دخولتسجيل الدخول

كتاب الطهارة 15 | الدرس الثالث عشر

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو اللقاء الثالث عشر من لقاءات التعليق على كتاب الروض المربع للشيخ منصور البهوتي رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا على الناقض السابع من نواقض الوضوء. تم دراسة ست نواقض وهي: الخارج من السبيلين، الخارج النجس من بقية البدن، زوال العقل، مس الشهوة أو مس الذكر، مس الأنثى لشهوة، وغسل الميت.

أيّها التي هي من مفردات المذهب؟ قول من نقضي بها من المفردات؟ تغسيل الميت، أحسنت. وإلا فالباقي لم يوافق الإمام أحمد رحمه الله فيها غيره، إما إجماعا أو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

قال المصنف رحمه الله تعالى: السابع: أكل اللحم خاصة من الجزور، أي الإبل، فلا ينقض، فلا تنقض بقية أجزائه؛ كالكبد وشرب لبنها ومرق لحمها، سواء كان نيئًا أو مطبوخًا. قال أحمد: فيه حديثان صحيحان: حديث البراء رضي الله عنه، وحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه.

بين المؤلف رحمه الله تعالى هنا الناقض السابع من نواقض الوضوء، وهو أكل لحم الإبل. والقول بكون أكل لحم الإبل من نواقض الوضوء، هذا من مفردات المذهب، كما قاله المرداوي رحمه الله في الإنصاف. وهو ظاهر المذهب، كما قاله الشارح ابن أبي عمر. قال المرداوي: هذا المذهب مطلقًا بلا ريب، نص عليه وعليه عامة الأصحاب. وقوله هنا مطلقًا يعني قول المرداوي: هذا المذهب مطلقًا، يعني أنه سواء كان عالما أو جاهلاً، وسواء كان نيئًا أو مطبوخًا، لأن كل هذا فيه خلاف بين أهل العلم، لكن المشهور من المذهب هو القول بالنقض به مطلقًا.

قال الخطابي رحمه الله في معالم السنن: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث. وهذا الناقض خاص باللحم الأحمر، ولذلك المؤلف يقول: أكل اللحم خاصة، يعني أن هذا النقد مخصوص باللحم الذي هو اللحم الأحمر، وهذا هو أحد الوجهين عند الأصحاب رحمهم الله تعالى، فلا يشمل بقية الأجزاء كالكبد. يعني لو أن شخصًا أفطر على كبدة إبل، فنقول: هل ينتقض وضوءه بذلك؟ على المشهور من المذهب أنه لا ينتقض وضوءه بذلك. لماذا؟ قالوا: لأن الحديث ورد في اللحم، فالنص لم يتناول، واللحم المعروف أنه اللحم الأحمر، فالنص لا يتناول غيره من الأجزاء كالكبد والكرش ونحوه. يقول المرداوي: هذا هو المذهب وعليه أكثر الأصحاب.

وهناك وجه ثانٍ في المذهب أنه ينقض بقية الأجزاء؛ لأنه من جملة الجزور، وإطلاق اللحم في الحيوان يراد به جملته لأنه أكثر ما فيه، يقولون يعني إطلاق اللحم في الأحاديث هذا من باب التمثيل؛ لأن هذا أكثر ما في الإبل، فيشمل بقية أجزائه. قالوا: ولذلك لما حرم الله لحم الخنزير، كان ذلك تحريمًا لجملته. فلذلك قال: خاص باللحم، فلا يشمل بقية أجزائها، وأيضًا لا يشمل اللبن والمرق؛ لأن النص لم يتناول، ولا يصح في غير اللحم حديث.

ولذلك يقول ابن قدامة في المغني: إن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه قالوا: فيه حديثان صحيحان، لهم حديث جابر وحديث البراء؛ جابر بن سمرة وحديث البراء. قال: هذا يدل على أنه لا صحيح سواهما؛ لأن فيه أحاديث فيها الأمر بالوضوء من ألبان الإبل، فيفهم من كلام الإمام أحمد أن تلك الأحاديث ليست صحيحة. طبعًا شيخ الإسلام رحمه الله ناقش هذا الفهم في شرح العمدة، يعني يقول: إن هذا لا يدل على أن تلك الأحاديث ضعيفة، لكن نقول قد تكون تنزل عن رتبة الصحيح إلى الحسن، وهذا هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في عدم انتقاض الوضوء باللبن، وهو المشهور من المذهب وعليه الأصحاب.

والأحاديث الواردة في الوضوء من ألبان الإبل مضعفة، منها حديث أسيد بن حضير عند أحمد وابن ماجه، حديث ابن عمر عند ابن ماجه، فهي لا تخلو من علة. وسواء كان اللحم نيئًا أو مطبوخًا، وسواء كان عالما أو جاهلاً، وهذا كما قلنا هو معنى قول المرداوي مطلقًا بعموم الحديث.

وروي عن الإمام أحمد رحمه الله التفريق بين العالم والجاهل، وذكر الخلال أن على هذا استقر قول الإمام أحمد، اللي هو التفريق بين العالم والجاهل. وذكر المصنف رحمه الله الدليل على هذا الناقض من قول الإمام أحمد رحمه الله وأن فيه حديثين؛ حديث البراء وحديث جابر بن سمرة. وقد قاله أيضًا إسحاق بن راهويه.

حديث البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: «نعم توضؤوا منها». رواه أبو حنيفة. وقال ابن خزيمة: لم أرى خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح لعدالة ناقله.

أما حديث جابر بن سمرة فهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أنأتوضأ من لحوم الإبل؟ فقال: «نعم توضؤوا من لحوم الإبل». وسئل: أنأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ». ورواه مسلم وغيره.

ويعلل أيضًا الوضوء من لحم الإبل بما فيها من القوة الشيطانية؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث أنها خلقت من جن، فأكل لحمها يورث القوة الشيطانية، وهي تزول بالوضوء من لحمها، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى.

والقول الثاني في أصل المسألة: عدم النقض بأكل لحم الإبل. وهذا قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، وحكاه ابن عقيل رواية عن الإمام أحمد رحمه الله. ويستدلون بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الوضوء مما يخرج لا مما يدخل». وهذا رواه الدارقطني والبيهقي لكن هذا الحديث ضعيف.

ويستدلون بحديث جابر: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار». رواه أبو داود وغيره، وقياسًا على سائر المأكولات، فسائر المأكولات لا يتوضأ منها قالوا: فيقاس عليها لحم الإبل.

والكلام في أحاديث جابر «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار» الكلام فيه يطول في أصل هذا الحديث؛ يعني أن أبو داود رحمه الله لما أخرجه قال: إنه مختصر، مختصر من الحديث الأول. فهو أورد رواية عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب له خبزًا ولحمًا، جاء في الرواية أنه لحم غنم، فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ به ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ، فاختصره بعض الرواة فبهذه الرواية: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار».

