دخولتسجيل الدخول

كتاب الطهارة 08 | الدرس السادس

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد:

فهذا هو اللقاء السادس من لقاءات التعليق على الروض المربع، نسأل الله أن يجعله لقاء خالصا لوجهه، ويجعله مباركا ونافعا لقائله ومستمعيه. توقفنا في الدرس الماضي على الكلام على آداب قضاء الحاجة. وذكرنا أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في آداب قضاء الحاجة: الآداب المستحبة، ثم المكروهة، ثم المحرمة، ثم ذكر شيئا من أحكام الاستنجاء والاستجمار.

من الآداب المستحبة دعاء الدخول والخروج، والدخول بالرجل اليسرى، واعتياده على رجله اليسرى. من الآداب أو من المكروهات حالة قضاء الحاجة، طيب هي ما ذكرها لكن لا يلزم من فعل أو ترك المستحب الوقوع في المكروه، وهنا لا نقول إن هذا مكروه إنما من باب الأدب. بعضهم يقولون إن هذا أسهل للخارج، فلن نقول إن أكسل الناس. أحسنت في قراءته وقوله بشيء فيه ذكر لله تعالى، أيضا يعني إذا قدم الجانب الأيمن في الدخول للخلاء. نعم، أحسنت في قراءته وقوله، أو ترك الكلام أولى. أحسنت، الكلام أثناء قضاء الحاجة، هل هو كل كلام؟ استثنى إذا كان مثل تنبيه غافل ونحو ذلك، وأيضا فهذا يكون واجب.

طيب، في كلام محرم، قراءة القرآن. قراءة القرآن هل هي محرمة في الخلاء على الإطلاق؟ استثناء الحاجة. كلام ابن عبد القوي في قراءة القرآن الجزم صاحب النظم، تحريم القراءة في قال وهو متوجه على حاجة. طبعا كلامه متوجه على حاجة، قلنا هذا من كلام من؟ هل هو من تتمة كلام ابن عبد القوي؟ كلام من؟ من كلام ابن مفلح رحمه الله تعالى في الفروع، قيد به إطلاق كلام ابن عبد القوي رحمه الله تعالى. نقرأ.

قال رحمه الله: ويحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة في غير بنيان لقول أبي أيوب رضي الله عنه مرفوعا: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا»، متفق عليه. ويكفي انحرافه عن جهة القبلة بحائل ولو كمؤخرة رحل، ولا يعتبر القرب من الحائل. ويكره استقبالها حال الاستنجاء. ويحرم.

لما أن المؤلف رحمه الله تعالى فرغ من الكلام عن الآداب المستحبة، ثم ذكر ما يكره فعله أثناء قضاء الحاجة، شرع في ذكر ما يحرم فعله أثناء قضاء الحاجة، فذكر ثلاثة أمور محرمة: الأول: استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، والثاني: اللبث في الخلاء يعني فوق حاجته، والثالث: قضاء الحاجة في الأماكن التي نهي عن قضاء الحاجة فيها، وسيأتينا بيانه. وسبب ذكر اثنين من المحرمات في أثناء الكلام عن المكروهات وهي: دخول الخلاء بالمصحف، التكشف، وقراءة القرآن أثناء أو في الخلاء.

الأمر الأول مما يحرم حال قضاء الحاجة قال: استقبال القبلة واستدبارها في غير البنيان. وهو محرم إذن في الصحراء، وجائز في البنيان على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب رحمهم الله تعالى، كما قاله في الإنصاف. واستدلوا بالحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله هنا حديث أبي أيوب رضي الله عنه تعالى. هنا ابن قاسم رحمه الله ذكر أن هذا محرم بالإجماع. الحقيقة أنه ليس بإجماع، ليس في إجماع في التحريم على قضاء الحاجة لا في البنيان ولا في الصحراء، فالخلاف فيها مشهور معروف. ولذلك الموفق رحمه الله نسب القول به إلى أكثر أهل العلم، يعني تحريم حالة التحريم في الصحراء نسبه إلى أكثر أهل العلم رحمه الله تعالى، وذكر في الخلاف.

وأجاز الأصحاب رحمهم الله تعالى الاستقبال والاستدبار في البنيان بالسنة، حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في قوله: إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس، وهذا عند أبي داود، ولفعله صلى الله عليه وسلم. ففي حديث ابن عمر في الصحيحين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستدبرا الكعبة على حاجته. وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة قبل موته بعام، يعني استقبل القبلة على حاجته قبل موته بعام، رواه أبو داود والترمذي. ونقل الترمذي رحمه الله عن البخاري تصحيحا.

كلام أو نقل الترمذي لتصحيح البخاري ليس في المطبوع من علله، ليس في المطبوع من علله لا الصغير ولا الكبير، لأن الترمذي رحمه الله له العلل التي ألحقها بجامعه، وهي التي شرحها ابن رجب رحمه الله. ابن رجب رحمه الله شرح الترمذي كاملا ومن ضمنه العلل، وفقد شرح للترمذي، وجد منه أوراق يسيرة، أوراق يسيرة جدا طبعت قبل سنوات، ووجد شرح العلل كاملا، وهو رحمه الله في شرح العلل يحيل إلى شرح الترمذي فإذا جاء إلى حديث قال كما قدمنا في الشرح. يعني ابن رجب رحمه الله في شروحه نجد في شرحه ينقل كلام المتقدمين من الأئمة الفقهاء ومن المحدثين رحمهم الله تعالى، ومن طالع كتابه في شرح البخاري فتح الباري أو غيره من الرسائل وجد ذلك واضحا. فكلام البخاري إذا ليس بمطبوع من علل الترمذي، ونقله البيهقي في الخلافيات وعبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى. في المطبوع من العلل قال: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق فقط، وليس فيه تصريح بتصحيحه.

طيب، ما الفرق بين البنيان والصحراء؟ لماذا أجازوه في البنيان ومنعوه في الصحراء؟ نعم، يعني فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لكن التمس بعضهم حكمة للتفريق. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: وقد قيل في وجه الفرق إن كشف العورة محظور في الأصل، وإنما يباح لحاجة، فإذا لم يكن بين يديه أو قريبا منه شيء يستره كان أفحش، وجهة القبلة أشرف الجهات فصينة عنه. وعلى هذا نقول إن الجلوس في الصحراء في وهد أو في وراء جدار أو أو بعير كالبنيان، وإن الجلوس على سطوح البنيان ولا سترة لها كالفضاء.

يعني شيخ الإسلام رحمه الله يقول -وهذا الكلام لشيخ العمدة- إن في البنيان لو أنه مثلا أراد أن يقضي الحاجة في البنيان لكنه ليس في وسط الخلاء، لكن مثلا في سطح البنيان ليس فيه جدار يحميه، فهنا يقول حكمه كحكم الصحراء لا يجوز له الاستقبال ولا الاستدبار. ويقول إذا كان في الصحراء وأمامه بعير أو جدار ونحوه فيكون حكمه حكم البنيان فيجوز له الاستقبال والاستدبار. وهذا القول كما قلنا تفريق بين الصحراء والبنيان وهو الصحيح في المذهب. وهناك قول آخر في المذهب وهو التحريم مطلقا في الصحراء والبنيان، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وممن اختارها من الأصحاب شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله تعالى. ويقول ابن القيم رحمه الله: لا فرق بين الفضاء والبنيان لبضعة عشر دليلا.

طيب، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكن شرقوا أو غربوا»، هذا خطاب لأهل المدينة ومن صار في حكمهم أن يتوجهوا إلى المشرق أو المغرب، يعني ممن قبلتهم الجنوب أو الشمال. أما من كانت قبلته الشرق أو الغرب فهنا ماذا نقول؟ يتجه شمالا ويتجه جنوبا.

قوله: ويكفي انحرافه عن جهة القبلة يمنة أو يسرة، على الصحيح من المذهب، وهذا نقله أبو داود عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ذكر البهوتي في حاشية المنتهى أن ظاهر الحديث يدل على عدم كفاية الانحراف اليسير، ويؤيد وجوب الانحراف الكثير. يعني الآن هم يقولون الانحراف اليسير، يعني الآن القبلة هنا لو اتجه فقط يسارا قليلا أو يمينا قليلا جاز ذلك، والبهوتي في حاشية المنتهى يقول: ظاهر الحديث يدل على عدم كفاية الانحراف اليسير، ويؤيد وجوب الانحراف الكثير قوله صلى الله عليه وسلم: «لكن شرقوا أو غربوا»، هنا انحراف كثير. لذلك يقول ابن قدامة في حاشية الفروع: وظاهره أن الانحراف اليسير يعني لا يكفي.

