دخولتسجيل الدخول

كتاب الطهارة 04 | الدرس الثاني

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو اللقاء الثاني من لقاءات التعليق على كتاب الروض المربع للشيخ منصور البهوتي رحمه الله تعالى.

كان اللقاء الماضي في مقدمة لهذه الدروس ومقدمة الشارح رحمه الله تعالى، حيث تم التعليق عليها. وابتدأ المصنف رحمه الله تعالى بكتاب الطهارة؛ لأنها مفتاح الصلاة. وقد درج فقهاء الحنابلة رحمهم الله تعالى على ابتداء كتبهم بأركان الإسلام، أما الشهادتان فمحل الكلام عليهما كتب العقائد، فبقيت الأركان الأربعة، فابتدأوا بالصلاة، وقدموا عليها مفتاحها وهي الطهارة كما سيأتي في كلام الشارح رحمه الله تعالى.

وفي الطهارة يتكلم الفقهاء رحمهم الله تعالى على عدة أبواب، لعلها تظهر لديكم الآن في العرض، يتكلمون أولا على المياه في مقدمة كتاب الطهارة، ثم ينتقلون للكلام على الآنية، ثم الاستنجاء، ثم السواك وسنن الوضوء لأنها من مقدمات الوضوء، ثم فروض الوضوء وصفته، ثم مسح الخفين وغيرها من الحوائل لأنها تتعلق بعضو من أعضاء الوضوء، ثم نواقض الوضوء. ثم ينتقلون إلى الحدث الأكبر فيتكلمون عن الغسل، ثم يتكلمون عن الطهارة البديلة وهي التيمم بدل عن الوضوء والغسل، ثم يتكلمون عن النوع الثاني من أنواع الطهارة وهي إزالة النجاسة، ثم يختمون كتاب الطهارة بباب الحيض.

وهنا في كتاب الطهارة، في باب المياه، يتكلم المصنف رحمه الله تعالى على تعريف الطهارة، ثم يتكلم على أقسام المياه وحكم كل قسم، ثم يتكلم على مسائل الشك والاشتباه في المياه.

قال المصنف رحمه الله تعالى: كتاب. هو من المصادر السيالة، أي التي توجد شيئا فشيئا. المصدر السيال هو الذي يوجد شيئا فشيئا كما ذكر هنا، فكتابته لا تأتي دفعة واحدة، بل تأتي حرفا بعد حرف. يقابل المصدر السيال المصادر القارة أو غير السيالة، وهي التي تأتي دفعة واحدة مثل الموت، الموت لا يقال الآن سيموت شيئا قليلا ثم بعد ساعة أو بعد شهر سيموت جزء منه، الموت يأتي دفعة واحدة.

قال رحمه الله: "أي التي توجد شيئا فشيئا، يقال: كتبت كتابا وكتبا وكتابة، وسمي المكتوب به مجازا، ومعناه لغة الجمع، من: تكتب بنو فلان، إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة إذا اجتمعت، والكتابة بالقلم اجتماع الكلمات والحروف، والمراد بها هنا المكتوب، أي هذا مكتوب جامع لمسائل الطهارة، مما يوجبها، ويتطهر به، ونحو ذلك".

فمعنى الكتابة في اللغة يدور على معنى الجمع، كما ذكر هنا، وذكر جملة من الأمثلة التي تدل على ذلك. وممن يهتم بإرجاع أصول الكلمات إلى أصولها من اللغويين ابن فارس رحمه الله في كتابه مقاييس اللغة، طبعا هو مطبوع باسم معجم مقاييس اللغة لكن اسمه الصحيح مقاييس اللغة. وقوله هنا: "مما يوجبها" أي تسبب عنه وجوبها، وإلا فالموجبات هي الأسباب الشرعية.

قال رحمه الله: "بدأ بها لأنها مفتاح الصلاة التي هي أكد أركان الإسلام بعد الشهادتين". قدم الطهارة على الصلاة؛ لأن من شأن الشرط أن يقدم على المشروط. قد قسم الفقهاء رحمهم الله تعالى كتبهم في الفقه على أربعة أرباع: ربع العبادات، وربع المعاملات، وربع الأنكحة وما يتعلق بها، وربع الجنايات والخصومات وما ألحق بها. فقدموا العبادات اهتماما بالأمور الدينية، ثم المعاملات لأن من أسبابها الأكل والشرب ونحوه من الضروري الذي يحتاج إليه الكبير والصغير، وشهوته أي شهوة الأكل والشرب مقدمة على شهوة النكاح، ثم النكاح نتكلم عن النكاح؛ لأن الشخص إذا اكتسب مالا وبلغ سن الشباب اشتاق إلى النكاح، ثم ختموا بالجنايات؛ لأن الشخص إذا اكتملت لديه شهوة البطن وشهوة الفرج قد تسوء أخلاقه ويعتدي على غيره، فذكرت أحكام الاعتداء وما يفصل هذا الاعتداء، وختموا بمسائل الإقرار تفاؤلا بأن يختم الله للعبد بالإقرار بالتوحيد، وبعضهم يختم بباب العتق تفاؤلا بأن يعتق الله رقبته من النار.

قال رحمه الله: "ومعناها لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار، مصدر طَهُرَ يَطْهُرُ بضم الهاء فيهما، وأما طَهَرَ بفتح الهاء فمصدره الطُّهْرُ". هنا فرق الشارح بين الطهارة وطُهر، في فرق بينهما في المصدر، فيقول إن طَهُرَ مصدرها الطهارة، وطَهَرَ مصدرها الطهر. والشرح هنا تابع ابن مفلح في المبدع، والذي ذكره سيبويه والجوهري في الصحاح أن طهارة مصدر لـ طَهُرَ وطَهَرَ بالفتح والضم، وكذا ذكره الفيومي في المصباح المنير، وهو الذي ذكره البهوتي في شرح المنتهى. البهوتي في شرح المنتهى ذكر هذا؛ أن طهارة مصدر لطهر وطُهرة، أما في الروض والكشاف ففرق بينهما متابعا ابن مفلح في المبدع.

قال رحمه الله: "وفي الاصطلاح ما ذكره في قوله: وهي ارتفاع الحدث". أي زوال الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها. هنا الآن يفسر أو يوضح معنى الطهارة في الاصطلاح، فالطهارة في الاصطلاح تشمل أمرين: ارتفاع الحدث وزوال الخبث. طبعا هنا قال "ارتفاع" ولم يقل "رفع"، بعض الفقهاء يعبر برفع الحدث، هنا قال "ارتفاع الحدث".

قال ابن فيروز وهي منقولة من الكشاف، يقول قول الماتن يقصد الحجاوي "ارتفاع ولم يقل هي رفع" أتى به ليطابق المفسر في اللزوم. المفسر الآن يفسر ماذا؟ يفسر الطهارة، الطهارة الآن لفظ لازم، "طهر" فعل لازم يعني يحتاج إلى فاعل ولا يحتاج إلى مفعول به، "ارتفع" مثلها، فيقول فسر طهارة بارتفاع لأنها كلها متوافقة في اللزوم، كلها ارتفع وطهر كلها فعل لازم، أما من فسرها برفع فالرفع هنا فعل متعد، فيقول لا، رفع الحدث هذا تفسير للتطهير وليس تفسيرا للطهارة. وقوله: "زوال الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها"؛ فالحدث إذن أمر معنوي لا محسوس، وعبر في جانبه بالارتفاع يعني قال ارتفاع الحدث، أما في الخبث قال زوال، زوال الخبث، النجاسة أمر محسوس فعبر في جانبه بالزوال، بخلاف الحدث فهو أمر معنوي، ولذلك عبر في جانبه بالارتفاع، وهذا الفرق ذكره الخلوتي في حاشيته على المنتهى.

قال رحمه الله: "وما في معناه". أي معنى ارتفاع الحدث، كالغسل للميت والوضوء والغسل المستحب، وما زاد على المرة الأولى في الوضوء ونحوه، وغسل يد القائم من نوم الليل، ونحو ذلك، أو التيمم عن وضوء أو غسل.

عاد الضمير هنا في قوله "وما في معناه" إلى ارتفاع الحدث، لا إلى الحدث؛ يعني يقصد أنه قال "ارتفاع الحدث وما في معناه"، لأن هذا هو الأصل، أن يعاد الضمير إلى المضاف لا إلى المضاف إليه. الارتفاع مضاف والحدث مضاف إليه، والأصل أنه إذا جاء ضمير بعد المضاف إليه فالأصل أنه يرجع إلى المضاف، هذا هو الأصل إلا إذا دلت قرينة على عوده إلى المضاف إليه، فإعادته إلى المضاف إليه نادر أو قليل، ولما في إعادته للمضاف إليه من الإبهام قاله ابن فيروز ونقله من قاسم. وجاء في الحاشية هنا قال: "أعاد الضمير عليه دون الحدث لأن الأصل فيعود الضمير".

وقوله هنا: "كالغسل للميت" إلى آخره، قال ابن القاسم رحمه الله هنا الكاف تمثيلية لا تنظير. والفرق بينهما متى نقول هذه تمثيلية ومتى نقول هذه تنظير؟ الفرق بينهما أنه إذا لم يدخل ما بعد الكاف فيما قبلها فهي تنظير، كقولك: زيد كعمر، وإن دخل ما بعدها فيما قبلها فهي تمثيلية، ولا يمثل لشيء إلا لنكتة من رفع إبهام أو تحذير هفوة أو إشارة لخلاف إلى آخره. ثم ذكر قاعدة في التشبيهات الواردة في كلام المصنف وغيره قال: "ومن قاعدته أنه إذا جمع مسائل مشتركة في الحكم والشرط نسقها بالواو، فإذا جاء بعدها بقيد علمنا أنه منطبق على الجميع، وإن كان القيد مختصا ببعضها أدخل عليه كاف التشبيه، فإذا جاء بالقيد علمنا أنه لما بعد الكاف".

ذكر الشارح رحمه الله هنا ست مسائل تسمى طهارة ولا تتضمن رفع حدث لأنها في معنى ارتفاع الحدث، وهي كم؟ أولا قال: "كالغسل للميت"، يعني تغسيل الميت، فهذا يعتبر من الطهارة لكنه لا يرفع الحدث، وإن كان في معنى ارتفاع الحدث لأن هذا التغسيل كان بسبب الموت، والتغسيل هنا لم يزل هذا الحدث الذي هو الموت، ويسمى طهارة لأنه في معنى ارتفاع الحدث. طيب ابن قايد في شرح المنتهى انتقد عد الغسل للميت في معنى ارتفاع الحدث، يقول هو حدث، طبعا ابن قايد انتقاده يعود إلى أنه يرى أن الضمير في قوله "وما في معناه" يعود إلى الحدث، فيقول ارتفاع الحدث وما في معناه (يعني معنى الحدث)، فهو يقول تغسيل الميت هذا ليس في معنى الارتفاع وإنما هو حدث، لأن الحدث ما أوجب وضوءا أو غسلا.

الثاني والثالث: "وضوء الغسل المستحب"، الوضوء والغسل المستحب يسميان طهارة وليس فيهما ارتفاع حدث، فهما شابهتا الوضوء والغسل الرافعين للحدث، شابههما في الصورة فسمي طهارة، فإن لم يكون فيهما ارتفاع حدث.

المسألة الرابعة: "ما زاد على المرة الأولى في الوضوء"، يعني إذا غسل مثلا يديه المرفقين ثلاث مرات، الغسلة الأولى هذه هي التي ترفع الحدث لأن هي الواجبة، الثانية والثالثة لا ترفع الحدث، وإن كانت تسمى داخلة في مسمى الطهارة، قالوا لأن الوضوء الرافع للحدث يكتفى فيه بغسل الأعضاء مرة، فما زاد عليها يعتبر طهارة وإن كان لا يتضمن رفعا، لكنه كان في معناه. وقوله "ونحوه ما زاد على المرة الأولى في الوضوء ونحوه"، يقصد بنحوه الغسل، لأنهم الفقهاء يستحبون التثليث في الغسل، فغسل البدن مرة ثانية وثالثة يعتبر طهارة ولا يرتفع به الحدث لكنه في معنى الارتفاع لمشابهته له في الصورة.

الخامسة: "غسل اليد القائم من نوم الليل"، فهو يعتبر طهارة وإن لم يرتفع به الحدث بمجرده، لكنه في معنى ارتفاع الحدث لأنه مأمور به لخصوص الطهارة. وقوله "ونحو ذلك" يعني نحو غسل يديه، قال "من نوم الليل"، قالوا كغسل الذكر والأنثيين من المذي، بالذال، إن لم يصبهما؛ فهو إذا غسل ذكره وأنثييه من المذي، نعم بالماء، من المذي إذا لم يصب المذي الأنثيين، فهنا يعتبر طهارة لأنه مأمور به لخصوص الطهارة، وهو في معنى ارتفاع الحدث، ولا يرتفع به الحدث بمجرده، فهو في معنى ارتفاع الحدث.

السادسة: "أو بالتيمم عن وضوء وغسل"، فهو في معنى ارتفاع الحدث، ولا يرتفع به الحدث على المذهب؛ لأن التيمم مبيح عندهم وليس رافعا للحدث، كما سيأتينا إن شاء الله في باب التيمم.

قال رحمه الله: "وزوال الخبث"، أي النجاسة، أو حكمها بالاستجمار أو بالتيمم في الجملة، على ما يأتي في بابه.

هنا ذكر الأمر الثاني مما تشمله الطهارة وهو زوال الخبث يعني النجاسة. والنجاسة عرفها البعلي في المطلع بقوله: "كل عين حرم تناولها مع إمكانه لا لحرمتها ولا لاستقذارها ولا لضرر في بدن أو عقل". فقوله "حرم تناولها" يعني حرم تناولها لذاته، خرج ما حرم تناوله لكسبه. وقوله "مع إمكانه" خرج ما امتنع تناوله لاستحالته كحجر، كحجر الصوان، وهو حجر صلب قاس في الأرض، فلا نقول هو لأنه حرم تناوله، نقول لأنه إنما امتنع تناوله حسا. قال: "لا لحرمتها"، خرج به ما حرم تناوله لحرمته، قالوا كالصيد في الحرم والإحرام. "ولا لاستقذارها"، خرج به ما حرم تناوله لاستقذاره كالباذنجان والمخاط، فالمنع لاستقذاره لا لنجاسته. "ولا لضرر في بدن"، خرج ما حرم تناوله لضرره كالسم من النبات، "أو عقل"، خرج ما حرم تناوله لضرره بالعقل كالبنج.

فالنجاسة إذن لها عين محسوسة ولها حكم وهو أثرها، فعينها لا تزال إلا بالماء الطهور، أما حكمها فقد يزال بغير الماء الطهور، ولذلك هنا قال: "أو حكمها بالاستجمار أو بالتيمم في الجملة". يقصد أن من استجمر بعد قضاء الحاجة فإنه يكون بذلك أزال حكم النجاسة فأصبح طاهرا، ولكن عين النجاسة لم تزل. ترتب على ذلك أن ما تعدى موضع الحاجة عادة من الخارج من السبيل فإنه لا يجزئ فيه الاستجمار؛ لأن الاستجمار هنا يزيل حكم النجاسة ولا يزيل عينها. وكذلك التيمم قال: "أو بالتيمم في الجملة" فإنه يزيل حكم النجاسة لا عينها، وهذا على القول بأن.

للتيمم مدخلاً في إزالة النجاسة كما هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، فهم يرون مشروعية التيمم عن إزالة النجاسة التي على البدن، لا على الثوب كما سيأتينا إن شاء الله في باب التيمم. وقوله في الجملة، هذا قيد للتيمم، لأن التيمم لا يكون إلا عند التعذر، بخلاف الاستجمار، قاله ابن فيروز رحمه الله تعالى.

فالطهارة على هذا الإطلاق، لكنه يترتب عليهما الطهر؛ يعني ينتج عنهما إذا توضأ واغتسل أنه يكون متطهراً، والإطلاق للوضوء والغسل الفعل نفسه، فقد يطلق عليه طهارة.

المياه باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع ثلاثة. أحسنت، هنا بدأ المصنف رحمه الله بالكلام على أحكام المياه؛ لأن الطهارة المائية هي الأصل ولا تحصل إلا بالماء المطلق، فاحتاج إلى تمييزه عن غيره، وعبر المصنف هنا بالمياه، والماء اسم جنس إفرادي، وأسماء الأجناس لا تجمع، فلماذا قال المياه هنا؟ قال باعتبار ما تتنوع؛ يعني جمعها للنظر إلى أنواعها لأنها تتنوع، جمعها لاختلاف أنواعها. والماء متنوع انقسامه كما ذكر هنا إلى طهور وطاهر ونجس. وسبب حصر الفقهاء رحمهم الله أنواع الماء في الشرع إلى ثلاثة أنواع كان بالسبر والتقسيم، وقد بين ذلك ابن المنجى في الممتع شرح المقنع، والموجود عند ابن المنجى فيه سقط في هذا الموضع يستدرك من المبدع، وهي بكاملها في المبدع لابن مفلح، يقول ابن المفلح في المبدع في سبب حصر الفقهاء الماء في ثلاثة أقسام: لأن الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا -يعني لم يجز شربه- فهو النجس.

فالطهارة على نوع الماء الطاهر، والقول بأن أنواع المياه ثلاثة وأن هناك نوعاً من المياه يعتبر طاهراً غير مطهر هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ويستدلون على وجود نوع طاهر غير مطهر بعدد من الأدلة؛ يقولون إنه ليس بماء مطلق فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43]، فقالوا مثلاً مماز لبعض الطاهرات التي أثرت فيه ونحو ذلك مما سيأتينا في الكلام على أنواع الماء الطاهر، هذا نقله عن مسمى الماء المطلق. وأيضاً استدلوا بمثل قوله صلى الله عليه وسلم في ماء البحر لما سئل أن أتوضأ به؟ قال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». فقالوا: لو لم يكن الطهور بمعنى المطهر لم يكن ذلك جواباً للقوم، حيث إن القوم الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم سألوه عن كونه مطهراً، فقال لهم: «هو الطهور»، فلو كان الطهور بمعنى الطاهر ما كان هذا جواباً لهم، حيث لم يكونوا يستشكلون كونه طاهراً -كأنه لم تصبه نجاسة- وإنما يستشكلون كونه مطهراً، فأجابهم بكونه مطهراً بقوله: «هو الطهور». وأيضاً استدلوا بالاستقراء والتقسيم الذي ذكره ابن مفلح في المبدع، وحقيقة هذا استدلال بالاستقراء وبالآية التي ذكرناها، وهذا حقيقة هو استدلال في محل النزاع.

وهناك قول آخر في المذهب وهو أن الماء قسمان طهور ونجس، وأن ما ادعي أنه طاهر غير مطهر، فإن كان لم يخرج عن مسمى الماء المطلق فإنه يعتبر مطهراً، وإن خرج عن مسمى الماء فإنه لا يتطهر به لكونه ليس ماء، مثل لو أنه طبخ به فصار مرقاً، فهنا نقول لا يتطهر به لا لأنه ماء طاهر، لكن لأنه خرج عن مسمى الماء المطلق، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، أعني تقسيم الماء إلى قسمين، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ومن المتأخرين الشيخ إبراهيم والشيخ السعدي والشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله تعالى، واستدلوا على ذلك بالآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، وقالوا هذا يطلق عليه اسم الماء ولم يخرج عنه، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن إثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة. وعلى كلٍ، التفريع سيكون على ما ذكره الأصحاب رحمهم الله تعالى من وجود قسم ثالث.

أحدها طهور أي مطهر. قال ثعلب: طهور بفتح الطاء الطاهر في ذاته المطهر لغيره، انتهى. قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11]. أحسنت، هنا الطهور تضبط بفتح الطاء إذا أريد بها الماء، وتضبط بالضم إذا أريد بها الفعل، أي التطهر أو التطهير، على اللغة المشهورة كما قاله النووي رحمه الله، ومثلها سحور وفطور ووضوء، هذه كلها كذلك. وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ هنا ذكر الشارح رحمه الله الدليل على وجود ماء طهور، وأن الماء يطهر من الأحداث الصغرى والكبرى، وكون الماء يستعمل في التطهر هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، إنما حصل خلاف قديم عند بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم في ماء البحر، فبعض الصحابة كابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قالوا: التيمم أعجب إلينا منه، لكن هذا مردود بقوله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته».

لا يرفع الحدث غيره، والحدث ليس نجاسة بل معنى يقوم بالبدن يمنع الصلاة ونحوها، والطاهر ضد المحدث والنجس. أحسنت، قوله لا يرفع الحدث غيره، هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الماء الطهور يختص عن غيره بأمرين، وهذا هو الأمر الأول وهو رفع الحدث، فلا يرفع الحدث عن البدن إلا الماء الطهور، فلا يرفعه الماء النجس أو الماء الطاهر غير المطهر، ولا يرفعه أيضاً غير الماء، فاستقل الماء عن المائعات برفع الحدث وهو قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى. وقال شيخ الإسلام في شرح العمدة: هي كالإجماع، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه التطهر بغير الماء، وما ورد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفاً ومرفوعاً من الوضوء بالنبيذ فلا يثبت. وأما غيره من المائعات فلا خلاف في عدم جواز استعمالها في رفع الحدث، قال الموفق رحمه الله: لا خلاف بين أهل العلم فيما نعلم، ويستثنى من ذلك أيضاً المعتصر من الطاهرات كماء الورد فهذا خالف فيه بعض السلف رحمهم الله تعالى. وأما التراب، فهل يرفع الحدث؟ قلنا قبل قليل إن التراب على المذهب مبيح، أي التيمم مبيح لا رافع للحدث. قوله الحدث ليس نجاسة، يعني الحدث أمر معنوي ليس حسياً، فهو معنى يقوم بالبدن يمنعه من فعل ما تجب له الطهارة، ويترتب على أن كون الحدث ليس بنجاسة أنه من صلى وهو حامل شخصاً محدثاً، فإن صلاته صحيحة؛ لأنه لم يحمل النجاسة. قوله هو الطاهر ضد المحدث والنجس، يعني الطاهر يطلق على من لم يكن محدثاً ومن لم تصبه نجاسة.

ولا يزيل النجس الطارئة على محل طاهر، فهو النجاسة الحكمية غيره -أي غير الماء الطهور- والتيمم مبيح لا رافع، وكذا الاستجمار. أحسنت، هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى الأمر الثاني مما يختص به الماء الطهور، وهو أنه يختص بإزالة النجاسة، فلا يزيل النجاسة إلا الماء الطهور على المشهور من المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، وقد تكاثرت النصوص على أن الماء يزيل النجاسة، مثل حديث بول الأعرابي وحديث إزالة آثار دم الحيضة وغيرها، وهذا أمر يفيد الوجوب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أريقوا على بوله سجلاً من ماء»، وفي دم الحيضة: «حُتّيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء» إلى آخره. وقياساً على طهارة الحدث في كونها طهارة تراد للصلاة فلا تحصل بغير الماء. والنجاسة نوعان: نجاسة عينية وهذه لا تطهر أبداً كنجاسة بول الكلب مثلاً، فالكلب لو صببت عليه ماء البحر فإنه لا يطهر؛ لأن نجاسته عينية، وهناك نجاسة حكمية أو نجاسة طارئة، وهي التي تأتي على محل طاهر، وهي التي عبر عنها المصنف رحمه الله هنا بقوله: وهو النجاسة الحكمية، فلا يزيلها غير الماء الطهور. وقوله التيمم مبيح لا رافع وكذا الاستجمار، مقصد المصنف رحمه الله تعالى أو مقصد الشارح رحمه الله تعالى بذكر التيمم والاستجمار هنا الرد على من يرى أن رفع الحدث وإزالة النجاسة لا يختصان بالماء الطهور، فهو يقول التيمم مبيح لا رافع، فلذلك لا يرد علينا أن الماء لا يرفع الحدث إلا الماء الطهور، والاستجمار أيضاً يزيل أثر النجاسة لا يزيل عينها، فلا يرد علينا في قولنا إنه لا يزيل النجاسة إلا الماء الطهور.

وهو -أي الطهور- الباقي على خلقته، أي صفته التي خُلِق عليها، أما حقيقة بأن يبقى على ما وُجِد عليه من برودة أو حرارة أو ملوحة ونحوها، أو حكماً كالمُتَقَيِّم كطحلب ونحوه مما يأتي ذكره. أحسنت، بين المصنف رحمه الله تعالى هنا ضابط الماء الطهور، فذكر أنه هو الباقي على خلقته التي وُجِد عليها، وذكر أنه لا يخلو من أمرين: إما أن يكون باقياً على خلقته حقيقة بأن لا تزول أوصافه التي وجد عليها من برودة ونحوها مثل ماء البحر وماء الآبار ونحوه، والثاني أن يكون باقياً على خلقته حكماً كالمتيم، فلو نزل مطر على الأرض ثم من طول مكثه بدأ يتغير لونه مثلاً، فإنه يعتبر طهوراً؛ لأنه باق على خلقته حكماً، وكذا لو تغير بالطحلب أي النبات الذي ينبت أسفل الماء حتى يعلوه، فلو تغير لونه بهذه الطحالب فإنه يبقى على طهوريته.

فإن تغير بغير ممازج -أي مخالط- كقطع كافور وعود قماري ودهن طاهر على اختلاف أنواعه. قال في الشرح: وفي معناه ما تغير بالقطران والزفت والشمع؛ لأن فيه دهنية يتغير بها الماء، أو بملح مائي لا معدني، فيسلب الطهورية، أو سُخِّن بنجس كُرِه مطلقاً إن لم يُحَتَج إليه، سواء ظُنَّ وصولها إليه أو كان الحائل حصيناً أو لا، ولو بعد أن يبرد؛ لأنه لا يسلم غالباً من صعود أجزاء لطيفة إليه، وكذا ما سُخِّن بمغصوب، وماء بئر بمقبرة، وبقلها وشوكها، واستعمال ماء زمزم في إزالة خبث لا وضوء وغسل. أحسنت، هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى ست مسائل يكون الماء فيها طهوراً لكن يكره استعماله، وسيذكر ثلاث مسائل بعد قليل؛ يعني مجموع ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من مسائل الماء الطهور المكروه تسع مسائل، هنا ذكر ستاً وسيذكر بعد قليل ثلاث مسائل.

المسألة الأولى إذا تغير بغير مزج؛ تغير بغير مزج يعني تغير بشيء منفصل عنه ولا يخالطه، كما لو وضع فيه كافور أو عود قماري، وعود قماري منسوب إلى قمار بلدة بالهند، أو وضع فيه دهن فتغيرت أحد أوصافه، إما لونه أو طعمه أو رائحته، فإنه يبقى طهوراً على المذهب وعليه جماهير الأصحاب كما قاله المرداوي، لكن يكره استعماله على المشهور من المذهب عند المتأخرين، فقد جزم به ابن حمدان في الرعاية الكبرى وصوبه المرداوي في الإنصاف واقتصر عليه في التنقيح. وعلى قاعدة المرداوي فإن المذهب عند المتقدمين عدم كراهة استعماله، فقد اختاره الموفق والشارح وغيرهما، ولم ينقل المرداوي في الإنصاف الكراهة إلا عن ابن حمدان وصوبه، ولم يصرح في هذه المسألة بالمذهب، لكنه صرح به في المسألة اللاحقة، والقائلون في المسألتين متحد، لم يختلف، وإنما بقي طهوراً لأنه لم يخرج بذلك عن مسمى الماء؛ لأن تغيره عن مجاورة لا عن مخالطة، وذكر الموفق في المغني أنه لا يعلم في كونها مطهرة خلافاً، والحقيقة أن فيه خلافاً في المذهب، ففي المذهب قول بكون هذا التغير يسلبه الطهور، وقد نقل المرداوي قول ابن رازي: لا خلاف في طهوريته، وذكر أنه غير مسلم. وذكر الموفق في المغني أن في معناه ما تغير بمخالطته والشمع، وذكر أن فيها دهنية يتغير بها الماء، تغيره مجاورة فلا يمنع التطهر به، كالمتيم، يعني الشيء إذا الماء إذا تغير بالشيء تغير مجاورة لا مخالطة، والمفرق يكون بين المجاورة والمخالطة، المخالطة يمتزج به بحيث لا يمكن فصله عنه، والمجاورة يمكن فصله عنه، فهذه تغيرها تغير مجاورة بمعنى يمكن فصلها.

فهذه كلها إذا تغيرت بمجاور؛ فإنه هنا يعتبر في حكم ما تغير بالمزج، في حكم تغير بغير المزج. وإنما كره التطهر بما تغير بمخالطه للاختلاف في سلبه الطهورية، ويستحب الخروج من الخلاف في مسائل الاجتهاد كما قرره غير واحد من أهل العلم رحمهم الله تعالى.

المسألة الثانية: إذا تغير بملح مائي، والملح المائي هو ما ينعقد من الماء المرسل على السباخ؛ يعني أنه لو جاء ماء، مثلاً ماء مطر أو غيره على أرض سبخة، ثم تحولت إلى ملح، فهذا هو الملح المائي. فالماء إذا تغير بالملح المائي فإنه لا يسلبه الطهورية؛ لأن أصله الماء؛ لأن هذا الملح أصله الماء، قاله الموفق في المغني، وذكر أنه لا يعلم خلافاً في كونه مطهراً. وذكر المرداوي قولاً في المذهب أنه يسلبه الطهورية إذا وضع قصداً، والقول بكراهته هو المعتمد عند المتأخرين، فقد اقتصر عليه المرداوي في التنقيح، وذكر المرداوي في الإنصاف أن المذهب عند المتقدمين عدم كراهته. أما إذا تغير بملح معدني، والملح المعدني هو المستخرج من الأرض كالمعادن، لا ما أصله الماء؛ فإنه هنا يسلبه الطهورية؛ لأنه تغير بطاهر ممازج، وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب كما قال المرداوي.

الثالث: الماء المسخن بالنجاسة، أو بالنجس. ابن قدامة رحمه الله في المغني قسم هذه المسألة إلى ثلاثة أقسام، قال: أما أن يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة للماء؛ فهنا يقول إذا كان يسيراً ينجسه، إذا تحققنا وصول شيء من أجزاء النجاسة للماء. الحالة الثانية: ألا يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة للماء، ويكون الحائل غير حصين؛ يعني مثلاً مغطى بشيء لكن هذا الغطاء لم يغطِّ مثلاً القدر كاملاً، ممكن أن يصل شيء من النجاسة، فهنا يقول يكون طهوراً مكروهاً. الحالة الثالثة أو القسم الثالث: أن يكون الحائل حصيناً لا يتحقق وصول أجزاء النجاسة إلى الماء، والحائل غطاء القدر مثلاً حصين، فهنا هل يكون مكروهاً؟ فيه وجهان في المذهب، وسيبين بعد قليل مبنى الوجهين. والوجه المراد به إذا قيل وجهان في المذهب؛ هو قول لبعض الأصحاب وليس مروياً عن الإمام أحمد، لكنهم مخرجون على أصول الإمام أحمد. والذي مشى عليه الشارح هنا أنه يكره استعماله سواء كان الحائل حصيناً أو لا؛ لأنه لا يسلم من وصول أجزاء لطيفة إليه غالباً.

هذه الأقسام الثلاثة زاد عليها ابن المنجا في الممتع قسماً رابعاً وهو أن يكون كثيراً؛ أن يكون كثيراً، يعني لا يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء ويكون الماء أصلاً كثيراً، فيقول هذا طهور وغير مكروه؛ قال لأنه يدفع الخبث عن نفسه، وأسوأ ما يقدر وصول النجاسة إليه وذلك لا أثر له في الماء الكثير إلا أن يغيره. نرجع إلى المسألة: الماء المسخن بالنجاسة؛ الصحيح أن المذهب والروايتين عن الإمام أحمد الكراهة كما ذكره المرداوي في الإنصاف، واقتصر عليه في التنقيح، فإن لم يجد غيره تعين؛ لم يجد إلا هذا الماء المسخن بالنجس الذي لا يتحقق وصول النجاسة إليه فإنه يتعين، وكذلك يقال في كل مكروه أنه إذا لم يجد غيره تعين كما أفاده شيخ الإسلام رحمه الله في الاختيارات. وقوله هنا كره مطلقاً فسر الإطلاق بقوله: سواء ظن وصوله إليه أو كان الحائل حصيناً أو لا؛ فإن علم وصول النجاسة إليه وكان الماء قليلاً فيعتبر نجساً كما سيأتي. ابن قاسم رحمه الله في الحاشية علل الكراهة هنا بقوله: للاختلاف في طهوريته، والحقيقة أن هذا التعليل فيه نظر. شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى يقول: وأما المسخن بالنجاسة فليس بنجس باتفاق الأئمة إذا لم يحصل له ما ينجسه، وأما كراهته ففيها نزاع؛ لا كراهة فيه في مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما، وكرهه مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنهما.

ثم قال: وهذه الكراهة لها مأخذان؛ (وبين لنا الوجهين الذين ذكرهما ابن قدامة عن بعض الأصحاب فيما إذا كان الحائل حصيناً)؛ يقول هذه الكراهة لها مأخذان: أحدهما احتمال وصول أجزاء النجاسة إلى الماء، فيبقى مشكوكاً في طهارته شكاً مستنداً إلى أمارة ظاهرة، فعلى هذا المأخذ، يعني بناءً على هذا، متى كان بين الوقود والماء حاجز حصين كمياه الحمامات لم يكره؛ لأنه قد تيقن أن الماء لم تصل إليه النجاسة، وهذا هو أحد الوجهين في المذهب. إذا كان الحائل حصيناً فإنه لا يكره؛ لماذا؟ قالوا نحن نعلل الكراهة باحتمال وصول أجزاء من النجاسات إليه، الآن لا يحتمل، نقطع أنها لا تصل أجزاء من النجاسات إليه لأن الحائل حصين، فقالوا ما دام أننا نقطع، إذاً فلا كراهة فيه. قال: وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد كالشارح وأبي جعفر بن عقيل وغيرهم. والثاني: أن سبب الكراهة كونه سخن بإيقاد النجاسة، واستعمال النجاسة مكروه عندهم، والحاصل بالمكروه مكروه، وهذه طريقة القاضي وغيره، وهذا هو الوجه الثاني في المذهب أنه مكروه مطلقاً حتى لو كان الحائل حصيناً؛ لماذا؟ قالوا لأنه مبني على مكروه؛ لأن استعمال النجاسة في الأصل مكروه، فما بني على المكروه يكون مكروهاً.

وقد ذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة في قواعده في القاعدة التاسعة بعد المائة؛ إذا تعارض الأصل والظاهر، هذه قاعدة كبيرة ولها فروع كثيرة، قال هنا قسمة، قال إن كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعاً كشهادة والرواية والأخبار فهو مقدم على الأصل بغير خلاف. وإن لم يكن كذلك القسم الثاني بل كان مستنده العرف أو العادة الغالبة أو القرائن أو غلبة الظن ونحو ذلك؛ قال فتارة يعمل بالأصل ولا يلتفت إلى الظاهر، وتارة يعمل بالظاهر ولا يلتفت إلى الأصل، وتارة يخرج في المسألة خلاف. فقسم الحال الثاني إلى ثلاث أقسام، فالمجموع إذاً أربعة أقسام، مثل عليها، وهذه مسألة من القسم الرابع التي خرج فيها خلاف؛ قال القسم الرابع: ما خرج فيه خلاف في ترجيح الظاهر على الأصل وبالعكس، ويكون ذلك غالباً عند تقاوم الظاهر والأصل وتساويهما، وله صور كثيرة، ذكر منها إذا سخن الماء بنجاسة وغلب على الظن وصول الدخان إليه ففي كراهته وجهان، أشهرهما أنه يكره.

المسألة الرابعة: الماء المسخن بالمغصوب، وهذا مكروه؛ يعني طهور مكروه على إحدى الروايتين عن أحمد، وهي المذهب كما قاله المرداوي في الإنصاف، لأنه استعمل فيه أمراً محرماً في تدفئته، ولما كان وصف التدفئة وصفاً خارجاً عن الماء، فكان تعلق الغصب المحرم بأمر خارج عن العبادة وشرطها، صحت العبادة مع الكراهة.

الخامس: ماء بئر بمقبرة، والمقبرة قالوا بتثليث الباء؛ يعني الباء تكون مفتوحة ومكسورة ومضمومة مع فتح الميم، أو هناك لغة الرابعة بكسر الباء مع كسر الميم؛ مقبرة، مقبرة. نص الإمام أحمد رحمه الله على كراهته. قال البهوتي رحمه الله في حاشية المنتهى: وظاهر كلام الإمام مطلقاً في أكل وشرب وطهارة وغيرها، يعني ماء البئر، قوله: وبقلها وشوكها، يعني تكره. هنا في حاشية ابن قاسم قال: لكونها عنده مظنة النجاسة، والحقيقة أن تعليل ذلك بكونها مظنة النجاسة فيه نظر والله أعلم، ويبدو والله أعلم أن هذا لا علاقة له بالطهارة والنجاسة. وأصل ذلك أن الإمام أحمد رحمه الله سئل عن أخذ الحشيش، الشوك والحشيش من المقابر، قال: لا أدري، إلا أن طاووساً كان يكره أن يستقى من البئر التي في المقابر كما في مسائل الكوسج. فالمسألة في تعليل ذلك من عدم، ابن عقيل رحمه الله فهم من قول الإمام أحمد "لا أدري" فهم منها الكراهة، وهذا وجه عند الأصحاب، أنهم يحملون قول الإمام أحمد "لا أدري" على إذا كان مسؤولاً عنه، يعني أمراً منهياً عنه، يحملونه على الكراهة، فهم من هذه الرواية الكراهة، فالتمس من ذلك العلة، فقاس على الماء المسخن، هل هو لأجل النجاسة؟ لم يظهر في النص تعليل الإمام أحمد رحمه الله بالنجاسة، ولكن ظاهر كلام ابن عقيل رحمه الله تعليل كراهة استعمال الماء بالمقبرة بنجاسة النجاسة؛ فلذلك فهم ابن قاسم رحمه الله أن هذه مبنية على النجاسة. والحقيقة أن هذه أصلاً مبنية على مسألة أخرى، وهي مسألة علة النهي عن الصلاة في المقابر: هل هي لكونها مظنة النجاسة؟ أو لكونه تعبدي (جاء النهي فاقتصرنا عليه)؟

أو لكونها ذريعة إلى الشرك؟ شيخ الإسلام رحمه الله يرى أنها إنما منعت لكونها ذريعة لشرك، فلا علاقة لها بالنجاسة، وظاهر الأصحاب رحمهم الله تعالى أن المنع منها تعبدي، الظاهر من كلام الأصحاب أن المنع منها تعبدي، وابن عقيل رحمه الله ظاهر كلامه أن المنع منها لأجل النجاسة، فهذه المسائل مبنية عليها. ومما يقوي أن هذا ليس لأجل نجاسة أن الإمام أحمد رحمه الله سئل كما في رواية ابن هانئ عن الرجل يسقي البقل بالماء الخبيث اللذيذ، أيؤكل؟ قال: لا يؤكل، والخبيث لا يلزم منه النجاسة، قد يكون خبيث يعني أنه مثلاً تغيرت رائحته لطول مكثه ونحو ذلك، أو لمجاورة ميت ونحو ذلك، فدل على أنه كرهه لأنه قد يتضرر بالأكل منه، لا لكونه مظنة النجاسة. من أين أخذوا بقل المقبرة وشوكها؟ ابن مفلح رحمه الله في الفروع ذكر كراهة ماء بئر المقبرة وبقلها وشوكه، ذكره في باب الأطعمة ما ذكره في الطهارة والنجاسة في باب الطهارة، جاء ابن النجار رحمه الله فذكرها في باب الطهارة، ذكر ماء البئر فقط، أما البقل والشوك فذكره في الأطعمة، جاء البهوتي في شرحه على المنتهى وعلى الإقناع فأضاف بقل المقبرة وشوكها في باب الطهارة ولم يعلل طبعاً أنها لكونها مظنة النجاسة أو لا، وهنا ذكرها هنا في الطهارة، ففهم ابن القاسم رحمه الله أنها لكونها مظنة النجاسة، وهذا كما قلنا مبني على فهم ابن عقيل رحمه الله تعالى. فلا يقال فيما تثبت بواسطته ماء بئر المقبرة أنها أو كونها مظنة النجاسة، بل يمكن أن يعلل بأنها اعتمدت في نباتها على ماء مكروه فكرهت مثله، والله أعلم.

السادس من أنواع المياه الطهور المكروهة: ماء زمزم؛ استعمال ماء زمزم في إزالة النجاسة فقط، قولاً واحداً في المذهب كما قاله شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة، لا استعماله في الوضوء والغسل، وإنما كره استعماله في إزالة النجاسة تكريماً له. في الفروع ذكر وجهاً ثانياً في المذهب بتحريم استعماله في رفع الحدث، قال المرداوي في التصحيح: ولم أر من اختاره، ولم أر من اختاره. وذكر المرداوي أن ابن مفلح قد يكون اطلع على كلام للأصحاب في هذه المسألة مما لم نطلع عليه، والمصنف له من الاطلاع ما ليس لغيره. والمرداوي في الإنصاف ذكر من كلام بعض الأصحاب ما يفهم منه أن هناك قولاً بالتحريم لكن لم يصرحوا به، وذكر في الإنصاف أن كراهة استعمال ماء زمزم في إزالة النجاسة من المفردات، وذكرها ناظم المفردات، وهو محمد بن علي بن عبد الرحمن المقدسي المتوفى سنة 820 في نظمه (النظم المفيد الأحمد في مفردات الإمام أحمد)، الذي شرحه البهوتي رحمه الله في المنح الشافيات وحققه الشيخ عبد الله المطلق وفقه الله، يقول: وأكره لرفع حدث من زمزم كخبر بل صنه للتكرم. ولا يكره استعمال ماء زمزم في الوضوء والغسل على الصحيح من المذهب، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله كما قال المرداوي في الإنصاف والتصحيح، وإلحاقه بسائر المياه لقول علي رضي الله عنه: «ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بسجل من ماء زمزم، فشرب منه وتوضأ»، رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند، وحسن الحافظ إسناده في الفتح.

هنا في حاشية ابن قاسم رحمه الله ذكر الحديث لكن سقط منه كلمة زمزم، قال: «فدعا بسجل من ماء، فشرب منه»، سقطت كلمة زمزم وهي محل الشاهد، فتنبه لذلك. فإن قيل: ورد عن العباس رضي الله عنهما أنه قال في زمزم: «لا أحلها لمغتسل، ولشارب، وفي رواية: ومتوضئ، حل وبل»، وهذا الأثر رواه عبد الرزاق في مصنفه والإمام أحمد في العلل، فاستعمالها في الغسل استعمال للوقف في غير ما وضع له، فبما يجاب عن ذلك؟ أن زمزم وقف، نعم، والواقف يقول: لا أحلها لمغتسل، والفقهاء يقولون يجوز الاغتسال به؟ لا يخرج. (شيخنا، الشركاء في الماء). يعني أنه قالها للتضييق؛ يعني إذا استعمل في الغسل فضيق على الشاربين. كذا أنت تقصد؟ (لا، نقصد الشركاء في الماء). يعني أنه ليس هو الواقف فليس له حق أن يتصرف. أيضاً الأمر الثاني: التضييق؛ يعني قال بعضهم إنه منع لأجل أنهم يضيقون على من يستعمله للشرب أيضاً. الحديث هل يصح أو لا يصح؟ حديث فيه كلام، لذلك النووي رحمه الله قال: لا يصح، وذكر أنه لم يزل المسلمون على.

الوضوء منه بلا إنكار، ولم يصح ما ذكره عن العباس، بل حكي عن أبيه؛ يعني حكي هذا الكلام عن عبد المطلب ليس عن العباس إلى آخره. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله: «وإن تغير بمكث في مقره، وهو الآجن، لم يكره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ بماء آجن». وحكاه ابن المنذر إجماعاً من يحفظ قوله من أهل العلم سوى ابن سيرين. «أو بماء أي بطاهر يشق صون الماء عنه، من نابت فيه وورق شجر وسمك، وما تلقيه الريح والسيول من تبن ونحوه وتحلب؛ فإن وضع فيه قصداً وتغير به الماء عن مماز سلبه الطهورية. وإن تغير بمجاورة ميتة؛ أي بريح ميتة إلى جانبه فلا يكره». قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه. «أو سخن بالشمس، أو بطاهر مباح، ولم يشتد حره، لم يكره؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم دخلوا الحمام ورخص فيه، ذكره في المبدع. ومن كره الحمام فلعله للكراهة خوف مشاهدة العورة، أو قصد التنعم بدخوله لا كون الماء مسخناً، فإن اشتد حره أو برده كره لمنعه كمال الطهارة».

أحسنت، هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى خمسة مسائل يكون فيها الماء طهوراً غير مكروه. المسألة الأولى: المتغير بالمكث، وهو طول المقام في المقر، فهذا طهور غير مكروه؛ مثل ماء البرك مثلاً؛ قالوا لمشقة الاحتراز منه، وهذا المذهب صرح به جماعة من الأصحاب رحمهم الله تعالى، فتغير كان من غير مخالطة شيء يغيره، فيكون باقياً على طهوريته قياساً على المتغير بمجاورة، واستدل الشارح هنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بماء آجن، أي متغير. هذا حديث عزاه أبو القاسم في الحاشية إلى البيهقي، الحقيقة أن الذي في البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم تمضمض من هذا الماء الآجن؛ فقد جاء في سياق ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد: سعى علي بن أبي طالب إلى المهراس، فأتى بماء في مِجَنّ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرب منه فوجد له ريحاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا ماء آجن»، فتمضمض.

قال هنا: «وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ قوله من أهل العلم سوى ابن سيرين»؛ أي أنه طهور لا كراهة فيه بالإجماع، كما حكاه ابن المنذر في كتابه الإجماع ونقله عنه الموفق في المغني. وقد نقل خلاف ابن سيرين، وابن المنذر هنا في نقله الإجماع قيده بإجماع من يحفظ عنه ولقيه من أهل العلم في كتاب الإجماع، قال: «أجمع من أحفظ عنه ولقيته من أهل العلم». فلا تثريب عليه لو اطلع على خلاف غير خلاف ابن سيرين، ولذلك ينبغي أن يتأمل في لفظ ابن المنذر في حكايته الإجماع؛ من العبارات السائدة أنهم يقولون: ابن المنذر متساهل في حكاية الإجماع، الحقيقة أنه ليس على إطلاقه، يمكن عنده نوع من التساهل لكن ليس على إطلاقه، فأنت اعرف مقصوده في الإجماع واعرف الأمر الثاني لفظه في الإجماع، لذلك أحياناً يقول: أجمع كل من حفظت قوله، إذا اطلع على خلاف غيره ممن لم يحفظ قوله، وأحياناً يقول: أجمع عوام أهل العلم؛ فهنا ينقل الإجماع العام.

وذلك شيخ الإسلام رحمه الله له كلام جميل عن حكاية المنذر للإجماع، وأنه قد يعبر أحياناً بإجماع من يحفظ قوله، وأحياناً يعبر بإجماع أهل العلم؛ الصيغة الثانية أشمل والأولى مقيدة بما بلغه قوله، يرجع لكلام شيخ الإسلام رحمه الله في رسالته الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق في الجزء الثاني صفحة 597 وما بعدها.

الثانية: المتغير بما يشق صون الماء عنه من الطاهرات، كما لو نبت فيه شجر، وكذا لو تغيرت رائحته بالسمك الذي يسبح فيه، وكذا لو تغير بما تلقيه فيه الريح من تبن ونحوه كحشو وعيدان، فهذا كله لا يؤثر في الماء؛ يعني لو أنك جئت إلى بركة مثلاً ووجدت سقط فيها شيء من الشجر، يعني عيدان الشجر أو أوراق الشجر، فحدثت تغيراً يسيراً في اللون، فهنا نقول الماء لا يزال طاهراً، طهوراً مطهراً؛ يعني أنه لم يسلبه هذا الطهور، فهذا كله لا يؤثر في الماء لأنه يشق التحرز منه، وذكر الموفق رحمه الله أنه لا يعلم خلافاً في كونه مطهراً.

قوله: «فإن وضع قصداً» يعني بأن كان الواضع له آدمياً عاقلاً كما قاله البهوتي في الكشاف، وقال في حاشية المنتهى: بوضع آدمي ذي قصد أن يكون عاقلاً وبالغاً أو مميزاً، يعني عاقلاً ومميزاً؛ قال: لأن من دون التمييز ملحق بالبهائم في أمور كثيرة. فإذا كان قد طرح فيه الورق أو التبن ونحوه قصداً وتغير به الماء عن مماز سلبه الطهورية، فأصبح طاهراً غير مطهر؛ لأنه هنا لا يشق التحرز منه.

الثالث: المتغير بمجاورة ميتة؛ هنا أحياناً تأتينا مجاورة وأحياناً تأتينا مماز؛ قالوا ينضبط المجاور بما يمكن فصله، والمماز بما لا يمكن فصله، وهذا ذكره ابن عوض في حاشية الدليل نقلاً عن الدنوشري، والدنوشري هذا من تلاميذ البهوتي رحمه الله. فالمتغير بمجاورة ميتة لا يؤثر ذلك على كونه مطهراً ولا يكره، قاله في المبدع، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه. وكذلك نقله الشارح ابن أبي عمر والنووي نقلوا الإجماع في عدم كراهته.

الرابع: المسخن بالشمس، فهذا غير مكروه على المنصوص المشهور عن أحمد كما قاله شيخ الإسلام في شرح العمدة، قال في الإنصاف: وهو المذهب، نص عليه وعليه أكثر الأصحاب، ونص الشارح على طهارته بدون كراهة؛ إشارة لخلاف من كره المسخن بالشمس قصداً وهو الشافعي، وقال: لا أكره إلا من جهة الطب. وفي حديث أنه صلى الله عليه وسلم نهى عائشة لما سخنت له ماء في الشمس وقال: «لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص»، وهذا الحديث عند الدارقطني والبيهقي في السنن الكبير عن عائشة، وقال البيهقي: هذا لا يصح، وقال الألباني في الإرواء إنه موضوع. وما ذكره الشافعي رحمه الله أنه لا يكره إلا من جهة الطب، قال الموفق رحمه الله في المغني: وحكي عن أهل الطب أنهم لا يعرفون لذلك تأثيراً في الضرر.

الخامسة: المسخن بالطاهر المباح الذي لم يشتد حره، فإنه طهور غير مكروه؛ لأن هذا هو الأصل، وذكر الشارح ابن أبي عمر أنه لا يعلم فيه خلافاً إلا ما روي عن مجاهد أنه كره الوضوء بالماء المسخن، ويستدلون على ذلك بفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم في دخولهم الحمام والترخيص فيه، وهذا مشهور عنهم؛ ممن روي عنه الوضوء بالماء المسخن عمر وابنه وابن عباس وأنس رضي الله تعالى عنهم، كما ذكر الموفق في المغني. واستدل الموفق على عدم كراهته وعلى كونه طهوراً بأن التسخين صفة خلق عليها الماء، فأشبه ما لو برده.

قال: «ومن كره الحمام فلعله للكراهة»؛ يعني ليست علة الكراهة هي شدة حرارة الماء، وإنما العلة خوف مشاهدة العورة أو لكونه يقصد التنعم بدخوله، وقد جاء في الأثر أن عباد الله ليسوا بالمتنعمين. فإذا اشتد حره أو برده كره، وهذه هي المسألة السابعة والثامنة من مسائل الطهور المكروه. تقدم لنا ست مسائل للطهور المكروه، هذه السابعة والثامنة؛ إذا اشتد حره أو برده فإنه يكره؛ لأن استعمال الماء على هذه الحال إذا كان بارداً شديد البرودة أو حاراً شديد الحرارة فإنه يكره استعماله لأنه يمنع كمال الطهارة وإسباغ الوضوء. وقيد اشتداد الحر هنا زاده البهوتي ولم يذكره الحجاوي، الحجاوي قال: أو سخن بالشمس أو بطاهر لم يكره، ولم يقل: لم يشتد؛ فزاد القيد البهوتي رحمه الله زاده على الحجاوي، والحجاوي لم يذكره موافقة للموفق في المقنع. وذكر المرداوي رحمه الله أن من أراد مراد من أطلق هو تقييده بما إذا لم يشتد حره؛ فلا خلاف في المذهب فيه.

قال رحمه الله: «وإن استعمل قليل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء، وغسل جمعة أو عيد ونحوه، وغسلة ثانية وثالثة في وضوء أو غسل، كره للخلاف في سلبه الطهورية، فإن لم تكن الطهارة مشروعة كالتبرد يكره».

أحسنت، هذه المسألة التاسعة من مسائل الطهور المكروه، وهي الماء المستعمل في طهارة مستحبة، والمراد بالماء المستعمل أي المنفصل من أعضاء الوضوء كما قال الموفق في المغني؛ يعني وهو يتوضأ الماء المتساقط من أعضائه هذا يعتبر مستعملاً. طيب الماء المستعمل هذا الذي تساقط من أعضائه هل يشرع أو هل يجوز التوضؤ به؟ نقول إذا كان مستعملاً في طهارة مستحبة، مثل تجديد الوضوء أو غسل الجمعة أو غسل العيد، أو كان هذا المتساقط تساقط من الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء أو الغسل، فإن هذا الماء يعتبر طهوراً؛ لأنه لم يرد عليه ما ينجسه أو يسلبه الطهورية، لكنه مكروه للخلاف في سلبه الطهور. وكونه طهوراً هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، وذكر المرداوي في الإنصاف أنها هي المذهب واقتصر عليها في التنقيح، وكونه مكروهاً هذا ما ذهب إليه الحجاوي في الزاد وفي الإقناع، ومال إليه البهوتي في الكشاف، وظاهر الفروع والمبدع والإنصاف والتنقيح والمنتهى أنه طهور غير مكروه؛ هم لم يصرحوا بأنه غير مكروه، لكنه لما ذكروا المياه المكروهة لم يذكروا هذا منها، وذكروا أنه طهور، فظاهر تصرفهم أنه طهور غير مكروه وهو الصحيح من المذهب كما ذكره المرداوي في التصحيح؛ حيث ذكروا أنه طهور ولم يعبروا بالكراهة، وإنما لم يكره لأنه لم يرفع الحدث به ولا موجبة للكراهية. أما إن لم تكن الطهارة مشروعة كما لو اغتسل للتبرد، هنا قال: «فإن لم تكن الطهارة مشروعة كتبرد، لم يكره»؛ يعني لو اغتسل للتبرد فالماء المتساقط منه يجوز الوضوء به بلا كراهة، وهذا بلا نزاع في المذهب، بل قال الموفق: لا نعلم فيه خلافاً.

قال رحمه الله: «وإن بلغ الماء قلتين، تثنية قُلّة، وهي اسم لكل ما ارتفع وعلا، والمراد هنا الجرة الكبيرة من قلال هجر، وهي قرية كانت قرب المدينة، وهو الكثير اصطلاحاً؛ وهما أي قلتان 500 رطل، 500 رطل بكسر الراء وفتحها عراقي تقريباً، فلا يضر نقص يسير كرتل ورطل، و446 رطلاً وثلاثة أسباع رطل مصري، و171 وسبع رطل دمشقي، و89 وسبع رطل حلبي، و80 رطلاً وسبع ونصف سبع رطل قدسي. فالرطل هو سبع القدسي، وثمن سبعة وسبع الحلبي، وربع سبعة وسبع الدمشقي، ونصف سبعة ونصف المصري، وربعه وسبعه. فخالط نجاسة قليلة أو كثيرة غير بول آدمي أو عذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت، فلم تغيره، فطهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء» وفي رواية «لم يحمل الخبث»، رواه أحمد وغيره، قال الحاكم على شرط الشيخين، وصححه الطحاوي، وحديثه: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»، وحديثه «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه»، يحملان على المقيد السابق».

وإنما خصت القلة بقلال هجر لوروده في بعض ألفاظ الحديث، ولأنها كانت مشهورة الصفة معلومة المقدار، قال ابن جريج: «رأيت قلال هجر، فرأيت القلة تسع تسع قرباً وشيئاً، والقربة 100 رطل بالعراقي، والاحتياط أن يجعل الشيء نصفاً نصفاً، فكانت القلتان 500 بالعراقي».

«أو خالطه البول أو العذرة من آدمي ويشق نزحه كمصانع طريق مكة، فطهر ما لم يتغير»، قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً، ومفهوم كلامه أن ما لا يشق نزحه ينجس ببول الآدمي أو عذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت فيه ولو بلغ قلتين، وهو قول أكثر المتقدمين والمتوسطين. قال في المبدع: ينجس على المذهب وإن لم يتغير، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه» متفق عليه، وروى الخلال بإسناده أن علياً رضي الله عنه سئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها. وعنه أن البول والعذرة كسائر النجاسات، فلا ينجس بهما ما بلغ قلتين إلا بالتغير، قال في التنقيح: اختاره أكثر المتأخرين، وهو أظهر؛ لأن نجاسة بول الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب.

أحسنت، شرع المصنف رحمه الله تعالى هنا في ذكر الفرق بين الماء القليل والكثير وما يترتب على ذلك، فذكر أن الماء الكثير ما بلغ قلتين، وذكر ما يعادل وزنهما من الأوزان بالقدسي والعراقي والحلبي إلى آخره. والتقدير بالقلتين للتحديد على الصحيح من المذهب، لأن الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوهما بحد دقيق؛ قال ابن جريج: القلة تسع قرباً أو قرباً وشيئاً، وهذا لا تحديد فيه فهو قرب الأمر، ولذلك لو نقصت قليلاً أخذت حكمه؛ يعني لو مثلاً القلتان لو كانت قلتين إلا شيئاً يسيراً فإنه تأخذ حكم القلتين ونحو ذلك. وتفسيرها بقلال هجر جاء في أثر مرسل عند الشافعي والدارقطني: «إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر»؛ فسر الشارح هنا هجر بأنها قرية قرب المدينة، وقيل هي هجر البحرين، ورجح ابن فيروز ما ذكره الشارح هنا أنها قرية قرب المدينة، وعزى ذلك إلى ابن حجر في مقدمة الفتح.

والحقيقة أن الذي ذكره ابن حجر في مقدمة الفتح أنها هجر البحرين وليست أدنى المدينة، وذكر في الفتح في أثناء المقدمة زعم بعض العلماء أنها قرية قرب المدينة، وفي ذلك ما يشعر بتضعيفه، والله أعلم.

ذكر أن الكثير إن خالطته نجاسة فلا يخلو من ثلاث حالات. الحالة الأولى أن تخالطه نجاسة تغير أحد أوصافه، فهذا وسياتي ذكره في الكلام على قسم الماء النجس. الحالة الثانية أن تخالطه نجاسة غير بول الآدمي أو عذرته المائعة فلم تغيره، فهذا طهور في قول أكثر أهل العلم، وحكي إجماعاً لكنه لا يصح حكاية الإجماع كونه خالف فيه أبو حنيفة رحمه الله؛ لا يرى التحديد في القلتين لكن يرى الماء الكثير واختلف في تحديد الكثير عنده بقيل ما بلغ الطرف إلى آخره، يعني أنه يراه أكثر من القلتين. واستدل الجمهور على عدم نجاسة الماء الكثير إذا خالطته نجاسة غير الدم المائعة بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، وخص هذا بالكثير دون القليل استدلالاً بمفهوم الحديث، ولذلك ذكر هنا أن حديث: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» هذا مطلق يقيده حديث القلتين، وهذا سياتينا إن شاء الله التعرض لهذه المسألة، أن الماء اليسير هل ينجس بمجرد طروء النجاسة عليه ولو لم تغير، سياتينا إن شاء الله الكلام عليه في قسم الماء النجس.

الحالة الثالثة أن تخالطه نجاسة من بول الآدمي أو عذرته المائعة فلم تغيره ويشق نزحه، فهذا طهور ونقل عليه الإجماع غير واحد من أهل العلم كابن المنذر والموفق والشارح وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وقوله هنا يشق نزحه قالوا: أي على الرجل المعتدل القوة إذا أراده جميع الناس أو أكثرهم غير مراده، وإرادة عدد مخصوص يتوقف على نص فيحمل على المتيقن، إلا أن يقال إن من قواعدهم أن ما لا تحديد فيه يرجع إلى العادة فيه، ليكون اعتبار المشقة منوطاً بها، وهذا الكلام ذكره البهوتي في حواشي الإقناع، وابن فيروز نقل جزءاً منه. وهنا قوله كمصانع طريق مكة؛ مصانع هي الأحواض التي يجتمع فيها مياه المطر، وهذه كانت مورداً للحجاج يستقون منها، يقول موفق ابن قدامة في المغني: ولم أجد عن إمامنا رحمه الله ولا عن أحد من أصحابنا تحديد ما يمكن نزحه بأكثر من تشبيهه بمصانع مكة، يعني ما في تحديد معين وإنما شبهها بمثل مصانع مكة، يعني الأماكن التي يجتمع فيها الماء والأحواض التي يجمع فيها الماء في طريق مكة.

الحالة الرابعة أو القسم الرابع أن تخالطه نجاسة من بول آدمي أو عذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت فيه فلم تغيره ولا يشق نزحه، فهنا فيه خلاف وذكره الشارح هنا، وقوله بول آدمي ظاهره ولو كان صغيراً لا يأكل الطعام كما ذكره ابن فيروز. فمفهوم كلام الحجاوي أنه ينجس بذلك إذا خالطته نجاسة من بول الآدمي أو عذرة مائعة ولم تغيره ولا يشق نزحه، فمفهوم كلام الحجاوي أنه ينجس بذلك. قال المرداوي في الإنصاف: وهذا المذهب عند أكثر المتقدمين، قال البهوتي هنا: وهو قول أكثر المتقدمين والمتوسطين، وذكر في المبدع أنه هو المذهب، وقول شيخ الإسلام في شرح العمدة: وأكثر نصوص أحمد على هذا وهو قول أكثر المتقدمين من أصحابنا. وذكر المرداوي أن هذه مفردات الحنابلة، ويستدلون على ذلك بحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه»، وهذا متناول للقليل والكثير وخصه بالبول، قال: وأصح من خبر القلتين فيتعين تقديمه كما قاله الموفق. ويستدلون أيضاً بالأثر الذي ساقه المصنف الشارح هنا عن الخلال أنه سئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها، وقال الخلال: إسناده صحيح، وهو عند ابن أبي شيبة بسند ظاهره الإرسال.

الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله أن البول والعذرة كسائر النجاسات، فلا ينجس فيهما الماء الكثير إلا بالتغير؛ لماذا؟ قالوا لأن نجاسة بول الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب، قال ابن فيروز: بل نجاسة الكلب أزيد ومع ذلك الكلب لا ينجسه إلا إذا تغير، فمن باب أولى بول الآدمي. قالوا على أنه لو حصل التعارض يعني بين حديث أبي هريرة في الماء الدائم وحديث القلتين، فحديث القلتين أرجح لموافقته القياس. وقال في الإنصاف: وهذا عليه جماهير المتأخرين وهو المذهب عندهم، وقال في التنقيح: اختاره أكثر المتأخرين وهو أظهر.

ما المراد بالمتقدمين والمتوسطين والمتأخرين؟ نقول الفقهاء الحنابلة رحمهم الله تعالى منقسمون بحسب زمانهم إلى طبقات: متقدمون ومتوسطون ومتأخرون، وهذه المسألة يعني إطلاق المتقدمين والمتوسطين والمتأخرين هذه مسألة اصطلاحية، فهي تختلف بحسب من أطلقها؛ فقد تجدها في كلام ابن قدامة، وقد تجدها في كلام المرداوي، وقد تجدها في كلام شيخ الإسلام، فمقصود ابن قدامة مثلاً في المتأخرين غير مقصود مثلاً المرداوي في المتأخرين أو غير مقصود البهوتي في المتأخرين، فكل واحد يقصد بحسب زمنه. إذا وجد في كلام البهوتي مثلاً كان قريباً من زمنها إطلاق هذه العبارة فما مرادهم بها؟ اختلفوا في تحديدهم زمنياً، في حاشية حميد على المنتهى نقلاً عن الخلوة وليست في المطبوع، وليست في حاشية الخلوة لا على المنتهى ولا على الإقناع: أن المتقدمين من الإمام أحمد إلى القاضي أبي يعلى، والمتوسطين من القاضي أبي يعلى إلى الموفق، والمتأخرين من الموفق إلى الآخر، وهذا ذكره ابن قاسم في حاشية الروض هنا ليس في هذا الموضع، في صفحة 93.

وشيخنا ابن العثيمين رحمه الله في تعليقه على الروض هناك رأي آخر نقله الشيخ بكر رحمه الله في المدخل المفصل: أن المتقدمين من بعد الإمام أحمد حتى ابن حامد، والمتوسطين من بعد ابن حامد حتى ابن مفلح صاحب المبدع، والمتأخرين من المرداوي حتى الآخر، ونسبه للشيخ علي الهندي رحمه الله في كتابه التحفة السنية. وهذه المسألة كما قدمت مسألة نسبية فيختلف الإطلاق بحسب المطلق، لكن هنا في هذه المسألة ذكر المتوسطين، يعني قول البهوتي هنا قول أكثر المتوسطين، هذا مأخوذ من كلام الزركشي في شرحه على الخرقي، ولفظ المتأخرين من أطلقه شيخ الإسلام في شرح العمدة ومفلح في الفروع، وهما معدودان في طبقة المتوسطين ومع ذلك هم يقولون متأخرين، فإذن المقصود بهما قطعتان المقصود بالمتأخرين هنا قطعاً من قبل شيخ الإسلام وقبل الزركشي وبن مفلح بكثير لأنهم يعتبرون طبقة المتأخرين بدأت قبلهم.

هنا بس تنبيه على سقط في الحاشية في صفحة 75، حاشية رقم ثلاثة يقول كالقاضي، هنا تعليق على قوله وهو أكثر المتقدمين والمتوسطين، قال: كالقاضي والشريف وابن البنا وابن عبدوس، قال القاضي: اختاره الخرقي وشيوخ أصحابنا، وقال الشارح هنا في سقط بعد وشيوخ أصحابنا، يعلق عليها: وعنه لا ينجس، يعني هذه رواية ثانية، وعنه لا ينجس، قال الشارح اللي هو ابن أبي عمر وهو اختيار ابن الخطاب وابن عقيل، الخطاب وابن عقيل يختارون الرواية الثانية وهو مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم، وابن قاسم ذكره على الصواب في صفحة 77 يعني بعد صفحتين.

نقف إذاً عند هذا الحد ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، ففي سؤال نختم به؟

نعم شيخ بالنسبة لما ذكرت تغيراً بغير ممازج، ثم لما قال تغير بما يشق الماء فيه وراء شيء، هذا أيضاً غير ممازج وأخذ حكماً آخر.