دخولتسجيل الدخول

كتاب الصيام 19 | أفضل صوم التطوع

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: وأفضله، أي: أفضل صوم التطوع، صوم يوم وفطر يوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «هو أفضل الصيام»، متفق عليه. وشرطه: ألا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من القيام بحقوق الله تعالى وحقوق عباده اللازمة، وإلا فتركه أفضل.

ذكر المؤلف رحمه الله أن أفضل صوم التطوع صوم يوم وفطر يوم؛ لامر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وكان قال له: صوم صوم داوود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما. قال: إني أطيك أفضل من ذلك، قال: لا أفضل من ذلك، فهو أفضل من سرد الصوم.

وهنا فائدة أشار بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى كما في الفروع، وعنه المرداوي في الإنصاف: أن من الأصحاب من يسرد الصوم كأبي بكر النجاد من الأصحاب، وذكر أن ظاهر حاله أن سرد الصوم أفضل. وفي هذا التعليق من ابن مفلح رحمه الله على هذا النقل عن سيرة النجاد فيه أخذ الراي الفقهي من ترجمة العالم.

وفي هذا تنبيه لطالب العلم أن يعتني بالعمل بعلمه، ولا يغفل النوافل لأنه محل قدوة، فربما يظن الناس شيئا من النوافل ليس بمستحب لأن طالب العلم الذي ينظرون أمامهم يعتبرونه قدوة لا يقوم به، فلذلك تتاكد النوافل في حق طالب العلم الذي يعده الناس قدوة لهم، تتاكد في حقه أكثر من غيره.

لذلك ينبغي لطالب العلم أن يحرص على أن يكون قدوة، يعني يؤسفنا وأنا يعني لا أبرئ نفسي ولا أنزعها، يؤسفنا أن يكون المبادرون إلى الصفوف الأولى في الصلوات المفروضة أناس من عامة المسلمين، ويكون طلاب العلم ممن يقضون الركعات أو لا يحضرون إلا مع الإقامة. كيف تريد الناس يسمعون توجيهك ونصحك وتربيتك وتذكيرك وأنت في يعني أهم أمور صلاة الجماعة تأتي إليها متأخرا؟ فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يحرص على العمل بالعلم، وأن يحرص على الاهتمام بالنوافل قدر المستطاع.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن شرط القيام بصيام يوم وفطر يوم ألا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام كالقيام بحقوق الله وحقوق العبادة اللازمة؛ لأنه إذا أضعف عن الواجب نقول: لا يقدم الواجب، فالتطوع لا يعارض الواجب.

لما انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر ما يستحب صومه، انتقل إلى ما يكره صومه.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويكره إفراد رجب بالصوم؛ لأن فيه إحياء لشعائر الجاهلية، فإن أفطر منه أو صام معه غيره زالت الكراهة.

أحسنت. وكأن سيذكر المؤلف رحمه الله ما يكره صومه، هناك أيام يكره صومها لافرادها أو أزمنه يكره صومها لافرادها، وذكر ثلاثة منها، وهناك أيام يكره صومها ولو لم يفردها سيذكرها.

مما يكره صومه لافراده قلنا: ثلاثة. الأول: شهر رجب، فيكره تخصيصه بالصوم من بين سائر الشهور، وهذا المذهب وعليه الأصحاب، وهو من المفردات كما قاله المرداوي رحمه الله؛ لانه ورد النهي عن التخصيص عن بعض الصحابه كعمر وابنه، ولما فيه من إحياء الشعائر الجاهلية.

روى الإمام أحمد عن خرشة بن الحر قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية. وقال ابن عمر: وكان ابن عمر إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه وقال: صوموا منه وأفطروا. وابن عباس يقول: لا يصومه إلا يوما أو أياما، يعني: إلا يفرده ويعظمه بصوم.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: من كان يصوم السنة صامه، يعني: إذا كان يصوم سيصوم السنة كلها، صوم الدهر مكروه على المذهب ما عدا الأيام الخسة: يومي العيدين وأيام التشريق، فإذا كان الشخص سيصوم السنة كلها إلا الأيام الخمسة فهو مكروه.

فيقول الإمام أحمد رحمه الله: إذا كان سيصوم مع السنة كلها هنا لا نمنعه لأنه لم يخصصه، قال: وإلا فلا، صومه متواليا بل يفطر فيه ولا يشبهه برمضان. ورد النهي عن صومه من حديث ابن عباس مرفوع عند ابن ماجه ولكنه لا يثبت، ضعفه الإمام أحمد.

وتزول الكراهة بالفطر فيه، ولذلك يقول هنا: فان أفطر منه زالت الكراهة، أو بصيام شهر آخر من السنه، يعني: لو صام رجب وشعبان أو رجب وجمادى أو رجب ومحرم، يقول: ولو لم يكون هذا الشهر يليه، كما قاله المجد رحمه الله تعالى.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويكره إفراد يوم الجمعة؛ بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم»، متفق عليه.

أحسنت. هذا اليوم الثاني مما يكره إفراده، وهو يوم الجمعة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله يوما أو بعده يوما»، متفق عليه.

فإن كان يصومه لغير المكروه صومه لكونه يوم الجمعة، لكونه يظن أنه أفضل من صوم غيره، فهذا هو المكروه، لذلك جاء في الحديث: «لا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام»، إلا أن يكون في صوم يصوم أحدكم، فلو كان شخص يصوم يوما ويفطر يوما فوافق يوم الجمعة فلا باس، أو لم يفرد هذا اليوم صام قبله يوم أو بعد يوم فلا باس في إرشاده صلى الله عليه وسلم لذلك إحدى زوجاته عليه الصلاه والسلام.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وإفراد يوم السبت لحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتترض عليكم»، رواه أحمد.

أحسنت. هذا اليوم الثالث مما يكره إفراده، وهو يوم السبت، والقول بكراهته هو المذهب وعليه الأصحاب، واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، رواه أحمد وغيره والحديث مختلف في صحته وضعفه وفي أحكامه ونسخه، لكن العمل جار لدى عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى على عدم العمل بظاهره، ولم يعمل بظاهره في تحريم صومه إلا في الفرض إلا بعض المعاصرين.

فإن صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية. قال السفاريني في كشف اللثام: لو جمع بين الجمعة والسبت في الصوم زالت الكراهة، ويلغى بذلك فيقال: أي موضع إذا ضممت به بين مكروهين زالت الكراهة، فيقال هنا: فإن إفراد كل واحد من يوم الجمعة والسبت مكروه، فبضمهما زالت الكراهة ولكنه لم يبق إفراد.

فصوم يوم السبت إذا كرهه الأصحاب رحمهم الله تعالى للحديث، ولعلهم يعني قالوا بكراهته ولم يقولوا بالتحريم لضعف الحديث، وهناك قول آخر في المذهب أنه لا يكره، وهذا اختاره شيخ الإسلام رحمه الله، وذكر أنه قول أكثر العلماء، قال: وهو الذي فهمه الأثر من روايته.

حيث روى الأثرم عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: قد جاء في حديث الصوم وكان يحيى بن سعيد يتقيه وأبى أن يحدثني به. قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الاحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم السبت والأحد ويقول: «هما عيدان للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم».

طبعا في حاشية ابن قاسم مكتوب عبد الله بن بشر والصوابها بشر. يقول شيخ الإسلام: وأنه لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض استثناء، فالحديث شاذ أو منسوخ، وهذه طريقه قدماء أصحاب أحمد الذين صاحبوه الأثرم وأبي داوود إلى آخره كلام الإمام أحمد رحمه الله وكلامه في اقتضاء الصراط المستقيم.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وكل صوم يوم النيروز والمهرجان وكل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم.

أحسنت. هنا هذه مما يكره أيضا يوم النيروز والمهرجان وهما يومان يعظمهما الكفار من الفرس ونحوهم، فصيامه فيه شبه لهم، فكره ذلك، يعني: إذا خصصهما بالصوم دون غيرهما كان ذلك موافقة لهما في تعظيمه، فكره الصوم. وإن النيروز والمهرجان اختلف في تحديدها من السنة، على كل نيروز هذا من الربيع من شهور الربيع، أما الشهر الثالث أو الرابع والمهرجان هو اليوم السابع عشر من الخريف كذا ذكره الزمخشري وقيل غير ذلك.

المهم أنها أيام يعظمها الكفار، ويقاس عليها كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم، فانه يكره صومه لما فيه من مشابهة الكفار، على أن بعض الفقهاء بعض الحنابله رحمه الله ذكر أنه لا يكره صومهما كالمجد، قال: لا يكره صومهما، لماذا؟ يقول: الكفار أصلا لا يعظمونه بالصوم، فلذلك لو صاموهما ما شابه الكفار. لكن المشهور من المذهب أنه يكره.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يكن غيم ولا نحوه، بقول عمار رضي الله عنه: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، رواه أبو داود والترمذي وصححه والبخاري تعليقا.

أحسنت. هنا مما يكره أيضا صوم يوم الشك، ويوم الشك بينه هنا ما المراد به، قال: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يكن غيم ولا نحوه؛ لأنه إذا كان غيم أو نحوه فانه يسمى يوم الغيم ولا يسمى يوم الشك ويجب صومه على المذهب.

فاذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان لا صحو ولم يرى الهلال فيقولون: هذا يوم الشك. لماذا سموه يوم الشك وهو لم يرى؟ يقولون: لأنه قد يقع من المسلمين تقصير في الترائي، وذكر الدليل على كراهته من حديث عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». وإنما ذكر الأصحاب أنه يكره ولا يحرم؛ لأنه قد استثني صوم من كان له عادة ونحوه فله أن يصوم، فلو كان محرما لما ساغ الاستثناء.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويكره الوصال، وهو ألا يفطر بين اليومين أو الأيام، ولا يكره إلى السحر، وتركه أولى.

أحسنت. هنا ذكر المؤلف رحمه الله استطرادا، وإلا فهو ليس من الأيام التي يسن صومها ولا يكره صومها، لكنه لما كان في مخالفة سنة ذكره هنا استطرادا فقال: يكره الوصال، وبين المقصود به وهو ألا يفطر بين اليومين أو الأيام، فيصل صوم يوم بيوم أو أكثر، فيكره للنهي عنه، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الوصال فقالوا: إنك تواصل؟ قال: «إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى»، فلما راهم مصرين واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال: «لو تاخر الهلال لزدت»، كالنكال لهم حين أبوا أن ينتهوا.

ولا يحرم الوصال، لماذا؟ لأن الكراهة أو النهي عنه وقع رفقا ورحمة بالمؤمنين، وذكر أنه يكره هذا إذا وصل يوم بيوم، لكن إذا واصل إلى السحر، واصل إلى السحر بمعنى لم يفطر ولم يتعشى حتى كان قبيل الفجر تسحر، فيقول: هذا لا يكره، هذا لا يكره لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر»، رواه البخاري عن أبي سعيد.

وقال: تركه أولى، وهذا فيه دليل على أنه يفرق بين خلاف الأولى والمكروه، فهذا الوصال إلى السحر هذا خلاف الأولى، لكنه ليس بمكروه ترك الوصال إلى السحر، لماذا؟ لأنه فوت فضيلة تعجيل الفطر، وتزول كراهة الوصال بتناول تمرة ونحوها أو بالشرب، لأن الأكل وكذا الشرب مظنة القوة.