قوله: ولو حائل ولو كمؤخرة رحل لتستر أسافله. ومؤخرة الرحل هي الخشبة التي يستند إليها الراكب. الرحل أقرب للمذهب ولا هي ضابط؟ لا هم يذكرون على أنها قليلة، يبدو أنهم يذكرونها مثالا. فلو اجتاز بأقل، فيبدو والله أعلم أنه يجزئ ذلك، والله أعلم.

وقوله: ولا يعتبر القرب من الحائل، يعني لو كان حائل بينه وبينه مثلا مترين أو ثلاثة أمتار، قالوا هذا كافي، كما لو كان في البنيان، في البنيان لا يلزم أن يكون الجدار قريبا. وابن مفلح في الفروع قال: يتوجه وجه كسترة صلاة، سترة الصلاة هم بينه وبينه، يعني هم حدوه بثلاثة أذرع تقريباً. لذلك يقول البهوتي في حواشي الإقناع: فيقرب منها إلى نحو ثلاثة أذرع.

قوله: ويكره استقبالها حال الاستنجاء. هذا الأمر العاشر مما يكره من المكروهات، قلنا ذكر البهوتي عشرة أمور، تسعة ذكرها متتالية والعاشرة ذكرها أثناء الكلام عن المحرمات. استقبال القبلة حال الاستنجاء، وهذا ذكره ابن مفلح في الفروع وحكاه في المبدع، وذكر المرداوي أنه الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، وأيضاً ذكره في التنقيح.

طيب، هل يكره استدبار القبلة حال الاستنجاء؟ قال: يكره استقبال القبلة، أو استنجى وجعل قبلته خلفه، فهل يكره ذلك أو لا، أو نقول مباح؟ وش التالي أي ما الذي تقصد؟ قضاء الحاجة يكون أضعف، الاستدبار أضعف من الاستقبال، أتلحق بالكراهة؟ طيب، هذه ذكرها البهوتي في الكشاف قال: وظاهر كلامه كغيره لا يكره استدبارها، إذا لا يكره، إذا يكره استقبال القبلة حال الاستنجاء نعم.

أحسن الله إليك. قال رحمه الله: ويحرم اللبث فوق الحاجة، لما فيه من كشف العورة بلا حاجة وهو مضر عند الأطباء. أحسنت، هذا الأمر الثاني مما يحرم على قضاء الحاجة، وهو إطالة اللبث في الخلاء فوق الحاجة، فهو محرم في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، واقتصر عليه المرداوي في التنقيح لما فيه من كشف العورة. في الإنصاف وكشف الفروع ما رجح شيئا المرداوي، لكنه في التنقيح اقتصر عليه فيكون هو المذهب عند المتأحرين. قال: لما فيه من كشف العورة بلا حاجة. وكشف العورة بلا حاجة محرم على الصحيح من الروايتين في المذهب، يعني لو أن شخصا وهو خال كشف عورته بلا حاجة فإنه محرم على الصحيح من الروايتين في المذهب كما ذكره المرداوي في التصحيح في تصحيح الفروع.

قال: لما فيه من الأضرار، وقال: وهو مضر عند الأطباء. ذكروا أنه يدمي الكبد ويورث الباسور، وربما هذا من ينتظره، كيف هذا من ينتظره في الخلاء؟ يعني الواحد ينتظره في الخلاء وهو جالس، جالس في الخلاء بدون حاجة فهذا من ينتظر. وشيخ الإسلام رحمه الله نسب القول بأنه يدمي الكبد ويورث الباسور إلى لقمان الحكيم، وشيخ الإسلام في شرح العمدة نسبه إلى لقمان الحكيم، ولا في المغني وغيره يذكرونه بدون نسبة.

وقوله: فوق حاجته. هذا يحتمل معنيين، يحتمل أن المراد وقتا زائدا على حاجته، أن يمكث في الخلاء وقتا زائدا على حاجته، وهذا لأنه يحرم لأنه كشف للعورة بلا حاجة، ويحتمل أن يكون المراد يحرم لبثه فوق حاجته، يعني على حاجته، يعني يقضي الحاجة أكرمكم الله ويمضي، فهو محتمل للمعنيين وكلاهما صحيح.

قال رحمه الله: ويحرم بوله في طريق مسلوك وظل نافع، ومثله متشمس زمن الشتاء ومتحدث الناس وتحت شجرة عليها ثمرة لأنه يقدرها، وكذا في مورد الماء وتغوطه بماء مطلقا. أحسنت، هذا الأمر الثالث مما يحرم حال قضاء الحاجة، وهو قضاء الحاجة في الأماكن المنهي عنها، وذكر المصنف رحمه الله تعالى هنا سبعة أمور مما ينهى عن قضاء الحاجة فيها.

الأول: الطريق المسلوك، الطريق المسلوك يعني الذي يسلكه الناس ذهابا وإيابا، والقول بتحريم البول في الطريق المسلوك هو أحد الوجهين في المذهب، وجزم به الموفق في المغني. وذكر المرداوي في التصحيح أنه ظاهر الحديث، أن قواعد المذهب تقتضي -واختصر عليه- القول بالتحريم في التنقيح.

الأمر الثاني: الظل النافع، والمراد به مستظل الناس الذي يستظلون به ويعتادون الجلوس فيه أو يتخذونه مقيلا ونحوه. والقول بتحريم البول في الظل النافع هذا أحد الوجهين في المذهب، وجزم به الموفق في المغني، وقواه المرداوي في التصحيح. ودل على تحريم قضاء الحاجة في الطريق والظل حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا اللعانين». قال: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم»، رواه مسلم.

طيب، فإذا قيل الحديث يدل على تحريم التخلي في الظل، قال: في ظل، ما قال: في ظل نافع، فلماذا قيده الأصحاب بالنافع؟ لماذا ما أطلقوا، ما قالوا تحريم البول في الظل وأطلقوا؟ أحسنت، قالوا في الحديث قضاء الظل النافع، بترك الناس أو ظل الناس، فالمنع من البول فيه من أجل إبقاء انتفاع الناس به، فإذا لم يكن منتفعا به لم يثبت حكم المنع، لأن الحكم يزول بزوال علته. وهذا

ذكره ابن المنجى في الممتع. ولذلك ليس كل ظل يحرم قضاء الحاجة فيه، فقد كان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته حائط نخل، كما جاء ذلك في صحيح مسلم. ومن المعلوم أن له ظلاً.

الثالث: المتشمس زمن الشتاء. والرابع: متحدث الناس، يعني الأماكن التي يتحدثون فيها، وهما في معنى الظل النافع والمراد به الحديث النافع المباح. أما الحديث المكروه أو المحرم فلا يكره أن يقضي الحاجة فيه، قالوا بل يندب أن يفرقهم بما استطاع، لذلك قال البهوتي رحمه الله في الكشاف: إذا لم يكن بنحو غيبة، وإلا فيفرقهم بما استطاع.

الخامس: مما يحرم قضاء الحاجة فيه تحت الشجرة التي عليها الثمرة. لماذا يحرم قضاء الحاجة فيها؟ قال المؤلف لأنه يقدرها، يعني لأن الثمرة قد تسقط فتأتي على البول أكرمكم الله فتتنجس به. قالوا ولا يلزم أن تكون الثمرة مأكولة وإنما كره البول في هذا الموضع لأنه يفسد الماء وتعاف الأنفس. والقول بتحريم البول تحت الشجرة المثمرة هو أحد الوجهين في المذهب، وهو ظاهر كلام الموفق بن قدامة في المغني، وقواه المرداوي في التصحيح. وقد جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة رواه الطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف.

فإذا لم يكن عليها ثمرة لم تحرم، لم يحرم قضاء الحاجة تحتها إلا إذا كان ظلاً للناس. لماذا يجوز البول تحت الشجرة التي ليس عليها ثمرة؟ طبعا يقصد ليس فيها ثمرة يعني الآن بمعنى نخلة في نخلة لكن إلى الآن ما أثمرت، فقالوا يجوز ما لم تكن ظلاً للناس. لماذا يجوز؟ قد إذا جاء الثمر سقط عليها؟ قد تسقط الثمرة عليها؟ لا هم الآن يقولوا يجوز، يزول أثرها. قالوا يزول أثر هذه النجاسة بالأمطار والرياح ونحو ذلك.

السادس: مورد الماء، أي مجاريه ومشاريعه والطرق إليه. وجاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: «اتقوا الملاعين الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل»، وهذا عند أبي داود وابن ماجه، والنووي رحمه الله جود إسناده، واتقاؤها متفق عليه كما قاله ابن جاسم في الحاشية. والقول بتحريم البول في موارد المياه هو أحد الوجهين في المذهب، وجزم به الموفق في المغني، وقواه المرداوي في التصحيح. وذكر المرداوي في الإنصاف أن الصحيح من المذهب يعني عند المتقدمين الكراهة في المسائل الأربعة: البول في الطريق المسلوك والظل النافع وتحت الشجر المثمرة وفي موارد المياه، وهو ظاهر كلام الموفق في المقنع، خلاف طبعاً كلامه في الإنصاف.

في تصحيح الفروع قوى التحريم في هذه المسائل الأربعة واقتصر عليه في التنقيح، فلما اقتصر عليه في التنقيح إذن هو يكون المذهب عند المتأخرين، ولذلك لم يخالفه صاحب المنتهى والإقناع، وهذا رأي الموفق في المغني أيضاً.

السابع: قال وتغوطه بماء مطلقاً. تغوط خاصة بالماء مطلقاً، يعني سواء كان الماء قليلاً أو كثيراً، راكداً أو جارياً، لأنه يؤذي من مر به. واستثنوا البحر والمعد لقضاء الحاجة فيه، قالوا كالمطاهر، يعني أتوقع أنها مثل الصرف ونحوه، فلا يحرم ولا يكره التغوط في هذين، البحر والمطاهر. قالوا لا يحرم ولا يكره كما ذكره الحجاوي في حاشيته على التنقيح، والبحر لا يتأثر بالتغوط فيه لأنه لا تعكره الجيف.

والقول بتحريم التغوط في الماء مطلقاً هو الصحيح من الوجهين في المذهب، جزم به الموفق في المغني. وهنا قال: التغوط، تدل على أن البول بخلافه. فقالوا: البول لا يكره إلا في الماء الراكد دون الجاري. البول يكره في الماء الراكد دون الجاري على الصحيح من المذهب، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد». قالوا: فيكره البول فيه ولو بلغ حدّاً لا يمكن نزحه، كما قاله البهوتي في حاشية المنتهى. ولأن الماء إن كان قليلاً نجسه، وإن كان كثيراً فربما تغير بتكرار البول فيه، يعني هذا تعليل لكراهة البول في الماء الراكد.

وأما الماء الجاري، قالوا: فلا بأس بالبول فيه، لأن تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن البول في الماء الراكد دليل على أن الجاري بخلافه. هذا الاستدلال بمفهوم المخالفة. وفرق المرداوي في الإنصاف بين الكثير والقليل، فذكر كراهته في القليل دون الكثير، يعني المرداوي في الإنصاف يفرق في الجاري بين القليل والكثير، فيقول: يكره أيضاً البول في الماء الجاري القليل دون الكثير.

أيه، طيب لماذا لا يحرم وهو قد يؤدي إلى نجاسته؟ لماذا لا يحرم البول في الماء وهو قد يؤدي إلى نجاسته؟ نعم الجاري مثل الراكد، المذهب أنه يفرق بين القلتين وما دون. فلو كان ماءً جارياً ودون القلتين أو ماءً راكداً ودون القلتين، فقالوا: يكره. لماذا؟ يعني يأتي في الراكد قالوا يكره. الراكد فوق القلتين يكره؟ أيه. والجاري؟ يكره أيضاً. حتى لو كان فوق القلتين؟ أيه. لماذا لم يحرموا؟ يكره وينجس. لماذا لم يحرموا؟

قال رحمه الله: ويستجمر بحجر أو نحوه، ثم يستنجي بالماء لفعله صلى الله عليه وسلم، ورواه أحمد وغيره من حديث عائشة وصححه الترمذي، فإن عكس كره. ويجزئه الاستجمار حتى مع وجود الماء، لكن الماء أفضل، إن لم يعدُ أن يتجاوز الخارج موضع العادة، مثل أن يتفشى الخارج على شيء من الصفحة أو يمتد إلى الحشفة امتداداً غير معتاد، فلا يجزئ فيه إلا الماء.

كالمذي والبول المشكل ومخرجه غير الفرج، وتنجس مخرج بغير خارج، فلا يجب غسل نجاسة وجنابة بداخل فرج بكر ولا داخل حشفة أقلف غير مفتوق.

بين المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة مراتب إزالة النجاسة من السبيلين، فذكر أنها على ثلاث مراتب، أعلاها الجمع بين الاستنجاء والاستجمار، فيستجمر أولاً ثم يستنجي ثانياً. فإن انعكس كره. إن انعكس كره، يعني إن استنجى أولاً ثم استجمر ثانياً قالوا يكره.

المرتبة الثانية: الاقتصار على الاستنجاء بالماء. والمرتبة الثالثة: الاقتصار على الاستجمار بالحجر. وكلها جائزة على تفصيل في الثالثة سيأتينا بعد قليل. والتخيير بين الاستنجاء والاستجمار هو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى.

وقد كان هناك خلاف قديم في الاستنجاء بالماء، يعني هل يشرع أو لا يشرع؟ روي عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم إنكاره، ثم استقر القول على شرعيته. وأما الاستجمار بالحجر فهو مجزئ بغير خلاف كما قال الموفق ابن قدامة وشيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة وغيره.

شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة ذكر أن ما نقل عن بعض الصحابة من إنكار الاستنجاء بالماء أنه كان إنكاراً على من يعتقد وجوبه ولا يرى الأحجار مجزئة، فلذلك أنكروا عليه.

قوله: ويستجمر بالحجر أو نحوه. نحو الحجر مثل الخشب والخرق والتراب ونحو ذلك. قال: ثم يستنجي بالماء لفعله صلى الله عليه وسلم. يعني يجمع بين الاستنجاء والاستجمار، وهذا أكمل الأحوال على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. قال الإمام أحمد رحمه الله: إن جمعهما فهو أحب إلي. استدل الشارح على ذلك بفعله صلى الله عليه وسلم، كما جاء ذلك في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

وحديث عائشة عند سعيد بن منصور فيما نسبه له الموفق ابن قدامة رحمه الله في المغني، ولفظه قالت عائشة رضي الله عنها: مرنا أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحيهم، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله. وهذا احتج به الإمام أحمد رحمه الله في رواية حنبل، ولذلك هنا قال: رواه أحمد.

إذا قال الأصحاب: رواه أحمد، ترى لا يلزم أن يكون في المسند، لا يلزم أن يكون في المسند، لذلك يتعجل بعضهم يعني في انتقاد الأصحاب إذا قال: رواه أحمد، قال: لا، لم يروه. أحياناً طبعا مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ترى المطبوع فيه نقص، المطبوع فيه نقص يستدرك من كتب الأطراف ونحوها. لكن حتى لو لم يوجد، لو يعني استوفى في المطبوع ما أو في الأطراف ولم يجد سنقول أيضاً: الإمام أحمد رحمه الله له كتب أخرى، وله أصحاب يروون عنه المسائل.

فهذا احتج به الإمام أحمد رحمه الله في رواية حنبل، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فربما أن من نسبه إليه يقصد أنه احتج لما احتج به لما سأله حنبل عن فاحتج به إلى رواه أحمد رواه بسنده في مسائل حنبلي عنهم رحمهم الله تعالى.

وقوله هنا صححه الترمذي، حقيقة الذي صححه الترمذي حديث عائشة في الاستنجاء بالماء دون الأحجار، هنا الأحجار هذه ليس فيه إشارة إلى الحجر إلى يعني اتباع الماء الحجر فيه فقط، فيه فقط الاستنجاء بالماء.

الإمام أحمد رحمه الله له بعض كتب المسائل، طبعا المسائل رواها عن الصحابة، له مثلاً كتاب الورع، طبعا الورع رواه المروذي عنه، والأشربة والصلاة ونحوها من الصحابة، المناسك المناسك غير مطبوعة لكن أظن أنه وجد منه مجموع من الأجزاء المسند، فهذه كلها يرويها الإمام أحمد أو يعني هي مظان رواية الإمام أحمد نعم، لذلك أحياناً تجد شيخ الإسلام أو ابن كثير رحمه الله في تفسيره ينقل إسناداً كاملاً الإمام أحمد تبحث المسند ما تجده، فيكون مما سقط من مطبوعات المسند.

وأيضاً مما يدل على الجمع بين أو أفضلية الجمع بين الاستنجاء والاستجمار، قالوا لما فيه من زيادة الإنقاء، قالوا ولأنه أبعد من مس الأذى باليد المحوج إلى تكلف في تطهيره، يعني أنه لو كان مثلاً تغوط فاستجمر أولاً بالحجر، خلاص، زالت أثر النجاسة، أو زالت العين التي تزيلها، بقي آثار يسيرة، الآن لا يحتاج أن يباشر بيده النجاسة، خلاص، يرش عليها الماء بدون مباشرة يده، فلذلك قالوا إن جمعهما أفضل. قالوا: فإن عكس، فانعكس كره، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله لأنه لا فائدة منه إلا التقدير.

قوله: ويجزئ الاستجمار حتى مع وجود الماء، هذه المرتبة الثالثة. الاقتصار على الاستجمار فقط، فهو مجزئ في قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، بل ننقل الإجماع عليه، لحديث جابر رضي الله عنه وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه». رواه أحمد وأبو داود، وصححه الدارقطني والنووي في المجموع. قال شيخ الإسلام رحمه الله: الاستجمار بالأحجار تواترت به السنة مع القدرة على الماء، وقد أجمع المسلمون على جواز الاستجمار. ولا يكره الاقتصار على الاستجمار في الأصح، وقد تقدم نقل الإجماع على جواز الاقتصار عليه.

قوله: لكن الماء أفضل، هذه المرتبة الثانية. الأولى: جمعهما، الثانية: الاستنجاء فقط، والثالثة: الاستجمار فقط. الاستنجاء وحده أفضل من الاستجمار، وهذه المرتبة الثانية، يزال بالماء وحده. وكونه أفضل من الحجر وحده، هذا هو الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. ما قاله المرداوي، دل عليه حديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء. وإنما كان الماء أفضل من الاقتصار على الحجر فقط، لأنه يزيل عين النجاسة، بخلاف الحجر، فإنما يزيل حكمها فقط.

وقوله: إن لم يعدُ، أي: يتجاوز الخارج موضع العادة. هذا شروع من المؤلف رحمه الله تعالى في بيان المواضع التي لا يكتفى فيها بالاستجمار. يعني إحنا قلنا الجمع بين الاستجمار والاستنجاء، هذا المرتبة الأولى، الثانية: الاستنجاء فقط، الثالثة: الاستجمار فقط، كلها جائزة على تفصيل في الثالث، يعني الاستجمار فقط جائزة على تفصيل فيها، قلنا: نقول إذاً هناك مواضع لا يجزئ فيها الاقتصار على الاستجمار. وذكر المؤلف رحمه الله هنا أربعة مواضع.

الموضع الأول: إذا تجاوز الخارج موضع العادة. كيف؟ قالوا: كأن ينتشر الغائط على شيء من الصفحة، صفحة الدبر، أو يمتد البول إلى الحشفة امتداداً غير معتاد، فلا يجزئ فيه إلا الماء فقط. فلا يجزئ فيه، يعني لابد أن يستنجي، لا يكفي الاستجمار. إذا استجمر واستنجى ما في إشكال، لكن إذا استجمر فقط نقول لا يكفي، لابد من الماء.

طيب، هل نقول الآن عنده الغائط أكرمكم الله تجاوز موضع العادة؟ هل نقول الغائط الذي في موضع العادة له أن يستجمر به، أن يستجمر عنه، والذي تجاوزه هو الذي يغسله بالماء؟ أو نقول لا، كله نغسله بالماء؟ موضع العادة في الحجر، وما زاد يشترط فيه الماء. أن تقول كله. هما قولان، هما قولان في المذهب.

وأما الزائد فلابد فيه من الماء.

لماذا قالوا ما خرج عن موضع العادة لا يجزئ فيه الاستجمار؟ هما يدورون على معنى معين في إزالة النجاسة. صحيح قربت الآن؛ في إزالة النجاسات ما قلنا في أول باب المياه: لا يزيل النجس إلا الماء. طيب هنا الخارج عن السبيل قليل، فلما كثر جاز إزالته بالحجر؛ طبعًا بالحجر يزيل حكمه لا يزيل عينه، لكن جاز استعمال الحجر. استعمال الحجر الآن صار رخصة، رخصة لماذا؟ للمشقة، لكثرة استخدامه ولكثرة إخراج السبيل. طيب، تجاوز السبيل أو تجاوز الخارج موضع العادة هذا قليل أو نادر، فانتفت المشقة. لما انتفت المشقة نرجع إلى الأصل، الأصل أنه لا يجزئ إلا الماء.

ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة في قواعده في القاعدة التاسعة والعشرين؛ يقول: من سُمح في مقدار يسير فزاد عليه، فهل تنتفي المسامحة بالزيادة وحدها أو في الجميع؟ وذكر أن لها وجهين، وذكر من ضمن أمثلتها هذه المسألة: لو تعدى الخارج من السبيل موضع العادة، فهل يجب غسل الجميع؟ يعني مع السبيل والمتجاوز، أو القدر المتجاوز موضع العادة ويجزئ الحجر في موضع العادة؟ قال على وجهين؛ أشهرهما: أن الواجب غسل المتعدي خاصة متى تعدى موضع العادة. قال: وهو قول القاضي، وربما نسبه لنص أحمد، لأن هذا لا ينسب فيه إلى تفريط وتعد، بخلاف الوكيل والمضحي، لأنه ذكر مسألة الوكيل ومسألة المضحي في كتاب القواعد. قال: والثاني يلزمه غسل الجميع، وهو الوجه الثاني في المذهب قالوا به، جزم القاضي أبو يعلى الصغير ولم يحك فيه خلافًا.

إذن هذه المسألة الأولى من المسائل التي لا يجزئ فيها إلا الاستنجاء، وهي إذا تعدى الخارج موضع العادة.

المسالة الثانية: قولك قبل الخنثى المشكل. يعني الآن الخنثى المشكل وهو من له آلة ذكر وآلة أنثى فيبول منهما جميعًا. بال منهما أو من أحدهما، نقول: لابد أن تستنجي، لا يكفيك الاستجمار. لماذا؟ قالوا: لأن الأصلية منهما غير معلوم، والاستجمار لا يصح إلا في أصله، كما تقدم معنا في أول باب الاستنجاء والاستجمار.

فإن كان الخنثى واضحًا ليس مشكلًا؛ الخنثى له آلة ذكر وآلة أنثى لكن تبين حاله وأنه ذكر، فهل يجزئ الاستجمار؟ أحسنت، قالوا: فإن كان واضحًا أجزأ الاستجمار في الأصل دون الزائد. وقالوا: ويجزي في دبره، لأنه له دبرًا واحدًا، خلاص أجزأ فيه، لأن الدبر هنا أصل، الإشكال في القبل. وهذا ذكره البهوتي في شرح الممتع.

الثالث الذي لا يجزئ فيه الاستجمار، قال: ما ذكره في قوله: ومخرجي من غير فرج. يعني شخص مريض فتح له فتحة لخروج الفضلات من الجسم في بطنه مثلًا. فالآن الفضلات التي تخرج من بطنه مع الفتحة هذه، هل نقول يجزئه الاستجمار؟ قالوا: لا، هذا لابد فيه من الاستنجاء، لا يجزئه الاستجمار على الصحيح من المذهب. وسواء كان المخرج فوق المعدة أو تحتها، لأن بعض الأصحاب يقول: ما إذا كان تحت المعدة فيجزئه، لكن المشهور من المذهب أنه لا فرق بين المخرج، سواء كان فوق أو تحت. قالوا: لماذا لا يجزئ؟ قالوا: لأنه نادر، فنرجع إلى الأصل في إزالة النجاسة وأنه يكون بالماء. قالوا: ولذلك لا يثبت له أحكام الفرج الأصلي من انتقاض الوضوء بلمسه ومن تعلق حكم الوطء بالإيلاج فيه ونحو ذلك، فأشبه النجاسة التي تخرج من سائر البدن، لابد فيها من الاستنجاء.

الرابع: ما ذكره في قوله: وتنجس مخرج بغير خارج. كيف؟ بغير الخارج المعتاد. هم يقصدون: تنجس بغير خارج منه؛ يعني مثلًا لو أتيت إلى مكان -أكرمكم الله- بال فيه شخص، فأتيت وبال شخص في نفس المكان الذي بال فيه شخص، فتراشق عليه من بول صاحبه الذي بال قبله. فالآن تنجس المخرج بنجاسة لكنها لم تخرج منه، فهذه النجاسة التي لم تخرج منه لابد فيها من الاستنجاء، لا يجزئ فيها الاستجمار. وكذا قالوا لو كان خارجًا منه وجف؛ يعني مثلًا لو أنه خرج منه غائط -أكرمكم الله- لكنه لم يستنج، فجف هذا الغائط، فنقول هنا أيضًا لا يجزئه إلا الاستنجاء.

ثم أشار الشارح رحمه الله إلى أن الاستنجاء والاستجمار إنما يكون للنجاسة الظاهرة، أما النجاسة الباطنة فلا يجب -يعني التي لم تبرز- فلا يجب لها الاستنجاء ولا الاستجمار. ومثل على ذلك بمثالين: الأول: داخل فرج الثيب. والثاني: داخل حشفة الأقلف غير المفتوق. قال: ولا يجب غسل نجاسة وجنابة -مثل المني- بداخل فرج ثيب على الصحيح من المذهب، هذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فلا تدخل الثيب يدها ولا إصبعها بل تغسل ما ظهر فقط، لأن في ذلك مشقة عليها. وذكر الشارح الشام رحمه الله أن هذا هو المنصوص من الوجهين عن الأصحاب.

وقوله: ولا داخل الحشفة لأقلف غير مفتوق، يعني أنه لو كان هناك شخص لم يختتن، فهل يجب عليه كلما تبول أن يغسل ما داخل الحشفة؟ يقولون: لا، إذا كان محل الحشفة غير مفتوح، لأن النجاسة التي تحته في حكم الباطن. لكن لو كان مفتوقًا ويستطيع أن يرفع طرف الحشفة ويغسل ما تحتها، قال هنا: يجب غسلها، لأنه لا مشقة فيه، لأنه صار في حكم الظاهر.

قال رحمه الله: ويشترط للاستجمار بأحجار ونحوها كخشب وخرق أن يكون ما يستجمر به طاهرًا، غير العظم.

هذا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط صحة الاستجمار، فذكر أنه يستجمر أولًا بالحجر ونحوها من الخشب والخرق والتراب. الحجر هذا مجمع عليه، مجمع على جواز الاستجمار به، فيما نقله الموفق ابن قدامة رحمه الله. أما غيره ففيه الخلاف، ففيه الخلاف حتى داخل المذهب، لكن تعميم الاستجمار بما هو في حكم الحجر هذا هو الصحيح من المذهب وقول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث: «بثلاثة أحجار، أو بثلاثة أعواد، أو بثلاث حثيات من تراب». رواه الدارقطني وهو مرسل، لكن جاء عن عمر رضي الله عنه موقوفًا أنه كان إذا بال قال: ناولني شيئًا -قال من حوله: ناولني شيئًا أستنجي به- فيناوله العود أو الحجر أو يأتي حائطًا يتمسح به أو يمس الأرض ولم يكن يغسله. قال البيهقي لما أخرجه: وهذا أصح ما روي في هذا الباب وأعلاه. وما ورد في بعض الأحاديث من التخصيص بالحجارة -يعني أن نستنجي مثلًا بأقل من ثلاث أحجار ونحو ذلك- فهذا لكونها أعم الجامدات وجودًا وأسهلها تناولًا، كما قاله الزركشي.

ثم ذكر أنه اشترط لصحة الاستجمار بالأحجار ونحوها أربعة شروط، وهذه الشروط تتعلق بالشيء المستجمر به، لأنه سيأتينا شروط أخرى تتعلق بالعدد ونحوه. الشرط الأول: الطهارة. والثاني: الإباحة. والثالث: الإنقاء. والرابع: ألا يكون منهيًا عن الاستجمار به.

فقوله طاهر، هذا هو الشرط الأول من شروط صحة الاستجمار، أن يكون المستجمر به طاهرًا، فلا يصح الاستجمار بنجس. لما روى البخاري رحمه الله عن ابن مسعود أنه جاء للنبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: «هذا ركس». وهذا التعليل من النبي صلى الله عليه وسلم فيجب المصير إليه، يعني خلاص هذه علة منصوصة، فنقول كل لا يستنجى به أو لا يستجمر به، ولأن الاستجمار إزالة نجاسة، فلا تحصل إزالة النجاسة بشيء نجس، كالغسل؛ يعني الآن تغسل النجاسة، هل تغسلها بماء نجس؟ لا، تغسلها بماء طاهر، فهذا مثله.

وقوله مباحًا، هذا هو الشرط الثاني من شروط صحة الاستجمار، أن يكون مباحًا، فلا يصح بمغصوب ولا بذهب أو فضة، لأن الاستجمار رخصة، فلا يستباح به المحرم. واشتراط الإباحة في المستجمر به من مفردات الحنابلة، كما قاله المرداوي رحمه الله في الإنصاف.

وقوله منقيًا، هذا هو الشرط الثالث من شروط صحة الاستجمار، أن يكون منقيًا، وسيأتينا ضابط الإنقاء بعد قليل إن شاء الله، وهذا القيد لإخراج الأملس من الزجاج ونحوه، فلا يصح الاستجمار به، لماذا؟ لأن المقصود الإنقاء والإزالة، ولا يحصل الإنقاء بالأملس ونحوه لعدم حصول المقصود منه. وكذلك لا يجزئ الاستجمار بشيء رخو وندي ورطب لامتزاجه بالخارج، فيزيد المحل نجاسة.

أحسن الله إليك، قال رحمه الله: وطعام ولو لبهيمة، محترم كغير عظم، وغير عظم وروث ولو طاهرين، وطعام ولو لبهيمة محترم ككتب علم، ومتصل بحيوان كذنب البهيمة وصوفها المتصل بها، ويحرم الاستجمار بهذه الأشياء، وبجلد سمك أو حيوان مذكى مطلقًا، أو حشيش رطب.

وهنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى الشرط الرابع من شروط صحة الاستجمار التي تتعلق بالمستجمر به، وهو ألا يكون قد نهي عن الاستجمار به. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى سبعة أشياء نهي عن الاستجمار بها: الأول: العظم. والثاني: الروث. والثالث: الطعام. والرابع: المحترم. والخامس: المتصل بحيوان. والسادس: جلد السمك أو الحيوان المذكى. والسابع: الحشيش الرطب.

فالعظم والروث يقول المؤلف أو الشارح: ولو طاهرين. والعظم والروث الطاهرين هما عظام ماذا؟ عظام المذكى. طبعًا العظم عظم المذكى، والروث نقول روث مأكول اللحم. إيه طيب، لماذا لا يجوز الاستجمار بها؟ للنهي عن ذلك. قول البخاري عن أبي هريرة أنه اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذاهبًا لحاجته فقال له: «ابغني أحجارًا أستنجي بها، ولا تأتيني بعظم ولا روث». فقلت: ما بال العظمة والروثة؟ قال: «هما من طعام الجن». الحديث. وروى مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجن: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة طعام لدوابكم». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم». والنهي يقتضي الففساد وعدم الإجزاء. وروى ابن خزيمة والدارقطني عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: «إنهما لا يطهران». إسناده جيد، كما قاله الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في تيسير العزيز الحميد. ابن قاسم في الحاشية عزى قوله "إسناده جيد" إلى الشيخ سليمان بن عبد الله، هذا له كتاب في التوحيد عظيم، وهو مهتم بعلم الحديث، وهو الذي قال: علمي برجال الحديث أقوى من علمي برجال الدرعية. رحمهم الله.

الثالث: الطعام. يعني لا يجوز الاستجمار بالطعام، فلو مثلًا وجد لحمًا أو مثلًا موزًا ونحوه، فلا يجوز له أن يستجمر به، لأنه لما نهي عن الاستجمار بطعام الجن دل من باب أولى على تحريم الاستجمار بطعام الإنس. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالنهي عنه من طعام الجن وعلف الدواب. وطعام الآدمي صرح الأصحاب رحمهم الله تعالى بالمنع منه.

وقوله: ولو لبهيمة، هذا أيضًا إشارة خلاف في ذلك، يعني بعض الحنابلة لا يحرمون الاستجمار بطعام البهيمة، لكن المشهور في المذهب أنه سواء كان الطعام للآدمي أو البهيمة.

الرابع: المحترم، يمثل عليه الشارح بكتب العلم. لماذا لا يجوز الاستجمار بها؟ يقول الموفق رحمه الله: لما فيه من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها، فهو في الحرمة أعظم من الروثة والرمة. وزاد ابن منجى قال: ولأنه نهي عن تلويث المساجد بالنجاسة لأنها موضع الذكر، فنفس الذكر أولى. قال المرداوي: قال جماعة كثيرة من الأصحاب: وكتب حديث وفقه. قلت: وهذا لا شك فيه ولا نعلم ما يخالفه.

الخامس: المتصل بالحيوان، كذنب البهيمة وصوفها المتصل بها، وكذا يدها ورجلها. هذا المذهب عليه جماهير الأصحاب، لأن ذلك كله له حرمة كطعام وقد ينجس الغير. ومما يدل على أن للحيوان حرمة، أن صاحبه ممنوع من إطعامه النجاسة، وإذا كان قد نهي عن الاستنجاء بعلف الدواب، فالنهي عن الاستنجاء بها -يعني بالدواب- أولى، كما قال شيخ الإسلام في شرح العمدة.

السادس: جلد الحيوان الطاهر، كجلد السمك والحيوان المذكى مطلقًا على الصحيح من المذهب، سواء كان مدبوغًا أو لا، لأنه طعام جاز أكله، فكان الاستنجاء به استنجاء بمطعوم وبهذا.

علل بعض الأصحاب كأبي موسى وابن عقيل رحمهما الله تعالى.

سابعاً: الحشيش الرطب، على الصحيح من المذهب لا يجوز الاستجمار به؛ لأنه زاد البهائم ولا يحصل به الإنقاء. ومفهومه أن اليابس يصح الاستجمار به، وهو مقيد بما إذا لم يكن طعاماً له وإلا فلا، لوجود العلة والحكم يدور مع علته.

أحسن الله إليك. قال رحمه الله: ولا يصح الاستجمار بهذه الأشياء أو بجلد سمك أو حيوان مذكى مطلقاً، أو حشيش رطب، ويشترط الاكتفاء بالاستجمار بثلاث مسحات منقية فأكثر، إن لم يحصل بثلاث. ولا يجزئ أقل منها. ويعتبر أن تعم كل مسحة المحل. ولو كانت الثلاثة بحجر ذي شعب أجزأت إن أنقت، وكيفما حصل الإنقاء بالاستجمار أجزأ، وهو أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، والماء يعود المحل كما كان مع الشجر فغسلت ويكفي ظن الإنقاء. ويسن قطعه، أي قطع ما زاد على الثلاث على وتره؛ فإن أنقى برابعة زاد خامسة وهكذا.

أحسنت. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة شروط صحة الاستجمار التي تعود للفعل نفسه، وهما أمران: العدد والإنقاء. العدد وهو ثلاث في الحجر، وسبع في الماء، يعني في الاستنجاء بالماء. والإنقاء كما سيأتي. قوله: يشترط للاكتفاء بالاستجمار ثلاثة مسحات منقية فأكثر إن لم ينق بثلاث؛ ذكر في هذه الجملة الشرطين وهما الثلاث إن حصل بها الإنقاء، والإنقاء فيما زاد على الثلاث. واشتراط الثلاث هذا بلا نزاع في المذهب كما قاله في الإنصاف، والدليل على اشتراطها حديث سلمان رضي الله عنه: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستجمر بأقل من ثلاث أحجار. واشتراط الإنقاء مجمع عليه كما قاله النووي.

قوله: ولا يجزئ أقل منها؛ أي من الثلاث. قال البهوتي في شرح المنتهى: لأن معناه أي معنى الحديث معقول ومراده معلوم. ودل على ذلك حديث سلمان المتقدم، وجاء الأمر بالثلاث في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثاً». يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ولو استجمر بأقل من ثلاث أحجار فعليه أن يكمل المأمور به وإن أنقى بدونه.

قوله: ويعتبر أن تعم كل مسحة المحل؛ يعني إذا أراد أن يستجمر، لا يجعل مثلاً استجماره في الدبر، لا يجعل مثلاً الحجر الأول لأعلى الدبر، والحجر الأوسط لأوسطه، والحجر الثالث لآخره. لا، لابد كل حجر يعم المحل؛ لأنه إذا لم يعم به كان ذلك تلفيقاً، فيكون بمنزلة المسحة الواحدة ولا يكون تكراراً.

قوله: ولو كانت الثلاثة بحجر ذي شعب أجزأت ونقت؛ يعني لو أراد أن يستجمر بحجر له ذوات أوجه، حجر كبير له وجه هنا ووجه هنا ووجه، ثلاث شعب يعني فأكثر، فهذا يجزئه الاكتفاء بحجر واحد له ثلاث شعب، ولا يشترط حقيقة عدد الأحجار، بل يشترط تمام المسحات على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله. قال الشارح ابن أبي عمر في ظاهر المذهب وذكر المرداوي أنه الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب، فالحجر ذو شعب بمنزلة الأحجار المتعددة. ويستدلون على ذلك بما روى الإمام أحمد عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات»، فبين أن الغرض عدد المسحات لا عدد الأحجار.

يقول موفق ابن قدامة: ولأنه لو فصله ثلاثاً صغاراً واستجمر بها جاز. يعني الحجر الكبير لو كسره ثلاث كسر استجمر بكل واحد جاز، ما في أحد قال له إنك ما يكفيك لأن هذه أصلها حجر واحد. يقول فلا فرق بين الأصل وفرعه. يقول الفرق الآن أننا فصلناه، هذا فصلناه وهذا حجر مكتمل، ولا أثر لذلك في التطهير. قوله ولو إذا هنا إشارة خلاف في المذهب؛ لأن في المذهب قولاً آخر بأنه لابد من استيعاب العدد، فيستجمر بثلاث أحجار ولا تكفي المسحات بالشعب المتعددة للحجر الواحد.

وكيفما حصل الإنقاء في الاستجمار أجزأ؛ لأنه إنما المقصود إزالة النجاسة. ثم ذكر ضابط الإنقاء في الحجر والماء، فذكر أن ضابطه في الحجر أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء. يقول الموفق رحمه الله: ومعنى الإنقاء إزالة عين النجاسة وبلتها، بحيث يخرج الحجر نقياً ليس عليه أثر إلا شيئاً يسيراً. فلا بد من الإنقاء إذاً مع العدد فأيهما وجد دون صاحبه لم يكف.

قوله: وبالماء عود المحل؛ اشترط للاستنجاء شرطين: الإنقاء وذكر ضابطه وهو عود خشونة المحل كما كان لزوال لزوجة النجاسة وآثارها. والثاني العدد؛ لا بد من استيفاء العدد وهي سبع غسلات؛ لأنه يعتبر في إزالة النجاسة على غير الأرض أنه لابد فيه من سبع غسلات كما سيأتينا إن شاء الله في باب إزالة النجاسة، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية ابنه صالح. وقوله: ويكفي ظن الإنقاء؛ يعني إذا أخذ بالعدد ثلاث أحجار أو بالماء غسله سبع مرات فإنه يكفي ظن الإنقاء فلا يشترط تيقن الإنقاء؛ يكفي غلبة الظن. وهذا جزم به جماعة من الأصحاب رحمهم الله تعالى، وقدمه البعلي في القواعد الأصولية والمرداوي في الإنصاف، قالوا: لأن اعتبار اليقين حرج وهو منتف شرعاً. قال: ويسن قطعه على وتر، يعني قطع ما زاد على الثلاث على وتر، فإن أنقى برابعة زاد خامسة وهكذا؛ لحديث: «من استجمر فليوتر». وهذا حديث في الصحيحين، وليس الوتر بواجب لقوله في الأخرى: «من فعل فقد، ومن لم يفعل فلا حرج».

نعم، أحسن الله إليك. قال المؤلف رحمه الله: يجب الاستنجاء بالماء أو حجر ونحوه لكل خارج من السبيل إذا أراد الصلاة ونحوها، إلا الريح والطاهر وغير الملوث.

أحسنت. ذكر المؤلف رحمه الله هنا ما يجب الاستنجاء منه، وهو كل خارج من السبيل، سواء كان معتاداً كالبول والغائط أو لا كالدود مثلاً. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]. وهذا يعم كل مكان من محل وثوب وبدن، ولعموم الأحاديث الدالة على الاستجمار، وفيها: «فإنها تجزئ عنه»، والإجزاء إنما يستعمل في الواجب؛ هذا دليل على وجوب الاستجمار أو الاستنجاء. ونهى عن الاقتصار على أقل من ثلاث أحجار، والنهي يقتضي التحريم، والقول بوجوب الاستنجاء أو الاستجمار هو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى. قال في الإنصاف: أما النجس الملوث فلا نزاع في وجوب الاستنجاء منه، لا نزاع يعني داخل المذهب.

وذكر الشارح هنا وقت وجوب الاستنجاء، متى نقول يجب الاستنجاء؟ وهو عند إرادة الصلاة ونحوها، كما استنبط وجوبه؛ لأن وجوب الشرط بوجوب المشروط. يعني لو أنه مثلاً قضى حاجته ولكنه يريد أن ينام، نقول لا يلزمه الاستنجاء الآن، إذا استيقظ من نومه وأراد أن يصلي أو يقرأ قرآناً ونحو ذلك نقول الآن يلزمه الاستنجاء ثم الوضوء. ثم استثنى الشارح ثلاث أشياء لا يجب الاستنجاء منها، وهي الريح والطاهر وغير الملوث.

الريح قالوا لأن الغسل لإزالة النجاسة والريح ما نجاسة فيها. قال الإمام أحمد رحمه الله: ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وإنما عليه الوضوء. قال الموفق رحمه الله: لا نعلم فيه خلافاً. يعني في وجوب الاستنجاء من الريح. طبعاً هذا كلام الموفق رحمه الله، وفيه خلاف في المذهب؛ نقل ابن مفلح في الفروع والمرداوي في الإنصاف خلافاً عن بعض الأصحاب في وجوب الاستنجاء من الريح.

الثاني الطاهر؛ كالولد كدم أو كالمني. قولنا الاستنجاء يكون على النجاسة وهذه لا نجاسة فيها. الثالث النجس غير الملوث؛ كالدودة والحصاة. يعني الشخص خرج من مخرجه من مخرج الغائط أكرمكم الله دودة، دودة غير ملوثة يعني أنها يابسة، فهذه لا يجب الاستنجاء ولا الاستجمار منها. قالوا لماذا؟ قالوا لأنها لا تلوث، والاستنجاء شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة هنا. طبعاً هذا ما استقر عليه المذهب عند المتأخرين، أما أصحاب المتقدمون فعندهم الصحيح من المذهب عند المتقدمين وجوب الاستنجاء من الطاهر والنجس غير الملوث كما قاله المرداوي في الإنصاف. والقول بعدم وجوب الاستنجاء منهما هذا قاله الموفق والشارح، استظهره ابن مفلح في الفروع وصوبه في الإنصاف. قال المرداوي: وكيف يستنجى أو يستجمر من طاهر؟ أم كيف يحصل الإنقاء بالأحجار في الخارج غير الملوث؟ وهل هذا إلا شبيه بالعبث؟ وهذا من أشكل ما يكون. واقتصر رحمه الله على ذلك في التنقيح، يعني على عدم التلوث.

نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: ولا يصح قبله أي قبل الماء أو بالحجر ونحوه وضوء ولا تيمم. لحديث المقداد رضي الله عنه متفق عليه: «يغسل ذكره ثم يتوضأ». ولو كانت النجاسة على غير السبيلين أو عليهما غير خارجة منهما صح الوضوء والتيمم قبل زوالها.

أحسنت. ختم المصنف رحمه الله تعالى بذكر شرط من شروطه يتعلق بالترتيب بينه وبين الوضوء أو التيمم. وهو أنه لابد أن يكون الاستنجاء سابقاً للوضوء أو التيمم، فلا يكون لاحقاً لهما، وهذا على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب. واستدلوا بحديث المقداد: «يغسل ذكره ثم يتوضأ»، وهذا فيه الترتيب؛ الاستنجاء أولاً ثم الوضوء. طبعاً هذه الرواية قال في الصحيحين بـ بالواو وليست بـ ثم. طيب لماذا أوجبوا الاستنجاء قبل الوضوء أو التيمم؟ قالوا الوضوء طهارة يبطلها الحدث، فاشترط تقدم الاستنجاء عليه. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم ينقل عنهم أنهم يتوضأون إلا بعد الاستنجاء، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج امتثالاً لأمر فحكمه حكم ذلك الأمر. يعني إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين مجملاً وكان هذا المجمل أصله مستحباً فيكون فعل النبي صلى الله عليه وسلم دالاً على الاستحباب، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين فعلاً واجباً فيكون فعله هذا دالاً على الوجوب.

والرواية الثانية في صحة الاستنجاء وهذه الرواية اختارها الموفق والشارح رحمهم الله تعالى، قالوا لأن الاستنجاء إزالة نجاسة فلم تشترط لصحة الطهارة كما لو كانت على غير الفرج؛ يعني لو كان شخصاً عليه نجاسة أصابته نجاسة في فخذه مثلاً فتوضأ، نقول الوضوء صحيح في المذهب؛ فالوضوء صحيح ولو لم يزل النجاسة إلا بعد الوضوء. فالموفق يقول النجاسة سواء كانت على السبيلين أو على غيرهما حكمها واحد.

ولا يصح تأخير الاستنجاء عن التيمم على الصحيح من المذهب، وقيل إنه وجه واحد في المذهب أنه لا يصح؛ قالوا لأن التيمم وإن كان غير رافع للحدث، يعني لا تشمله العلة الأولى التي في الوضوء، قالوا لكنه تستباح به الصلاة ولا تباح مع قيام المانع. وقوله لا تيمم سواء كان التيمم على حالة أصغر أو أكبر أو نجاسة.

ثم ذكر الشارح رحمه الله مسألتين يجوز فيهما تقديم الوضوء والتيمم على الاستنجاء، وهما الأولى ما ذكره بقوله: لو كانت النجاسة على غير السبيلين، وهي ما ذكرنا لكم قبل قليل، فيصح تقديم الوضوء والتيمم على إزالتها على أحد الوجهين في المذهب. وصوبه المرداوي في التصحيح، ولكن بالإنصاف أنه الصحيح من المذهب. طبعاً إذا كانت النجاسة على أعضاء الوضوء، فيقيد هذا بأن تكون هذه النجاسة غير مانعة من وصول الماء للعضو، وإلا فلا يصح الوضوء مع وجود ذلك كما قاله ابن تيمية. الاستثناء الثاني ما ذكره بقوله: أو عليهما غير خارجة منهما. يعني مثل المثال السابق؛ لو أنه أصابه رشاش بول غيره، فهنا يقولون يصح تقديم الوضوء والتيمم على الاستنجاء إذا كانت النجاسة على أحد السبيلين ولم تكن خارجة منهما.

نعم. قال رحمه الله: باب السواك وسنن الوضوء وما ألحق بذلك من الاكتفال والاكتحال والاختتان والاستحداد ونحوها.

أحسنت. لما أنهى المصنف رحمه الله تعالى الكلام على آداب قضاء الحاجة وما يتعلق بها ناسب أن ينتقل إلى الوضوء، وهو مقدمة الصلاة ومفتاحها، فابتدأ بالكلام عن سنن الوضوء. ولما كان من سنن الوضوء السواك وهو من سنن الفطرة، استطرد إلى بيان بعض سنن الفطرة وأيضاً بيان بعض الآداب المتعلقة بالتجمل والنظافة، وأدخلوها في الباب لكونها من خصال الفطرة؛ فإنهم قد يذكرون في الباب أشياء لها تعلق بمقصود الباب وإن لم تكن مما ترجم له.

نعم، قال رحمه الله: السواك والمسواك اسم للعود الذي يستاك به، ويطلق السواك على ذلك، أي الدلك، أي دلك الفم بالعود لإزالة نحو تغير الفم.

أحسنت. هنا بين المصنف رحمه الله أن السواك يطلق على الآلة اللي هو السواك، ويطلق على الفعل يعني التسوك. وقوله كالتسوك يعني أن التسوك يراد به الفعل. نعم.

السلام عليكم. قال رحمه الله: التسوك بعود، سواء كان رطباً أو يابساً، من أراك أو زيتون أو عرجون أو غيرها. ممكن مثال غير متفتت، احترازاً من الرمان والآس، وكل ما له رائحة طيبة لا يتفتت ولا يجرح، ويكره بعود يجرح أو يضر أو يتفتت. ولا يصيب السنة من استاك بإصبعه وخرقته ونحوها، لأن الشرع لم يأذن به، ولا يحصل به إلقاء العود.

أحسنت. ذكر المصنف رحمه الله في هذه الجملة ما يشرع التسوك به وصفات السواك، فذكر أن السواك.

يجمع عدة صفات، الصفة الأولى أن يكون عوداً لإخراج الإصبع والخرقة كما ذكره لاحقاً. هل يشترط نوع معين من العود؟ هنا قال الشارح: من أراك أو زيتون أو عرجون أو غيرها. العرجون المقصود به عرجون النخل. ذكر المرداوي أن بعض الأصحاب اقتصر على الثلاثة: الأراك والزيتون والعرجون. وقال الأزجي: لا يعدل عنها إلا لتعذرها، وكلام الأزجي نقله ابن مفلح في الفروع. هل هناك أفضلية لعود على غيره؟ طبعاً لا، المذهب أنه لا يقتصر على هذه الثلاث. ابن مفلح يقول وظاهره التساوي بين الأعواد، ويتوجه احتمال أن الأراك أولى بفعله صلى الله عليه وسلم. وذكر المرداوي في الإنصاف أن المذهب عليه الأصحاب التساوي بين جميع ما يستاك به، يعني لا فضل لعود على آخر.

الثاني من صفات السواك أن يكون ليناً لإخراج القاسي، وسواء كان ليناً برطوبته من أصله أو كان يابساً لكنه مندد بماء أو ماء ورد. والثالث الصفة الثالثة أن يكون منقياً للفم. والرابع ألا يكون مضراً، فإن كان مضراً بجرح ونحوه فلا يشرع التسوك به كالرمان؛ فإن كان يجرح فيكره التسوك به لأنه يتسبب إلى تنجيسه بالدم، فيعود على مقصود السواك بالنقد؛ لأن السواك شرع للتنظيف والتطهير والتنجيس يناقضه. وذكر في الإنصاف أن الصحيح من المذهب كراهة التسوك بما يجرحه ويضر.

الخامس من صفات السواك ألا يتفتت باستعماله، فإن كان يتفتت باستعماله لم يشرع التسوك به لأن ذلك مضاد لغرض السواك. وذكر البهوتي في شرح المنتهى أنه يكره التسوك باليابس وغير المنقي والذي يجرح والذي يضر والذي يتفتت في الفم. ثم ذكر المؤلف هنا أنه لا يصيب السنة من استاك بإصبع وخرقة؛ قال ابن مفلح في المبدع والمرداوي في الإنصاف: وهو المذهب. واستدل بأمرين: أن الشرع لم يرد به، وأنه لا يحصل به الإنقاء كالعود.

قال ابن قاسم تعليقاً على الدليل الأول: كذا حكاه بعض الأصحاب أن الشرع لم يرد به، ولعل من قال به لم يبلغه ما ورد. وهناك قول آخر في المذهب أنه يصيب من السنة بقدر ما يحصل به الإنقاء، وممن رجحه الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى والشارح. يقول الموفق رحمه الله: ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها. والمرداوي في الإنصاف رحمه الله ذكر قولا أنه يصيب من السنة عند عدم الاستواك؛ يعني لا نقول أنها مشروعة مطلقاً، وإنما نقول إذا لم يتوفر لديه عود مسواك فهنا يلجأ إلى الإصبع والخرقة، قال المرداوي: وما ذلك ببعيد. وإذا للسواك في الإصبع حديث أنس مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يجزئ من السواك الأصابع»، رواه البيهقي والضياء في المختار، ووردت أحاديث أخرى في الباب.

قال رحمه الله: مسنون كل وقت. خبر قوله التسوك، أي يسلك كل وقت. في حديث: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب»، رواه الشافعي وأحمد وغيرهما. لغير صائم بعد الزوال، فيكره؛ فرضاً كان الصوم أو نفلاً. وقبل الزوال يستحب له اليابس. الرطب، في حديث: «إذا صمتم فاستاكوا غداة ولا تستاكوا عشياً»، أخرجه البيهقي عن حديث أبي هريرة.

هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى الحكم الأصلي للسواك، عندنا السواك له حكم أصلي وله أحكام عارضة. فالحكم الأصلي الاستحباب السني، وقد يكره، وقد يباح، وقد ترتفع السنية فتكون سنة مؤكدة؛ فهي أربعة أحكام. السنية إذاً هي الأصل، وأنها مسنونة كل وقت لغير الصائم بعد الزوال. ويدل على ذلك الأحاديث الواردة في السواك ومنها ما ذكره المؤلف هنا: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب»، وهذا عند البخاري تعليقاً ورواه أحمد والنسائي. وقد ورد في سنية السواك أكثر من مئة حديث حتى عد في المتواتر، واتفق العلماء رحمهم الله تعالى على أنه سنة مؤكدة.

إذا قالوا اتفقوا على أنه سنة مؤكدة هذا لا يعني أنه ليس هناك قول بالوجوب، هناك قول بالوجوب، لكن يقصدون أنه ليس هناك من قال بأدنى من السنة أنه مباح مثلاً. فتجدون أحياناً يعبرون بهذا، يعني يقولون مثلاً صلاة العيدين سنة بالإجماع؛ يعني أنه لا نقول أنها مكروهة ولا مباحة ولا محرمة، إذاً سنة فأعلى، فينبغي الانتباه لهذا، يعني بعضهم قد ينتقد من يقول هذا، لا، يفهم مقصوده وأنه قد يعبر عن ذلك بأن هذا متفق عليه، وما زاد ففيه الخلاف. والقول باستحباب السواك في الأصل متفق عليه بين أهل العلم رحمهم الله تعالى كما ذكره الموفق ابن قدامة، لحثه صلى الله عليه وسلم ومواظبته عليه، ولأنه غيبي فيه، ولندبه إليه، وتسميته من الفطرة كما في حديث عائشة: «عشر من الفطرة»، وذكر منها السواك. إذاً هذا هو الأصل.

قد يكره، متى يكره؟ قال: لغير صائم بعد الزوال فيكره. إذاً الأصحاب رحمهم الله تعالى يفرقون في حكم السواك للصائم بين بعد الزوال وبين قبل الزوال. فيقولون قبل الزوال يستحب له بيابس مندى ويباح برطب. لماذا يباح؟ قالوا الرطب يتحلل منه أجزاء؛ فلما كان يتحلل منه أجزاء يخشى أن يؤثر على الصيام، فهذه أنزلته من رتبة الاستحباب إلى رتبة الإباحة. قال ابن نصر الله في حواشي الفروع: يتوجه هذا في غير المواصل، أما المواصل الصيام مواصلة يوم بيوم، قال فتتوجه كراهته له مطلقاً. المرداوي رحمه الله قال عن كلامي فيه نظر، إذ الوصال إما مكروه أو محرم فلا يرفع الاستحباب.

هذا إذا حكمه له قبل الزوال. أما حكم بعد الزوال فيكره له السواك، قال ابن عقيل رحمه الله: لا يختلف المذهب أنه لا يستحب للصائم السواك بعد الزوال. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا أظهر الروايتين، يعني أظهر الروايتين للإمام أحمد رحمه الله وهو المذهب. ويستدل على ذلك بحديث علي الذي ذكره المصنف: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي»، لكن هذا الحديث ضعيف. وأيضاً ما ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يستاك ما بينه وبين الظهر ولا يستاك بعد ذلك. ولأن السواك إنما يستحب لإزالة رائحة الفم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، متفق عليه، وإزالة المستطاب مكروه كدم الشهيد وشعر المحرم.

يعني يقولون هذا أثر عبادة، ولا ينبغي إزالة أثر العبادة؛ ولذلك مثلاً شعر المحرم سيمر علينا في باب الحج أو في كتاب المناسك أنهم يتكلمون عن أن المحرم ينبغي له ألا يمشط شعره ونحوه لئلا يزيل الشعر، وكذلك في دم الشهيد أيضاً لا يغسل دم الشهيد، وكذلك خروج المعتكف في ثياب اعتكافه لصلاة العيد؛ قالوا لأن هذا أثر عبادة. فإذا قيل: الحديث لا تقييد فيه، «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، لا تقييد؛ فلماذا قلتم بعد الزوال يكره وقبل الزوال لا يكره؟ قالوا لأن الريح إنما تصير غالباً في مثل ذلك الوقت، فوجب اختصاص الحكم به.

وهناك قول آخر في المذهب أنه يستحب السواك للصائم قبل الزوال وبعده، وهذه رواية في المذهب اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وأيضاً اختارها ابن مفلح في الفروع والزركشي في شرحه وغيرهم من الأصحاب رحمهم الله. يستدلون على ذلك بالعمومات التي تحث على السواك، وهناك أدلة خاصة مثل حديث عامر بن ربيعة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم، وهذا رواه أصحاب السنن والبخاري تعليقاً. البخاري علقه بصيغة التمريض. وحديث: «من خير خصال الصائم السواك». قالوا، وهذا الكلام للزركشي، قال: ولأن مرضات الرب أطيب من ريح المسك، يكون مرضاة الرب بالسواك أفضل من أن يحصل لك ريح المسك. قال: والخلوف من المعدة لا من الفم، فلذلك السواك لا يذهب الخلوف. إذاً وقفنا على متى يتأكد السواك، الله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.