط تعيين النية برمضان.
ولابد أن تكون النية من الليل؛ لحديث عائشة الذي ساقه المؤلف رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له»، وهذا عند الدارقطني وفيه ضعف. وجاء عن حفصة أيضاً: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له»، وهذا عند أبي داود والترمذي والنسائي، ولكن الحديث أيضاً فيه اختلاف كثير، وأُعل بالوقف، بوقفه على حفصة أو على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. ولأن النية تكون عند ابتداء العبادة سابقة لها، كالصلاه والحج، لكونها شرطاً، والشرط يسبق المشروط.
قال: ولا فرق بين أول الليل وأوسطه وآخره. فلو نوى مثلاً من غروب الشمس أنه سيصوم غداً، أو نوى مثل الساعة التاسعة ليلا أو الثانية عشرة ليلاً، أو نوى قبيل الفجر، فهذا كله وقت للنية؛ لإطلاق الحديث: «من الليل». قال: ولو أتى بعدها ليلاً بمنافٍ للصوم نحو أكل، يعني شخص مثلاً بعد غروب الشمس نوى أنه سيصوم من الغد، طيب، وأكل وشرب ووطأ ونحو ذلك، فنقول: هذه لا تؤثر؛ لظاهر الخبر، لظاهر الخبر: من لم يبيت الصيام من الليل. فهو لم يشترط فيه ألا يلحق النية أمر منافٍ للصوم، ولأن الله عز وجل أباح الأكل لآخر الليل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. فلو بطلت النية بالاكل والشرب بعدها لفات محله؛ لأنه يعني مباح له الأكل إلى آخر جزء من الليل، فلو قلنا: كل إلى آخر جزء ثم أذن الفجر، ما صار في وقت النية لِيأتي به.
لكن هنا قال: إن أتى بعدها ليلا بمنافٍ، لكن إذا أتى بعدها بمنافٍ تبطل؛ كان فُسِخ. يعني مثلاً نوى من الغد أن يصوم مسافر مثلاً، أو هو مسافر أصلاً فنوى من الغد يصوم وهو مزمع، ثم فسخ النية؛ خلاص لا، أنا صايم سيشق علي الصوم، ففسخ النية، ثم طلع الفجر وهو لم ينوي -يعني آخر شيء على أنه لن يصوم- ثم لما جاء الضحى قال: خلاص أنا ساصوم، ساصوم. نقول: لا، يجزئه صومه هذا من رمضان؛ لماذا؟ لأنه لم ينوي من الليل، ونيته التي من الليل هذه فسخها، هذه فسخها.
قال: لا، نعم لصوم كل يوم واجب؛ يعني لا يكفي مثلاً سيصوم رمضان، لا يكفي أن ينوي أنه سيصوم اليوم الأول جميع الشهر، لا، لا يكفي أن ينوي في ليلة اليوم الأول أنه سيصوم جميع الشهر، لا، لابد لكل يوم من نية، لابد لكل يوم من نية. قالوا: لأن كل يوم عبادة مفردة، ويدل على أن كل يوم عبادة مفردة أنه لا يفسد صوم يوم بفساد الصوم الذي قبله؛ يعني مثلاً شخص أكل في اليوم الأول متعمداً، قال: لا يفسد صومه، فساد صومي هذا لا يسري على الأيام اللاحقة له. فقالوا: هذا يدل على أن كل يوم عبادة مفردة، فإذا كان كل يوم عبادة مفردة، فلا بد له من نية مفردة.
قال: لا نية الفرضية؛ لا يشترط إذا نوى أن صومه هذا صيام فرض، لماذا؟ قالوا: لأن التعيين يجزئ عنك، خلاص، إذا نويت أن هذا الصيام من رمضان، خلاص معلوم أن صيام رمضان فرض. قال: وهذا مثل الصلاة؛ فلو نوى أن يؤدي صلاة الظهر أجزأ عن أن يعين بقلبه أنها فرض.
قال: ومن قال: أنا صائم غداً إن شاء الله متردداً فسدت نيته، لا متبركاً. يعني إذا علق صيامه على المشيئة: أنا صائم غداً إن شاء الله، نقول: ما قصدك بالمشيئة؟ إن قصد التردد في العزم -يعني أنا إن شاء الله أني أصوم وقد لا أصوم، وقد لا أصوم، أنت متردد- فنقول هنا: لا يجزئه، هذا الصوم لا يجزئه لعدم الجزم؛ لأن من شروط النية الجزم بها، الثاني: ألا يقصد التردد وإنما يقصد التبرك، فلا تفسد نيته؛ لأن معنى قوله إن صومه سيحصل بإذن الله ومشيئته وتوفيقه وتيسيره، فلا يفسد صومه بذلك، قالوا: كما لا يفسد إيمانه إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله. أنا مؤمن إن شاء الله، إذا قال: مؤمن إن شاء الله، فلا يفسد إيمانه إذا ذكر المشيئة للتبرك لا للتردد.
وقول المؤلف رحمه الله هنا: غير متردد في الحال، هذه حقيقة فيها إشكال عقدي؛ لأن التردد يعني الأشاعره يرون أنه لا يصح الاستثناء في الإيمان، لا يصح الاستثناء في الإيمان نعم، قالوا: إن الاستثناء في الإيمان يصح، أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، إن شاء الله قالوا: لأنه لا يدري على ما يتوفى عليه، لا يدري على ما يتوفى عليه، فهم يقولون: الاستثناء في الإيمان لا يصح إلا على الموافاة، على الموافاة يعني أنه لا يدري ما يتوفى عليه، يقصد: أنا مؤمن إن شاء الله، يعني أنني ساموت على الإيمان إن شاء الله، فهذا يصح عندهم، أما إذا لم يقصد ذلك فهم لا يصح عندهم هذا، فهم لا يصح عندهم هذا.
أما أهل السنة والجماعة فيصح عندهم الإيمان على الموافاة، ويصح عندهم يعني الاستثناء أقصد في الإيمان لهذا، ويصح عندهم أيضاً الاستثناء في الإيمان لأجل التقصير؛ لأجل أنا مؤمن إن شاء الله يعني أنني أنا مؤمن إن شاء الله، مع أنني يوجد عندي تقصير في بعض خصال الإيمان.
قال: ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم، يعني أن النية استحضارها سهل، ليس هناك صعوبة في استحضارها، فيكفي في النية أن يأكل ويشرب بنية أن يصوم غداً، فهذا كافٍ في النية، ولا يشترط أن يستحضر أنه يصوم إلى آخر جزء من الليل. قالوا: لأن محل النية القلب، وهذا الفعل دليل عليها. يقول الشيخ تقي الدين رحمه الله: وهو حين يتعشى، الصائم يتعشى عشاء من يريد الصوم، ولهذا يفرق بين عشاء ليله العيد وعشاء ليالي رمضان، عشاء وعشاء ليالي رمضان هو حين يتعشى يتعشى عشاء من يريد الصوم.
وأنبه إلى أن بعض من نقل كلام شيخ الإسلام، يعني في بعض الكتب التي نقلت عن شيخ الإسلام، سقطت يتعشى الثاني؛ قال: هو حين يتعشى عشاء من يريد الصوم. لا، هي كلمة يتعشى يتعشى، هكذا في الاختيارات وفي الإنصاف، أما في الفروع وشرح البهوتي على المنتهى، وأظن أيضاً في الكشاف: ذكر يتعشى مرة واحدة. نعم.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان