قال الشارح رحمه الله تعالى: تتمة. اشترط في وضوء وغسل أيضا إسلام وعقل وتمييز وطهرية ماء وإباحته وإزالة ما يمنع وصوله وانقطاع موجب، وللوضوء فراغ الاستنجاء أو الاستجمار ودخول وقت على من حدثه دائم لفرض.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة تتمة شروط الوضوء والغسل. ذكر سابقا شرطا واحدا وهو النية، والآن سيذكر تتمة الشروط. فيشترط في الوضوء والغسل الإسلام الشرط الثاني، والعقل الشرط الثالث، والتمييز الشرط الرابع، والشرط الخامس طهرية الماء، الشرط السادس إباحته، الشرط السابع إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، والشرط الثامن انقطاع موجب. هذه الثمان شروط يشترك فيها الوضوء والغسل، ذكر هنا سبعا وواحدا ذكره سابقا للنية، ويزيد الوضوء شرطين، لذلك قال: وللوضوء يزيد الوضوء شرطين الاستنجاء والاستجمار، وأيضا دخول الوقت على من حدثه دائما بفرضين.
نعود إلى الشرط الأول أو الشرط الثاني، الشرط الأول النية تكلمنا عنها وسيأتي أيضا تتمة الكلام عنها بعد قليل إن شاء الله. الشرط الثاني الإسلام، والإسلام شرط لصحة العبادات كلها، فأي عبادة لابد للقيام بها من شرط الإسلام. فنجده مثلا في الطهارة، في الصلاة، في الزكاة، في الصوم، في الحج، كلها شروط صحة ووجود لها حتى لو كان الوضوء أو الغسل مستحبين فلا يصحان من مشرك.
الثالث العقل والرابع التمييز، وإنما اشترط العقل والتمييز لتتأتى من العاقل المميز النية، هذا من شروط الوضوء والغسل النية، ولا تصح نية المجنون أو الصغير غير المميز.
الشرط الخامس طهورية الماء، فلو توضأ بماء طاهر يعني طاهر لا يطهر، غير مطهر، أو ماء نجس، فلا يصح وضوءه، لماذا؟ ولا غسله. لماذا؟ لأنه لا يرفع الحدث إلا الماء المطلق.
السادس: إباحته. إباحة الماء، يعني يكون الماء مباحًا، فلا يكون مغصوبًا أو مسروقًا أو ما أشبه ذلك. فلو توضأ بماء مغصوب أو مسروق أو نحوه، فإنه لا يصح وضوءه لقوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». واشتراط إباحة الماء، يعني اشتراط أن يكون الماء مباحًا لتصح الطهارة، هذا من مفردات الحنابلة كما قال المرداوي رحمه الله في الإنصاف. وقد ذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة، أقصد الوضوء بالماء المغصوب، في القاعدة التاسعة من قواعده.
القاعدة التاسعة من قواعده في العبادات الواقعة على وجه محرم. هل وهي مسألة النهي هل يقتضي الفساد أو لا؟ فيقول: قسمها إلى أربعة أقسام. العبادات الواقعة على وجه محرم قسمها إلى أربعة أقسام: إذا كان التحريم عائدًا إلى ذات العبادة على وجه مختص بها لم يصح، مثل صلاة وقت النهي. يعني صلاة التطوع المطلق، أو حتى المذهب التطوع الذي له سبب غير مستثنى في وقت النهي، فهنا عاد التحريم إلى ذات العبادة فلا يصح.
قال: والقسم الثاني إذا كان عائداً إلى شرطها، فإن كان على وجه يختص بها فكذلك أيضا يعني لا يصح، مثل اشتراط الطهارة لصحة الصلاة، فإذا صلى وهو لم يتوضأ فإن لم يرفع حدثه فإنه لا تصح صلاته؛ لأن النهي عاد إلى شرط العبادة المختص بها. وإذا كان لا يختص بها ففيها صحة وروايتان أشهرها عدمها، مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وكذلك في الثوب المغصوب وعندنا المسألة هذه الوضوء بالماء المغصوب.
وإذا عاد إلى ما ليس بشرط -هذا الشرط الرابع- إلى ما ليس بشرطها ففيها صحة ووجهان، اختيار أبي بكر على الصحة وخالفه الأكثر. ذكر من المثال الثالث كما قلنا الوضوء بالماء المغصوب. ومحل ذلك يعني متى لا يصح الوضوء بالماء المغصوب؟ يقول البهوتي رحمه الله في حاشية المنتهى: محل ذلك إذا كان عالما ذاكرا كما صرحوا به، وإلا فيصح لعدم الإثم، يعني لو توضأ بماء ما علم أنه مغصوب فإنه يصح وضوءه، يقول: لماذا؟ لأنه لا يأثم لعدم علمه.
السابع: إزالة ما يمنع وصول الماء للبشرة من طين أو عجين ونحوهما ليحصل الإسباغ. وهنا مسألة وهي الحناء، هل يمنع وصول الماء إلى البشرة أو لا؟ مطلقا، نعم إذا كان له جرم. أو إذا كان مجرد لون، يعني مثلا امرأة وضعت في يدها الحناء ثم أزالت ما له جرم فبقي اللون، الآن اللون هذا لا يمنع وصول الماء إلى البشرة.
لكن إذا كان مثلا وضعته في شعرها وما زال فيه جرم فهل يمنع وصول الماء إلى البشرة؟ هل يجوز المسح على الرأس إذا كان فيه حناء؟ يقول الموفق -أو ذكر الموفق رحمه الله تعالى- أنه لا يجزئ المسح على الخضاب، يعني إذا خضبت رأسها بالحناء، وذكر عن الإمام أحمد رحمه الله نص عليه بكونه لم يمسح على محل الفرض، أشبه ما لو ترك على رأسه خرقة فمسح عليه.
الشرط الثامن: انقطاع الموجب، يعني موجب الحدث. انقطاع الموجب أي موجب الحدث، أي فراغ خروج الخارج، سواء كان من سبيل أو غيره. وتعبير المؤلف رحمه الله هنا بانقطاع الموجب أولى من تعبير المرداوي في التنقيح بقوله: فراغه من خروج خارج. لماذا؟ هذا أعم، انقطاع الموجب أعم؛ لأن الحدث أحيانا لا يكون خارجا، مثل النوم، مثل أيضا أكل لحم الإبل، مثل لمس المرأة لشهوة، فهذه ليست خارجة من البدن، لذلك الحجاوي رحمه الله انتقد المرداوي في التنقيح لما عبر بذلك؛ لأنه يرد عليه الناقض الذي ليس بخارج.
ويزيد الوضوء كما قلنا شرطين، فهما فراغ الاستنجاء أو الاستجمار، يعني لابد أن يكون فارغا من حدثه، فإنه لابد أن يستنجي قبل أن يتوضأ، وهذا مر معنا في نهاية باب الاستنجاء في قول المؤلف: ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم. العاشر وهو يشترط شرطين مما يخص الوضوء: دخول الوقت على من حدثه دائما بفرضه، يعني أصحاب الحدث الدائم كالمستحاضة ومن به سلس بول وما لحقه، فهؤلاء لابد أن يدخل الوقت، يعني مستحاضة أو من به سلس بول نقول: لابد إذا أرادت مثلا تصلي المغرب لابد أن تتوضأ بعد دخول الوقت، فإذا خرج الوقت زال وضوءه أو زالت طهارته فلابد أن تعيدها؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تتوضأ لوقت كل صلاة.
حتى لو أخره إلى آخر الوقت. يقول: حتى لو أخر إلى آخر الوقت، مثلا صلى الظهر في آخر وقته ثم أذن العصر، فنقول نعم، إذا أذن العصر فإنه يعتبر قد بطلت طهارته فيلزمه أن يتوضأ من جديد.
قال رحمه الله تعالى: فإن نوى ما تسن له الطهارة فقراءة القرآن وذكر وأذان ونوم وغضب ارتفع حدث، أو نوى تجديدا مسنونا بأن صلى بالوضوء الذي قبله ناسيا حدثه ارتفع حدثه؛ لأنه نوى طهارة شرعية. وإن نوى من عليه جنابة غسلا مسنونا كغسل الجمعة قال في الوجيز ناسيا أجزأ عن واجبه كما مر فيمن نوى التجديد. وكذا عكسه؛ أي إن نوى واجبا أجزأ عن المسنون، وإن نواهما حصل، والأفضل أن يغتسل للواجب ثم للمسنون كاملا. أحسنت.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة بعض المسائل المتعلقة بالنية، فذكر نية ما تسن له الطهارة وهل تكفي لرفع الحدث؟ ذكر عدة مسائل. الأولى إذا نوى ما تسن له الطهارة، كما لو نوى أن يتوضأ ليقرأ القرآن يعني عن ظهر قلب، أو نوى أن يتوضأ لكي يؤذن، أو نوى أن يتوضأ لينام على طهر، أو نوى أن يتوضأ ليسكن غضبه، فهذه كلها أسباب مستحبة أو أسباب للوضوء المستحب، فإذا نوى ما تسن له الطهارة وكان محدثا فإنه يرتفع حدثه بذلك على أحد الوجهين عند الحنابلة، منهم من حكاها روايتين كصاحب الفروع، ومال إليه الموفق رحمه الله تعالى، وصححه المرداوي في الإنصاف والتصحيح، قالوا: لأنه نوى شيئا من ضرورة صحة الطهارة، لأنه هو الآن أراد أن يتوضأ لكي يكسب الأجر، ولا يكسب الأجر إلا إذا صحت الطهارة، فتصح طهارته وما ينبني على ذلك أنه يرتفع حدثه؛ ولانه نوى طهارة شرعية فصحت لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
هنا قال: نوى ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن؛ فقراءة القرآن تسن الطهارة لقراءة القرآن عن ظهر قلب، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال هكذا لمن ليس بجنب. وتسن للذكر كما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم دعا بوضوء فتوضأ ثم رفع يديه وقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر». وتسن أيضا عند الغضب لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا غضب أحدكم فليتوضأ». تسن عند النوم بإرشاده صلى الله عليه وسلم في ذلك: «إذا أويت إلى فراشك فتوضأ وضوءك للصلاة». تسن عند الأذان أيضا كما سيأتي في باب الأذان أنه يندب أن يكون متطهرا، واستدل بعض الأصحاب بحديث: لا يؤذن إلا متوضئ، واختلف برفعه ووقفه.
وذكر في الإنصاف أنه يندب لرفع شك وكلام محرم كغيبة، وأيضا فعل من مناسك الحج، كدخول مسجد وتدريس علم وأكل، يستحب الوضوء للأكل كذا؟ مطلقا، ها؟ لا، يعني يستحب الوضوء قبل الأكل. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر الاتفاق على أنه لا يستحب الوضوء للأكل إلا قبل الأكل. صلاة، لا، ما أتوضأ إلا للصلاة. متى تتوضأ للأكل؟ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان كذا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة، كان جنبا، أحسنت. يذكر شيخ الإسلام أنه لا يستحب، اتفق، يقول: اتفق العلماء على أنه لا يستحب الوضوء للأكل إلا إذا كان جنبا. ذكر أنه جاء في حديث من بركة الطعام الوضوء قبله وبعده، لكن أول الوضوء هنا بـ غسل اليدين، الوضوء هنا غسل.
قال البهوتي في حاشية الإقناع: ومقتضى إطلاقه أنه يسن الوضوء لذلك، يعني لهذه الأمور متطهرا كان أو محدثا؛ لأنه يشرع له فعل هذا وهو غير محدث وقد نوى ذلك فينبغي أن يحصل له.
الثاني: إذا نوى تجديدا مسنونا. طيب، قوله تجديدا مسنونا، مسنونا هنا هل هي صفة كاشفة أو مقيدة؟ يعني هل نقول هناك تجديد مسنون وتجديد غير مسنون؟ هذا معنى كون الصفة مقيدة. أو نقول تجديد مسنون يعني تجديد، معلوم أنه تجديد مسنون، هذا معنى قولنا كاشفة. فهل هي كاشفة أو مقيدة؟ يعني في تجديد مسنون وتجديد غير مسنون؟ أحسنت، طيب ما ضابط التجديد المسنون؟ بعد الحدث ما صار تجديد. أي عبادة؟ صلاة. نعم، انظر إلى كلام المؤلف، أنه نوى تجديدا مسنونا بأن صلى بالوضوء الذي قبله، هذا الضابط. التجديد المسنون ضابطه أن يصلي بالوضوء الذي قبله، يعني توضأ ثم صلى، سواء صلى صلاة فريضة أو مستحبة، لو صلى ركعتين الآن نقول هذا الشأن يشرع له أن يتوضأ مرة أخرى؟ قلنا: نعم، يشرع.
لكن لو توضأ ولم يصلي، توضأ بعد خمس أيام قال: أريد أن أتوضأ ثانية لأكسب أجر زيادة، نقول: لا، هذا التجديد غير مسنون. ولذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله، يرى شيخ الإسلام رحمه الله أن تجديد الوضوء ولم يصلي به، يقول: تجديد الوضوء في مثل هذا بدعة مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما عليه المسلمون في حياته وبعده.
طيب، هل نقول خاص بالصلاة؟ لو إيه، يعني غير الصلاة مس المصحف، توضأ وججلس يقرأ بالمصحف ثم أراد أن يتوضأ ثانية؟ أو نقول هو خاص بالصلاة؟ نعم، وفيه احتمال، لذلك ابن مفلح رحمه الله ذكر في الفروع أنه إذا فعل ما تستحب له الطهارة مثل قراءة القرآن عن ظهر قلب، يعني هذا أشد مما تجب له الطهارة، فهل يشرع له التجديد مرة أخرى أو لا؟ ذكر أنه إذا لم يصلي به ولم يفعل ما تستحب له الطهارة فهنا لا يشرع له التجديد بغير خلاف، أما إذا فعل ما تستحب له الطهارة فهنا يشرع له التجديد على احتمال في المذهب.
تجديّد الوضوء للصلاة، ولو نفلاً؛ يعني ما نقول لا تجدد إلا لصلاة فريضة، لا، ولو نفلاً، كما قاله البهوتي في الكشاف. فإن نوى التجديد، وكان ناسياً حدثه، هنا ضابط لابد أن يكون ناسياً حدثه. نوى تجديده وكان ناسياً حدثه، فإنه يرتفع حدثه، يعني لو كان مثلاً أكل لحم إبل، نسي أنه لحم إبل، يدري أنه لحم إبل، لكن نسي، أم بعد ما ساق قال: أنا على طهارة، أريد أن أجدد الوضوء؛ جدد الوضوء، ثم مثلاً صلى به المغرب، تذكر بعد صلاة المغرب بأن الذي أكله هو لحم إبل.
فهل يرتفع وضوءه بالتجديد؟ هل يرتفع وضوءه بالتجديد؟ نعم، يرتفع، نعم يرتفع حدثه بالتجديد، نعم، يرتفع حدثه بذلك لأنه نوى طهارة شرعية، فينبغي أن يحصل له ما نواه، وارتفاع حدثه بذلك هو الصحيح من الروايتين في المذهب، كما قال المرداوي في الإنصاف والتصحيح.
وقوله ناسياً حدثه، هل هو هل هذا القيد عائد للتجديد فقط؟ أو للتجديد والمثنى الأولى إذا نوى مثنى له الطهارة؟ يعني مثلاً شخص أكل لحم إبل، ثم قال: أنا أريد أن أقرأ القرآن عن ظهر قلب، فلذلك أريد أن أتوضأ، أتوضأ لأقرأ القرآن عن ظهر قلب، وكان متذكراً أنه أكل لحم إبل، لكنه أراد أن يتوضأ لقراءة القرآن، طيب؛ توضأ وقرأ القرآن.
جاءت صلاة المغرب، جاءت صلاة المغرب، فهل نقول وضوءك الذي توضأت به لقراءة القرآن كافٍ لرفع الحدث؟ أو نقول لا، ما دمت أنك فقط توضأت للأمر المستحب لا يرفع الحدث، وكنت ذاكرًا حدثك؟ هذا هنا احتمالان في المذهب. وظاهر كلام الأصحاب أو عبارة ظاهر كلام بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى أن قيد نسيان الحدث إنما هو لنية التجديد فقط.
لأنه أما إذا نوى ما تسن له الطهارة فظاهر كلامهم أنه يرتفع الحدث حتى لو كان ذاكرًا حدثه. وهناك احتمال آخر وذهب إليه الشهاب الفتوحي والد صاحب المنتهى، ذكر أن هذه اللفظة طبعًا كان يعلق على الوجيز، ذكر أن هذه اللفظة تعود على ما قبل يعني نسيان أو نية ما تسن له الطهارة وأيضًا نية التجديد المسنون.
الثالث طبعًا، إذا نوى التجديد وكان عالمًا حدثه فإنه لا يرتفع الحدث بذلك لتلاعبه. الثالث: نية الغسل المسنون، إذا نوى غسلًا مسنونًا ناسيًا الجنابة؛ يعني شخص مثلًا احتلم ثم قال: أنا أريد أن أغتسل للإحرام مثلاً، أو أغتسل لصلاة الجمعة على القول بأنه مستحب، أن الغسل لصلاة الجمعة مستحب وهو مذهب الجمهور؛ فإذا كان ناسيًا الجنابة فإنه يجزئي عن الواجب كما مر فيمن نوى التجديد، فإن كان ذاكراً للجنابة فلا ترتفع الجنابة بذلك.
والقيد بالنسيان هنا في نية الغسل المسنونة هنا لم يذكرها الحجاوي، لكن ذكره البهوتي رحمه الله ناقلاً عن صاحب الوجيز، وقال البهوتي في الكشاف وهو مقتضى قولهم فيما سبق أو نوى التجديد ناسياً حدثه خصوصاً وقد جعلوا تلك أصلاً لها فقاسوا عليه، يعني يقول الآن الأصحاب يقيسون هذه المسألة على مسألة من نوى التجديد، ومن نوى التجديد قيدوها بالنسيان فينبغي أن تقيد هذه بالنسيان.
أما لو نوى غسلاً مباحاً كالتبرد، يعني عليه جنابة ونوى غسلاً مباحاً كالتبرد مثلاً، فإنه لا يرتفع حدثه لأن الغسل هنا غير مشروع.
إن نوى رفع الحدث أجزأ عن المسنون؛ يعني مثلاً عليه جنابة وأراد أن يغتسل للجمعة، فنوى الغسل للجنابة فقط، فهل يجزئ عن غسل الجمعة؟ نقول يجزئ بطريق الأولى، لكن لا ثواب إلا لمن نواه؛ يعني إذا نوى الغسلين نقول يحصل له الثوابين، يحصل له الثوابان، لكن إذا نوى غسل الجنابة فقط فإنه يحصل له أجر غسل الجنابة ولا يحصل له أجر غسل الجمعة.
فإنه للأمرين كما قلنا حصل له رفع الحدث والإتيان بالمستحب على الصحيح من المذهب نص عليه كما قال في الإنصاف وحصل له أجرهما لأنه نواهما، والأفضل أن يغتسل غسلين مرة للواجب ثم للمسنون لأنه أكمل، لأنه أكمل.
قال ابن قاسم في الحاشية: واستظهر أهل التحقيق الاكتفاء بأحدهما لدخول المسنون في الواجب تبعاً، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه تسن لواجب ومسنون مرتين في آن واحد، والاستمرار للإجزاء بغسل واحد، وكذا الوضوء الواحد مع تداخل الأحداث فهنا أولى.
قال رحمه الله تعالى: وإن اجتمعت أحداث متنوعة ولو متفرقة توجب وضوءا أو غسلا فنوى بطهارته أحدها لا على أن لا يرتفع غيره ارتفع سائله أي باقيه؛ لأن الأحداث تتداخل فإذا ارتفع البعض ارتفع الكل.
ذكر المصنف رحمه الله هنا اجتماع الأحداث الموجبة للطهارة، اجتماع الأحداث الموجبة للطهارة، هل لابد من نية رفع جميعها ويكفي استحضار واحد؟ يعني شخص مثلاً أكل لحم إبل وقضى حاجته ونام، فيمثل لك، طيب؛ قام لصلاة الفجر وقد أحدث هذه الأحداث الثلاث، الآن اجتمعت هذه الأحداث، فهل لابد أن ينويها كلها أو ينوي واحدة منها؟ هنا المؤلف رحمه الله أو نقول هذه المسألة لا تخلو من أمرين، المؤلف رحمه الله صرح بأحدهما ويفهم الثاني من كلامه.
الأمر الأول: أن ينوي بطهارته أحدها لا على أن لا يرتفع غيره، يعني المسألة السابقة أكل لحم إبل ونام ومثلا قضى حاجته من بول أو غائط، لما قام لصلاة الفجر استحضار النوم، استحضار النوم زين، على أنه هو الذي استحضره، لا على أن لا يرتفع الباقي، لا على أن لا يرتفع الباقي، فإنها ترتفع كلها على المذهب، على المذهب. وقال ابن رجب في القاعدة الثامنة عشر: هذا هو المشهور، لأن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع البعض ارتفع الكل.
الأمر الثاني الذي يفهم من كلامه أو القسم الثاني الذي يفهم من كلامه: إذا نوى بطهارته إحداها على أن لا يرتفع غيره، مثل المثال السابق؛ نوى أن يرفع حدث النوم فقط على أن لا يرتفع حدث البول أو الغائط أو أكل لحم الإبل، فإنه لا يرتفع غير ما نوى، فإنه لا يرتفع غير ما نوى. قالوا: لأنه قد تطهر بنية بقاء غيره من الأحداث، ولو قيل بارتفاع الحدث كلياً للزم حصول أمر لم ينوه.
طيب، هل يصلي بهذه الطهارة؟ إذا نوى أن يرتفع حدث النوم ولا يرتفع غيره، هل يصلي بهذه الطهارة؟ أو نقول يحتاج إلى وضوء آخر ليرفع الأحداث الأخرى، مقيد نفسه؟ إيه مقيد نفسه، زين يعني فيحتاج إلى وضوء آخر، نعم.
أحسنت، لذلك قال الخلوتي رحمه الله: لكن لا يصلي بهذه الطهارة في بقاء غير ما قيد به من الأحداث، نعم.
قال رحمه الله: هذا، ويجب الإتيان بها أي بالنية عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية، فلو فعل شيئاً من الواجبات قبل النية لم يعتد به. ويوصى تقديمها بزمن يسير في الصلاة، ولا يبطلها عمل يسير. وتسن النية عند أول مسنوناتها في مسنونات الطهارة كغسل اليدين في أول الوضوء إن وجد قبل واجب، أي قبل التسمية. ويسن استصحاب ذكرها، أي تذكر النية في جميعها، أي جميع الطهارة، لتكون أفعاله مقبولة بالنية. ويجب استصحاب حكمها، أي حكم النية، بأن لا ينوي قطعها حتى يتم الطهارة، فإن عزبت عن خاطره لم يؤثر، وإن شك في النية في أثناء طهارته استأنفها، إلا أن يكون وهماً كالوسواس فلا يلتفت إليه، ولا يضر إبطالها بعد فراغه، ولا شكه بعده.
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن أيضاً مسائل الطهارة تتعلق في موضع النية ومتى يؤتى بها ومسائل غياب استحضارها أو الشك فيها. فذكر أن مكانها الواجب عند أول الواجبات، عند أول الواجبات؛ قال: يجب الإتيان بالنية عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية، كما مر أنها واجبة، وإنما كان مكانها الواجب هنا بأنها شرط فيعتبر وجودها في جميع المشروع، فلو فعل شيئاً من الواجبات قبل النية لم يعتد به، في حديث: «إنما الأعمال بالنيات». يعني مثلًا غسل يديه ثم تمضمض واستنشق ثم نوى، فهنا نقول لا عبرة بما سبق النية.
ثم ذكر حكم تقديم النية على أول الوضوء، فذكر أنه يجوز أن تتقدم عليه بزمن يسير كما يجوز ذلك في الصلاة، وسيذكرها في موضعها، قال في الإنصاف: لا نزاع، أما تقديمها في الزمن الطويل فلا يجوز على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، وقيل يجوز مع ذكرها وبقاء حكمها بشرط ألا يقطعها.
طيب، لو نوى أن يتطهر ثم انشغل بعمل قبلها فما الحكم؟ لو نوى أن يتطهر، يعني مثلاً نوى أن يذهب يتوضأ، وهو متجه للميضأة، مر على البراد وشرب ماء، ثم اتجه للميضأة فتوضأ، يعني لم يجدد نيته، فهل يصح وضوؤه أو لا؟ قال المؤلف: ولا يبطله إلا عمل يسير، يعني قبل الشروع في الطهارة. قال في الإنصاف في أصح الوجهين: فإذا كثر، إذا كثر ذلك العمل يعني شرب ماء ثم ذهب يصلح شيئاً، يصلح له مثلاً إيه شاي أو نحو ذلك ثم جاء يتوضأ، يعني وقت طويل، فهنا نقول هنا بطلت النية لابد من استئنافها.
ثم ذكر مكانها المستحب وهي أن تكون عند أول المسنونات، قال كغسل اليدين في أول الوضوء؛ غسل اليدين في أول الوضوء هذا إذا كان غسل اليدين والوضوء يكون مستحباً لغير القائم من النوم بالليل، فلو أراد أن يتوضأ فغسل كفيه ثم نوى ثم تمضمض واستنشق وأكمل الوضوء أجزأه، لكن الأفضل أن يبتدئ بغسل اليدين لتشمل النية مسنونة الطهارة وفرضها ليثاب عليه.
وقوله هنا: إن وجد قبل واجب، أي قبل التسمية؛ أي قبل التسمية يعني هنا وضح الواجب أو بين الواجب بأنه التسمية، وهكذا ذكر في شرحه للمنتهى وفي شرحه للإقناع، في شرح المنتهى للفتوحي فسر الواجب قال قبل واجب أي قبل المضمضة والاستنشاق، وعبارة البهوتي أولى لإيهام عبارة الفتوحي عدم وجوب تقدم النية على التسمية، وليس كذلك كما صرح به في الإقناع. ابن قاسم رحمه الله هنا في الجزء الأول صفحة 298 قال: وكذا عبارة شرح الإقناع والمنتهى يعني للبهوتي، قال: وفي شرح المنتهى لمصنفه اللي هو الفتوحي وغيره قبل المضمضة والاستنشاق قال وهو أولى. عبارة ابن قاسم تفيد أن عبارة الفتوحي أولى من عبارة البهوتي، وهذا هذا فيه خلل لأن أصلاً هذه العبارة عبارة ابن فيروز ونقلها عنه العنجري، نقلها عنه العنجري، وفي كليهما أنهما يفضلان عبارة البهوتي على عبارة الفتوحي، فما في حاشية ابن قاسم فيها قلب، فيها قلب والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى استصحاب النية، استصحاب النية يعني أنه لا ينساها، والاستصحاب نوعان: استصحاب الذكر. إذا قلنا الفرق بين ذكر القلب وذكر اللسان؛ فهذا مستحب في كل الوضوء لتكون أفعاله مقترنة بالنية، فلو عزبت عن خاطره فإنه لا يؤثر، لا يؤثر، لأن ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوب النية عنه والذهول عنها كالصلاة والصيام؛ يعني في الصلاة، هل أنت تستحضر أنك مثلاً تصلي العصر من حين تكبر إلى أن تسلم؟ لا، تعزب النية عن خاطرك في أثناء في بعض أجزاء الصلاة وهذا لا يؤثر، فهذا مثله، لأنه لأن استحضار تذكرها في جميع العبادة يشق فعفي عنه.
الثاني: استصحاب الحكم، استصحاب الحكم هذا واجب. ما معنى استصحاب الحكم؟ ألا ينوي قطعه، قال: يجب استصحاب حكمه، يعني لا ينوي قطعه، وهذا يكون في كل الوضوء وهو واجب كما قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله.
لو شك في وجود النية أثناء الطهارة فإنه يستأنف الطهارة، لأنها عبادة شك في شرطها وهو فيها فلم تصح كالصلاة.
طيب، متى لا يلتفت للشك؟ لا يلتفت للشك في مواضع، إذا كان وهماً كالوسواس فلا يلتفت إليه، لكون هذا من الشيطان يفسد عليه الطهارة.
والأمر الثاني: إذا كان شكه بعد الفراغ من العبادة، بعد الفراغ من العبادة، فلا يلتفت إليه، لأن الأصل أن العبادة تمت على الوجه المطلوب، وهذا هو الصحيح من المذهب كما قاله في الإنصاف.
لو أبطل النية بعد فراغه من الوضوء، يعني توضأ يغسل رجليه كل شيء، توضأ وضوءًا كاملًا ثم انتهى وقال: خلاص أنا سأنوي قطع رفع الحدث، قطع رفع الحدث، لم يشك، وإنما نوى قطع الوضوء؛ يقولون: هذا لا يؤثر، هذا لا يؤثر كما قاله ابن قدامة في المغني، وذكر في الفروع أنه الأصح، وذكر المرداوي أنه الصحيح من المذهب ونصه عليه الإمام أحمد رحمه الله، لأنه قد تم صحيحاً، ولم يوجد ما يفسده مما عد مفسداً.
طيب، هذا إذا أبطلها بعد فراغه؛ طيب لو أبطلها أثناء وضوئه، وهو يتوضأ وهو مثلًا يغسل يديه للمرفقين، نوى ألا يكون هذا وضوءاً يرفع به الحدث وأكمل، وأكمل، فهنا هل تبطل الطهارة؟ يعني هل يبطل ما مضى اللي هو غسل الوجه والمضمضة والاستنشاق وغسل اليدين للمرفقين؟ أو نقول يبطل فقط ما جاء بعد قطع النية، اللي هو مسح الرأس مع الأذنين وغسل الرجلين؟ كلها تبطل، يعني ما مضى وما أتى.
القول الأول أنه يبطل، هذا إذا قلنا إنه لابد من النية في أول الوضوء، إي لأنه لم يأتي في أثنائها بما أفسده، لكن هنا أتى في أثنائها بما أفسده وهو نية قطعها، طيب، نية قطعها هل تؤثر على ما مضى ولا فقط تؤثر على ما أتى بعد القطع؟
هما قولان في المذهب، والصحيح من المذهب أنه تؤثر حتى على ما مضى، كما قال المرتضى بن الحسن، ابن قدامة رحمه الله ذكر أنها لا تؤثر على ما مضى. يقول: ما مضى وقع صحيحًا بنية وتسمية، وذاك وقع صحيحًا، الذي يؤثر، أثر على ما بعده. إذن ما أثر الخلاف أو ما وجه الخلاف أو ما أثر الخلاف بين القولين؟ أحسنت، يعني لو أنه نوى قبل الوضوء يعني مثلاً لما غسل يديه للمرفقين قال: خلاص، لن أرفع الحدث، وأكمل مسح رأسه مع أذنيه وغسل رجليه للكعبين، طيب، ثم ندم، كان ودي خلاص أكمل، فعلى القول الأول الذي هو الصحيح من المذهب يقول: لا، لابد أن يعيد الوضوء من جديد، وأما القول الثاني قول الموفق ابن قدامة يقول: لا، يكمل الوضوء فقط، يمسح رأسه مع أذنيه ويغسل رجليه إلى الكعبين.
لا، خروج الريح أبطل فهمت، لكن النية، النية تبطل ما مضى؟ نعم تبطل ما أتى هذا بلا إشكال، لكن ما مضى هل تبطله أو تعود عليه إلى الخلف؟ يعني هل هي؟ حدث الريح حدث، لكن النية ليست حدث. لا، لا، القول الثاني لا يفسد.
قال رحمه الله تعالى: صفة الوضوء الكامل، أي كيفيته: أن ينوي ثم يسمي، وتقدم، ويغسل كفيه ثلاثًا تنظيفًا لهما، فيكرر غسلهما عند الاستيقاظ من النوم وفي أوله.
أحسنتم، تكلم المؤلف رحمه الله تعالى هنا عن صفة الوضوء الكامل، أما المجزئ فقد أشار له في أول الباب، ذكر أنه استعمال الماء في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة. قال: أن ينوي ثم يسمي، طبعًا صفة الوضوء الكامل هذه الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا حريصين على نقل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم إلى التابعين، لذلك جاء مثلاً عثمان، عن عبد الله بن زيد، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وغيرهم أنهم كانوا يتوضؤون ويرون أصحابهم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ، والتابعون رحمهم الله تعالى كانوا حريصين على الاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا على المسلم أن يحرص على معرفة السنة ليعمل بها، لأن الإنسان إذا عرف السنة وعمل بها فإنه بذلك يستحضر العبادة، ويزيد أجره، وتزيد محبته للنبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، قال: أن ينوي ثم يسمي وتقدم، تقدم ذكرهما النية والتسمية، النية ذكرت في أثناء هذا الباب، والتسمية ذكرت في باب السواك وسنن الوضوء. قال: ويغسل كفيه ثلاثًا تنظيفًا لهما، وهذا تقدم ذكره في أثناء الكلام على سنن الوضوء. قوله: فيكرر غسلهما عند الاستيقاظ من النوم وفي أوله، يعني إذا قام من النوم الآن سيتوضأ، عنده سيغسل يديه قبل الوضوء أو قبل غمس يديه في الإناء، هل يجتمعان؟ هل نقول: إذا غسل يديه قبل الوضوء ثلاثًا يكفي عن غسلهما في أول الوضوء؟ يعني إذا غسلهما قبل الوضوء لأجل النوم، يكفي عن غسلهما أول الوضوء؟ قالوا: لا، يكرر غسلهما عند الاستيقاظ من النوم وفي أوله، وهذه عبارة ابن مفلح في المبدع.
وقال ابن فيروز: ظاهر كلام الشارح أنه يقتضي أنه لا يكفي غسل اليدين من النوم الواجب عن المسنون، قال: ولم أره لغيره صريحًا، الحقيقة أنه البهوتي نقلها عن ابن مفلح في المبدع. قال: نعم، رأيت في الرعاية ما يخالفه، ونصه: ويجزئ ذلك عن غسلهما المسنون للوضوء قبله. لكن هل تأمل هل يعارضه؟ ويعضد كلام الشارح في أنه لا يكتفى بهما قولهم: إن غسلهما الواجب عبادة مفردة لا عن الوضوء.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله حفيد إمام الدعوة: الظاهر الاكتفاء بغسلهما عند الاستيقاظ، فيدخل المندوب في الواجب تبعًا، كما يدخل غسل الجمعة في الغسل الواجب ونظائره كثيرة.
قال رحمه الله تعالى: ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا ثلاثًا بيمينه، وبغرفة أفضل، ويستنشق بيساره.
أحسنت، المضمضة والاستنشاق تكون باليمين، والاستنثار يكون باليسار لأنه يماط أذى، فالأفضل أن يكون في غرفة واحدة، فلا يكون للمضمضة غرفة وللاستنشاق غرفة لفعله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما، إما أن يعني يتمضمض ويستنشق ثلاثًا بغرفة واحدة، يعني يتمضمض ويستنشق المرة الأولى والمرة الثانية والمرة الثالثة من غرفة واحدة، أو يجعل لكل واحدة غرفة، يعني في ثلاثة غرفات يتمضمض ويستنشق بكل واحدة. وإن أراد أن يتمضمض يفصل بينهما، فتكون ثلاثة غرفات للمضمضة وثلاثة غرفات للاستنشاق، جاز ذلك، وجاء في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه وجده، لكنه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قال ابن القيم رحمه الله: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الفصل بينهما في حديث صحيح. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، أيما أعجب إليك المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة أو كل منهما على حدة؟ قال: بغرفة واحدة.
قال رحمه الله تعالى: ويغسل وجهه ثلاثًا، وحده من منابت شعر الرأس المعتاد غالبًا، إلى من حدر من اللحيين والذقن طولاً، مع ما استرسل من اللحية، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، لأن ذلك تحصل به المواجهة، والأذنان ليستا من الوجه، بل البياض الذي بين الأذنين والأذن منه، ويغسل ما فيه أي في الوجه من شعر خفيف يصف البشرة، كعذار وعارض وأهداب عين وشارب وعنفقة لأنها من الوجه، لا صدغ، وتحذيف وهو الشعر بعد انتهاء العاذل والنزعة، يعني العذار بعد انتهاء العذار، والنزعة، ولا النزعتان وهما من انحسر عنه الشعر من الرأس صاعدًا من جانبيه فهي من الرأس، ولا يغسل داخل عينيه ولو من النجاسة ولو أمن الضرر، ويغسل الشعر الظاهر من الكثيف مع ما استرسل منه، ويخلل باطنه وتقدم.
أحسنتم، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى غسل الوجه وذكر حده طولاً وعرضًا، فذكر أن حده طولاً من منابت شعر الرأس المعتاد غالبًا فلا عبرة بالأفرع، الأفرع الذي ينبت بعض شعره في جبهته فهذا لا عبرة به، يعني لا بد أن لو نبت بعض شعره في جبهته فهذا يدخل في الغسل يدخل في حد الوجه، ولا عبرة بالأجلح، الأجلح الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه، فكلاهما يغسل إلى حد المنابت في الغالب. هذا إذن حده طولاً من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن مع ما استرسل من اللحية، ودخول اللحيين والذقن في حد الوجه هذا مجمع عليه، أما ما استرسل من اللحية، استرسل من اللحية يعني نزل عن اللحيين، فهذا يدخل في الوجه على المشهور من المذهب، لأنها تشارك في معنى المواجهة، ويلزم غسل ظاهرها، ويستحب تخليل باطنها.
طيب، هذا من الطول، من العرض قال: من الأذن إلى الأذن، ما بين الأذنين، والأذنان من الرأس لا من الوجه، لأن ما ذكر تحصل به المواجهة. ذكر أنه من الوجه البياض الذي بين العذار والأذن، العذار ما هو؟ العذار أول اللحية الذي يحاذي الأذن، أعلى اللحية الذي يحاذي الأذن هذا هو العذار، إذن الشعر النابت على العظم الناتئ سمت سماخ الأذن، الآن في عظم يقابل سماخ الأذن، يعني يقابل منتصف الأذن، هذا الشعر الذي عليه هو العذار، بينه وبين الأذن بياض، بينه وبين الأذن يعني مكان لم ينبت عليه شعر، فهذا يدخل في الوجه وليس في الشعر. لذلك ذكر المؤلف أن من الوجه البياض الذي بين العذار والأذن، فهذا يجب غسله لدخوله في مسمى الوجه، ونبه الشارع عليه لأنه يغفل الناس عنه. قال الموفق بن قدامة: ويستحب تعاهد هذا الموضع في الغسل لأنه مما يغفل الناس عنه. قال المروذي: أراني أبو عبد الله ما بين أذنه وصدغه، وقال: هذا موضع ينبغي أن يتعاهد.
وأيضًا يدخل في الوجه الشعور الخفيفة التي ترى البشرة من ورائها، كالعذار قلنا لكم قبل قليل، والعارض الذي على اللحيين، وأهداب العينين والشارب والعنفقة، هذه إذا كانت خفيفة فيجب غسلها، فيغسل الشعر الخفيف وما وراءه من البشرة، أما الشعر فلكونه نابتًا في محل الفرض فيكون تابعًا له، وأما البشرة فلكونها ظاهرة تحصل بها المواجهة، ولكون هذا الشعر أيضًا لا يستر ما تحته فوجب ألا يسقط غسل المحل قياسًا على الخف المخرق، الخف المخرق قالوا: هذا يرى الجلد من ورائه، فيجب إزالته وغسل الرجل، قالوا: فهذا مثله يغسل ما تحته من البشرة. قوله: كعذار وعارض، العذار قلنا لكم هو الشعر النابت العظم النابت في مصمت صماخ الأذن، والعارض ما نزل عن حد العذار هو الشعر الذي على اللحيين.
ثم نبه المؤلف رحمه الله تعالى على عدد من الشعور التي لا تدخل في حد الرأس، وهي الصدغ والتحذيف والنزعتان. أما الصدغ فهو الشعر الذي بعد انتهاء العذار يحاذي رأس الأذن وينزل عنه قليلًا، يعني عندنا العذار هو الذي يحاذي العظم الذي على صماخ الأذن يحاذي الصماخ، طيب اللي فوقه شوي هذا هو الصدغ، الصدغ هذا لا يدخل في الوجه، لا يدخل في الوجه، إنما يدخل في الرأس. التحذيف قالوا: هو الشعر الداخل في الوجه ما بين انتهاء العذار والنزعة، الآن العذار هنا والنزعة هنا، فما بينهما هذا الذي بينهما قالوا: لا يدخل في الوجه وإنما في الرأس، لاتصالهما بشعر الرأس وكونهما من الرأس لا من الوجه هو الصحيح من المذهب، كما قاله المرداوي في الإنصاف والتصحيح، واختار الموفق ابن قدامة في الكافي، وذكر المجد رحمه الله أنه ظاهر كلام الإمام أحمد. وفي التحذيف وجه آخر اختاره الموفق في المغني وهو أنه من الوجه، قال: لأنه لو لم يكن عليه شعر لو ما كان فيه شعر هنا، لو لم يكن فيه شعر لكان وجب الغسل من الوجه فكذلك إذا كان فيه شعر. وقول المؤلف رحمه الله هنا في تفسير التحذيف قال: هو الشعر بعد انتهاء العذار والنزعة، صوابه: بين النزعة وانتهاء العذار كما هو تعبير صاحب المبدع والإقناع والمنتهى.
النزعتان هما ما انحسر عنه الشعر من الرأس والصاعد من جانبيه، يعني هما اللذان أصلهما هنا في مقدمة الرأس لكن انحسر الرأس عنهما، فلا يغسلان مع الوجه لدخولهما في حد الرأس وكونهما من الرأس، وهو الصحيح من المذهب كما قاله المرداوي في الإنصاف. والصدغ قلنا: من الرأس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أو جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مرة واحدة كما عند أبي داود والترمذي وفيه ضعف.
وقوله: ولا يغسل داخل عينيه. قال الموفق ابن قدامة في المغني: لا يجب غسل داخل العينين ولا يستحب في وضوء ولا غسل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ولا أمر به وفيه ضرر، ولأنهما مظنة خوف الضرر في الجملة مع تكرار الوضوء، كما قاله ابن المنجى أو كما قاله شيخ الإسلام في شرح العمدة. وظاهر ذلك ظاهره الكراهة، أنه يكره غسل داخل العينين، وهذا هو الذي مال إليه الموفق في المغني، وقال المرداوي في الإنصاف والتصحيح: لا يستحب، وهو صحيح، بل يكره.
وقوله: ولو من نجاسة، فلا يجب غسل ما داخل العينين ولو أصابتهما نجاسة على الصحيح من المذهب كما قال المرداوي في الإنصاف، وقال: فيعايى بها، يعني يقال: من النجاسة التي داخل البدن ويكره غسلها أو لا يجب غسلها للصلاة؟ يجب غسلها للصلاة ونحوها، فيقال: هي التي داخل العينين.
قال: ويغسل الشعر الظاهر من الكثيف مع ما استرسل منه، ويخلل باطنه وتقدم. يعني الشعر الكثيف من اللحية ونحوها يغسل ظاهره، يغسل ظاهره مع ما استرسل منه، لحصول المواجهة به فتعلق الحكم به. يقول الموفق ابن قدامة رحمه الله: وظاهر مذهب أحمد الذي عليه أصحابه وجوب غسل اللحية كلها مما هو نابت في محل الفرض، سواء حاد محل الفرض أو تجاوزه، يعني أنه سواء حاد محل الفرض يعني صار إلى حد اللحيين أو تجاوزه نزل عن اللحيين، فإنه يجب غسلها، يعني غسل ظاهرها، وقال: وقول أحمد في نفي الغسل أراد به غسل باطنها، يعني غسل باطنها ليس من السنة، يقصد ابن الموارد عن الإمام أحمد رحمه الله ما رواه بكر بن محمد عنه أنه قال: غسلها ليس من السنة، يعني اللحية، وإن لم يخلل أجزأه.
هذه العبارة فهم منها الخلال أن الإمام أحمد رحمه الله يرى أن اللحية لا تغسل مطلقًا، فقال: الذي ثبت عن أبي عبد الله أنه لا يغسلها وأنها ليست من الوجه. يقول الزركشي رحمه الله لما نقل كلام الخلال قال: وامتنع من ذلك القاضي في تعليقه والشيخان وغيرهم. الشيخان من المراد بهما؟ الموفق وأبو البركات المجد بن تيمية، أحسنت. فقالوا: معنى قوله ليس من السنة أي غسل باطنها، يعني الخلال أخذ من ذلك رواية، بل قال: هي التي استقر عليها الإمام أحمد أن غسل اللحية ليس من السنة، والقاضي أبو يعلى في التعليقة والشيخ والموفق والمجد ذكروا لا، قالوا: إن قصده ليس من السنة يعني غسل باطنها.
وفي وجوب غسل المرسل من اللحية روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله، ووجوبها هو المذهب عند الأصحاب بلا ريب، فيما قاله الزركشي.
ابن رجب رحمه الله في القواعد.
رجح عدم وجوب غسل المسترسل من اللحية. فقال في القاعدة الثانية: شعر الحيوان في حكم المنفصل عنه لا في حكم المتصل، وكذلك الظفر وهذا هو جادة المذهب، ويتفرع على ذلك مسائل، وذكر منها غسله يعني غسل الشعر في الجنابة والحدث، تكلم عن غسل الجنابة ثم قال: وأما في الحدث الأصغر فلا يجب غسل المسترسل منه على الصحيح، وأما المحاذي لمحل الفرض فيجزي إمرار الماء على ظاهره إذا كان كثيفا، لأن إيصال الماء إلى الحوائل في الوضوء كاف وإن لم تكن متصلة بالبدن اتصال خلقة كالجبيرة والخف والعمامة، متصلة خلقة أو لا.
ابن نصر الله رحمه الله تعقب ابن رجب كما هو في حاشيته على القواعد، وقال: المعروف في المذهب وجوب غسل المسترسل من اللحية، وبعض الأصحاب كصاحب المحرر لم يحك فيه خلاف. والمرداوي رحمه الله لما ذكر كلام ابن رجب في القواعد قال: وهو مقتضى ما نص عليه المصنف ابن قدامة في المغني من عدم وجوب غسل الشعر المسترسل في غسل الجنابة.
قال رحمه الله تعالى: ثم يغسل يديه مع المرفقين وأظافره، ثلاثة ولا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه، ويغسل ما نبت بمحل الفرض من إصبع أو يد زائدة.
قوله: ثم يغسل المعاري مع المرفقين، نحن ذكرنا في الفروض وتقدم الكلام عليه في فروض الوضوء. وقوله: وأظافره، يعني يغسل حتى لو طالت أظافره فإنه لابد أن يغسل عليه، تدخل في الغسل. قال ابن حمدان في الرعاية إجماعا، وإن طالت هذه الأظفار لأن ذلك من يده كالثؤلول، ولأنها متصلة بيده اتصال خلقة فتدخل في مسمى اليد. وقوله ونحوه، نحو الأظفار كالثقوب والشقوق في مواضع الفرض فيجب غسل ظاهرها دون ما استتر تحت الجلد.
قوله: ولا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه. يعني إذا كان فيه وسخ تحت الأظفار، فهل نقول يجب إزالته لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة؟ أو لا؟ يقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا: لا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه. هذا أحد الوجهين في المذهب وهو الصحيح منهما. والصحيح من الوجهين كما ذكره المرداوي في الإنصاف والتصحيح وذكره ابن قدامة في المغني احتمالا. قالوا: لأن هذا يستر عادة، فلو كان غسله واجبا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
والنبي صلى الله عليه وسلم مرة عاب على بعض أصحابه وجود الرائحة لما يدخل عليه ويوجد رائحة من الوسخ الذي تحت أظفاره. والنبي صلى الله عليه وسلم عاب عليهم وجود الرائحة ولم يعب عليهم ولم يبين لهم أن هذا يبطل طهارتكم. قالوا: ولأن هذا يستر عادة أشبه ما يستر من الشعر.
وهناك وجه آخر في المذهب أنه يجب إزالة الوسخ تحت الظفر. وهذا قول ابن عقيل رحمه الله تعالى. لأنه محل من اليد استتر بما ليس من خلقة الأصل سترا منع إيصال الماء إليه مع إمكان إيصاله وعدم الضرر به، فأشبه ما لو كان عليه شمع أو غيره. قالوا يعني مثل لو كان عليه شمع أو غيره فإنه يجب عليه إزالته ليوصل الماء إلى البشرة. قالوا هذا مثله، لأن هذا ليس متصلا بالجسم اتصال خلقة.
وقوله ونحوه، يعني نحو الظفر كداخل الأنف يمنع وصول الماء، يعني لو كان فيه وسخ داخل الأنف ويمنع وصول الماء، قالوا هذا لا يجب إزالته فتصح طهارته. اختاره الموفق وغيره. قال الشيخ شيخ الإسلام رحمه الله: ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين. الشيخ الإسلام رحمه الله عمم ذلك في كل مانع يسير كدم وعجين يمنع وصول الماء إلى البشرة.
وقوله: ويغسل ما نبت بمحل الفرض من الإصبع واليد الزائدة. إذا خلق له أصبع أو يد زائدة فهل يغسلها أو لا؟ يعني عنده ستة أصابع أو عنده ثلاث أيدي. فهل يغسل اليد الزائدة أو لا؟ نقول: هذا النابت لا يخلو من ثلاثة أحوال. الحال الأولى: أن يكون نابتا في محل الفرض، فيجب غسله مع اليد الأصلية ومع الأصبع الأصلية لأنها نابتة فيه أشبهت الثؤلول. الثؤلول معروف ولا لا؟
يعني مثلا أصبع نابت مثلا هنا بين أصبعين. فالآن نبت في محل الفرض، لأن محل الفرض هو اليدين إلى المرفقين. فهنا نابت في محل الفرض فيجب غسله.
لو كان هذا الزائد، يعني مثلا يد زائدة نبتت هنا. عنده كف أصلية وكف زائدة نبتت هنا، إذا هنا نابتة في محل الفرض، يجب غسله.
الحالة الثانية: أن تكون نابتة في غير محل الفرض ولم تتميز. عنده يدان، ابتداء بيد من هنا، زين؟ ابتداء بيد من هنا من فوق المرفق، من فوق يعني من نصف العضد. فالآن نابتت في غير محل الفرض. طيب، لكن هو ما يدري، يقول: ما أدري أيهما الأصلية؟ هذه ولا هذه الأصلية؟ نقول: ما دام أنها لم تتميز فيجب غسلهما معا وجهين، قال في الإنصاف بلا نزاع. لأن غسل إحداهما واجب، ولا يخرج عن عهدة الواجب يقينًا إلا بغسلهما، فوجب غسلهما كما لو تنجست إحدى يديه ولم يعلم عينها، فيجب غسلهما معا.
الحالة الثالثة: أن تكون نابتة في غير محل الفرض وتتميز. يعني نبتت زي الحالة الثانية، نبتت في نصف العضد، لكنها واضحة أن هذه هي الزائدة وهذه هي الأصلية. فنقول: لا يجب غسلها، لأنها نابتة في غير محل الفرض. قال في الإنصاف على الصحيح من المذهب.
قال رحمه الله تعالى: ثم يمسح كل رأسه بالماء مع الأذنين مرة واحدة، فيمر يديه من مقدم رأسه إلى قفاه، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يدخل سبابتيه في صماخ أذنيه، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ويرسل إثر مسح. أحسنت.
هنا تكلم عن مسح الرأس. قوله: ثم يمسح كل رأسه بالماء. تكلمنا سابقا عن مسح الرأس، وهل الواجب مسح كله أو بعضه؟ تكلمنا عنه. ويمسحه بغير فضل يديه، بما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن زيد: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه. والمطلوب ظاهر الرأس. فلو أن شخصًا قال: خلاص أنا أمسح البشرة، أنا ما مسحت ظاهر الرأس أمسح البشرة. فبدأ يدخل يديه من داخل خصلة في شعره ولم يمسح ظاهر رأسه، فيقولون: لا يجزئ ذلك. لأن الفرض انتقل إليه، فلم يجزئ مسحه غيره.
وقوله: مع الأذنين مرة واحدة. تقدم الكلام عن حكم مسح الأذنين. ولا يستحب تكرار مسح الرأس والأذنين، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم رحمهم الله. لأن أكثر من وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه مسح الرأس مرة واحدة. وجاء في بعض روايات حديث عثمان أنه مسح الرأس ثلاثا، لكن قال أبو داود: وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة.
ثم ذكر الصفة المستحبة للمسح، وهو أن يمر يديه من مقدم رأسه، من هنا، إلى قفاه، أي مقدمة عنقه. ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه. لحديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. قال: ثم يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه. والصماخ هو الخرق المفضي الذي من الأذن إلى الرأس، فيدخلهما فيه ويدير أصبعيه، يمسح بإبهاميه ظاهرهما، لفعله صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي عن ابن عباس. قال النووي في المجموع: إسناده جيد.
قال: ويجزئ. كيف مسح؟ يعني على أي صفة مسح رأسه؟ هنا بين لك الصفة المستحبة، ثم بين على أي صفة مسح رأسه، إذا مسحه كله فإنه يجزئه. وسواء مسح رأسه بيده أو بخرقة. أو جاء بخرقة وبدأ يمسح رأسه فإنه يجزيء ذلك على أحد الوجهين وهو الصحيح من المذهب كما قاله في الإنصاف. قالوا: لأن مسحه بيده غير مشترط بدليل أنه لو مسحه بيد غيره أجزأه ذلك.
طيب، لو غسل رأسه بدل مسحه؟ قلنا المسح تبليل الرأس وإمراره. طيب قال: لا أغسل. فجاء بكأس وسكبه على شعره فاستوعب الرأس بالماء، فهل يجزئه ذلك أو لا؟ لابد من مسح. طيب قال: أنا غسلت، الغسل مسح وزيادة. أقول: قولان في المسح. طيب ما في قول وسط؟ قالوا: إذا أجزأ إن أمر يديه، يعني لو سكب ثم أمر يده فيجزئ، لكن لو سكب لم يمرر يده فإنه لا يجزئ. وهذا طبعًا على أحد الوجهين في المسألة. لكن حكم فعله لو فعله وقلنا يجزئ، قالوا مع الكراهة، كما صرح به ابن رجب رحمه الله في قواعده والحجاوي في الإقناع.
والسح بهذه الصفة التي ذكرها المؤلف مستحب. سئل الإمام أحمد رحمه الله عمن له شعر إلى منكبيه، يعني شعره طويل، كيف يمسح في الوضوء؟ فأقبل أحمد بيديه على يساره مرة وقال: هكذا قرآءة، ينتفش شعره، يعني يمسح إلى قفاه ولا يرد لئلا ينتفش شعره، وقال الإمام أحمد: حديث علي هكذا. وسئل كيف تمسح المرأة؟ قال: هكذا. ووضع يده على وسط رأسه ثم جرها إلى مقدمه، ثم رفعها ووضعها حيث منه بدأ ثم جرها إلى مؤخره. يعني هناك صفة ثانية للمسح تمسح بها المرأة أو من يخاف من انتفاش شعره، يبدأ من المنتصف فينزل على مقدم الرأس، ثم يعود إلى المنتصف وينزل على آخر الرأس لئلا يفسد شعره وينتفش. الأذنين، أهم شيء أنه يمسح الأذنين، لاحظ الأذنين حتى لو ما دخلت السبابة، يعني لا يجب.
قال رحمه الله تعالى: ثم يغسل رجليه ثلاثا مع الكعبين، أي العظمين الناشئين في أسفل الساق من جانبين القدم. ويختم وضوءه بغسل رجليه مع الكعبين، وهذا تقدم بيانه في بيان فروض الوضوء.
قال رحمه الله تعالى: ويغسل الأقطع بقية المفروض. في حديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». وما لا فإن قطع من المفصل، أي مفصل المرفق، غسل رأس العظم منه. وكذا الأقطع من مفصل كعب يغسل طرف ساق.
قوله: يغسل الأقطع بقية المفروض. عندنا من قطع منه عضو من أعضاء الوضوء، أو جزء من الوضوء، فلا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يبقى من محل الفرض شيء، أو أنه يقطع من المفصل، أو يقطع من فوق المفصل. فإذا بقي من محل الفرض شيء، يعني مثلا اليدين والمرفقين قطع من نصف الساعد، فنقول: يجب عليه غسل الباقي. لأنهم قالوا: يغسل الأقطع بقية المفروض. لو قطع من نصف القدم، فيجب عليه غسل النصف الباقي إلى الكعبين. الحديث الذي استدل به المؤلف بقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». قال المرداوي: يجب غسله بلا نزاع. إذا قال: بلا نزاع، يعني بين الأصحاب. فإذا غسل بقية المفروض فقد أتى ما استطاع حسًا وجرمًا.
الحالة الثانية: إذا قطع من المفصل، أي مفصل المرفق أو مفصل الكعب، قال فيجب غسل رأس العضد منه. قالوا: لأن غسل العظمين المتلاقيين، الآن المفصل في عظمين متلاقيين في المرفق وكذلك في الكعب، غسل العظمين المتلاقيين من الذراع والعضد واجب. فإذا زال أحدهما، الآن زال أحد العظمين، بقي العظم الثاني، فإذا زال أحدهما غسل الآخر. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: المنصوص منهما، يعني من القولين، وجوب غسل رأس العضد، لأن المرفق اسم لمجتمع عظمي ذراع وعظم العضد، فإذا ذهب أحدهما وجب غسل الآخر كما لو بقي بعض الذراع وغسل رأس العضد، هذا على الصحيح من المذهب.
الثالث: إذا لم يقطع شيء من محل الفرض، بأن كان القطع فوق المرفق أو فوق الكعب، فهنا يسقط الغسل لعدم محله. لكن قالوا: يسن له مسح محل القطع بالماء لئلا يخلو العضو من طهارة، كما قال الإمام أبي عمر في الشرح الكبير. وذكر المرداوي أن سقوط الغسل هنا لا نزاع فيه.
ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة في قواعده في القاعدة الثامنة: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها، هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه أم لا؟ قسمه إلى أربعة أقسام. عندنا الذي يفيدنا القسم الثاني: ما وجب تبعًا لغيره. قال: وهو نوعان، أحدهما ما كان وجوبه احتياطيًا للعبادة ليتحقق حصوله. وذكر من أمثلتها غسل المرفقين، رأس المرفقين في الوضوء. فإذا قطعت اليد من المرفق، هل يجب غسل رأس المرفق الآخر أم لا؟ قال: على وجهين، أشهرهما عند الأصحاب الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد. واختار القاضي في كتاب الحج من خلافه أنه مستحب، وحمل كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى على الاستحباب. هذا إذا بقي شيء من العبادة، أما إذا لم يبق شيء قال: بالكلية سقط التبع، كإمساك جزء من الليل في الصوم فلا يلزم من أبيح له الفطر بالتقاء، إلى آخره القاعدة.
قال رحمه الله تعالى: ثم يرفع نظره إلى السماء بعد فراغه ويقول ما ورد، ومنها: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
قوله: ثم يرفع نظره إلى السماء، بدليل ما روي عند أحمد وأبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم من توضأ فأحسن الوضوء
ثم رفع نظره للسماء فقال إلى آخر الحديث، والحديث فيه ضعف في جهة أحد رواته، نقصد الذي فيه زيادة ثم رفع نظره إلى السماء، وإلا فأصل الحديث في صحيح مسلم الذي فيه: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله».
بعضهم يعلل سبب رفع نظره إلى السماء بأنها قبلة الداعي، وهذا ذكره الخلوتي في حاشية المنتهى، وذكره قبله بعض العلماء ومنهم النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم وغيره. علق الشيخ عبد الله البابطين رحمه الله على كلام الخلوتي في نسخته على الحاشية بقوله: هكذا يقول فات علوم الرب سبحانه وتعالى، وهذا نقله العنقري رحمه الله في حاشيته، وينظر كلام محقق حاشية الخلوتي فقد نقل كلاماً جميلاً في نقد كلام الخلوتي رحمه الله تعالى، نقله من شرح الطحاوية لابن أبي العز.
ويقول ما ورد من: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله»، وهذا جاء في صحيح مسلم من حديث عمر رضي الله عنه فيه أن من قال ذلك فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، وزاد الترمذي: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. وعند النسائي في الكبرى والحاكم من حديث أبي سعيد: «أشهد أن سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك».
واختلف في رفعه ووقفه، وممن رجح وقفه النسائي والدارقطني. ويستحب قول هذا الذكر بعد الغسل كما قاله ابن مفلح في الفروع يقول: ويتوجه ذلك بعد الغسل ولم يذكروه، ونَص عليه في الفائق فيما ذكره المرداوي في الإنصاف. وهل يقوله بعد التيمم؟ ذكره الخلوتي احتمالاً قال: وهل التيمم على قياسهما؟ وابن قاسم رحمه الله هنا في الحاشية ألحق الغسل والتيمم بالوضوء لأنهما طهارة كالوضوء تستحب لها الذكر بعدهما. نعم.
قال رحمه الله تعالى: وتُباح معونة أي معونة المتوضئ، وسُن كونه عن يساره كإناء ضيق الرأس وإلا فعن يمينه، ويُباح له تنشيف أعضائه من ماء الوضوء، ومن وضأه غيره ونواه هو صح إن لم يكن الموضئ مكرهًا بغير حق، وكذا الغسل والتيمم.
أحسنت. أخذها المصنف رحمه الله تعالى هذا الباب في ذكر مسألة معونة المتوضئ وتنشيف أعضائه وتوضئ الشخص لغيره هل يجزئ أو لا. فذكر أولًا معونته، ذكر أنها مباحة، وكونها مباحة يعني أنها لا تستحب، فيباح للمتوضئ أن يستعين بمن يصب عليه الماء بفعله صلى الله عليه وسلم في مواضع، فقد صب عليه المغيرة وأسامة وصفوان بن عسال في الحضر والسفر، واستقر أمره صلى الله عليه وسلم على عدم الاستعانة في الوضوء فلا يستحب، لذا فلا يستحب ذلك فيما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكل طهوره إلى أحد ولا صدقته التي يتصدق بها يكون هو الذي يتولاها لنفسه صلى الله عليه وسلم.
قال ابن المنجى رحمه الله في تعليل عدم الاستحباب ولأنه لم يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم المداومة عليه ولو كان أفضل لداوم عليه، ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد لأن عمر قال ذلك. والاستعانة تشمل أمورًا، تشمل تقريب الماء للمتوضئ، وتشمل صب الماء عليه، وتشمل مباشرة غسل أعضائه. فالأولى مباحة اللي هي تقريب الماء للمتوضئ ولا يقال أنها خلاف الأولى فقد ثبتت في مواطن عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما الصب كونه يصب عليه هذا خلاف الأولى لأن الأفضل أن يباشر المتوضئ العبادة كاملة بنفسه. أما مباشرة الغسل يعني كون الشخص يغسل أعضائك لغير عذر فهذه مكروهة.
ويسن أن يكون المعين عن يساره على الصحيح من المذهب كما قال المرداوي في الإنصاف، ليسهل تناول الماء عند الصب يعني يكون عن يساره فإن تستقبل الماء بيمينك لأن الأفضل أن تغسل أعضائك باليمين، ولأنه أعون وأحسن في الأدب. الحجاوي رحمه الله في حاشية التنقيح انتقد التعبير بالسنية، لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصنيع، لذلك قال الأولى أن يقال يستحب لا يقال يسن، وليس في حديث المغيرة ولا أسامة ولا صفوان أنهم كانوا عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم.
يسن أن يكون المعين عن يساره، وكذلك قال يسن أن يكون عن يساره كإناء ضيق الرأس، يعني لو كان عنده يتوضأ من إناء ضيق الرأس يعني لا يستطيع أن يدخل يده فيه فإنه يجعل الإناء عن يساره. لماذا؟ لأنه سيأخذه بيساره ويباشر غسل الأعضاء بيمينه، فيكون عن يساره ليكون أسهل عليه. وقوله: وإلا فعن يمينه. يعني إذا كان الإناء واسعًا يمينه، لفعله عليه الصلاة والسلام ولأنه أمكن لنقل الماء إلى الأعضاء.
الأمر الثاني: تنشيف الأعضاء، هو مباح وليس بمستحب على المذهب. قال الخلال: المنقول عن أحمد أنه لا بأس بالتنشيف بعد الوضوء، ويستدلون بحديث سلمان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فقلب جبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه رواه ابن ماجه. ولا يستحب تنشيف الأعضاء بل يستحب تركه، ولا يعتاده بعد الوضوء كما قال ابن القيم، بل ذكر أنه لم يصح فيه حديث، وفي حديث ميمونة أنه صلى الله عليه وسلم لما اغتسل قالت: ثم أتيته بمنديل فرده وجعل ينفض الماء بيديه. وترك النبي صلى الله عليه وسلم المنديل لا يدل على الكراهة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد يترك المباح كما قد يفعل المباح، وهذه قضية عين، ويحتمل أنه ترك المنديل لأمر اختص به كما قال ابن أبي عمر في الشرح الكبير.
ومما علل به عدم استحباب التنشيف أنه إن فيه إزالة أثر العبادة فلم يستحب كإزالة دم الشاة. لكن هذا التعليل وهذا الاستدلال وهذا ذكره ابن المنجى في المنتقى، لكن هذا الاستدلال يقتضي كراهته لا إباحته، وهو إحدى الروايتين، الكراهة إحدى الروايتين للإمام أحمد رحمه الله كما ذكر شيخ الإسلام في شرح العمدة. ورد شيخ الإسلام على القول بالكراهة بقوله يعني بالتفريق بين التنشيف تنشيف الأعضاء وإزالة دم الشاة، قال: تنشيف للأعضاء قال هذا الأثر اللي هو أثر الوضوء لم يرد الشرع باستطابته، فأشبه غبار القدمين في سبيل الله.
الأمر الثالث: توضيء الشخص، توضيء الشخص لغيره، فإذا وضأ إنسان غيره ونوى المفعول به الوضوء، ولم يكن الفاعل اللي هو الموضئ مكرهًا بغير حق فإنه يصح منه، قال ابن قاسم بلا خلاف يعتد به لأنه المخاطب ولوجود النية من الموضئ.
طيب إذا كان مكرهاً بحق، اللي هو الموضئ، إذا كان الموضئ مكرهاً بحق كرقيقه وأجيره صح. إذاً عندنا إكراه بحق وإكراه بغير حق، نقول إذا كان ما فيه إكراه فيصح ويباح، طيب إذا كان فيه إكراه بحق كما لو كان أكره رقيقاً أو أكره أجيره الذي استأجره ليوضئه وليصب عليه فإنه يصح، مسلماً كان الصاب أو كافراً لوجود النية نقله ابن فيروز عن حاشية الإقناع.
أما إذا كان الصاب مكرهاً بغير حق فهل يصح أو لا يصح الوضوء؟ ذكر البهوتي في شرح المنتهى أن قواعد المذهب تقتضي الصحة، لماذا؟ قال لأن الصب ليس بركن ولا بشرط فيشبه الاغتراف بإناء محرم. وتعقبه ابن قايد وقال فيه نظر، وأحال على ما كتبه في هداية الراغب. قال ابن فيروز وهي غير موجودة لديه، هداية الراغب شرح عمدة الطالب عمدة الطالب لمن؟ لابن قايد، وهو من آخر كتبه. قال وهي غير موجودة لديه ابن فيروز، طبعًا هداية الراغب الآن مطبوعة لشرح عمدة الطالب مع أيضًا حاشية ابن عوض عليها.
قال وأما الذي يلوح لي أن وجهه كون التشبيه بالإناء غير ظاهر، إذ لم يوجد من الإناء فعل المبتدئ بخلافه هنا، فإنه يوجد منه فعل في الجملة، يقول الصاب هذا يوجد منه فعل، فلما أكره لا نقول يشبه بالإناء الذي اغترف منه، لأن الإناء الذي اغترف منه ليس منه عمل.
قوله: وكذا الغسل والتيمم أي حكمهما كالوضوء في تغسيل الشخص لغيره أو تيممه له، وكذا في المعونة والتنشيف، والله تعالى أعلم.
طيب هذا يقول: من لديه أعضاء صناعية كيف يغسلها؟ الله أعلم، نحتاج الجواب إن شاء الله في الدرس القادم أو يرسل لكم في القناة بإذن الله تعالى. طيب في سؤال؟ في سؤال غير مفهوم؟ السلام عليكم. النجاسة يسير من النجاسة، ستأتينا إن شاء الله في باب إزالة النجاسة، في نجاسات يعفى عنها، في نجاسات لا يعفى عنها، وستأتينا إن شاء الله في باب إزالة النجاسة. شيخ الإسلام رحمه الله يعمم العفو عن يسير النجاسات في كل نجاسة، لكن الأصحاب رحمهم الله تعالى يفصلون وستأتينا إن شاء الله في باب إزالة النجاسة.
شيخ حسن السلام عليكم، نجاسة المسلم المستحب والواجب أيهما أفضل؟ ذكرنا في شيء من الإشكال؟ لأنه ذكرنا أن غسل المسلم سنة، واجب وكذا الغسل. المريض مريض لا يستطيع أن يتوضأ لكن يوجد من يوضئه، هل نقول الآن يجب عليه هذا الذي يوضئه ولا ما يجب؟ نعم، قالوا إذا وجد من يعاونه فإنه لا يعدل التيمم، فإنه يتوضأ ولا يعدل إلى التيمم. هو يجب عليه بنفسه، لكن هل يجب على الابن أن يعينه في هذا؟ الله أعلم.
قالوا يجب على العاجز الذي لا يستطيع أن يتوضأ بنفسه، لكن عنده من يوضئه، قالوا يجب عليه الوضوء، حتى لو لم يجد إلا بأجرة، والأجرة هذه غير مجحفة، فيجب عليه دفعها. لكن هل نقول يجب على الابن أن يوضئ الأب؟ هذا الله أعلم.
إجزاء الغسل المستحب عن الوضوء، يعني لو أنه اغتسل للجمعة ونوى رفع الحدث، واغتسل الغسل المجزئ الغسل المستحب، إن الغسل المستحب سيتوضأ قبله، هذا ما فيه إشكال. لكن لو اغتسل الغسل المجزئ الذي هو تعميم الماء على سائر البدن من غير مضمضة أو مع المضمضة والاستنشاق، لكن من غير ترتيب، فهل يرفع الحدث أو لا؟ نقول لا، لا يرفع الحدث، لماذا؟ لابد من الترتيب والموالاة. الموالاة لو والى، لكن أراد لابد من الترتيب، فلذلك لو رتب فغسل وجهه أولا ومضمض واستنشق ثم غسل يديه إلى المرفقين ثانيا، مسح رأسه ورجليه ثم غسل رجليه ثم عمم الباقي فهنا نقول يجزئ إذا نوى ذلك طبعا كما لو كان ناسيا. إذا غمس في ماء ناويا فإذا خرج مرتبا أجزأ، وهنا نقول إذا نوى الترتيب أجزأ.
المشهور في المذهب أن وجوب تعميم مسح الرأس للرجل والمرأة. وهناك قول آخر في المذهب أنه خاص بالرجل، أما المرأة فلا يجب عليها تعميم بل يجوز لها الاقتصار على بعضه، وهذا الذي يميل إليه الموفق بن قدامة رحمه الله تعالى، وبإحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله.
فاتقوا الله ما استطعتم، إذا كان إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة إذا كان يشق فنقول اتقوا الله ما استطعتم. فإذا كان مثلا عليه بوية فحاول وجعل عليها مثلا مزيل من الكيروسين ونحوه لكن بقيت آثاره، فنقول لا يضر في شيء.
مع المضمضة والاستنشاق، المذهب أن المضمضة والاستنشاق فرضين في الطهارة في الوضوء والغسل. مستحب، لا يكفي، لابد أن يتوضأ، يعني لا يكفيه عن بطل الحدث، لابد أن يتوضأ. وجه الخلاف أن هذا رفع حدث، نعم غسل الجنابة رفع حدث، وهذا ليس رفع حدث، غسل مستحب ليس رفع حدث، غسل مستحب مثل تجديد الوضوء، هذا مما دخل معنا في أول باب الطهارة ارتفاع الحدث وما في معناه، هذا معنى ارتفاع الحدث، ما فيه رفع حدث، في معنى ارتفاع الحدث. نعم تقصد أنه يكفي، يعني لازم يغسل رأسه.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان