دخولتسجيل الدخول

كتاب الطهارة 05 | الدرس الثالث

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم صلِّ وسلم. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.

قال رحمه الله: ولا يرفع حدث رجل وخنثى طهور يسير دون القلتين خلت به كخلوة نكاح امرأة مكلفة ولو كافرة لطهارة كاملة عن حدث، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. رواه أبو داود وغيره، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان.

قال أحمد في رواية أبي طالب: أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ذلك، وهو تعبدي. وعلم مما تقدم أنه يزيل النجاسة مطلقًا، وأنه يرفع حدث المرأة والصبي، وأنه لا أثر لخلوتها بالتراب ولا بالماء الكثير ولا بالقليل إذا كان عندها من يشاهدها أو كانت صغيرة أو لم تستعمله في طهارة كاملة. ولا لما خلت به لطهارة خبث؛ فإن لم يجد الرجل غير ما خلت به لطهارة حدث استعمله ثم تيمم وجوبًا.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا. آمين يا كريم.

أما بعد، فهذا هو اللقاء الثالث من لقاءات شرح أو التعليق على الروض المربع. بدأ المصنف رحمه الله تعالى هنا ببيان قسم من أقسام المياه الطهور اختص بحكم عن سائر أقسام المياه الطهور. وهذا النوع من أنواع المياه الطهور هو ما خلت به المرأة بالقيود التي سيذكرها؛ فهو يزيل الخبث مطلقًا، ويرفع الحدث إلا حدث الرجل والخنثى البالغ. بعض الحنابلة رحمهم الله تعالى يجعله قسمًا رابعًا للمياه ولا مشاحة في الاصطلاح. وكونه طهورًا لهذه الخصائص هذا هو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب كما قاله المرداوي رحمه الله تعالى.

وهذا الماء قلنا لا بد فيه من توافر قيود. القيد الأول: أن يكون ماءً، فلو خلت بتراب فلا يؤثر؛ لو أنها خلت بتراب يعني لو أنها خلت بتيمم بتراب تتيمم فيه، ثم جاء الرجل بعدها ليتيمم فيه فنقول هذا لا يؤثر، كما قاله المرداوي رحمه الله تعالى. الثاني: أن يكون الماء يسيرًا دون القلتين، فإن كان كثيرًا فلا أثر للخلوة به على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب كما قاله المرداوي رحمه الله. الثالث: الخلوة به، ما المقصود بالخلوة؟ هل المقصود ألا يراها أحد، أو المقصود ألا يشاركها فيه أحد ولو كان هناك من رآها؟

المعتمد عندهم أن المقصود بالخلوة ألا يراها أحد، فعلى هذا ضابط الخلوة كخلوة النكاح؛ أن تخلو به عن مميز، فتزول الخلوة بمشاهدة مميز أو كافر أو امرأة على الصحيح من المذهب كما قاله المرداوي. فإن كان عندها أعمى فإنها تزول الخلوة به كما قرره البهوتي في الكشاف. وقرر في حاشية المنتهى أنه يكتفى بمشاهدة الماء؛ يعني لو أنها مثلًا تتوضأ أو تغتسل من الدش، وجدار دورة المياه ليس متصلًا بالسقف، فهو يرى من خلف الجدار الماء، فهنا على كلام البهوتي في حاشية المنتهى أنه أيضًا تزول الخلوة بذلك.

الرابع: أن تكون الخالية به امرأة مكلفة، لا صغيرة على المذهب، فخلوة الصغيرة غير مؤثرة. وأيضًا خلوة الخنثى غير مؤثرة على المذهب لاحتمال أنه رجل. فإن قال قائل: لماذا لا تؤثر خلوة الخنثى ونحن نقول احتمال أنه امرأة؟ فالجواب نقول نبقى على الأصل، أحسنتم، نبقى على الأصل، الأصل أن الماء طهور مطهر، فلا ننتقل عن هذا إلا بيقين. يقول البهوتي في الكشاف: إننا لا نمنع بالاحتمال كما لا ننجس بالشك، وهذا المنع تحقق بالنسبة إلى الرجل، والخنثى يحتمل أن يكون رجلًا، فمنعناه منه كما تيقن الحدث وشك في الطهارة.

هذا القيد أيضًا قلنا تكون الخلوة بامرأة مكلفة؛ مكلفة خرج به الصغيرة، وامرأة خرج به الخنثى والرجل، فلا أثر لخلوة الرجل بالماء على طهورية الماء ولا على كراهته، وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وحكاه القاضي إجماعًا. ونقل عن بعض الأصحاب قول بتأثيره على الطهورية وهو ضعيف جدًا كما قرره المرداوي في الإنصاف. القيد الخامس: أن تخلو به لطهارة؛ فإذا خلت به لغير الطهارة، لو خلت به للشرب مثلًا، يبقى طهورًا فنقول نعم يبقى على طهوريته لا يؤثر به. أيضًا القيد السادس: أن تخلو به في كل الطهارة، فلو خلت به في بعض الطهارة ورآها شخص سواء كان مميزًا أو امرأة، فهنا نقول لا أثر لخلوتها به.

القيد السابع: أن يكون استعمالها لهذا الماء في رفع الحدث، لإخراج ما لو خلت به لطهارة من الخبث؛ قالوا لأن الطهارة من الخبث من قسم التروك ولا تحتاج إلى نية. وأيضًا لا يؤثر لو خلت به لطهارة مستحبة. إذن هذه القيود السبعة إذا اجتمعت في هذا الماء فإنه نقول هنا يكون طهورًا، لكنه لا يرفع حدث الرجل ولا الخنثى، ويكون مزيلًا للخبث مطلقًا، ويرفع حدث الصبي، ويرفع حدث المرأة الأخرى. وقول الشارح هنا مطلقًا: وعلم مما تقدم أنه يزيل النجاسة مطلقًا، يعني سواء احتيج إليه أو لا بمفهوم الخبر الوارد في الكتاب، اللي هو قوله صلى الله عليه وسلم أو نهيه صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة.

طبعًا قالوا لا يعقل معنى، يعني أنه تعبدي غير معقول المعنى فلا يقاس عليه، يعني لا نقول يقاس إزالة الخبث على رفع الحدث. قالوا وكذا له استعماله في غسل الذكر والأنثيين عند خروج المذي إن لم يصبهما المذي، وإن كان في معنى رفع الحدث لعدم اشتراط النية والتسمية له. طيب هل يستعمل فيما كان في معنى رفع الحدث مما تشرع له نية وتسمية؟ مثل تغسيل الميت والوضوء والغسل المستحبين؟ مال البهوتي رحمه الله في حاشية الإقناع إلى إلحاق تغسيل الميت والوضوء والغسل المستحبين والغسلة الثانية والثالثة وغسل يدي القائم من النوم بالليل بالوضوء عن حدث؛ يقول لأن هذه تشترط لها النية والتسمية. وذكر في الكشاف أن هذا ظاهر عبارة الموفق في المقنع.

وكون هذا الماء الذي خلت به المرأة لا يرفع حدث الرجل هذا من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، فقد ذكر الناظم المفردات: وامرأة بالماء في الطهر خلت لا يطهر الرجال مما أفضلت. ويستدل الأصحاب على ذلك بحديث الحكم بن عمرو الغفاري الذي ذكره الشارح هنا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن، وأعله البخاري رحمه الله تعالى. وفي الباب أيضًا ورد حديث عبد الله بن سرجس مرفوعًا وموقوفًا، وحديث أبي هريرة، وحديث رجل من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام أحمد رحمه الله: جماعة كرهوه منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن سرجس. وقال في رواية الأثرم: أما إذا خلت به فقد كرهه غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، هنا الحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، طيب ما فيه إشارة إلى الخلوة، كيف أخذ الأصحاب رحمهم الله تعالى تقييد هذا الماء بأن تخلو به المرأة؟ حديث ميمونة، أحسنت، هذا الحديث يذكرونه وأن ما لم تخلو به فإنه لا يؤثر على الطهارة. وأيضًا حديث عبد الله بن سرجس يقول: «توضأ أنت هاهنا وهي هاهنا»، يعني إذا اجتمعتم ما فيه إشكال، وأما إذا خلت به فلا تقربنه، والمنع منه تعبدي لا يعقل معناه.

ما معنى التعبدي؟ غير معقول معناه، يعني له علة لكننا لا نعقل معناه. يقول الأبي رحمه الله تعالى شارح صحيح مسلم: معنى كون الحكم تعبديًا أنه لا يظهر لنا وجهه لا أنه الذي لا وجه له، لأن لكل حكم وجهًا؛ لأن الأحكام مربوطة بالمصالح ودرء المفاسد، فما لم تظهر لنا مصلحته ومفسدته اصطلحوا على أن يسموه تعبدًا. طيب، حديث وضوء النبي صلى الله عليه وسلم بفضل وضوء ميمونة، ما الجواب عنه؟ أجاب بعضهم بأنها لم تخلُ به بل شاهدته، وهذا ذكره ابن المنجى وشيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة. وعلى فرض التعارض فيقدم حديث الحكم بن عمرو وما أشبهه على حديث ميمونة، قالوا لأن حديث الحكم بن عمرو هذا حاظر، يعني محرم وناقل عن الأصل، فيقدم على المبيح والمبقي على الأصل، وهذا ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة.

طيب، قال فإذا لم يجد الرجل غير هذا الماء فإنه يستعمله ثم يتيمم. وقوله ثم يتيمم، هل المراد به الترتيب أو التعقيب؟ يعني هل المراد يستعمله ثم يتيمم مباشرة؟ ظاهر العبارة هنا عدم اشتراط التعقيب، وأنها فقط ترتيب بدون تعقيب، وعبارة المنتهى تقتضي التعقيب لأنه أورده بلفظ مع، وحمله البهوتي في شرحه على التعقيب، وابن قايد رحمه الله في حاشية المنتهى يميل إلى عدم اشتراط الترتيب أيضًا، يقول لو تيمم ثم توضأ أو توضأ ثم تيمم لا إشكال في ذلك. لماذا أوجبوا التيمم هنا؟ نعم احتياطًا، لأن قالوا الحدث لم يرتفع لكون الماء غير طهور على إطلاقه، وعلل البهوتي في بعض المسائل أن القائل به -بأنه لا يرفع حدث الرجل- أقل من القائل بأنه يرفع حدث الرجل، فاحتياطًا أوجبوا الوضوء ثم التيمم، فإن ترك التيمم أو ترك استعمال هذا الماء بلا عذر أعاد ما صلى به لتركه الواجب عليه.

قال رحمه الله: النوع الثاني من المياه الطاهر غير المطهر. وقد أشار إليه بقوله: وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه، أو كثير من صفة من تلك الصفات، لا يسير منها لطبخ طاهر فيه، أو بطاهر من غير جنس الماء، لا يشق صونه عنه، ساقط فيه كزعفران لا تراب ولو قصدًا، ولا ما لا يمازجه مما تقدم، وطاهر لأنه ليس بماء مطلق. أحسنت. هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى النوع الثاني من أنواع المياه وهو الماء الطاهر، وذكر له خمس صور، الصورة الأولى التي ذكرها هنا ما تغيرت إحدى صفاته، الصفات المقصود بها اللون والطعم والرائحة؛ ما تغيرت إحدى صفاته بطبخ أو ساقط طاهر فيه من غير جنس الماء ولا يشق صونه عنه.

وذكر ابن المنجى في الممتع وابن مفلح في المبدع أن الماء الطاهر قسمان؛ يعني من حيث الاتفاق عليه والاختلاف فيه، يقول هناك ماء طاهر بالإجماع، طاهر يقصد غير مطهر، وهناك ماء طاهر مختلف فيه. فالطاهر بالإجماع اللي هو ذكره هنا في الصورة الأولى، يقول الماء الطاهر قسمان، الأول غير مطهر بالإجماع، يعني طاهر غير مطهر بالإجماع، قال وهو ما خالطه طاهر يمكن أن يصان الماء عنه. والمراد بالمخالطة هنا الممازجة، بحيث يستهلك جرم الطاهر في جرم الماء وتتلاقى جميع أجزائهما. والثاني مختلف فيه وسيأتي في الصور اللاحقة إن شاء الله. وذكر أن المجمع على عدم جواز التطهر به ثلاثة أنواع، وهي التي دمجها البهوتي هنا في النوع الأول في الصورة الأولى، قال ما خالطه طاهر فغير.

لأنه أزال عنه اسم الماء. لو أن ماءً سكب عليه بوية، فالآن البوية امتزجت بالماء، فانتقل اسم الماء إلى اسم البوية، فهنا يكون ماءً طاهراً. الثاني: أو غلب على أجزائه فصيره حبراً، ماء سكب عليه حبر، فالحبر امتزج بالماء وصار لون الماء أزرق من الحبر، فهنا يكون ماءً طاهراً. قال: لأن المخالطة إذا غلبت على أجزاء الماء زال معناه؛ لكونه لا يطلق منه الإرواء، يعني ما يجي واحد يشرب هذا الماء الذي فيه حبر يقول: أريد أن أرتوي منه.

الثالثة: أو طبخ فيه فغيره حتى صار مرقاً، شخص مثلاً وضع اللحم في الماء فطبخ فيه اللحم حتى صار الماء مرقاً، فهنا صار الماء طاهراً أي لا يتوضأ به. وذكر البهوتي ضابطاً لما يطلق عليه أنه غلب الطاهر على أجزائه، متى نقول أنه مثل الحبر؟ فقال في الكشاف: بأن تكون أجزاء المخالط أكثر من أجزاء الماء، حتى يقال إذا كان المخالط خلاً مثلاً: هذا خل فيه ماء، فيكون الخل أغلب، ولو كان الماء أكثر لقيل ماء فيه خل. وتغير الماء بما سبق بالطبخ والساقط فيه لا فرق فيه بين القليل والكثير.

قال الموفق بن قدامة رحمه الله في الأنواع الثلاثة الماضية والنوع الرابع وهو المياه المعتصرة، يعني مثل ماء الورد: يقول فيها لا يجوز الوضوء بها ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافاً إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والأصم في المياه المعتصرة أنها طهور نرتفع بها الحدث ويزال بها النجس، ولأصحاب الشافعي وجه في الماء الباقي لا المغلي، وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافه، يعني يذكر أن هذا قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى. وأيضاً المنذر رحمه الله نقل الإجماع على أنه لا يجوز الوضوء بماء الورد والشجر والعصفر وغيره مما لا يقع عليه اسم الماء.

واشترط المصنف في التغيير قال: إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو كثير من صفة من تلك الصفات. إذاً أن يكون التغيير للصفات الثلاث الطعم واللون والرائحة أو لإحداها أو لكثير من إحداها، يعني لو تغير أكثر لونه أو أكثر رائحته أو أكثر طعمه فإنه أيضاً يكون ذلك مؤثراً. قال البهوتي في الكشاف: لأن الكثير بمنزلة الكل فأشبه ما لو غير كل الصفة. أما التغيير اليسير من إحداها أو من اثنتين فلا يؤثر، يعني لو أنه مثلاً سكب عليه قطرات من الحبر فرآه كأنه يميل لونه للأزرق لكنه ليس تغيراً واضحاً جداً، فهنا نقول لا ينقله عن صفة الطهورية، فالتغيير اليسير لا ينقله. ويستدل على أن التغيير اليسير لا ينقله عن صفة الطهورية بحديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من قصعة فيها أثر العجين.

طيب لو تغير يسير من هذه الصفات الثلاث، يعني يسير من لونه ويسير من طعمه ويسير من رائحته، فهل هذا يؤثر أو لا يؤثر؟ إذا كان مجموعها يساوي الكثير من واحدة. أحسنت، يقول إذا كان مجموعها إذا جمعنا هذا التغيير يساوي الكثير من تغيير صفة واحدة فهذا يؤثر وإلا فلا، وهذا ذكره البهوتي رحمه الله في الكشاف. فلو زال تغيره فهنا تعود الطهورية. قوله هنا لا تراب، أحسنت، قوله لا تراب ولو قصداً، يعني أنه لو وضع عليه تراب فهنا لا يؤثر ولو تغير لونه مثلاً أو طعمه، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، قالوا لكون التراب أحد الطهورين لأنه يستعمل في التيمم، ولأنه أصل مقر الماء، قالوا ما لم يصر الماء بالمخلوط بتراب طيناً، فإذا صار طيناً بمعنى صار ثخيناً فهنا قالوا: لا، خلاص لا يتوضأ به، لماذا؟ قالوا لأنه طين وليس بماء. فاستثنى الشارح من مخالطة الطاهرات للماء التراب ولو قصداً ما لم يكن طيناً، وأيضاً أن يكون هذا المخالط غير ممازج، كالدهن والملح المائي كما تقدم في أقسام الماء الطهور.

والتغير بأحد صفات الماء بوضع الطاهر فيه، هذا هو الذي فيه الخلاف، وأيضاً في الصور اللاحقة خلاف، فاختلف فيه هل يكون طهوراً مطهراً بمعنى طهور أو يكون طاهراً فقط؟ فالمشهور من المذهب كما قلنا أنه طاهر غير مطهر. ويقول القاضي أبو يعلى: هي أصح الروايتين وهي المنصورة عند أصحابنا، ويستدلون على ذلك بأنه تغير بمخالطة طاهر لا يشق صون الماء عنه، قالوا هذا أشبه ما لو تغير بالمطبوخ، يعني مثل الآن لو وضع زعفران في ماء، فاكتسب من لونه، فهنا يقولون خلاص ماء طاهر لا يتوضأ به، لماذا؟ قالوا لأنه لا يعد ماءً مطلقاً وإنما يعد ماءً بقيد فيقال ماء زعفران، طيب لماذا لا يتوضأ به؟ قالوا لأنه تغير بمخالطة الطاهر يمكن صون الماء عنه، فأشبه المتغير بالمطبوخ، وأيضاً قالوا لو وكل شخصاً آخر بأن يشتري له ماءً فأحضر له ماءً فيه زعفران، فهل نفذ ما طلب منه؟ ما نفذ، فللموكل أن يرده ولا يقبله. قالوا ولأن النصوص إنما وردت في الماء المطلق العاري عن القيود بدليل صحة النفي، فتقول مثلاً عن ماء الزعفران: هذا ليس بماء، ولو حلف لا يشرب ماءً فشرب ماء الزعفران فإنه لا يحنث.

والرواية الأخرى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الماء المتغير بالطاهرات ما لم ينقل اسمه عن مسمى الماء فإنه يبقى طهوراً لا طاهراً، يقول الموفق في الكافي: أكثر الروايات عن الإمام أحمد أنه لا يمنع، يعني لا يمنع من التطهير به. وذكر الموفق في المغني أنه رواه عن الإمام أحمد رحمه الله جماعة من أصحابه منهم أبو الحارث والميموني وإسحاق بن منصور واختاره أبو البقاء وابن عقيل والشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وقال الزركشي: هي الأشهر نقلاً، واستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل في آية التيمم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، وهذا عام في كل ماء، لأن كلمة ماء هنا نكرة في سياق النفي والنكرة في سياق النفي تفيد العموم. ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالغسل بالسدر مع الماء في مواضع، منها أمر بغسل المحرم الذي وقصته ناقته: «اغسلوه بماء وسدر»، وأمر اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها بماء وسدر»، وأيضاً أمر قيس بن عاصم لما أسلم أن يغتسل بماء وسدر، وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من قصعة فيها أثر العجين، فهذا دليل على أنه إذا تغير بالطاهرات ولم ينقله عن مسمى الماء فإنه لا يؤثر.

أحسن الله إليك، قال رحمه الله: أو رفع بقليله حدث مكلف أو صغير فطاهر لحديث أبي هريرة: «لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» رواه مسلم. وعلم منه أن المستعمل في الوضوء والغسل المستحبين طهور كما تقدم، وأن المستعمل في رفع الحدث إذا كان كثيراً طهور، لكن يكره الغسل في الماء الراكد ولا يضر اغتراف المتوضئ لمشقة تكرره بخلاف من عليه حدث أكبر، فإن انغمس هو أو بعضه في قليل لم يرتفع حدثه وصار الماء مستعملاً، ويصير الماء مستعملاً في الطهارتين بانفصاله لا قبله ما دام متردداً على الأعضاء. أحسنت، هذه الصورة الثانية من صور الماء الطاهر، وهو ما رفع بقليله حدث، يعني شخص توضأ من ماء قليل في إناء، هو المستعمل في رفع حدث، شخص توضأ فالمتقاطر من وضوئه وهو المستعمل، هذا يعتبر طاهراً، إذا كان استعمله في رفع حدث يعتبر طاهراً غير مطهر، وعليه جماهير الأصحاب. والدليل على ذلك ما ذكره البهوتي رحمه الله هنا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب».

يقول الموفق ابن قدامة رحمه الله: منع من الغسل فيه كمنعه من البول فيه، يعني جاء في الحديث الآخر النهي عن البول في الماء الدائم، يقول: فلولا أنه يفيد منعاً لم ينه عنه، يعني لولا أنه يفيد المنع من التطهر به لم ينه عنه. ويقول شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة: ولأن الصحابة ما زالوا تضيق بهم المياه في أسفارهم فيتوضئون ولا يجمعون مياه وضوئهم، ولو كانت مطهرة لجمعوها، وهذا الاستدلال ذكره أيضاً ابن المنجى في الممتع. وقوله أو صغير، مكلف أو صغير، الصغير الذي يصح الوضوء منه وهو المميز، فهذا الماء يعتبر طاهراً. واختلف في تعليل كونه طاهراً، فقيل: لأنه أزال به مانعاً من الصلاة، أشبه الماء المزال به النجاسة، يعني سيأتينا إن شاء الله أن الماء المزال به النجاسة لا يعتبر طهوراً، بل إما طاهر إذا كان آخر غسلة غسلت به النجاسة أو إذا كان في الغسلات قبل الأخيرة. وقيل: إنه لكونه استعمله في عبادة على وجه الإتلاف، يعني قالوا: استعمله في عبادة كالرقبة في الكفارة، الآن إذا أعتق رقبة في كفارة هل يستطيع أن يعتقها مرة أخرى؟ لا، خلاص أعتق، تلفت، قالوا: مثل هذا، الآن توضأ به فلا يتوضأ به مرة أخرى، يعني يتساقط منه هذا من آثار وضوئه فلا يتوضأ به مرة أخرى لأنه استعمل في عبادة على وجه الإتلاف، وهذا ذكره ابن مفلح والبهوتي في الكشاف وفي شرح المنتهى، وابن فيروز رحمه الله تعالى ذكر هذين القولين، وانتقال للقول الثاني قال: وفيه تأمل لأن المستعمل في الطهارة المستحبة كذلك، مع أنهم يقولون المستعمل في الطهارة المستحبة هذا طهور لكن مكروه على قول الحجام، فيقول كذلك، لماذا؟ فما سبب التفريق؟ يقول: إلا أن يقال المراد بالإتلاف الإتلاف الوجوبي بقرينة التشبيه لأنه شبهه بالكفارة والكفارة واجبة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: ونهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الدائم أو عن الاغتسال فيه لا يدل على أنه يصير نجساً بذلك، بل قد نهى عنه لما يفضي إليه البول بعد البول من إفساده أو لما يؤدي إليه من الوسواس، وهذا التعليل يقتضي أنه لا يسلبه الطهورية، بل يكون طهوراً منهياً عنه نهي تنزيه، وهذا هو القول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله واختاره شيخ الإسلام وقواه المرداوي في الإنصاف، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أراد أن يستعمل ماء فذكرت له إحدى زوجاته أنها اغتسلت به: «إن الماء لا يجنب»، وقالوا أيضاً: إن بدن الجنب طاهر، والماء الطاهر إذا لاقى محلاً طاهراً لم يخرج عن حكمه بتأدية الفرض به، كالثوب يصلى فيه مراراً، يعني قال الآن الثوب هذا صليت به المغرب ثم صليت به العشاء، خلاص، ما نقول أنت صليت به المغرب إذا أتلفته فلا تستعمله في عبادة أخرى، فقال: هذا مثله، الوضوء الماء توضأت به فلا كان تتوضأ به مرة أخرى.

قالوا: ولأن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم يعود لأمر خارج عن العبادة فلا يقتضي الفساد، وهذه قاعدة أن النهي إذا عاد إلى أمر خارج عن المنهي عنه فإنه لا يقتضي الفساد، وابن رجب رحمه الله في القواعد ذكر للمسألة مسألة النهي واقتضاء النهي الفساد ذكر له أربع حالات، الحالة إما أن يعود النهي إلى ذات المنهي عنه فهنا يقتضي الفساد مثل النهي عن صوم يومي العيدين، فلو أن شخصاً صام يومي العيدين فهنا نقول صومه فاسد لأنه هذا هو ذات المنهي عنه، أو يعود إلى شرطه المختص به فهنا يقتضي الفساد مثل من شروط الصلاة مثلاً ستر العورة، فلو أن شخصاً صلى عرياناً بدون عذر فهنا صلاته فاسدة لأن النهي عاد إلى شرط مختص بالعبادة، الثالث أن يعود إلى شرط غير مختص بالعبادة فهل يقتضي الفساد أو لا؟ وجهان في المذهب أنه يقتضي الفساد مثل الثوب المغصوب والماء المغصوب، فهنا الثوب الذي ستر به عورته، شرط ستر العورة ستره بثوب محرم، لكن نقول أصلاً ستر العورة مأمور به للصلاة وغيرها فهنا لا يعود إلى ذات المنهي عنه، يعني استعمال المغصوب لا يعود إلى ذات المنهي عنه، فهنا هل يقتضي الفساد أو لا؟ قلنا.

قولان، والمشهور والمذهب أنه يقتضي الفساد. والحالة الرابعة أن يعود إلى أمر خارج؛ وهي مسألة الصلاة عندنا؛ إذا عاد إلى أمر خارج فهنا لا يقتضي الفساد؛ يعني مثلاً لو اعتم بعمامة حرير في الصلاة، اعتم الرجل بعمامة حرير في الصلاة، فهنا يقولون لا يقتضي الفساد، صلاته صحيحة مع الإثم؛ لأن لبس الحرير هنا لا يختص بالصلاة، النهي عن لبس الحرير لا يختص بالصلاة.

قال: "وعلم من أن المستعمل في الوضوء والغسل المستحبين طهور كما تقدم". وهذا تقدم لنا في الصورة التاسعة من صور الماء الطهور المكروه. "وأما الكثير المستعمل في رفع الحدث فإنه طهور، فإنه طهور لحديث القلتين: ﴿إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ﴾". قال: "لكن يكره الغسل في الماء الراكد للنهي عنه، ولو كان كثيراً على الصحيح من المذهب، وتقدم الكلام عن علة النهي فيه".

قوله: "ولا يضر اغتراف المتوضئ لمشقة تكرره بخلاف من عليه حدث أكبر". هنا الاغتراف، شخص يغترف من إناء، الآن هنا المستعمل في رفع الحدث هذا طاهر غير مطهر. طيب من يغترف؟ هل إذا اغترف نقول خلاص يكون ماؤه طاهراً غير مطهر؟ أو لا؟ الماء المغترف منه؛ طيب طبعاً هنا كلام البهوتي مختصر جداً؛ لأن هذه المسألة مسألة الاغتراف هذه لها ثلاث صور، لها ثلاث صور، الصورة الثالثة هي التي يتكلم عنها وهي التي يختلف فيها الوضوء عن الغسل.

فنقول، وهذه ذكرها الشيخ عبد الله بن بطين رحمه الله في حاشيته على الروض، ونقلها العنقري عنه، فنقول الذي يغترف الآن من الإناء لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن ينوي الاغتراف؛ يعني مثلاً شخص سواء سيتوضأ أو يغتسل عنده إناء، يغترف ليديه، يغترف لوجهه، يغترف ليمسح رأسه، فهنا الاغتراف هذا لا يؤثر لا في الوضوء ولا في الغسل.

ننتقل إلى الحالة الثانية: إذا كان ينوي رفع الحدث عن هذه اليد؛ يعني مثلاً اغترف وغسل وجهه، ثم أدخل يده مرة أخرى بنية رفع الحدث عن يده، فهنا نقول خلاص يصير الماء مستعملاً لأنه استعمله في رفع حدث، سواء كان في الوضوء أو في الغسل، لكن في الوضوء قالوا لا بد أن يكون في موضعه، يعني إذا نوى رفع الحدث عن يده قبل أن يغسل وجهه قالوا ما يؤثر؛ لأنه إلى الآن ما وصلنا موضع اليد؛ فلو أدخل يده أول ما توضأ وأدخل يده وقال أنوي رفع الحدث عن يدي، قلنا نيتك كعدمها، طبعاً هذا في الوضوء نيتك كعدمها؛ لأن إلى الآن ما وصلنا، لا بد أن تتمضمض وتستنشق وتغسل وجهك ثم تنوي رفع الحدث عن اليد. فهنا في الوضوء إذا نوى رفع الحدث وكان بعد غسل الوجه فهنا نقول يؤثر فيسلب الطهورية؛ وفي الغسل لا، متى ما نوى رفع الحدث سواء قبل غسل وجهه أو بعده لأن الغسل لا يشترط فيه الترتيب، فهنا يسلب الطهورية.

الحالة الثالثة وهي التي يتكلم عنها هنا: إذا أدخل يده وذهل عن نيته، قال أنا ما استحضرته هل أنا ناوي رفع الحدث أو ناوي الاغتراف، فنقول هذا الذي يختلف فيه حكم الوضوء عن الغسل؛ فنقول في الوضوء قالوا لا يضر؛ لا يضر اغترافه لمشقة تكرره، فهنا يقولون لا يضر، فهنا لا يؤثر إدخاله اليد؛ أما في الغسل فقالوا يؤثر؛ لماذا فرقوا بينهم؟ الوضوء متكرر فيه مشقة، مشقة التيسير. وأيضاً عندنا الوضوء لابد من نية وترتيب، فهذا أيضاً مما يفرق بينهما فيه.

ويستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى على عدم تأثير الغمس في الإناء إذا لم ينوِ رفع الحدث بها، ما روى عبد الله بن زيد أنه لما توضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم اغترف بيده من الإناء بعد غسل وجهه وقال: «هكذا كان يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهذا جاء في الوضوء، هذا مما أيضاً يستدلون به، قالوا هذا جاء في الوضوء فيقتصر عليه، لم يأت في الغسل فيقتصر عليه لتكرره بخلاف الحدث الأكبر.

قال فإن نوى وانغمس هو أو بعضه في قليل لم يرتفع حدثه وصار الماء مستعملاً. هذه افتراض على الجملة السابقة، وأن اغتراف من عليه حدث أكبر بعد النية يؤثر في طهورية الماء فيكون مستعملاً في رفع حدث ويسلب الطهورية؛ يعني أنه لما أراد أن يغتسل والماء يسير، يعني مثلاً بانيو مثلاً، أراد أن يغتسل في بانيو، نوى الاغتسال رفع الحدث الأكبر، قالوا إذا نوى وانغمس والماء قليل، فهنا لا يرتفع الحدث ويصير الماء مستعملاً؛ لماذا؟ قالوا يصير الماء مستعملاً بأول جزء لاقاه، فهو لما مثلاً لو قلنا أول ما دخل رجله، دخل الماء رجله خلاص صار الماء مستعملاً، فلا يرتفع حدثه بذلك؛ والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، قالوا النهي يقتضي فساد المنهي عنه.

قالوا يصير الماء مستعملاً في الطهارتين بانفصاله لا قبله ما دام متردداً على العضو؛ يعني لا نحكم على الماء بكونه مستعملاً إلا إذا انفصل وتساقط من العضو، أما ما دام على العضو يعني مثلاً هو على يده، ما نقول هو مستعمل؛ لأننا لو قلنا هو مستعمل يعني مثلاً غسل به أول كفه، قلنا هو مستعمل، طيب اللي بينزل على ساعده من هذا الماء نفسه ما يطهره؛ إذا قلنا أنه مستعمل قبل انفصاله ما يطهره، فنقول لا بد أن ينفصل عن العضو.

بس في تنبيه على وجود سقط في هذا الموضوع في حاشية ابن قاسم، في نقل كلام شيخ الإسلام رحمه الله، يقول: وقال الشيخ: "فإذا انتقل من عضو إلى عضو لم يتصل به مثل أن يعصر الجنب شعر رأسه على لمعة من بدنه أو يمسح المحدث رأسه ببلل يده بعد غسلها فهو مستعمل في إحدى الروايتين، قالوا في الأخرى ليس بمستعمل وهو أصح". وكلامه في شرح العمدة المجلد الأول صفحة 23 و24.

أو غمس فيه، أي في الماء القليل، كل يد مسلم مكلف قائم من نوم ليل لوضوء قبل غسلها ثلاثاً، فطاهر نوى الغسل بذلك الغمس أو لا؛ وكذا إذا حصل الماء في كلها ولو باتت مكتوفة أو في جراب ونحوه؛ لحديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» رواه مسلم؛ ولا أثر لغمس يد كافر وصغير ومجنون وقائم من نوم نهار أو ليل إذا كان نومه يسيراً لا ينقض الوضوء؛ والمراد بيد هنا هي الكوع؛ ويستعمل هذا الماء إذا لم يوجد غيره ثم يتيمم؛ وكذا ما غسل به الذكر والأنثيان لخروج مذي دونه؛ لأن فيه ماء لأنه في معناه، وأما ما غسل به المذي فعلى ما يأتي.

أحسنت، هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى الصورة الثالثة والرابعة من صور الماء الطاهر، وهو القليل الذي غمست فيه يد القائم من النوم، والرابع ما غسل به الذكر والأنثيان بعد المذي؛ فالقليل الثالث القليل الذي غمست فيه يد القائم من النوم هذه المسألة لها قيود؛ والقيد الأول أن يكون الماء قليلاً، قالوا أو غمس فيه، أي في الماء القليل، أي دون القلتين، فإن كان كثيراً متجاوزاً للقلتين فإنه لا أثر للغمس في زوال صفة الطهورية. والثاني أن تغمس اليد كلها، لذلك قال كل يد، فلو غمس بعض اليد فلا أثر لذلك في زوال الطهورية على المذهب، وذكر الشارح هنا أن المراد باليد هنا الكوع، يعني اليد إلى الكوع، والكوع هو العظم الذي يلي الإبهام، والكرسوع الذي يلي الخنصر.

فإذا غمس بعض اليد فإن هذا لا يؤثر لأن الحديث ورد في غمس جميع اليد، وهو تعبدي ولا يلزم من كون الشيء مانعاً أن يكون بعضه أيضاً مانعاً، كما لا يلزم من كون الشيء سبباً أن يكون بعضه سبباً. والثالث أن يكون الغامس مسلماً، إخراج الكافر. والرابع أن يكون مكلفاً، أي بالغاً عاقلاً، لإخراج الصغير والمجنون فلا أثر لغمسه؛ وهذان الشرطان الإسلام والتكليف على أحد الوجهين عند الحنابلة وهو المذهب عندهم؛ يقول الموفق بن قدامة رحمه الله في الاستدلال له: لأن المنع من الغمس إنما يثبت من الخطاب ولا خطاب في حق هؤلاء، الخطاب لم يتوجه لهم لأن وجوب الغسل هنا تعبد ولا تعبد في حق هؤلاء.

والخامس أن يكون بعد قيامه من نوم الليل؛ فإن كان بعد نوم النهار أو كان ليس بعد نوم فإنه لا أثر لغمسه؛ وذكر الموفق رحمه الله أنها رواية واحدة في المذهب لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، والبيتوثة إنما تكون في الليل خاصة؛ وذكر ابن مفلح في المبدع والمرداوي في الإنصاف أنه يوجد للإمام أحمد رحمه الله تعالى رواية أخرى بتأثير الغمس بعد نوم النهار. والقيد السادس أن يكون هذا النوم ناقضاً للوضوء، وسيأتي بالضابط أن النوم ناقض للوضوء في باب نواقض الوضوء، وهذا هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب لعموم الخبر في النوم المقيد بـ"الليل". والسابع أن يكون الغمس قبل غسلها ثلاثاً؛ فإن يغمسها قبل غسلها أو بعد غسلها مرة أو مرتين وهذا هو المذهب؛ يقول الموفق رحمه الله تعالى: وغمسها بعد غسلها دون الثلاث كغمسها قبل غسلها لأن النهي باق لا يزول حتى يغسلها ثلاثاً.

طيب، إذا اجتمعت هذه القيود السبعة فيكون الماء طاهراً غير مطهر، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو المشهور من المذهب وهو من المفردات؛ يقول الناظم: "وغمسها في الماء قبل الغسل يسلب الطهور جاء في النقل". والدليل على ذلك ما استدل به الشارح هنا من قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» متفق عليه، وهذا لفظ مسلم؛ فهذه المخالفة للحديث نقلت الماء من الطهورية للطهورية بالقيود التي ذكرت هنا، قالوا ولأن النهي عن غمس اليد فيه يدل على أن الماء يتأثر بهذا الغمس؛ وهناك قول آخر في المذهب وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب الأئمة الثلاثة أنه طهور، واختاره الخرقي رحمه الله تعالى، ونسبه المرداوي رحمه الله في الإنصاف إلى ابن قدامة رحمه الله، لكن ابن قدامة حقيقة ما صرح برأيه لكنه ذكر روايتين في المغني، وكأنه يميل إلى الرواية الثانية؛ والمرداوي في موضع آخر ذكر أن الموفق يميل إليه، وأيضاً الشارح ابن أبي عمر وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كلهم يرون هذا الرأي.

ويستدلون على طهوريته بأن الماء طهور ولاقى عضواً طاهراً فيبقى على أصله؛ يقول الموفق بن قدامة في الاستدلال له: لأن طهورية الماء كانت ثابتة بيقين، والغمس المحرم لا يقتضي إبطال طهوريته؛ يعني نقول غمس يده فارتكب أمراً محرماً، هذا على القول بالوجوب؛ لأن في المسألة خلاف هل هو غسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم هل هو واجب أو مستحب؟ لكن على القول بالوجوب وهو المشهور عند الحنابلة فيكون ارتكب أمراً محرماً، لكن هذا لا ينقل هذا الماء عن وصف الطهورية إلى وصف الطاهرية؛ ويجيبون عن دليل القول الأول يقولون بأن النهي عن الغمس لا يخلو إما أن يكون له علة أو ليس له علة، فإن قلتم له علة فالعلة مذكورة في الحديث وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدري أين باتت يده».

فهو لاحتمال غمس النجاسة، والقاعدة أن الشك لا يزيل اليقين؛ ففي يقين الطهارة لا يزيله شك النجاسة، فما دام لا يزيل الطهارة فكذلك لا يزيل وصف الطهورية. وأما إن قلنا على قول بعض الفقهاء أن العلة تعبدية، فخلاص ما في إشكال؛ العلة تعبدية نقتصر على مورد النص وهو مشروعية غسل اليدين قبل غمسهما، وتركه يوقع في إثم المخالفة ولا ينقل الماء عن وصفه.

الإمام أحمد رحمه الله نقل عنه أنه قال: أعجب إلي أن يريق الماء الذي غمس فيه يد القائم من النوم. فاختلف الأصحاب رحمهم الله تعالى في تفسير كلام الإمام أحمد في مدلوله، منهم من حملها على الوجوب ومنهم من حملها على الاستحباب. وقوله نوى الغسل بذلك الغمس أو لا، يعني أن هذا الماء ينتقل عن وصف الطهورية ولو لم ينوي الغامس غسل يديه على أحد الوجهين عند الحنابلة وهو المذهب. يقول الموفق رحمه الله تعالى: لأنه معلل بوهم النجاسة ولا تعتبر في غسله النية، ولأن المأمور به الغسل وقد أتى به، والأمر بالشيء يقتضي حصول الإجزاء به. وهذا التعليل إذا قلنا إن النهي معلل، لكن إذا قلنا إن العلة تعبدية فهنا لا يرد هذا التعليل.

قوله: وكذا إذا حصل الماء في كلها يعني من غير غمس، بأن صب على جميع يده من الكوع إلى أطراف الأصابع، فإن هذا أيضًا يدخل في أو له حكم الغمس. وهذا على إحدى الروايتين في المذهب وصححه المرداوي في الإنصاف. وقوله: ولو باتت مكتوفة أو في جراب ونحوه، يعني لا يغير الحكم فيكون الماء طاهرًا غير مطهر بمجرد الغمس ولو كانت معلومة أين كانت وقت نومه، وهذا هو المذهب كما ذكره المرداوي. يقول الموفق رحمه الله: قال أبو داود: سئل أحمد: إذا نام الرجل وعليه سراويله، يعني عليه سراويله فلن يدخل يده؟ قال: السراويل وغيره واحد؛ قال النبي ﷺ: «إذا انتبه أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا».

يقول الموفق في تبيين مدلول كلام الإمام أحمد: يقول يعني أن الحديث عام فيجب الأخذ بعمومه؛ ولأن الحكم إذا علق على المظنة لم يعتبر حقيقة الحكمة. فنقول: هذا مظنة أن تلمس يده النجاسة، فلذلك قالوا: حتى لو كتفت يده أو كانت في جراب ونحوه فإنه يؤثر غمسه في الإناء. قال: ويستعمل هذا الماء إن لم يجد غيره ثم يتيمم؛ يعني يستعمله احتياطًا. وعلى البهوتي بأن القائل بطهوريته أكثر من القائل بطهارته، ثم يتيمم لنقص رتبة هذا الماء عن رتبة الماء الطهور فعوض النقص بالتيمم. قال: وكذا ما غسل به الذكر والأنثيان لخروج مذي دونه لأنه في معناه. هذه الصورة الرابعة من صور الماء الطاهر وهو الماء الذي غسل به الذكر والأنثيان بعد المذي، ولم يكن هذا الماء مستعملًا في إزالة نجاسة المذي فإنه يعتبر طاهرًا غير مطهر، وإذا لم يجد غيره استعمله ثم تيمم. قال: وأما ما غسل به المذي فاعلم ما يأتي أنه إذا كان قليلًا كما سيأتي في أقسام الماء النجس.

أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها وانفصل غير متغير فطاهر؛ لأن المنفصل بعض المتصل والمتصل طاهر. أحسنت، هذه الصورة الخامسة من صور الماء الطاهر وهو الماء المنفصل من آخر غسلة زالت النجاسة بها ولم يتغير فإنه يكون طاهرًا غير مطهر. يعني أنه سيأتينا إن شاء الله في باب إزالة النجاسات أن النجاسة إذا كانت على غير الأرض ولم تكن نجاسة كلب وخنزير فإنه لا بد من غسلها سبع مرات بدون تراب. فإذا مثلًا الثوب أصابه نجاسة يغسله سبع مرات، غسله المرة الأولى، المرة الثانية، المرة الثالثة إلى أن جاءت المرة السابعة. فالماء المنفصل الذي نزل بعد الغسلة السابعة نقول: ننظر إذا كان انفصل غير متغير يعني ما فيه أثر النجاسة التي كانت على الثوب، وكانت النجاسة قد زالت من الثوب، فهنا نقول: إذا انفصل غير متغير وكانت آخر غسلة زالت فيها النجاسة فإنه يكون طاهرًا غير مطهر.

فإذا لم ينفصل يعني الماء الذي هو في الثوب نفسه، يقولون هو طهور ولو تغير بالنجاسة ما دام في محل التطهير. قالوا: لأننا لو لم نقل بطهوريته والحال تلك لما أمكن تطهير شيء بماء قليل. أما إذا انفصل متغيرًا بالنجاسة؛ لو الغسلة السابعة فيها أثر نجاسة فنقول: هنا يكون نجسًا بلا خلاف. وإنما يكون طاهرًا قالوا: لأنه استعمل في إزالة خبث، فيكون طاهرًا غير مطهر قياسًا على المستعمل في رفع الحدث، وما قيل من خلاف هناك يقال هنا في الخلاف.

النوع الثالث وهو المشار إليه بقوله: والنجس ما تغير بنجاسة قليلًا كان أو كثيرًا، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه. أحسنت، هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى النوع الثالث من أنواع المياه وهو الماء النجس، فذكر له أربع صور. الصورة الأولى هنا: ما تغير بنجاسة، سواء كانت النجاسة قليلة أو كثيرة، والماء قليلًا أو كثيرًا فيكون نجسًا بتغيره، وقد حكى ابن المنذر والشافعي وأبو رشد والموفق رحمهم الله تعالى الإجماع عليه. قال حرب: سئل أحمد عن الماء إذا تغير طعمه أو ريحه؟ قال: لا يتوضأ به ولا يشرب؛ تغير طعمه وريحه يعني بنجاسة، قال: لا يتوضأ به ولا يشرب؛ وليس فيه حديث، ولكن الله تعالى حرم الميتة، فإذا صارت الميتة في الماء فتغير طعمه أو ريحه فذلك طعم الميتة وريحها فلا يحل له؛ وذلك أمر ظاهر.

قال الخلال: إنما قال أحمد: ليس فيه حديث؛ لأن هذا الحديث يرويه سليمان بن عمر الليشتيني ومسعود وكلاهما ضعيف، وابن ماجة رواه من طريقه. يقصد الإمام أحمد رحمه الله قال: ليس فيه حديث يقصد ليس فيه حديث صحيح، ولذلك ينتبه القارئ لكلام العلماء رحمهم الله؛ أحيانًا يقول: ليس فيه حديث يقصدون ليس فيه حديث صحيح. يقصد المؤلف أو الخلال بهذا الذي ذكره حديث أبي أمامة: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على طعمه أو ريحه أو لونه». فأصل الحديث ثابت؛ حديث بئر بضاعة: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»، لكن الزيادة في حديث أبي أمامة: «إلا ما غلب على ريحه» هذه زيادة ضعيفة لا تثبت، لكن مع ضعفها إلا أنه أجمع عليها.

وينجس نقول إذا تغير بنجاسة في غير محل التطهير، أما إذا كان في محل التطهير فيفرق بين ما إذا كان الماء واردًا على النجاسة؛ يعني صببت الماء على النجاسة فهنا يكون الماء طهورًا ولو تغير بنجاسة إذا كان في محل التطهير، ويفرق بين ما إذا كان مورودًا؛ يعني النجاسة وردت على الماء، فهنا نقول تنجسه إذا كان قليلًا، أما إذا كان كثيرًا فيفرق بين ما إذا تغير أو لم يتغير.

أو لاقاها؛ أي لاقت النجاسة وهو يسير دون القلتين فينجس بمجرد الملاقاة ولو جارية، في مفهوم حديث: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء. أحسنت، هذه الصورة الثانية من صور الماء النجس وهو الماء اليسير إذا لاقى نجاسة فينجس الماء اليسير الذي هو دون القلتين بمجرد الملاقاة، أي بمجرد ورود النجاسة على الماء، لا ورود الماء على النجاسة، كما قلنا إنه إذا ورد عليه في محل التطهير فإنه لا ينجس، ولو لم تغير. وهذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى. يقول المرداوي: هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. ويستدلون على ذلك بمفهوم حديث القلتين: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»؛ فمفهومه أن ما دون القلتين يحمل الخبث أي النجاسة، إذ لو استوى حكم القلتين وما دونهما لم يكن التحديد مفيدًا.

ويستدلون أيضًا بأحاديث النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، وأحاديث النهي عن البول في الماء، وأحاديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها، وأحاديث الأمر بإراقة الإناء الذي ولغ فيه الكلب. قالوا: فهذا كله يدل على أن القليل تؤثر فيه النجاسة، ولأنه لقلته قد تبقى النجاسة فيه غير مستهلكة؛ يعني أنها قد لا تستهلك فيبقى أثرها، فيكون من استعمل الماء اليسير الذي وجد فيه نجاسة مستعملًا للنجاسة. وهذا كما قلنا هو أحد القولين في المذهب. والقول الثاني أن اليسير مثل الكثير، فلا ينجس إلا بالتغير. وهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى ورواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام رحمه الله وذكر أنه قول أكثر السلف. ويستدلون على ذلك بحديث بئر بضاعة أن الماء طهور لا ينجسه شيء؛ يقول الإمام أحمد رحمه الله حديث بئر بضاعة صحيح، وهو طبعًا مقيد بتغيره بالنجاسة بالإجماع، وفي حديث لكنه ضعيف اللي هو حديث أبي أمامة: «إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه».

طبعًا الحنابلة رحمهم الله تعالى يجيبون عن هذين الحديثين؛ أما حديث أبي أمامة فيجيبون عنه بأنه ضعيف، وأما حديث بئر بضاعة يقولون هذا محمول على الماء الكثير بدليل أن ما تغير فإنه ينجس أو يخص بخبر القلتين، يعني يقولون لو قلنا أنه يشمل الماء الكثير والقليل فيقولون نخصه بخبر القلتين فإنه أخص منه، والخاص يقدم على العام. وقوله ولو جاريًا يقيد بأنه بحيث لو ركد لأمكن سريان النجاسة فيه. وهذا التقييد لابن قائد في حاشية المنتهى. يقول لماذا قيدناه بهذا؟ يقول لئلا يفضي إلى أن ينجس الأعلى إذا كان الجاري نازل من أعلى إلى أسفل؛ كيف؟ يعني مثلًا ماء نازل من وادي، فيقول إذا وردت النجاسة على الماء الجاري فإنها تنجسه وتغير بها فإنها تنجسه، أو لم يتغير بها فإنها تنجسه إذا كان يسيرًا، بشرط أن نقول بحيث لو ركد لأمكن سريان النجاسة فيه.

وقوله أيضًا ولو جاريًا هنا إشارة خلاف، لأنه روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى روايتان في الماء الجاري؛ هل يلحق بالراكد أو لا؟ طبعًا المذهب أنه يلحق بالراكد، فيقولون ينظر فيه إلى المقدار، فإذا كان مقداره قلتين فأكثر فإنه إذا وردت عليه نجاسة فلم يتغير بها فإنه لا ينجس، وإذا كان أقل من قلتين فإنه ينجس بمجرد ورود النجاسة عليه. هذا هو المشهور عند الحنابلة، وهناك قول آخر وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها الموفق ابن قدامة وشيخ الإسلام رحمه الله وغيرهم، أن الماء الجاري ليس كالراكد، فالماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير ولو قليلًا أقل من القلتين. لكن مثل ما ذكرنا لكم أن المشهور من المذهب هو هذا أنه لا فرق.

وإن فصل عن محل النجاسة متغيرًا؛ طيب هذه الصورة الثالثة من صور الماء النجس، وهو ما انفصل عن محل نجاسة متغيرًا؛ يعني مثل ما قلنا لكم إذا انفصل من الغسلة الأولى ولا الثانية ولا حتى السابعة ينفصل لكنه متغير بنجاسة؛ فهنا يكون نجسًا لأنه تغير بنجاسة.

أو قبل زوالها فنجس؛ فما انفصل قبل السابعة وكذا ما انفصل قبل زوال عين النجاسة ولو بعدها أو متغير؛ طيب هذه الصورة الرابعة من صور الماء النجس، وهو ما انفصل قبل زوال حكم النجاسة أو قبل زوال عينه. سيأتينا إن شاء الله في باب إزالة النجاسة أن النجاسة إذا كانت على غير الأرض ولم تكن نجاسة كلب أو خنزير فإنه لا بد فيها من سبع غسلات، فالماء المنفصل من هذه الغسلات من الغسلة الأولى إلى الغسلة السادسة هذا لماذا؟ قالوا لأنه ماء يسير لاقى نجاسة فنجس بالملاقاة. طيب المنفصل من الغسلة السابعة وما بعدها يقولون إذا انفصل متغيرًا بنجاسة فإنه كذلك؛ لو كان مثلًا ما زالت النجاسة بعد السابعة والثامنة والتاسعة غسله تسع مرات ولم تزل النجاسة بعد، فيقولون حتى هذا إذا انفصل بعد السابعة وكانت النجاسة موجودة ما زالت فإنه أيضًا؛ أما إذا انفصل من آخر غسلة زالت فيها النجاسة سواء كانت السابعة أو ما بعدها فإنه يكون طاهرًا كما تقدم.

فإن أضيف إلى الماء النجس قليلًا كان أو كثيرًا طهور وكثير بصب أو إجراء ساقية.

طهر؛ لأن هذا القدر المضاف يدفع النجاسة عن نفسه وعما اتصل به. غير تراب ونحوه فلا يطهر به. أو زال تغير الماء النجس الكثير بنفسه من غير إضافة ولا نزح. أو نزح منه أي من النجس الكثير فبقي بعده أي بعد المنزوح كثير غير متغير طهر، طهر لزوال علة التنجيس وهي التغير. والمنزوح الذي زال مع نزحه التغير طهور إن لم تكن عين النجاسة به. وإن كان النجس قليلًا أو كثيرًا مجتمعًا من متنجس يسير فتطهيره بإضافة كثير مع زوال تغيره إن كان. ولا ينجس ولا يجب غسل جوانب بئر نزحت للمشقة. أحسنت.

ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذه الجملة طرق تطهير الماء النجس. فنقول الماء لا يخلو إما أن يكون أكثر من قلتين، أو يكون قلتين، أو يكون دون القلتين. سنبدأ من الأخير؛ إذا كان دون القلتين، إذا كان يسيرًا دون القلتين، فله طريقة واحدة فقط لتطهيره، وهو أن يضاف إليه ماء كثير، أي لا بد أن يضيف إليه قلتين كاملات. الماء الذي يضيف إليه لا بد أن تكون قلتين كاملات؛ فلو كان قلة ونصف لا بد أن يكون المضاف ثلاث قلال ونصف. قالوا لأن الماء الكثير يدفع النجاسة عن نفسه، فعن غيره من باب أولى. طبعًا إذا قلنا ماء كثير لا يضيف إليه ماء يسير، ولا يضيف إليه غير الماء كالتراب ونحوه؛ فهذا كله لا يطهر الماء.

إذا كان قلتين فقط لا يزيد عنهما، فنقول له طريقتان: الطريقة الأولى أن نضيف إليه ماء كثير، والطريقة الثانية أن يزول تغيره بنفسه. بمعنى لو سقطت فيه فأرة مثلًا، وأزيلت هذه الفأرة لكن بقيت رائحتها، ثم بعد أسبوع وجدنا أنه لا أثر لهذه الرائحة، فنقول إذًا زال تغيره بنفسه. إذا كان الماء أكثر من قلتين، فنقول له ثلاث طرق: الطريقتان إما أن يضاف إليه ماء كثير أو يزول تغيره بنفسه، والثالثة أن ينزح منه فيبقى بعده كثير. مثلاً هو أربع قلال وسقطت فيه فأرة فغيرت رائحتها، فنزحنا قلة كاملة فزالت هذه الرائحة، فنقول هنا يطهر بذلك. فإذاً طرق تطهير الماء النجس: إما أن يكون قليلًا دون القلتين فله طريقة واحدة لتطهيره وهي أن يضاف إليه ماء كثير. الثاني إذا كان قلتين فقط فله طريقتان: إما بالإضافة أو بزوال تغيره بنفسه. الثالث إذا كان أكثر من قلتين فله ثلاث طرق: إما النزح أو المكاثرة. والمكاثرة لا يعتبر فيها أن يصب الماء دفعة واحدة؛ فلو جاء بوايت عبأ الخزان ثم جاء بوايت آخر فأكمله، فإنه لا بأس بذلك في المكاثرة. في الحالات الثلاث لا نقول لابد أن يضيف إليه قلتين في دفعة واحدة.

ألا تنجس بمجرد الملاقاة إذا كانت أقل من قلتين؟ جئت فأروها لا تتغير بنفسها، لأنها إذا كانت أقل من قلتين، فإنه يكاثرها حتى تبلغ قلتين، فتبلغ المرحلة الثانية تزيل النجاسة بنفسها. أنا فهمت كلامك لكن ليس هذا هو المقصود؛ فإذا أضاف نصف قلة لا تصبح طهورًا، فنقول لابد أن يضيف قلتين. ولو قلنا يا شيخ أنها كانت قلتين ثم أضاف لها نصف قلة وهي تنجس بالملاقاة، هل تستطيع دفع النجاسة بنفسها؟ لأنها بعد القلتين متى زال التغير بلا مؤثر خارج، بما أنه هنا ما بلغت قلتين في الأولى أو في الثانية. في الأولى قلنا مثلًا هو قلة ونصف، نحتاج أن نضيف قلتين. أضاف نصف قلة، النصف قلة هذه جاءت للماء، ألا ينجس بالملاقاة؟ بلى، ينجس في الملاقاة الآن، ولكن بلغ قلتين فأصبح كثيراً. فمتى دفع النجاسة عن نفسه؟ لا، على المذهب أنه سيأتينا هنا في كلامه: وإن كان النجس قليلاً أو كثيراً مجتمعاً من متنجس يسير، فهذا لا بد من إضافة كثير. لعل العلة هي الاضطرار للحال، أو أن هذا الماء ورد، أو نقول هو في محل التطهير؛ والماء القليل إذا اتصلت به نجاسة في محل التطهير فإنه يكون طهورًا، وهذا أقرب ويمكن أن يعلل أيضاً بالاضطرار.

قال والمنزوح الذي زال مع نزحه التغير طهور. في ما كان أكثر من القلتين قلنا إنه ينزح منه، فيقولون هذا إذا زال مع نزحه التغير فإنه يعتبر طهورًا. وذكر في ابن فيروز وأيضاً في البهوتي في الكشاف أن له شروطاً، يقول أن يشترط أن يكون قليلاً، فإن كان كثيراً فيشترط عدم التغير بالنجاسة، وأن يكون آخر ما نزح من الماء؛ فلو نزح جزء فلم تزل النجاسة ثم نزح جزءاً آخر فزالت، فيقول المنزوح الأول هذا لا يعتبر طهوراً. وثالثاً أن يكون التغير زال معه، والرابع أن لا يضاف إلى غيره من المنزوح الذي لم يزل تغيره بنزحه، والخامس ألا تكون عين النجاسة فيه.

قوله وإن كان النجس قليلاً أو كثيراً مجتمعاً من متنجس يسير، هذا اللي قلنا لكم قليلاً دون القلتين، كثيراً مجتمعاً من متنجس يسير. مثاله لو أن ماء قلة كان طهوراً لا أصابته نجاسة، ثم أضيف إليه أو اتصل به ماء آخر قلة أخرى فيها نجاسة، فهنا قلتان لكن فيهما نجاسة واجتمع من متنجس يسير، فصار كثيراً لكن أصله فيه نجاسة. فيقولون هذا يعتبر في حكم الماء اليسير فينجس بمجرد مرور النجاسة به، ولا بد فيه من المكاثرة. قوله ولا يجب غسل جوانب بئر نزحت لمشقة ولا أرضها بخلاف رأسها على الصحيح من المذهب، وهو إحدى الروايتين. وهل نقول أنها طاهرة أو نقول أنها لكن عفي عنها؟ أنت أولاً تصور المسألة الآن؛ بئر وقعت فيها نجاسة فجئنا ننزح منها، الماء يروح يمين ويسار في جدران البئر؛ فيقولون لا يجب غسل جوانب البئر الذي أصابه رشاش من الماء المتنجس. هل نقول لا يجب هو لكن عفي عنه أو نقول لا هو طاهر؟ هما قولان؛ الخلوتي رحمه الله يقول إن يعفى عنه فقط لا أنه محكوم بطهارته. يقول فلو وضع فيها مائع، مثلاً زيت وضعناه على جدار البئر فإنه ينجس للملاقاة، بخلاف الماء اليسير فلا ينجس لأنه وارد بمحل تطهير، فإذا انفصل غير متغير فهو طاهر. ابن فيروز انتقد هذا الكلام قال وفيه شيء، وظاهر كلامهم طهارته تبعا لما ذكره ابن القيم، وكلام ابن فيروز نقله ابن حميد رحمه الله في حاشيته على المنتهى.

تنبيه: محل ما ذكر إن لم تكن النجاسة بول آدمي أو عذرته، فتطهيره ما تنجس بهما من الماء إضافته ما يشق نزحه إليه أو نزحه يبقى بعده ما يشق نزعه أو زوال تغير ما يشق نزعه بنفسه، على قول أكثر المتقدمين ومن تابعهم على ما تقدم. أحسنت، هذا التنبيه يفيد؛ تذكرون الدرس الماضي ذكرنا أن فيه خلافاً بين المتقدمين والمتأخرين في نجاسة بول الآدمي وعذرته، هل تؤثر في الماء الكثير طبعاً إذا لم تغيره أو لا. فالمتأخرون يقولون لا، ما دامت لم تغيره فإنه لا ينجس. والمتقدمون لا، يقولون ينجس بالتغير، ينجس بورود بول الآدمي وعذرته عليه؛ يستثنون ما يشق نزحه، مصانع قد تكون بمكة. فهنا التنبيه هذا على كلام المتقدمين، وإلا المتأخرون أمرهم واضح. فهنا يقول طريقة تطهير الماء إذا كان الذي خاضه بول الآدمي أو عذرته على قول المتقدمين؛ إحنا قلنا في الماء الذي بلغ أكثر من قلتين له ثلاث طرق، هنا يقولون لا نقول قلتين فأكثر، نقول يضاف إليه ما يشق نزحه، يعني ماء كثير جداً يشق نزحه. الثانية نقول يزول تغير ما يشق نزحه بنفسه. الثالثة قلنا أن ينزح منه فيبقى بعده كثير، يقول لا، أن ينزح منه فيبقى بعده ماء يشق نزحه. فيعني نفس الطرق اللي في تطهير الماء الأكثر من قلتين، لكن أبدل الكثير اللي هو دون قلتين بما يشق نزحه. طبعاً هذا كما قلنا مترتب على قول المتقدمين، أما المتأخرون فلا يختلف الحال عندهم بين بول الآدمي وعذرته أو بقية النجاسات. نقف عند هذا الحد، ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى. صلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.