على أنه لو ثبت هذا عن جابر، فقد نقل شيخ الإسلام رحمه الله بأن هذا نقل لفعله لا لقوله. فإذا شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ بعد أن كان يتوضأ منه، صح أن يقال: الترك آخر الأمرين، لكن الترك العام لا يحاط به إلا بدوام معاشرته، وليس في حديث جابر ما يدل على ذلك، بل المنقول عن الترك في قضية معينة، إلى آخر كلام شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى.

وأنبه إلى أن بعض العلماء رحمهم الله تعالى ينسبون القول بعدم نقض الوضوء بأكل لحم الإبل إلى الخلفاء الراشدين، وممن نسبه لهم النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم، أن ممن ذهب لعدم وجوب الوضوء من لحم الإبل: الخلفاء الراشدون. ونبه شيخ الإسلام رحمه الله إلى عدم دقة هذا النقل، فقال في القواعد النورانية: وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة خلاف هذا وأنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل فقد غلط عليه، وإنما توهم ذلك لما نقل عنهم أنهم لم يكونوا يتوضؤون مما مست النار. يعني جاء عنهم أنهم يأكلون شيئًا مسته النار ثم يصلون ولا يتوضأون، هذا هو المنقول عنهم، فظن بعض العلماء أن هذا شامل حتى لحم الإبل.

يقول شيخ الإسلام: وإنما المراد أن أكل ما مست النار ليس هو سببًا لوجوب الوضوء عندهم، والذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحم الإبل ليس سبب مس النار. يعني لحم الإبل ينقض حتى لو لم يطبخ، يعني لو أكله نيئًا كما ذكر المؤلف، لو أكله نيئًا فإنه ينقض لدلالة هذا الحديث. لا نقول إنه كان ينقض ثم جاء هذا الحديث الذي فيه إنه لا يتوضأ مما مسته النار فنسخ كل شيء، حتى الوضوء من لحم الإبل؛ لا نقول إن الوضوء مما مسته النار كان مشروعًا أول الأمر ثم نسخ، أما لحم الإبل فلم ينسخ وما زال باقيًا.

وأطال الموفق بن قدامة رحمه الله في التقرير في تقرير وجوب الوضوء من لحم الإبل، والرد على من قال بأن الأمر به مستحب، أو من قال إنه منسوخ.

هل الوضوء من لحم الإبل تعبدي أو معلل؟ يعني إذا قلنا تعبدي، إذن لا يقاس عليه غيره، وإذا قلنا معلل، إذن يقاس عليه ما أشبهه، أو ما كان أشد منه يعني مثل لحم الخنزير أو نحوه، خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. والمذهب أنه تعبدي، وعلى هذا فلا يقاس عليه غيره من المحرمات.

أنبه أيضًا إلى أنه نسب القول الثاني بعدم انتقاض الوضوء بأكل لحم الإبل إلى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وممن نسبه له ابن عبد الهادي في الاختيارات، والبعلي أيضًا في الاختيارات، والمرداوي أيضًا في الإنصاف وهو أحد القولين له. يعني شيخ الإسلام نسب له القول بعدم النقد ونسب له القول بالنقد، والذي في الفتاوى في عدة مواضع أنه يرى نقد الوضوء بأكل لحم الإبل، ولذلك قال البعلي رحمه الله لما نقل أنه يرى الاستحباب استحباب الوضوء، قال: وفي المسائل يجب الوضوء من لحم الإبل لحديثين صحيحين، لعله آخر ما أفتى به. كذا قال البعلي في الاختيارات.

طيب، قالوا: وفي المسائل، ما المراد بكتابه المسائل؟ شيخ الإسلام أيوة، رسالة لشيخ الإسلام رحمه الله في المسائل التي قيل إنها على خلاف القياس، وهي موجودة في مجموع الفتاوى في نهاية المجلد العشرين من صفحة 504 إلى نهاية المجلد. سئل: هل ثبت في الشريعة شيء على خلاف القياس؟ فأجاب بجواب طويل وذكر شيئًا مما قيل إنه على خلاف القياس وأجاب. شيخ الإسلام يرى أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس، وذكر بعض الأمثلة التي يذكرها الفقهاء أو الأصوليون أنها ثبتت على خلاف القياس وأجاب عنها. والسائل له من؟ ابن القيم، ولذلك ابن القيم ذكرها في إعلام الموقعين.

قال رحمه الله: والثامن، المشار إليه بقوله: كل ما أوجب غسلاً كإسلام أو انتقال المني ونحوهما أوجب وضوءًا إلا الموت فيوجب الغسل دون الوضوء، ولا ننتقض بالقلب والكلم والغيبة ونحوها والقهقهة ولو في الصلاة.

بين المؤلف رحمه الله تعالى هنا الناقض الثامن من نواقض الوضوء، وهو كل ما أوجب غسلاً، فإن موجبات الغسل تعتبر نواقض للوضوء، فلا يستبيح معها ما يحرم على المحدث حدثًا أصغر. ولم يذكرها الموفق في المقنع من النواقض، وإنما ذكر بدلها الردة، والردة داخلة في هذا الناقض لأن إسلام الكافر من موجبات الغسل.

وذكر المرداوي رحمه الله أن الصحيح من المذهب أن كل ما يوجب الغسل يوجب الوضوء، وإن لم يكن خارجًا من السبيلين. مثل المؤلف هنا على ما يوجب الغسل بإسلام الكافر وانتقال المني، فهي توجب الغسل على المذهب كما سيأتي إن شاء الله في باب الغسل، فإذا حصلت للشخص فإنه لا يستبيح معها ما يحرم على المحدث حدثًا أصغر من الصلاة والطواف ومس المصحف.

قد يقول قائل: وش الفائدة أن نقول إنها نواقض للوضوء ما دام أنه سيغتسل؟ هو صحيح عشان نبين بس لو توضح زيادة. يعني قد يقول قائل الآن: إذا قلنا لماذا نقول هي نواقض للوضوء وهو سيغتسل؟ والاغتسال يعني وضوء وزيادة لرفع الحدثين. أحسنت، لأجل النية، ينوي رفع الحدثين. وسياتينا إن شاء الله في باب الغسل أنه إذا نوى رفع الحدث الأكبر فقط ولم ينوي رفع الحدث الأصغر، فإنه لا يعتبر الحدث الأصغر، يلزمه أن يتوضأ بعدها.

قال: إلا الموت فإنه يجب الغسل دون الوضوء، يعني إذا مات الإنسان.

الوجب تغسيله، ولم يجب الوضوء في حقه بل يسن، يسن أن يوضأ قبل الاغتسال لكن لا يجب أن يوضأ.

يستثنى مسألة في الموت يجب توضيئته. إذا لم يستطع، تعذر. لا، إذا تعذر غسله ييمم.

الجنب يا شيخ؟ لا.

الشهيد يا شيخ؟ لا، عادي، فالشهيد ليس بشيء. لا، ليس الشهيد.

سيأتينا إن شاء الله في باب الجنائز في أحكام تغسيل الميت أنه إذا غسل سبعاً فخرج منه شيء بعد السابعة قالوا: فيوضأ وجوبًا، فلذلك هذه المسألة تستثنى من هنا.

ولا نقض. أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: ولا نقض بغير ما مر، كالقدف والكذب والغيبة ونحوها، والقهقهة ووضع الصلاة، وأكل ما مسته النار غير لحم الإبل، ولا يسن الوضوء منهما. أحسنت.

ذكر المؤلف رحمه الله في هذه الجملة أنه لا ينقض غير ما ذكره هنا من النواقض، ويقصد بها النواقض المشتركة، أما النواقض المخصوصة بباب معين فإنها تقدمت في الباب، يعني مثلًا بطلان المسح بانتهاء المدة فينتقض، لكنه ذكرت في باب المسح على الخفين.

ذكر بعض الأمثلة من الكلام المحرم، كالقدف والغيبة، يعني لو قذف شخصًا آخر رماه بما يوجب حدًا من زنى أو لواط، أو اغتاب شخصًا آخر، أو كذب عليه، أو تكلم بأي كلام محرم، فإنه لا ينتقض وضوءه بذلك، ونصر الإمام أحمد رحمه الله على عدم انتقاض الوضوء بها.

قال ابن المنذر رحمه الله: أجمع من نحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف وقول الزور والغيبة لا توجب طهارة ولا تنقض وضوءًا، وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحباب عندنا ممن أمر به، ولا نعلم حجة توجب وضوءًا في شيء من الكلام.

وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله»، ولم يأمر في ذلك بوضوء.

وقال المرداوي رحمه الله عن عدم انتقاض الوضوء بالغيبة ونحوها من الكلام المحرم: وهو المذهب وعليه الأصحاب.

قال: والقهقهة ولو في الصلاة، يعني لا تنقض الوضوء عند جمهور العلماء، ونصر المؤلف رحمه الله تعالى عليها، بخلاف أبي حنيفة رحمه الله تعالى الذي يبطل الوضوء بالقهقهة في الصلاة دون خارجها، وروى حديثًا ضعيفًا في ذلك، لكن جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى لا يأخذون به.

قال: والقهقهة أن يضحك حتى يتصل من ضحكه حرفان، هذا ذكره ابن عقيل رحمه الله. وعدم بطلان الوضوء بالقهقهة في الصلاة جاء عن جابر وأبي موسى رضي الله تعالى عنهما، ويقول شيخ الإسلام رحمه الله: ولم يثبت عن صحابي خلافه.

وأكل ما مسته النار غير لحم الإبل، أي أنها لا تنقض الوضوء. ولما ذكر الموفق رحمه الله الخلاف السابق فيه، ذكر أنه لا يعلم اليوم فيه خلافًا، يعني انقرض الخلاف.

وذكر الشارح أن ابن عقيل حكى عن أحمد رواية في وجوب الوضوء من أكل لحم الخنزير، لقول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، يعني هذا دليل على عدم وجوب الوضوء، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ.

أما لحم الإبل فيجب الوضوء منه للدلة السابقة، وهي تقدم على حديث جابر وغيره مما فيه ترك الوضوء مما مسته النار، لأن أحاديث لحم الإبل خاص ومتاخر على العام المتقدم.

وقد اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على تقديم الخاص المتاخر على العام المتقدم، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى.

وذكر أنه لا يسن الوضوء من القهقهة ولا من الأكل مما مسته النار. وفي استحباب الوضوء من القهقهة وجهان في المذهب، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن ظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب الوضوء ولا يكره، يعني أنه يباح، قال: لا أرى عليه الوضوء فإن توضأ فذلك إليه.

وأيضًا في استحباب الوضوء مما مسته النار وجهان عند الأصحاب، ولكل وجهه؛ فالذين قالوا بالاستحباب قالوا إن أحاديث النسخ نسخت الوجوب فبقي الاستحباب، والذين قالوا بعدم الاستحباب قالوا إن أحاديث منسوخة فنسخ كل ما يترتب عليها من حكم.

طبعا هنا قال: لا يسن الوضوء منهما يعني من القهقهة والأكل مما مسته النار. أما ما عداهما من الكلام المحرم والذنوب ونحوها فهذه يسن الوضوء منها.

نقل شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة أن الإمام أحمد روى عن ابن عباس قوله: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب. وقال محقق شرح العمدة: لم أقف عليه، لكن جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه عند عبد الرزاق وغيره بنحوه.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: ومن تيقن الطهارة وشك أي تردد في الحدث أو بالعكس بأن تيقن الحدث وشك في الطهارة، بنى على اليقين، سواء كان في الصلاة أو خارجها، تساوى عنده الأمران أو غلب على ظنه أحدهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، متفق عليه.

فإن تيقنهما أي تيقن الطهارة والحدث، وجهل السابق منهما، فهو بضد حاله قبلهما إن علمها؛ فإن كان قبلهما متطهرًا فهو الآن محدث، وإن كان محدثًا فهو الآن متطهر، لأنه قد تيقن زوال تلك الحالة التي ضدها وشك في زوال تلك الحالة.

أحسن الله إليكم، زوال تلك الحالة إلى ضدها وشك في بقاء ضدها وهو الأصل، وإن لم يعلم حاله قبلها تطهر.

فإذا سمع اثنان صوتًا أو شم ريحًا من أحدهما لا بعينه، فلا وضوء عليهما، ولا يأتم أحدهما بصاحبه ولا يصافوه في الصلاة وحده، وإن كان أحدهما إمامًا أعاد صلاتهما. أحسنت.

ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذه الجملة مسائل الشك واليقين في الطهارة والحدث. والقاعدة العامة في اليقين والشك أن اليقين لا يزول بالشك، وهذه قاعدة من القواعد الكبرى في الفقه أن اليقين لا يزول بالشك، وهذه تطبيقات عليها وإن كان فيها بعض التفصيل.

المراد باليقين هنا ما أيقنت به النفس وأذعنت به وقطعت به، والشك خلاف اليقين. ولذلك هنا يدخل فيه غلبة الظن، هنا في هذه المسائل الشك يعني ما لم يتيقن، فيدخل فيه الشك الذي هو متساوي الطرفين أو غلبة الظن الذي يغلب على ظنه أحد الاحتمالين.

وعند الأصوليين أن تساوي الاحتمال شك، لكن عند الفقهاء رحمهم الله تعالى إذا تكلموا عن الشك هنا فإنهم يقصدون بالشك ما لم يكن يقينا، فيدخل فيه الشك وغلبة الظن. ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد: حيث أطلق الفقهاء لفظ الشك فمرادهم به التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء تساوى الاحتمالان أو رجح أحدهما، كقولهم إذا شك في نجاسة الماء أو طهارته أو انتقاض الطهارة أو حصولها وهي التي معنا الآن.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن المسألة لا تخلو من ثلاث حالات، إما أن يتيقن أحدهما ويشك في الآخر؛ يتيقن الطهارة ويشك في الحدث، أو يتيقن الحدث ويشك في الطهارة.

هنا فقط تنبيه، قد يقول قائل إذا قلنا اليقين هو الذي قطع به، طيب هنا الآن شك في الأمر الثاني؛ يعني نمثل، شخص توضأ لصلاة الظهر وخرج للصلاة، لما وصل المسجد شك هل خرج منه شيء في أثناء الطريق أو لا؟ طيب، نقول ايش؟ يبني على اليقين أنه متوضأ.

طيب، استحضرو أننا قلنا اليقين الذي موقن به مئة بالمئة، طيب الآن حصل له شك، فهل اليقين هناك نزلت درجته وصار شك أيضًا؟ لا. كيف؟ اليقين يقين متيقن أنه متوضأ، لكن جاء هذا الخاطر الذي أتاه فشك فيه، ألا يجعل اليقين السابق شكًا أيضًا لأنه محتمل صار محتمل ما صار يقين؟ شيخ هو يضعفه لكن لا يجعله شكًا، لأنه يبقى بمنزلة غلبة الظن فهو بمنزلة اليقين.

هنا غلبة الظن هم يقولون الشك مراد به التردد مطلق التردد سواء كان هو الظن أو شك. ابن نصر الله أجاب يقول المراد باليقين في حالته السابقة قبل طروء الشك لأنه لما طرأ الشك نزل اليقين، بس يقول هو الآن ينظر إلى حالته السابقة قبل طروء الشك.

طيب، نقول إذا تيقن أحدهما وشك في الآخر مثل المثال السابق: تيقن الطهارة توضأ بالبيت مئة بالمئة لكن شك هل هو في الطريق خارج من حدث أو لا؟ فنقول يبني على اليقين وهو الطهارة.

طيب، تيقن مثلا لما أراد أن يصلي العصر تيقن أنه تغدى لحم إبل، شك هل هو توضأ بعد أن تغدى ولا لا؟ فنقول يبني على اليقين الذي هو عدم الوضوء وهو الحدث، فيلزمه الوضوء. فإذاً إذا تيقن أحد الأمرين وشك في الآخر فيبني على اليقين.

قال: في الصلاة أو خارجها، طبعا في الصلاة أو خارجها هذا إشارة إلى خلاف الإمام مالك رحمه الله تعالى. ذكر الموفق رحمه الله أن البناء على اليقين هو قول كل من علم قوله من أهل العلم إلا الحسن البصري ومالك رحمهما الله تعالى، وهذا الخلاف في تيقن الطهارة والشك في الحدث، أما في العكس إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يبني على يقين الحدث وهذا بدون خلاف.

طبعا يبني على اليقين ولو غلب على ظنه أحدهما، لماذا؟ قالوا لأن غلبة الظن إذا لم يكن لها ضابط في الشرع لم يلتفت إليها. وذكر الدليل على ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، متفق عليه من حديث عبد الله بن زيد، ورد نحوه في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة. قالوا ولأن الأصل عدم النقض حتى يقوم ما يرفع الأصل.

وقوله: «حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» ليس المراد تخصيص الأمرين باليقين، يعني ليس المراد أنه مثلًا شخص يصلي فأحس بالريح تخرج منه، طيب، لكنه لم يشم ولم يسمع صوته، لكنه متيقن، يعني مو بشك، يقين، فهل نقول لا تنصرف لأنك لم تسمع صوتًا ولم تجد ريحًا؟ لا، لماذا؟ هي هنا متيقن، هذه يسمع صوتًا ويجد ريحًا هذا إذا كان في شك، إذا كان في شك، يقين خلاص تنصرف. وأيضًا قد يكون النقض بغير هذين الأمرين.

الحالة الثانية: أن يتيقنهما ويجهل السابق منهما ويعلم حاله قبلهما، فهو بضد حاله السابق؛ مثاله: شخص حينما أراد أن يذهب إلى العمل الساعة الثامنة مثلًا، هو صلى الفجر ثم نام، الآن أحدث بعد الفجر، لما استيقظ للعمل الساعة الثامنة حصل منه وضوء وحدث، يعني حصل منه وضوء في الضحى وحصل منه حدث، يعني يذكر أنه دخل دورة المياه لقضاء الحاجة أكرمكم الله، طيب، جاءت صلاة الظهر فهو يقول: أنا متأكد أنني في الضحى أحدثت، ومتأكد أنني توضأت، لكني لا أعلم أيهما الأول.

فهو متيقن الأمرين، لكن لا يعلم أيهما الأول. يقول المؤلف: فهو بضد حاله قبلهما. طيب، حاله قبل الأمرين محدث، إذاً الآن نقول طاهر، الأصل أنك طاهر، لماذا؟ يقولون هو الآن لما كان محدث، يعني قبل الساعة الثامنة محدث، فهو يقيناً أنه زال الحدث بطهارة، أما الساعة التاسعة والعاشرة والحادية عشر المهم زال الحدث بطهارة، هذا يقين.

لكن كون الطهارة هذه زالت بحدث مشكوك فيه، لأن الحدث احتمال أنه قبل هذه الطهارة فمشكوك فيه، فيقولون حاله قبلهما اللي هو النوم إلى الساعة الثامنة هذا حدث متيقن، وتيقن زواله بالطهارة التي حصلت بعده، لكن لم يتيقن زوال الطهارة بالحدث، فلذلك قالوا بضد حاله قبلهما.

الحالة الثالثة: إذا تيقنهما ولم يعلم حاله قبلهما. يقول: أنا لما رحت للعمل توضأت وأحدثت.

لا، أعلم أيهما السابق، نقول: طيب. هل تذكر حالك قبلهما؟ قبل الساعة الثامنة، تذكر؟ كلا والله، لا أذكر. هل أنا كنت متوضئاً أو محدثاً؟

هنا يقولون يلزمه الوضوء. هنا يقولون يلزمه الوضوء. لماذا؟ قالوا: لأنه لا بد من طهارة متيقنة أو مظنونة أو مستصحبة، وليس هنا شيء من ذلك، فوجب الوضوء. وهذا قاله ابن مفلح في النكت على المحرر. وهذا من جمال الإسلام يا شيخ؛ لأنه يقطع الوساوس، وساوس الشيطان.

صحيح، وهذه القاعدة يعني تقطع كثيراً من الوساوس. يعني كونك تبني على اليقين، وإذا لم يكن عندك يقين يلزمك الوضوء؛ هذه تقطع الوساوس؛ لأن الإنسان سيشك لو قلنا أو يشك أو يشق على نفسه، لو قلنا في كل حالة شككت فيها توضأ، في مشقة شديدة. في مشقة شديدة، ولذلك جاء الإسلام بالتخفيف في هذا الأمر.

ومحل ما سبق من التقسيمات إنما هو إذا كان الشك في الصلاة أو قبلها، أما إذا كان الشك بعد انقضاء الصلاة، شك شخص بعد انقضاء الصلاة: ما أدري أنا يوم أصلي أنا متوضئ أو محدث؟ نقول هنا: لا تلتفت له. لماذا؟ خلاص، الشك بعد الفراغ من العبادة لا يلتفت إليه. الشك بعد الفعل لا يؤثر. وهكذا إذا الشكوك تكثر.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة الشك في الشخص الذي خرج منه الحدث. هنا المسائل السابقة الشك في الشخص نفسه، الآن اثنان مجتمعين. اثنان مجتمعين فخرج من أحدهما ريح أو سمع صوتاً من أحدهما، كل واحد يقول: ليس أنا إنما هو أنت، والثاني يقول: لا ليس أنا إنما هو أنت. فيقيناً هو من أحدهما، لكن كل واحد يشك أنه هو الذي خرج منه ويتيقن طهارته السابقة.

فيقول: الشك لا يوجب على واحد منهما أن يتوضأ على الأصح؛ لأن كل واحد منهما لم يتحقق الحدث، فهو متيقن الطهارة وشاك في الحدث. ومع ذلك قالوا: لا يجوز لأحد من الطرفين الشاكين الائتمام بالآخر. يعني لو كانوا اثنين، ما يصير أحدهما إماماً للثاني؛ لأن كل واحد منهم يعتقد أن إمامه محدث، فلا يجوز له الائتمام به، ولا مصافته إذا كان وحده، يعني لو كان مثلاً الصف الأول ممتلئ، الصف الثاني جو الاثنين هذولا، نقول: لا يجوز لك أن تصف؛ لأنك تعتقد في يقين نفسك أنك تصاف محدثاً، والصلاة المفردة خلف الصف لا تجوز.

وإن صلى أحدهما إماماً بالآخر أعاد صلاتهما، هذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله؛ لتيقن كل منهما أن أحدهما محدث. لكن هل وجوب إعادة أحدهما الصلاة إذا ائتم بالآخر مقيدة بما إذا أم به وحده أو لا؟ هنا ايش يقول المؤلف؟ ولا يصافحه بالصلاة وحده.

وإن كان أحدهما إماماً أعاد صلاتهما. هل هذا مقيد بما إذا لم يصلي معهما غيرهما؟ يعني لو كانوا خمسة، اثنين هذولا هم اللي حصل منهم الشك والباقين ما في شك، فهل نقول: يلزمهم إعادة الصلاة حتى لو كان معهم غيرهم أو لا؟

أحسن الله إليك. ما وجب بطلان صلاة الإمام. الإمام مو ما عرف أن هذا تبينا أنه يعتقد بطلان صلاته، لكن هنا ما وجب بطلان صلاته.

أحسنت، هي ستأتينا في شروط الصلاة في النية أنه يلزم الإمام أن ينوي الإمامة. زين؟ فهو هنا ينوي إمامة شخص يعتقد أنه محدث، فلذلك قالوا: تبطل صلاته.

نعود لمسألة: هل وجوب إعادة أحدهما الصلاة أو إعادتهما الصلاة إذا تم أو إعادة أحدهما الصلاة إذا تم بالآخر مقيدة بما إذا أم به وحده؟ هنا نرجع لكلام المؤلف: ولا يصاففه في الصلاة وحده. زين؟ المصافة إذا كان وحده. إذا كان معهم غيرهم ما في إشكال. لكن: وإذا كان أحدهما إماماً أعاد صلاتهما. هل المقصود إذا كانوا لحالهم فقط؟ نعم شيخ. ولا حتى إذا كان معهم غيرهم؟ إذا كان معهم غيرهم صحت صلاة الإمام. أما إذا كان وحدهم بطلت صلاة الإمام.

أحسنت، هذا الذي ذكره البهوتي رحمه الله في حاشية المنتهى. ولذلك يقول ابن فيروز رحمه الله لما ذكر الإشكال: هل تبطل صلاتهم مطلقاً؟ أو إذا كانوا وحدهم فقط؟ طبعاً الكلام في الإمام. يقول: لكن الظاهر كما بحثه العلامة الشارح -يقصد البهوتي- في حاشية المنتهى أنه يجب على المؤتم منهما بالآخر الإعادة مطلقاً. المأموم يلزمه الإعادة مطلقاً؛ يعني سواء كان معهم غيرهم أو لا. قال: لاعتقاده حدث إمامه. وهو كالصبي في قول الأصحاب: ولا يتم أحدهما بالآخر.

وأنبه إلى أنه وقع في حاشية ابن قاسم اختصار لعبارة ابن فيروز وأورثت لبساً. فقد ورد فيها وعلم منه -في حاشية اثنين صفحة 261- وعلم منه أنه إن أمه مع غيره أو صافه معه مع غيره فلا إعادة عليهما. زين؟ قال: وإلا فيجب على المؤتم منهما بالآخر الإعادة مطلقاً. زين؟ قول وإلا هي اللي أورثت اللبس. وإلا هذه هي اللي أورثت اللبس.

عبارة ابن فيروز -كما قلت لكم قبل قليل-: لكن الظاهر كما بحثه العلامة الشارح في حاشية المنتهى أنه يجب على المؤتم منهما بالآخر الإعادة مطلقاً. إذا كانوا وحدهم هذه ما فيها إشكال، تبطل صلاتهم جميعاً. إذا كان معهم غيرهم فتبطل صلاة المأموم، أما الإمام فلا تبطل صلاته.

ابن رجب رحمه الله ذكر هذه المسألة في قواعده في القاعدة الرابعة عشرة، ونصها: إذا وجد سبب إيجاب أو تحريم من أحد رجلين ولا يعلم عينه منهما، فهل يلحق الحكم بكل واحد منهما؟ أو لا يلحق بواحد منهما شيء؟ في المسألة خلاف ولها صور. وذكر منها: إذا وجد اثنان منياً في ثوب ينامان فيه -زين، هذه ليست معنا- أو سمعا صوتًا خارجًا ولم يعلم من أيهما هو، ففي المسألة روايتان.

الآن وجد سبب التحريم من أحد الرجلين ولا يعلم عينه منهما، فهل نلحق التحريم بكل واحد منهما؟ أو لا نلحق بواحد منهما؟ قال في المسألة روايتان: الرواية الأولى: أنه لا يلزم واحد منهما غسل -يعني في مسألة إذا وجدوا منياً- ولا وضوء فيما إذا سمعوا صوتاً؛ لماذا؟ وهو المذهب عندنا، قال: نظراً لأن كل واحد منهما متيقن للطهارة وشاك في الحدث.

والرواية الثانية: يلزمهما الغسل والوضوء؛ الغسل فيما إذا وجد منياً، والوضوء فيما إذا سمع صوتاً خارجاً؛ قال: لأن الأصل زال يقيناً في أحدهما، فتعذر البقاء عليه وتعين الاحتياط، ولم يلتفت إلى النظر في كل واحد بمفرده كثوبين أو إناءين نجسا أحدهما. انتهى. نعم.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: ويحرم على المحدث مس المصحف أو بعضه حتى جلده وحواشيه بيد وغيرها بائل، لا حمله بعلاقته أو في كيس أو كم من غير مس، ولا تصفحه بكمه أو عود، ولا صغير لوحا فيه قرآن من الخالي من الكتابة، ولا مس تفسير ونحوه، ويحرم أيضاً مس مصحف بعود متنجس، وسفر به لدار الحرب، وتوسده، وتوسد كتب فيها قرآن ما لم يخف سرقته، ويحرم أيضاً كتب قرآن بآية مهانة. وكره مد الرجل إليه واستدباره وتخطيه وتحليته بذهب أو فضة، وتحرم تحلية كتب العلم.

ويحرم على المحدث أيضاً الصلاة ولو نفلاً، حتى صلاة جنازة وسجود تلاوة وشكر، ولا يكفر من صلى محدثاً.

ويحرم على المحدث أيضاً الطواف لقوله صلى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» رواه الشافعي في مسنده.

أحسنت. ختم المصنف رحمه الله تعالى باب نواقض الوضوء بذكر ما يحرم على المحدث حدثاً أصغر فعله. ذكرنا في أول الباب أن المؤلف رحمه الله سيتكلم في هذا الباب عن النواقض، وعن مسائل الشك واليقين في الطهارة والحدث، وعن ما يحرم على المحدث فعله. فذكر أنه يحرم على المحدث حدثاً أصغر ثلاثة أشياء: مس المصحف، والصلاة، والطواف. أما الصلاة فبالإجماع تحرم على المحدث بالإجماع، على خلاف في بعض جزئيات الصلاة سنتطرق إليها بعد قليل إن شاء الله. وأما الطواف فعلى الصحيح من المذهب. ونقل الإجماع على وجوب الوضوء للصلاة شيخ الإسلام رحمه الله وابن مفلح في الفروع وغيرهم. والمصحف أيضاً في قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى.

الأول: مس المصحف. ويستدل بما جاء في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ألا يمس القرآن إلا طاهر. وهذا رواه النسائي وغيره، وقال ابن عبدالبر: كتاب مشهور عند أهل العلم معروف يستغنى بشهرته عن الإسناد. لذلك يعني تجدونهم يعلونه بأنه مرسل، لكن شهرته تدل على أن له أصلاً، بل إن شهرته أقوى من ثبوت بعض الأحاديث المسندة الصحيحة. قال الإمام أحمد رحمه الله: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه له. والقول بوجوب الوضوء لمس المصحف مروي عن سلمان الفارسي وابن عمر وسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى.

وذكر الموفق رحمه الله أنه لا يعلم مخالفاً في ذلك إلا داود الظاهري. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا يعرف خلاف في ذلك عن الصحابة ولا التابعين، وهذا يدل على أن ذلك كان معروفاً بينهم. ويستدل بعض العلماء رحمهم الله تعالى بقوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]. ورد عن سلمان الفارسي قوله: إني لست أمسه ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ كما عند الدارقطني. لكن هل سلمان رحمه الله ورضي عنه أوردها على أنها استدلال بالآية أو تبيين للحكم؟ يعني لما قال: إني لا أمسه ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، هل أوردها على أنها استدلال للآية أو تبيين للحكم؟ أحسنت، هذا الظاهر أنه أراد تبيين الحكم، وإن كان استدلالاً بالآية فهو لبيان معناها الأعم، والحقيقة أن الاستدلال بها مباشرة يعني أن القول بأن ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ يعني أن القرآن لا يمسه إلا المتوضئون فيه بعد، بل إنه لم يرد عن أحد من الصحابة ولا التابعين رضي الله تعالى عنهم ورحمهم وورد عن بعض العلماء ممن تأخر عن التابعين، لكن الصحابة والتابعين لم يرد عن أحد منهم الاستدلال أو تفسير هذه الآية بأنه لا يمس القرآن إلا طاهر، فالأقرب في الضمير عوده للوح المحفوظ، والمطهرون هم الملائكة.

لكن يمكن أن يستدل بالإشارة فيقال: إذا كان اللوح المحفوظ وهو كتاب الله عز وجل في السماء لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة، فكتابه في الأرض وهو القرآن لا يمسه إلا المتطهرون، أو يكون الكتاب اسم جنس يعم كل ما فيه القرآن سواء كان في السماء أو في الأرض، وهذا أشار له شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة. وسواء كان القرآن كاملاً أو بعضه، فالبعض إذا كان مفرداً حكم الكل، يعني لو كان مثلاً القرآن المجزأ الذي كل جزء فيه في مصحف، فهذا أيضاً يأخذ حكم القرآن الكامل.

قال: حتى جلده وحواشيه. جلده: غلافه الخارجي. وحواشيه: يعني نواحيه والورق الأبيض المتصل. يعني لو أراد شخص أن يمس أطراف المصحف التي ليس عليها كتابة آية، فنقول: أيضاً هذه مشمولة بمسمى المصحف؛ لأنها تابعة له على الصحيح من المذهب.

والمحرم أن يمسه باليد أو بغيرها؛ كصدره مثلاً لو وضعه على صدره عليه بلا حائل فإنه لا يجوز أن يضعه وهو غير متطهر؛ للعموم: لا يمس المصحف إلا طاهر، ولأن هذا من جسده فأشبه يده. وقوله بلا حائل؛ لأن النهي إنما ورد عن مسه، فينطلق على ما إذا كان بلا حائل.

أما إن حمله بعلاقته الكيس وهو محدث فيجوز؛ لأنه لم يباشر مسه. وكذلك لو حمله بكيس أو بكم بلا مس فيجوز؛ لأن النهي إنما ورد عن المس، والحمل ليس بمس. وكذلك يجوز له تصفحه بكم أو بعود؛ لأنه غير مباشر لمسه. وهذا على الصحيح من المذهب في عدم تحريم حمله بعلاقته وغلافه وكمه، وتصفحه بكمه أو عود، أو مس من وراء حائل، كما ذكر المرداوي في الإنصاف.

قال: ولا صغير لوحاً فيه قرآن من الخالي من الكتابة. يعني لا بأس للولي أن يمكن الصغير من مس المحل الخالي من الكتابة في اللوح المكتوب فيه القرآن. يعني مثلاً لو أن لوحاً يكتب فيه القرآن لكي يحفظه الصبي، فيمكنه من مس أطرافه التي ليس عليها كتابة، بدون إطالة. وجوزه بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى لحاجة تعلمه ومشقة استمراره.

طبعاً قلنا: إنه له أن يمكنه من مس ما ليس فيه كتابة، لكن هل يمكنه من مس المكتوب أو لا؟ المذهب أنه لا يمكنه من مس المكتوب بدون طهارة، وجوزه بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى لحاجة تعلمه ومشقة استمراره، وهما وجهان في المذهب.

قالوا: لا مس تفسير ونحوه. يعني كتب التفسير ونحوه من كتب الفقه والحديث ونحوها يجوز أن يمسها المحدث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب آية لهراق وقصد بها المراسلة، وهي لا يقع عليها اسم المصحف ولا تثبت لها حرمته. وظاهر كلامهم سواء قل التفسير أو كثر، كما قاله في الكشاف. لكن شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة ذكر أنه إن كتب مع القرآن غيره فالحكم للأغلب. ثم استطرد المؤلف رحمه الله تعالى إلى بيان بعض أحكام المصحف، فذكر أنه لا يجوز مسه بعضو متنجس.

لا يجوز مسه بعضو متنجس، ذكر أشياء محرمة وأشياء مكروهة، من الأشياء المحرمة أنه لا يجوز مسه بعضو متنجس. يعني لو أن مثلاً يده، لو أن يده أصابتها نجاسة وهو متطهر؛ فلا يجوز أن يباشر بها مس المصحف، لأن هذا أولى بالمنع من مس المحدث.

وكذا لا يجوز أن يمسه بعضو رفع عنه الحدث قبل كمال الطهارة، يعني يتوضأ وفي أثناء الوضوء قال: خلاص أنا غسلت يديني بأمس المصحف، وهو لم يستكمل وضوءه، نقول: لا، لا يجوز، لماذا؟ لم يستكمل الطهارة، من لم يستكمل الطهارة فهو محدث، ما دام لم يستكمل الطهارة فهو محدث. قالوا: لأن رفع الحدث مراعى، فإن أكمله ارتفع وإلا فلا.

ولا يجوز السفر به لدار الحرب، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله، لما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ولأنه عرضة لاستيلاء الكفار عليه واستهانته.

ولا يجوز أيضا توسده، لما في ذلك من ابتذاله، وهو أحد الوجهين في المذهب، اختاره الموفق والشارح، وصححه المرداوي في التصحيح، أو توسد كتب فيها قرآن، يعني تشتمل على آيات من القرآن، كما لو أراد مثلا أن يتوسد كتاب صحيح البخاري. صحيح البخاري كتاب حديث لكن فيه آيات من القرآن، فلا يجوز أن يتوسده، وهما وجهان في المذهب، كراهة توسد القرآن أو الكتب التي فيها القرآن، الكراهة والتحريم، والمرداوي في التصحيح رجح التحريم فيهما، ما لم يخف عليها السرقة، يخف على ايش؟ السرقة، القرآن لا، الكتب الكتب، قالوا: إذا خاف مثلا صحيح البخاري خاف عليه السرقة فيجوز له توسده، فقيد خوف السرقة راجع إلى مسألة توسد الكتب التي فيها القرآن، فأما توسد المصحف فلا يجوز ولو خاف سرقته، نقله الشيخ العنكري رحمه الله عن البابطين رحمه الله تعالى، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله في كتب الحديث إن خاف سرقة فلا بأس.

أما توسد الكتب التي لا تشتمل على قرآن، يعني مثلا كتاب فقه، متن ليس فيه أدلة، ليس فيه آية من القرآن، فقالوا: يكره توسده كما ذكره المرداوي في الإنصاف.

قال: ولا يجوز كتبه حيث يهان، كأن يكتب ببول حيوان ونحوه إجماعا، كما قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله.

ثم ذكر ما يكره، قال: يكره مد رجله إليه، يعني القرآن أمامك فتمد رجلك له، قال: هذا يكره، وهذا أحد الوجهين في المذهب، وابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية قال: وقال ابن عبد القوي في مجمع البحرين، مر علينا مجمع البحرين، مجمع البحرين شرح للمقنع لابن عبد القوي ولم يتم، قال: إنه يحرم الاتكاء على المصحف وعلى كتب الحديث وما فيه شيء من القرآن اتفاقا، انتهى كلامه. قال ابن مفلح تعليقا: ويقرب من ذلك مد الرجلين إلى شيء من ذلك، يعني ابن مفلح يرى أن مد الرجلين للمصحف يميل إلى أنه محرم.

قال: وكذلك يكره استدباره وتخطيه، استدباره يجعله خلف ظهره، تخطيه يعني يقفزه، وهذا إذا لم يقصد إهانته كما ذكره مرعي رحمه الله، فإن قصد بذلك إهانته حرم. قال ابن القاسم: بل يكفر كما يأتي في حكم المرتد. وقد يقال إن الاستدبار والتخطي أشبه بمسألة التوسد فيحرم، كما قاله صاحب الفروع. وقال ابن مفلح في الفروع: وقد رمى رجل بكتاب عند أحمد فغضب وقال: هكذا يفعل بكلام الأبرار، فإذا كان هذا في كتب أهل العلم فما بالكم بكلام رب الأبرار جل وعلا.

ثم ذكر أنه تكره تحليته بذهب أو فضة، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله، وهذا أحد القولين في المذهب والقول الثاني التحريم، يحرم وجزم به الموفق رحمه الله في المغني. في حاشية ابن قاسم قال: وقيل يحرم، جزم به الشيخ وغيره. الشيخ عند ابن قاسم المقصود به شيخ الإسلام، لكن هنا هو المقصود الموفق، لأن هذه العبارة منقولة من الفروع، وصاحب الفروع إذا كان الشيخ فالمقصود به الموفق. جزم به الشيخ الموفق في المغني، وسبب الكراهة على القول الأول أنه يؤدي لتضييق النقدين. وقد وردت جملة من الآثار عن جمع من الصحابة كأبي الدرداء وأبي ذر وأبي بن كعب وأبي هريرة تتضمن الوعيد الشديد على تحلية المصاحف وزخرفتها.

فقد أخرج ابن المبارك في الزهد وأبو عبيد في فضائل القرآن وسعيد بن منصور في التفسير ومن سننه وغيرهم من حديث أبي الدرداء موقوفا عليه قال: إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم فالدبار عليكم. وفي لفظ: فالدثار عليكم. وفي لفظ: فالدعاء عليكم. وفي لفظ: فالدمار عليكم. وفي لفظ: إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فعليكم الدبار. وقد روي مرفوعا ولا يصح. يقول الشيخ سعد الحميد وفقه الله في تحقيقه لسنن سعيد بن منصور: وبالجملة فالحديث بمجموع هذه الطرق يكون حسنا لغيره، لكنه موقوف على هؤلاء الصحابة الذين رووه وهم أبو هريرة وأبو الدرداء وأبو ذر، وأما رفعه فلا يصح إلا أن يقال إنه مما يدخل في عداد ما له حكم الرفع لأنه لا مجال للرأي فيه والله أعلم.

ولعل الأصحاب رحمهم الله تعالى لم يقولوا بالتحريم لورود الرخصة فيه خاصة بتحليته بالفضة عن بعض الصحابة. فقد روى البيهقي بسنده إلى الوليد بن مسلم قال: سألت مالكا عن تفضيض المصاحف، يعني تحليته بالفضة، فأخرج إلينا مصحفا فقال: حدثني أبي عن جدي أنهم جمعوا القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه وأنهم فضضوا المصاحف على هذا ونحوه. وروي أن على مصحف ابن عباس مسامير فضة. وسئل ابن مسعود عن حلية المصاحف فقال: لا أرى به بأسا. وقد بحث هذه المسألة باستفاضة الشيخ صالح الرشيد في كتابه المتحف في أحكام المصحف.

وذكر المؤلف هنا أنه تحرم تحلية كتب العلم على الصحيح كما قالوا في الفروع، والخلاف الواقع في تحلية القرآن ينسحب إلى كتب العلم، لكن جملة من الفقهاء خصوا جواز التحلية بالقرآن ومنعوا تحلية ما عداه، والشيخ صالح الرشيد هذا بحث تحلية المصاحف وكتب العلم، له بحث في هذا في مجلة البحوث الإسلامية العدد الثامن والستين لمن أراد مراجعته.

هذا الأمر الأول مما يحرم على المحدث. الأمر الثاني مما يحرم على المحدث الصلاة، فلا يجوز للمحدث أن يصلي إجماعًا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». وسواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة، وسواء كانت صلاة ذات ركوع وسجود كالصلاة العادية أو صلاة ليست ذات ركوع وسجود كصلاة الجنازة، فتحرم على المحدث، كما ثبت عن الصحابة ودل عليه الكتاب والسنة، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى.

وكذلك ما ألحق بالصلاة من سجود التلاوة وسجود الشكر، فلا يجوز فعلهما بدون وضوء على المذهب لأنهما ملحقان بالصلاة، وستأتي الإشارة إن شاء الله لحكمهما في باب صلاة التطوع بإذن الله تعالى. وأنبه هنا إلى أنه ورد في حاشية العنقري المجلد الأول صفحة 193 وحاشية ابن قاسم أيضا في المجلد الأول صفحة 265 قوله: وحكى ابن حزم والنووي وغيرهما عن بعض العلماء جوازها يعني صلاة الجنازة بلا وضوء ولا تيمم، واختاره الشيخ. الشيخ يعني؟ الشيخ ابن تيمية، شيخ الإسلام رحمه الله.

الشيخ محمد رحمه الله الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله علق على عبارة العنقري هذه في حاشيته على الروض، بأن المعروف عن الشيخ شيخ الإسلام رحمه الله اشتراط الطهارة لصلاة الجنازة، لكن شيخ الإسلام يخالف في مسألة أن له التيمم إذا خاف فوتها، يعني شخص مثلا صلى الفريضة، وجاء وقت صلاة الجنازة مثلا بالحرم، وأرادوا أن يقيموا الجنازة فأحدث، ويخشى أنه إذا ذهب يتوضأ فاتته الصلاة فتيمم، فيقولون هنا، فشيخ الإسلام رحمه الله يرى جواز التيمم لخوف فوت الجنازة، هذا الذي خالف فيه شيخ الإسلام، أما أنه يقول لا تصلى بلا وضوء ولا تيمم فهذا لم ينقل عنه.

يقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: وشيخ الإسلام ذكر أنه ذكر الخلاف في الفتاوى في الصلاة التي يشترط لها تقدم طهارة وهي هل هي ذات الركوع والسجود فقط، فتخرج صلاة الجنازة ونحوها أو لا، وقد رجح الشيخ رحمه الله أن صلاة الجنازة تشترط لها الطهارة ونقله عن الصحابة وأن هذا ما تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، وذكر أن الوضوء لصلاة الجنازة كان شائعا عندهم، يعني عند الصحابة رضي الله عنهم، واستدل لذلك استدلالا ظاهرا.

وختم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعليقه هذا بقوله: وبهذا عرف تحريف هذه الحاشية يعني حاشية العنقري، يعني أنه وجد فيها عدم الدقة في النقل، وكلام شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى موجود في الجزء الحادي والعشرين صفحة 269 إلى 272 وفيه: والصحيح في هذا الباب ما ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة، وهو أن مس المصحف لا يجوز للمحدث، ولا يجوز له صلاة الجنازة، ويجوز له سجود التلاوة، فهذه الثلاثة ثابتة عن الصحابة.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله هنا أن من صلى محدثا فإنه لا يعتبر كافرا ولو كان عالما خلافا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، لأنه لم يرتكب مكفرا، لأنه أحيانا يصلي محدثا حياء، مثلًا يتذكر وهو يصلي أنه لم يتوضأ فيستحي أن يخرج ويتوضأ، فلا نقول إنه بذلك ارتكب مكفرا، لكن إذا فعله استهزاء فهنا يكفر باستهزائه لا بصلاته.

الثالث مما يحرم على المحدث حدثا أصغر الطواف، وذكر الدليل عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله باح فيه الكلام»، رواه الشافعي في مسنده، والحقيقة أن سنده ضعيف مرفوعا، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: أهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفا، وبكل حال لا حجة فيه. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يطوف توضأ قبل طوافه كما في الصحيح. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا آخر درس إن شاء الله سيكون في هذا الفصل، ونستأنف بإذن الله تعالى الدروس مع بداية الفصل الثاني في بداية شهر جمادى الآخرة بإذن الله تعالى. أسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أن في المصحف ورد فيه الرخصة في بعض عن بعض الصحابة، فلذلك قالوا: ما ورد فيه من النهي عن بعض الصحابة نحمله على الكراهة جمعا بين أقوال الصحابة، أما في كتب أهل العلم فلم يرد فيه شيء، فبعضهم ألحقه بالمصحف للكراهة، وبعضهم قال: لا، الأصل أنه محرم لأن فيه إضاعة وإسرافا في النقدين.

اشتراط الطهارة لسجود التلاوة وسجود الشكر أليس في سنة خلافية؟ بلى، لذلك إحنا قلنا أننا سنتكلم عنها إن شاء الله في صلاة التطوع إن شاء الله.

الطفل الذي ي- الطفل الذي يتجاوز عليه إذا أحدث كان ولد أو قلنا إن الحنابلة رحمهم الله تعالى يرون أنه لا يجوز مسه للمصحف، لكن له أن يمس إذا كان لوحا مثل سبورة ونحوها يمس المحل الخالي من الكتابة، المحل الخالي من الكتابة.

أنا أقصد يا شيخ أن إذا كان الطفل أحدث عند أبيه وكذا أو حمل هذا الطفل وأحدث في المنام ثم مس هذا الشيء الشيخ هل يجوز نفسه ولا في مسه المصحف بعده ولا شيء؟ تقصد الطفل أحدث على أبيه نعم، طيب، نقول لا يجوز للأب أن يمس المصحف بالعضو الذي أحدث عليه، مثلًا لو أحدث على يده فنقول: لا تمس المصحف بيده، لكن لو أحدث على رجله مثلًا والأب متطهر مثلًا في الأثر، فله أن يمس بيده، الكلام في مسه بنفس العضو المتنجس هذا لا يجوز.

دكتور لو كان غلام لم يبلغ الطعام يا شيخ نفس الحكم أو يسير؟ إيه حتى لو كان غلام لم يبلغ الطعام لأن هذه نجاسة وإن كانت مخففة لكنها نجاسة.

والاتكاء يا شيخ نفس حكم التوسد؟ نعم، لكن ابن مفلح ذكرنا كلامه أنه بل إن ابن مفلح نقل عن ابن عبد القوي أنه يحرم اتفاقا، عاد هل هي بإجماع أو هي قول أكثر الأئمة الله أعلم، لكنه يعني منهي عنه، صحيح، صحيح.