الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.
أما بعد، فهذا هو اللقاء الرابع من لقاءات التعليق على الروض المربع، نسأل الله أن يجعله لقاءً مباركًا ونافعًا لقائله ومستمعيه. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم صل وسلم، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «وإن شك في نجاسة ماء أو غيره من الطاهرات، أو شك في طهارته أي طهارة شيء علمت نجاسته قبل الشك؛ بنى على اليقين الذي علمه قبل الشك، ولو مع سقوط عظم أو روث شك في نجاسته؛ لأن الأصل بقاؤه على ما كان عليه. فإن أخبره عدل بنجاسته وعين السبب لزم قبول خبره».
المصنف رحمه الله تعالى في هذه الجملة، وإلى نهاية باب المياه، يتكلم عن مسائل الشك والاشتباه في الماء. ولا بد أن نقرر قاعدة في هذا الباب وهي أن الأصل في المياه الطهارة، فلا يعدل عنها إلا بيقين، واليقين لا يزول بالشك. فإذا وجد شخص ماً ووجد له رائحة، لكن لا يعلم هل هي بسبب النجاسة أو لا، فهل نقول هو نجس أو طاهر؟ نقول: طاهر، إذ يبني على يقين الطهارة؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه.
وكذلك لو شك في طهارة ماء، وجد ماء وقعت فيه نجاسة ثم جاءه بعد أيام لكن لا يعلم هل تطهر هذا الماء بعد أن وقعت فيه النجاسة أو لا، فنقول: يبني على يقين النجاسة؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه. وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة تحت القاعدة التاسعة والخمسين بعد المائة في قاعدة تعارض الأصل والظاهر.
إذا تعارض الأصل والظاهر يقول: «فإن كان الظاهر حجة»، وطبعًا قسمها إلى أربعة أقسام. القسم الأول يقول: «إذا كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعًا كالشهدة والرواية والأخبار، فهو مقدم على الأصل بغير خلاف». فمثلاً الآن لو شخص ادعى على شخص أنه أقرضه ألف ريال ولم يعدها، والمدعى عليه أنكر؛ فهل الأصل براءة ذمة المدعى عليه أو لحوق هذا القرض بذمته؟ الأصل براءة. لكن جاء المدعي بشهود وشهدوا أن هذا اقترض الألف ريال، هنا ننتقل عن هذا الأصل للظاهر، فهل نقدم الأصل أو نقدم الظاهر؟ هنا نقدم الظاهر بلا خلاف، فالظاهر الذي نقل عن الأصل يقدم على الأصل بلا خلاف.
القسم الثاني يقول: «وإن لم يكن كذلك بل كان مستنده العرف أو العادة الغالبة أو القرائن وغلبة الظن»، فيقول: «فتارة يعمل بالأصل ولا يلتفت إلى الظاهر، وتارة يعمل بالظاهر ولا يلتفت إلى الأصل، وتارة يخرج في المسألة خلافًا».
قال: «القسم الثاني ما عمل فيه بالأصل ولم يلتفت إلى القرائن الظاهرة»، وله صور كثيرة، وذكر من صورها: «إذا تيقن الطهارة أو النجاسة في ماء أو ثوب أو أرض أو بدن وشك في زوالها». الآن عندنا يقين الطهارة أو يقين النجاسة، وعندنا شك في زوال هذا اليقين؛ فما الذي يقدم هنا؟ نقدم الأصل الذي هو اليقين.
فهنا يقول: «يبني على الأصل إلى أن يتيقن زواله، ولا يكتفي في ذلك بغلبة الظن ولا غيره». حتى لو قال: يغلب على ظني أنه نجس، نقول: ما دمت لم تتيقن فإنك تبقى على يقين الطهارة. قال: «وكذلك لو تيقن حدثًا أو نجاسة وغلب على ظنه زوالهما فإنه يبني على الأصل».
أيضًا لو وجد ماءً يسيرًا سقط فيه عظم، هنا يقول: «ولو مع سقوط عظم أو روث». لو وجد ماء يسيرًا وسقط فيه عظم لكن لا يعلم هل هذا العظم عظم حيوان ميتة أو هو عظم مذكاة، وعظم المذكاة لا ينجس، فنقول: إذا كان عظم ميتة فإن هذا الماء ينجس لأنه ماء يسير، وإذا كان عظم مذكاة فهنا لا ينجس؛ فهل الأصل الطهارة أو النجاسة؟ الطهارة، إذًا يبقى على الطهارة.
قال: «أو وجد فيه روثة لا يعلم هل هي روثة مأكول اللحم أو روثة حيوان غير مأكول اللحم فتكون نجسة»، فهنا يبني على اليقين وهو الطهارة؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه. طبعًا هذه تختلف يسيرًا عن المسألة الأولى، لذلك ابن رجب رحمه الله أيضًا ذكرها في القاعدة الثامنة والخمسين بعد المائة، وهي إذا تعارض أصلان.
هنا تعارض أصلان، يقول: «إذا تعارض معنا أصلان عمل بالأرجح منهما لاعتضاده بما يرجحه، فإن تساويا خرجت المسألة غالبًا وجهين». وذكر من فروعها ما إذا وقع في الماء اليسير روثة وشك هل هي مأكول اللحم أو لا. وطبعًا الروثة على المشهور من المذهب أن الأصل في الأرواث النجاسة، وهذا أصل، وعندنا أصل آخر وهو أن الأصل في المياه الطهارة، فتعارض أصلان؛ هل نقول الأصل في الأرواث النجاسة، أم نقول الأصل في المياه الطهارة؟
يقول: «هذا فيه وجهان في المذهب، أحدهما أنه لأن الأصل في الأرواث والميتات النجاسة، وحيث قضي بطهارة شيء منها فرخصة على خلاف الأصل، ولم يتحقق وجود المرخص هنا فنبقى على الأصل، والثاني أنه طاهر». الوجه الأول في المذهب رجحوا جانب الأرواث، والوجه الثاني وهو المرجح عند الأكثرين وهو المشهور في المذهب أنه يرجح جانب المياه، فيقولون هو طاهر لأن الأصل في المياه الطهارة فلا يزال عنها بالشك. إذا تعارض المبيح والحاظر فهنا يقدم الحاظر.
طبعًا هنا يقول إذا الأصل طهارة، لكن مع كونه طاهرًا يقول: «يكره استعمال ما ظنت نجاسته احتياطًا»، استنادًا إلى الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
يقول شيخ الإسلام رحمه الله في مسألة البناء على اليقين عند الشك: «وفروع هذا الأصل كثيرة جدًا»، أي فروع هذا الأصل أنه إذا شك في شيء فإنه يبني على اليقين. يقول: «والسبب في ذلك أن الشيء إذا كان على حال فإن انتقاله عنها يفتقر إلى زوالها وحدوث الأخرى». يعني مثل عندنا الماء، الأصل بقاءه على الطهارة، ما ننتقل عنها إلا إذا ورد المغير، فانتقاله عنها يفتقر إلى زوال الطهارة وحدوث الأخرى التي هي النجاسة، وبقاء الثانية وبقاء الأولى لا يفتقر إلا إلى مجرد الإبقاء.
وبقاء الأولى لا يفتقر إلا إلى مجرد الإبقاء. يعني بقاء الأولى اللي هي بقاء الماء على طهارته لا يفتقر إلا إلى مجرد الإبقاء. أيهما أسهل؟ الإبقاء. إبقاؤه على حاله أو تغيير؟ يعني تغيير حاله إلى حال أخرى.
الإبقاء على حاله لأن الأصل. يقول: فيكون البقاء أيسر من الحدوث فيكون أكثر. والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب.
طيب. متى ينتقل عن الأصل؟ الآن نقول يبقى على أصل يبقى على أصله. متى ينتقل؟ هنا ماذا قال؟ يقول: إذا أخبره عدل بنجاسته. وعين السبب. إذا لا بد أن يكون يخبره عدل. لا بد أن يكون الذي أخبره عدل.
ولا بد أن يعين السبب. فعين السبب. لأنه هنا علم نجاسته. علم نجاسته. فيمتنع من من هذا الماء و لأنه لأنه هنا علم نجاسته. قالوا ولو كان هذا الشخص مستورًا. مستورًا يعني مستور الحال.
ولو كان هذا الشخص مستورًا يعني مستور الحال. يعني أنه عدل ظاهرًا لكن لا يعلم يقينًا أنه عدل أو لا. فلا تلزم العدالة الباطنة لأنه خبر الباطنة لأنه خبر ديني فأشبه الخبر بدخول وقت الصلاة.
وذكر المرداوي في الإنصاف أن مستور الحال كالعدل على الصحيح. وقع في مطبوعة الإنصاف التي طبعت مع المقنع وشرحه الكبير ومشهور الحال. صوابها ومستور الحال كما هو الظاهر من السياق.
فلا يقبل إذًا قول الكافر لأنه ليس بعدل ولا قول الفاسق أيضًا. بلا نزاع. ولا يقبل أيضًا خبر الصغير.
خبر الصغير على قول الجمهور لأنه لا يوثق بقوله. لأنه لا يوثق بقوله. لأنه ليس من أهل الشهادة ولا الرواية أشبه الطفل والمجنون كما قاله ابن أبي عمر في الشرح الكبير.
طيب هنا قال وعين السبب فإذا لم يعين السبب قال تراه هنا يقول متى يـ يقول تراه نجس؟ يعني يعين السبب يقول تراه نجس؟ مثلًا أصابه بول آدمي. وليس لكن لو قال لا تقرب هذا الماء فإنه وأسكت. فهنا هل يلزمه قبوله؟ قبول خبره؟ قالوا لا يلزمه قبول خبره. هذا هو الصحيح من المذهب. لماذا؟
قالوا لجواز أن يكون نجسًا عند المخبر دون المخبر. دون المخبر. مثلًا قالوا سبق أن قلنا أن الحنابلة رحمهم الله تعالى يقولون الماء الكثير حده قلتان. ما زاد على القلتين فلا ينجس إلا بالتغير.
الحنفية قلنا لكم أنهم لا يتقيدون بالقلتين بس يقولون الماء الكثير. وبعضهم يسوي العشرة إلى آخره. فقالوا قد يكون قد يكون المخبر له حنفيًا. والحنفي لا يتقيد بالقلتين فقد يكون ماء ثلاث قلال.
فيقول لك لأنه أصابه مثلًا أصابه بول شخص أو حيوان غير مأكول اللحم. بول حيوان غير مأكول اللحم. وأيضًا إيه يعني هنا اختلف. يعني يكون كان نجسًا عند المخبر دون المخبر. فلذلك قالوا لا بد أن لا بد أن إيه يعين السبب.
قالوا ولو كان فقيهًا موافقًا. يعني حتى لو كان حنبليًا مثله. حنبليًا مثله. وهذا التقييد بقوله ولو كان فقيهًا موافقًا نقله البهوتي رحمه الله في الكشاف عن إملاء التقي الفتوح.
تقي الفتوح عنده صاحب المنتهى. صاحب المنتهى. يعني مما أملاه تعليقًا على كتابه. يعني كتابه يقرأ عليه. فهذا مما أملاه.
وذكر الـ ابن فيروز أن مثله ابن فيروز أن مثله إخباره بما يسلب الطهورية مع بقاء الطهارة. يعني إذا كان لك ترى ماء طاح ليس طهورًا. فنقول إذا بين السبب فتقبل خبره. وإذا لم يبين السبب فلا تقبل خبره.
قالوا لأنه إذا قبل في الأغلب قبل في الأخف من باب أولى كما ذكره ابن قائد. نعم. أحسن الله إليك.
قال رحمه الله ولو اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما إن لم يمكن تطهير النجس بالطهور.
فإن أمكن بأن كان الطهور قلتين فأكثر وكان عنده إناء يسعهما وجب خلطهما واستعمالهما. ولم يتحر أي لم ينظر أيهما يغلب على ظنه أنه طهور.
فيستعمله ولو زاد عدد الطهور. ويعدو إلى التيمم إن لم يجد غيرهما. ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما. لأنه كان الماء في بئر لا يمكن الوصول إليه. أحسنت.
ذكر المصنف رحمه الله تعالى هنا مسائل الاشتباه. مسائل الاشتباه وذكر أربع صور له. اشتباه الماء الطهور بالنجس. وهي ذكرها هنا. والثانية اشتباه المباح بالمحرم. والثالثة اشتباه الماء الطهور بالطاهر. والرابعة اشتباه الثياب الطاهرة بالـ النجسة. أو المباحة بالـ المحرمة. أو المباحة بالـ المحرمة.
فإذا اشتبه الماء الطهور بالنجس. إذا عنده اشتبه. طبعًا المسألة السابقة شك. فرق بين الشك والاشتباه. شك عنده ماء واحد. إناء واحد. لكن لا يدري هل هو طهور أو شك.
هنا لا. عنده ماءان. مسألة الاشتباه يكون عنده إناءان. يعلم أن أحدهما طهور والآخر يعلم أن أحدهما طهور والآخر طيب. هنا ما الـ ماذا يعمل؟
ماذا يعمل؟ لا يعلم. لا يعلم يقينًا أيهما طهور وأيهما فنقول هنا لا يخلو من حالين. الحال الأولى أن يكون عنده إناء ثالث يقين أنه طهور.
عنده إناءان. ما يدري أيهما طهور وأيهما لكن عنده إناء ثالث يعلم يقينًا أنه طهور. هنا قالوا يلزمه استعماله.
ولا يجوز له التيمم. ولا التحري بغير خلاف. ولا التحري بغير خلاف كما قاله الموفق ابن قدامة رحمه الله. وهذا لم يذكره المؤلف رحمه الله لكن ذكر ما إذا لم يكن عنده ماء آخر.
إيه طيب. إذا لم يكن عنده إلا هذان الماءان المشتبهان. فماذا يعمل؟ نقول هنا لا يخلو من حالين. لا يخلو من حالين.
الحال الأولى أن يمكن تطهير النجس بالطهور. أن يمكن تطهير النجس بالطهور. كيف؟ كيف يطهر النجس بالطهور؟
نعم. بأن يكون الطهور أكثر من قلتين. قلتين فأكثر. وعنده إناء يسعهما. طهور قلتين فأكثر.
وعنده إناء يسعهما. فإذا كان الطهور قلتين فأكثر وعنده إناء مثلًا يسع ثلاث قلال. والنجس مثلًا ربع قلة. فـ وضعهما في إناء واحد. هنا طهر الـ الـ النجس.
طهر الـ الـ الماء الطهور طهر النجس. فهنا ماذا يفعل؟ يقول يجب عليه خلطهما واستعمالهما. وقيده الشارح بذلك متابعًا المرداوي في الإنصاف والتنقيح.
وإنما يجب عليه خلطهما واستعمالهما ليتمكن به من الطهارة الواجبة. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الحالة الثانية ألا يمكن تطهير النجس بالطهور. فهنا قالوا يحرم عليه استعمال أيهما. يحرم عليه استعمال واحد منهما. ولا يتحرى الطهور منهما على الصحيح من المذهب.
وذكره المرداوي لأنه من المفردات. ولو زاد عدد الطهور. يعني لو كان مثلًا عنده خمس مياه. أربعة طهور والخامس لكن لا يعلم أيهما النجس. أيهما الطهور. فهنا قالوا يدعهما ويتيمم.
قالوا يتيمم إن لم يجد ماءً يتيقن طهوريته. ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما لأنه عادم للماء حكمًا. قال ولم يتحر. يعني لم ينظر أيهما يغلب على ظنه أنه طهور. لماذا؟ قالوا لأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا يبيح فيما لا تبيحه الضرورة فلا فلا يجوز التحري. فلا يجوز التحري.
وقوله ولو زاد عدد الطهور هنا ولو إشارة خلاف. لأن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى يرون أنه إذا زاد عدد الطهور فإنه فإنه يتحرى. وهذا قول لبعض الحنابلة رحمهم الله تعالى.
إيه و في حاشية العنقري وردت هذه اللفظة متأخرة. متأخرة أو نعم. متقدمة على موضعها.
هذه اللفظة وردت متقدمة على موضعها. وردت عند قوله بنى على اليقين في مسائل الشك. وإلا موضعها الصحيح هنا.
طيب. قوله ولا يعدل إلى التيمم إن لم يجد غيرهما. ولا يعيد الصلاة إذا تيمم وصلى ثم علم أيهما طهور بعد. فإن توضأ من أحدهما حالة الاشتباه.
لو أنه اشتبه فتوضأ من أحدهما. ولم يتيمم. ثم تبين له بعد ذلك أنه طهور.
فهل يصح وضوءه؟ لا يصح وضوءه. لأنه فعله نعم. على غير يقين. والأمر الثاني أنه لم يفعل الواجب عليه. لم يفعل الواجب عليه. بل فعل المنهي عنه.
إيه لم يصح وضوءه. هذا ذكره ابن فيروز. ونقله عنه العنقري وأضاف كما لو صلى قبل أن يعلم دخول الوقت فصادفه. فصادفه.
طيب. وقوله لا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما إنما نص على عدم اشتراطه إشارةً لخلاف من اشترطه كالخرقي، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لأنهم قالوا إذا اشتبه عليه فإنه يريقهما جميعًا و ويتيمم ليتحقق أنه عادم للماء.
هنا قالوا لا يشترط على الصحيح من المذهب، لماذا؟ لأنه عادم للماء حكمًا وإن كان يعني عندهم ماء لكنه عادم له حكمًا.
يقول ال الموفق فإن احتاج إليهما للشرب فهنا قال لا تجب إراقتهما، لا تجب إراقتهما بغير خلاف. تجب إراقتهما بغير خلاف، فإنه يجوز له التيمم لو كانا طاهرين فمع الاشتباه أولى.
و إذا احتاج أحدهما للشرب فإنه يتحرى، يتحرى الطاهر ويشرب منه. يتحرى ويشرب أقصد. لأن النجس هنا تبيحه الضرورة، فإن لم يغلب على ظنه شيء فإنه يستعمل أحدهما لأنه حال ضرورة، يعني أنه في مسائل الشرب، عنده ماءان يريد أن يشرب منه لكن يعلم أن أحدهما لكنه أيهما النجس لا يعلم، نقول يتحرى.
يشرب من اللي يغلب على ظنه، إذا قال لا ما عندي ماء يغلب على ظني، نقول إذًا استعمل أحدهما ولا ضير عليه. نعم. السلام عليكم.
قال رحمه الله وكذا لو اشتبه مباح بمحرم فيتيمم إن لم يجد غيرهما. هذه الصورة الثانية من صور الاشتباه وهي اشتباه مباح بمحرم، فلو كان عنده إناءان فيهما ماء، أحدهما يملكه والآخر لا لا يملكه مغصوب، لكن اشتبه عليه أيهما الذي يملكه وأيهما المغصوب، فهنا عنده ماءان مباح ومحرم. وهنا قالوا يعتبر في حكم العادم للماء فيتيمم.
والماء المحرم يأخذ حكم الماء النجس على الصحيح من المذهب كما ذكره ابن المبدع، نعم. أحسن الله إليكم، قال رحمه الله
ويلزم من علم النجس إعلام من أراد أن يستعمله. نعم، يعني لو لو أن شخصًا علم أن هذا الماء ثم جاء آخر ليستعمله فإنه يجب عليه إعلامه أنه أصابته نجاسة.
قال ابن فيروز وظاهره ظاهره ولو لم تكن إزالتها شرطًا للصلاة خلافًا للإقناع. يعني الحجاوي في الإقناع ذكر أنه يلزمه إراء إعلامه إذا كانت إزالته شرطًا شرطًا لصحة الصلاة.
لان لان هناك بعض النجاسات تعفى يعفى عنها في الصلاة مثل يسير الدم، مثل يسير الدم، أو لو سقط فيه يسير الدم هل يلزمه إعلامه أو لا؟ هنا ال الحجاوي يقول لا لا يلزمه إعلامه.
لا يلزمه إعلامه، لكن هنا ظاهر كلام صاحب الروض هنا وغيره أنه يلزمه إعلامه وإن لم تكن إزالته شرطًا لصحة الصلاة، نعم. أحسن الله إليكم، قال رحمه الله وإن اشتبه طهور بطاهر أمكن جعله طهورًا به أم لا؟ توضأ منهما وضوءًا واحدًا ولو بماء طهور بيقين من هذا غرفة ومن هذا غرفة ويعم بكل واحد من الغرفتين المحل وصلى صلاةً واحدة، قال في المغني والشرح بغير خلاف نعلمه، فإن احتاج أحدهما للشرب تحرى وتوضأ فإن احتاج أحدهما للشرب تحرى وتوضأ بالطهور عنده وتيمم ليحصل له اليقين.
أحسنت، هذه الصورة الثالثة من صور الاشتباه وهي اشتباه الماء الطهور بالطاهر، فإذا اشتبه الطهور بالطاهر فهنا لا يخلو من أمرين يخلو من أمرين.
الأمر الأول أن يريد الوضوء فقط يريد الوضوء فقط، فهنا نقول ماذا يعمل؟ قالوا يتوضأ منهما وضوءًا واحدًا فقط من هذا غرفة ومن هذا غرفة وصلى صلاةً واحدة. يعني عنده إناءان أحدهما قد غمس فيه يد قائم من نوم ليل، هنا ينتقل إلى الطاهر والآخر لا.
لكنه اشتبه أيهما الذي غمس فيه يد القائم من نوم ليل. فهنا نقول يتوضأ وضوء واحد. من هذا غرفة ومن هذا غرفة.
يعني يغسل يديه المرة الأولى من هذا والمرة الثانية من هذا، يتمضمض المرة الأولى من هذا والمرة الثانية من هذا إلى أن ينتهي. إلى أن ينتهي ويصلي صلاةً واحدة. ايه
وقوله أمكن جعله طهورًا به أم لا؟ يعني أنه لا يلزمه تحويل الطهور الطاهر إلى طهور. ولو أمكن ذلك بزيادته لأن يزول التغير الذي انتقل به الطهور إلى طاهر.
وقوله توضأ منهما وضوءًا واحدًا يعني أنه يتوضأ وضوءًا واحدًا معًا من كل واحد وضوءًا كاملًا وهذا المذهب كما قاله المرداوي في الإنصاف.
لا من كل واحد كما جزم به الموفق وغيره. يعني ابن قدامة يقول يتوضأ من أحد الإناءين وضوءًا كاملًا ثم يتوضأ من الثاني وضوءًا كاملًا.
طيب، وش وش ال الفرق بين القولين؟ أو ما ثمرة الخلاف بين القولين؟ ما الفرق يا شيخ بين القولين؟ المذهب أنه لا يرتفع الحدث من توضأ وضوءًا كاملًا من الأول وضوءًا كاملًا من الآخر. إلا إذا علم أنه طاهر. نعم.
أحسنت. يعني يقولون ايه، لا بد من اليقين. في الطهارة لا بد أن يرفع الحدث لا بد من ننية جازمة.
فإذا كان سيتوضأ وضوءًا كاملًا من هذا وضوءًا كاملًا من هذا عنده نية مترددة أيهما الذي سيرفع الحدث. لكن إذا ايه، كان شيء من هذا غرفة ومن هذا غرفة خلاص. وعنده يقين أن هذا الوضوء إذا انتهى أنه وضوء واحد، إذا انتهى سيرفع الحدث.
لكن في الوضوءين لا يعلم أيهما الذي يرفع حدثه. ايه، وأيضًا ايه من فائدة الخلاف أنه أنه ايه، على القول بأنه يتوضأ وضوءًا كاملًا من هذا وضوءًا كاملًا من هذا قالوا لا يفعل لا يفعل هذا إذا وجد عنده ماءً طهورًا بيقين.
لأنه عنده شيء يجزم أنه يرفع الحدث، أما إذا قلنا يتوضأ وضوءًا واحدًا فإنه يتوضأ منه وضوءًا واحدًا ولو كان عنده طهور بيقين. وقوله يعم بكل واحد من الغرفتين المحل وجوبًا لأن الوضوء الواحد الوجه المذكور مجزوم بنيته كونه رافعًا بخلاف الوضوءين فلا يدرى أيهما رافع للحدث.
وقوله صلى صلاةً واحدة قال في المغني والشرح بغير خلاف نعلمه لأنه أمكنه أداء فرضه بيقين من غير حرج. فيلزمه كما لو كانا طهورين، كما لو كانا
يتوضأ منهما جميعًا، لأن هنا سيؤدي الفرض بيقين، وقالوا هذا مثله.
إذا قيل: طيب في المسألة الأولى في اشتباه الطهور بالنجس، لماذا لا نقول يتوضأ وضوءًا واحدًا من هذا غرفة ومن هذا هنا قلت يتوضأ وضوءًا واحدًا؟ هنا لماذا لا نقول يتوضأ وضوءًا واحدًا وخلاص؟ لا يجوز التيمم. اه، أحسنت. لذلك الموفق وابن قدامة يقول: وفارق ما إذا كان نجسًا، يعني في اشتباه الطهور بالنجس. قال: لأنه هناك ينجس أعضاءه يقينًا، ينجس أعضاءه يقينًا. طيب، قد تقول: إذا في الغرفة الأولى في الغرفة الثانية، الغرفة الثانية سيُمَسّحها. قد تكون النجاسة هي الثانية. قال: لذلك قال: ولا يأمن أن يكون النجس هو الثاني، فيبقى نجسًا ولا تصح صلاته.
الحالة الأولى أن يريد الوضوء فقط، الحالة الثانية أن يريد الوضوء والشرب لاشتباه الطهور بالطاهر. فيقولون: يتحرى ويتوضأ بما غلب على ظنه أنه طهور. هنا عنده ماء طهور وطاهر لكن يريد أحدهما للشرب، خلاص. فهنا أقول: يتحرى ويتوضأ بما غلب على ظنه أنه طهور، ويستعمل الثاني للشرب. وإذا توضأ بما غلب ظنه أنه طهور يكون احتمال أنه توضأ بالماء الطاهر، لذلك قال: ويتيمم ليحصل له اليقين بالتطهر بالماء الطهور. وقوله: تحرى، وكيفية التحري أن ينظر إلى ما يغلب على الظن كتغير، ويشترط له شرطان: أولهما أن يكون للمشتبهين أصل في الحل، وثانيهما بقاؤهما. وقوله: ويتيمم، يعني يتيمم معه احتياطًا إن لم يجد طهورًا غيره مشتبه. وذكر ابن فيروز رحمه الله أن ظاهر قوله: ويتيمم، عدم الترتيب، عدم الترتيب، يعني إما أن يتيمم قبل الوضوء أو يتوضأ قبل التيمم، لكن قال: وفي الإقناع عبر بما يقتضي الترتيب. نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: فإن اشتبهت ثياب طاهرة بثياب يعلم عددها أو اشتبهت ثياب مباحة بثياب محرمة يعلم عددها، صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس من الثياب أو المحرم منها، ينوي بها الفرض احتياطًا، كمن نسي صلاة من يوم وزاد على العدد صلاة ليؤدي فرضه بيقين. فإن لم يعلم عدد النجاسة أو المحرمة، لزمه أن يصلي في كل ثوب صلاة حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر ولو كثرت. ولا تصح في ثياب مشتبهة مع وجود طاهر يقينًا. وكذا حكم أمكنة ضيقة، ويصلي في واسعة حيث شاء بلا تحري.
أحسنت. هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى الصورة الرابعة من صور الاشتباه، وهي اشتباه الثياب الطاهرة بالنجسة، أو اشتباه الثياب المباحة بالمحرمة. فإذا أراد الشخص أن يقوم مثلًا إلى الصلاة ولم يكن عنده إلا ثوبان، أحدهما يعلم أنه طاهر والآخر أصابته نجاسة لكن شك أيهما الذي أصابته نجاسة وأيهما طاهر، أو كان عنده ثوبان، أحدهما مغصوب والآخر ملك له لكن شك أيهما، طبعًا ثوبان أو أكثر.
طيب، فهذا ماذا يعمل؟ يقولون: لا يخلو من حالين. الحالة الأولى أن يعلم عدد النجس أو المحرم، مثلًا عنده خمس ثياب، اثنين يعلم أنهما أصابتهما نجاسة لكن أيهما يلبس؟ فهنا ماذا يعمل؟ نعم، يصلي بعدد النجس والمحرم ويزيد صلاة. يعني كم يصلي هنا؟ ثلاث، ثلاث صلوات. يصلي مثلًا الفجر ثلاث مرات، لماذا؟ قال: ليتيقن أنه صلى بثوب طاهر، لأنه احتمال أنه صلى الصلاة الأولى بثوب، الصلاة الثانية بثوب، خلاص، الصلاة الثالثة يقين أنه بالثوب الطاهر. وكذلك في المباح والمحرم، قالوا: قياسًا على من نسي صلاة من يوم.
يعني شخص مثلًا قال: إني قبل أسبوع نمت عن إحدى الصلوات الخمس، ما أدري هي الفجر أو الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، نسيتها، فهنا ماذا يفعل لأجل أن يؤدي فرضه بيقين؟ ماذا يفعل؟ يصلي كم صلاة؟ نعم. إذا قال أنا نسيت صلاة قبل أسبوع، أنا نمت عن إحدى الصلوات الخمس، أنا نسيت، ما أدري هي الفجر أو الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، ماذا يفعل لأجل أن يتيقن أنه قضى الصلاة؟ يصلي خمس صلوات؛ يصلي الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، لأجل أن يتيقن أنه قضى الصلاة التي نامها، لأنه أمكنه أداء فرضه بيقين من غير حرج فيلزمه، كما لو اشتبه الطهور بالطاهر.
وهذا هو المذهب مطلقًا، نص عليه وعليه جماهير الأصحاب كما قاله المرداوي، وذكر أنه من المفردات. والثاني: ألا يعلم عدد النجس أو المحرم، لا يعلم عدد النجس أو المحرم، عنده خمس ثياب يقول بعضهن أصابته نجاسة، لكن كم؟ ما أدري، واحد اثنتين هنا أربعة، ما أدري، لكن يقينًا أن فيه شيئًا طاهر وفيه شيء نجس، لكن كم؟ ما أدري. قالوا كم؟ قالوا: يصلي بعدد الثياب، ولو كثرت، في أحد الوجهين عند الأصحاب، لأن كثرتها يندر جدًا فألحق بالقلة.
ذكر ابن قايد رحمه الله في حاشية المنتهى أن ما ذكر الأصحاب هنا ليس المراد به الوجوب، قوله: يصلي في كل ثوب صلاة إلى آخره، يصلي بعدد النجس أو المحرم. قال: ليس المراد بذلك الوجوب بل المراد به الصحة وسقوط الفرض عنه لو فعل ذلك، يعني يقول هذا يذكر البقعة على سبيل الاحتياط لكنه ليس بواجب. لماذا؟ قال: أصلًا لا يجوز له فعل، لا يجوز أن يصلي بثوب يقدم على الصلاة في ثوب نجس، قال: طيب إذا حصل له ذلك ولا يعلمه؟ قال: يصلي عريانًا ولا يعيد، يصلي عريانًا ولا يعيد. لماذا؟ قال: لأنه اشتبه عليه المباح بالمحظور في موضع لا تبيحه الضرورة، فهو عادم للسترة حكمًا. قال: وإلا فما الفرق بينه وبين من اشتبه عليه طهور مباح بمحرم؟ يعني من اشتبه عليه طهور مباح بمحرم، قلنا: يدعه ويتيمم. قلنا هذا طيب، هناك ما قلنا يتوضأ منه.
أه، ابن قاسم رحمه الله ذكر هذا الكلام في حاشيته، ولم ينسبه لابن قايد كعادته رحمه الله في غالب النقولات. أما ابن فيروز رحمه الله فناقل كلام ابن قايد وانتقده، قال: فيه نظر، إذ عباراتهم، يعني عبارات الأصحاب، طافحة بالوجوب، وما ادعاه من عدم الفرق فممنوع. يعني قال: وش الفرق بينه وبين من اشتبه عليه ماء طهور بمحرم؟ قال: كيف وقد فرق الإمام أحمد رحمه الله بأن الماء يلصق ببدنه فيتنجس به، بخلافه هنا، يعني يقول: إذا توضأ بماء هنا الماء يلتصق ببدنه، بخلاف إذا صلى وعليه ثوب النجاسة لا تلتصق ببدنه. نعم.
وقوله: لا تصح في ثياب مشتبهة مع وجود طاهر يقينًا. يعني لو وجد عنده ثياب اشتبه في إصابته النجاسة وثياب طاهرة بيقين، فهنا يلزمه الصلاة بالثياب التي يتيقن طهارتها قاله الأصحاب كما في الإنصاف. وقوله: وكذا حكم أمكنة ضيقة، يعني شخص مثلًا عنده غرفة صغيرة، زاويتين أصابتها نجاسة وزاويتين لا، فهنا ولا يعلم أي الزاويتين أصابتها، فهنا ماذا يعمل؟ يصلي بعدد الزوايا النجسة ويزيد صلاة ليتيقن أنه صلى في مكان طاهر. أما إذا اشتبه عليه في مكان واسع، يعني كان طالع للبر ورأى أحدًا يبول في مكان لكن لم يتبين، قال: ما أدري هو بال هنا أو هنا، يقولون: هذا يصلي في أمكنة واسعة حيث شاء بلا تحري دفعًا للحرج.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: باب الآنية هي الأوعية جمع إناء. لما ذكر الماء ذكر ظرفه، كل إناء طاهر كالخشب والجلود والصفر والحديد ولو كان ثمينًا كجوهر وزمرد، يباح اتخاذه واستعماله بلا كراهة.
أحسنت. انتقل المصنف رحمه الله تعالى من باب المياه إلى باب الآنية، وذكر مناسبة باب الآنية لباب المياه بقوله: لما ذكر الماء ذكر ظرفه، لأن الماء جوهر سيال يحتاج إلى ما يحفظ به أو يحفظ بالأواني، فلذلك ذكره هنا، وإلا فالأواني لها مناسبة أخرى تذكر فيها وهي في باب الأطعمة، لأنها أيضًا أوعية للأطعمة، لكن الفقهاء رحمهم الله تعالى جرت عادتهم أن الشيء إذا كان له مناسبتان فإنه يذكرونه في المناسبة الأولى وفي المناسبة الثانية يحيلون عليه.
طيب، ذكر المصنف رحمه الله تعالى ضابطًا فيما يباح اتخاذه واستعماله من الأواني، فذكر أن كل إناء طاهر، كل إناء طاهر، إذن الطاهر يباح اتخاذه واستعماله ولو كان ثمينًا، فيخرج بذلك الآنية غير الطاهر، فلا يباح اتخاذها ولا استعمالها، وسيأتينا استعمال الآنية من جلد الميتة بعد الدبغ. وقوله هنا: في الخشب والجلود والصفر، الصفر أي النحاس، وقوله: ولو كان ثمينًا، هنا إشارة خلاف، لأن بعض الشافعية، الفقهاء الشافعي رحمه الله في أحد القولين ألحق الآنية الثمينة بآنية الذهب والفضة في المنع من الاستعمال لاشتراكهما في العلة، والمذهب إباحة استعمالها بدون كراهة كما قال الموفق رحمه الله تعالى، وذكر أن هذا قول عامة أهل العلم رحمهم الله. قالوا: لأن العلة التي حرمت من أجلها الذهب والفضة لا تتوفر في الأواني الثمينة من غير النقدين، قالوا: لأن هذه الجواهر التي ذكرها المصنف هنا الجوهر والزمرد وغيرها لا يعرفها إلا خواص الناس، فلا تنكسر قلوب الفقراء لو اتخذوا منها الأواني، قالوا: لأن هذه الجواهر أيضًا لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها إلا نادرًا، فلا تفضي إباحتها إلى اتخاذها واستعمالها.
وقوله: يباح اتخاذه واستعماله، إيش الفرق بين الاتخاذ والاستعمال؟ الاتخاذ والاستعمال؛ الاستعمال سواء في طهارة، ممكن. أقول: الاستعمال يكون اتخاذ وسيلة. نعم شيخ. الاتخاذ يعني يتخذها بدون استعمال، يقتنيها بدون استعمال، أما الاستعمال فإنه يباشر استعماله، فهذا كله يباح اتخاذه واستعماله. طيب، نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: غير جلد آدمي وعظمه فيحرم، إلا آنية ذهب وفضة ومضبب بهما أو بأحدهما غير ما يأتي. وكذا مموه ومطلي والمطعَم والمكفت بأحدهما، فإنه يحرم اتخاذها لما فيه من السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء، واستعمالها في أكل وشرب وغيرهما ولو على أنثى لعموم الأخبار وعدم المخصص. وإنما أبيح التحلي للنساء لحاجتهن إلى التزين للزوج، وكذا الآلات كلها كالدواة والقلم والمسوط والقنديل والزبد، والمسعد، عفوًا شيخ، العين شاني، العين والميم. نعم، المسوط.
أحسن الله إليكم. المسوط والقنديل والمجمرة والمدخنة حتى العيد ونحوه.
أحسنت. هنا ذكر المصنف رحمه الله تعالى ما يستثنى من إباحة استعمال الأواني واتخاذها، استثنى أربعة أمور: الأمر الأول: ما صنع من جلد الآدمي أو عظمه. المستثنى الثاني: آنية الذهب الخالص. المستثنى الثالث: آنية الفضة الخالصة. المستثنى الرابع: ما فيه شيء من الذهب أو الفضة.
فهذه يحرم اتخاذها واستعمالها، يعني هي أواني طاهرة ليست نجسة، يعني تدخل في الضابط فيما يباح اتخاذه، لكنها استثنيت، وسيأتينا سبب استثنائها، يحرم اتخاذها أو استعمالها. وزاد بعضهم المغصوب، وزاد بعضهم المغصوب، قال المرداوي رحمه الله في الإنصاف في شرح كلام الموفق: وليس بوارد على المصنف زيادة المغصوب، قال: لأن استعمال المغصوب مباح من حيث الجملة، ولكن عرض له ما أخرجه عن أصله وهو الغصب.
طيب، نرجع إلى هذه المستثنيات: المستثنى الأول: ما صنع من جلد الآدمي أو عظمه، فهذا لا يباح اتخاذه ولا استعماله لا لنجاسته ولكن لحرمة الآدمي. والثاني: آنية الذهب وآنية الفضة وما فيه ذهب أو فضة، سواء كان مضببًا أو مموهًا أو مطليًا أو مطعمًا أو مكفتًا.
التضبيب يقابله عندنا الترقيع، الترقيع باللحام، يؤتى بقطعة حديد أو نحوها فتجعل تضم طرفي الإناء المنكسر. والتمويه قالوا: ليذاب الذهب أو الفضة ويلقى في الإناء النحاسي ونحوه فيكتسب من لونه. والطلاء: أن يجعل الذهب أو الفضة كالورق ويطلى بها الحديد ويلصق بالإناء. والتطعيم قالوا: ليحفر حفر في الإناء ويجعل فيها قطع من الذهب أو الفضة بقدرها. والتكفيت: أن يبرد الإناء من حديد أو نحوه ويصير فيه شبه المجاري، ويوضع فيه شريط دقيق من ذهب أو فضة ويدق عليه حتى يلصق.
وقوله: مضببًا بهما أو بأحدهما غير ما يأتي. غير ما يأتي يعني في قوله في الاستثناء: إلا المضببة اليسيرة لحاجة، وأيضًا ما يأتي في زكاة الأثمان.
طيب، ذكرها الشارح هنا، ذكر الشارح: فإنه يحرم اتخاذها من غير استعمالها واستعمالها. ذكر الأمرين: الاتخاذ والاستعمال، سنتكلم عنها. أما الاتخاذ بدون الاستعمال، يعني شخص قال: أنا أشتري مثلًا إبريق شاي من الذهب، لكن لن أستعمله، سأضعه زينة، سأضعه زينة، فهنا لا يجوز، لا يجوز هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. ونقل الشارح عن أبي عمر عن شيخه الموفق رحمه الله قوله: لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة. وهذا النقل لم أجده في المغني ولا غيره من كتب الموفق، وذكر ابن مفلح في المبدع أن الشارح نقله عن شيخه، فيظهر أيضًا أن ابن مفلح لم يقف عليه بدون واسطة.
طبعًا أما كونه قولًا واحدًا عند الأصحاب، هذا انتقده ابن مفلح في المبدع وقبله ابن مفلح في الفروع، فذكروا أن بعض الأصحاب حكوا وجهًا في جواز الاتخاذ أو الكراهة في الاتخاذ هنا في التحريم، وبعضهم حكاه رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.
طيب، ما الدليل على تحريم الاتخاذ؟ قالوا: أما تحريم الاستعمال فسيأتينا في قوله صلى الله عليه وسلم: «الذي يشرب في آنية الذهب».
والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم إلى آخره ذلك من الحديث. قالوا: طيب، هذا حرم الاستعمال. قالوا: ذكر الموفق ابن قدامة والمجد ابن تيمية رحمهما الله في شرح العمدة، قال: الأصل أن ما حرم استعماله مطلقًا ما حرم استعماله مطلقًا يعني لم يبح في حال من الأحوال، فإنه يحرم اتخاذه على هيئة الاستعمال. قال: مثل آلات الملاهي.
آلات الملاهي لا يجوز استعمالها، طيب يقول واحدنا: بس أنا أشتري آلات ملاهي ولا أحطها في البيت بس لن أستعملها. نقول: لا يجوز، كل ما حرم استعماله مطلقًا حرم اتخاذه.
أما ما أبيح في حال دون حال، يعني مثلًا ثياب الحرير. ثياب الحرير هذه يجوز اتخاذها أو يجوز استعمالها للنساء. يجوز استعمالها في حال الحر أو في حال حكة وجرب ونحوها.
طيب، يجوز استعمالها أيضًا في حالات، فهنا يجوز اتخاذها. فهنا يجوز اتخاذها حتى للرجال، يعني يجوز للرجل أن يشتري ثوب حرير.
لكن لا يلبسه إلا إذا وجد مسوغ للبس. إيه لكن آنية الذهب والفضة هذه ما يجوز استعمالها مطلقًا. لا يجوز استعمالها، إذًا نقول لا يجوز اتخاذها مطلقًا.
وذكر الشهرزوري رحمه الله علة ثانية لتحريم اتخاذها، يقول: ولأن اتخاذها يدعو إلى استعمالها. قد يقول أنا أتخذها فقط هنا، لكن مع الوقت يستعملها.
يقول: يجوز استعمالها غالبًا، فحرم فاقتناء الخمر والخلوة بالأجنبية. يعني إيه لو قال شخص أنا أقتني الخمر ولن أستعمله. هل يجوز؟ لا لا يجوز. أو قال شخص أنا سأخلو بأجنبية لكن لن أعمل معها المحرم. لا يجوز، لأن هذا يكون من باب سد الذريعة.
إيه ذكر الشارح هنا أنه يحرم اتخاذها آنية الذهب والفضة وما فيه شيء منهما لما فيه من السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء وهذا ذكره الموفق بن قدامة رحمه الله في المغني. وابن القيم رحمه الله يقول والصواب أن العلة ما يكسب استعماله ما يكسب ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة.
طيب. هذا الاتخاذ. أما الاستعمال فهذا محرم. بندرسه بعد قليل وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله.
وعليه أكثر الأصحاب وحكي قول بالكراهة لكنه ضعيف جدا كما قاله المرداوي. يستدل على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة بما ورد في الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».
في حديث أم سلمة عند مسلم: «إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليه. وذكر النووي رحمه الله أن استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل مجمع عليه. وذكر أن جميع أنواع الاستعمال غير الأكل والشرب ملحق به بالإجماع.
والمصنف رحمه الله هنا ذكر لاحقا حديث ابن عمر: «من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم». وذكر حديث ابن عمر وإن كان ليس في الصحيحين لما فيه زيادة أو فيه شيء من ذلك لأن هذا يستدل به على تحريم ما فيه شيء من الذهب أو الفضة. والحديث في هذه الزيادة ضعيف فيه يحيى بن محمد الجاري ليس بالقوي لكن أصل الحديث في الصحيحين بدونها.
ويقويه أن تحريم الشيء مطلقا يقتضي تحريم كل جزء منه إلا ما استثني. إذا نهي عن الشيء نهي عن بعضه كما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
الآن الدليل جاء بتحريم استعمالها في الأكل والشرب. والشارح رحمه الله ذكر أنه أيضا في غيرهما يحرم في غيرهما كالغسل والوضوء ونحوه. الفقهاء رحمهم الله تعالى قاسوا ذلك على استعمالها في الأكل والشرب لأنه في معناه. وحكي عليه الإجماع. الموفق بن قدامة رحمه الله ذكر الإجماع على منع استعمالها في الطهارة.
وذكر ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين أن تحريم استعمالها في غير الأكل والشرب هذا أمر لا يشك فيه عالم. أنبه هنا إلى أنه ورد في مختصر الخرقي قوله ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة. والمراد بالكراهة هنا كراهة التحريم كما قاله الموفق في المغني.
والزركشي في شرحه يقول: أراد بالكراهة كراهة التحريم كما هو دأب السلف كثيرا وقد صرح بذلك في غير هذا الموضع حيث قال في كتاب الزكاة: والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص وفيها الزكاة. وذكر ابن المنجى في الممتع أن تقييد بالأكل والشرب هذا خرج مخرج الغالب. يعني في الحديث الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة يقول هذا خرج مخرج الغالب.
وقال الشيء إذا خرج مخرج الغالب لا يتقيد الحكم به. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم عَلَى سَفَرٍ وَلَم تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. فهنا ذكر أن الرهن يكون في السفر. هل نقول لا يصح الرهن في الحضر؟ لا، في قول عامة أهل العلم لم يقل بذلك إلا بعض التابعين.
فالرهن يجوز في السفر والحضر. طيب في الآية؟ نقول الآية خرجت مخرج الغالب لأن الإنسان أحوج ما يكون للرهن في السفر. يقول شيخ الإسلام رحمه الله في تعليل منع استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب وما ألحق بهما قال: لأن ذلك مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلق له، والله لا يحب المسرفين. ومظنة الخيلاء والكبر لما في ذلك من امتهانهما. ومظنة الفخر وكسر قلوب الفقراء، والله لا يحب كل مختال فخور.
وقوله هنا ولو على أنثى لو هنا ليست إشارة حقيقة، رفع توهم. أحسنت، رفع توهم لئلا يتوهم الشخص أن تحريم استعمال الذهب والفضة مقصور على الرجال دون النساء كالتحلي في الجملة. فبين هنا أن تحريم استعمال آنية الذهب والفضة عام للرجال والنساء لعموم الأخبار وعدم المخصص ووجود معنى التحريم في حقيهما. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا متفق عليه.
وبين الشارح رحمه الله وجه التفريق بين الأواني والحلي بأن المرأة تحتاج للتزين لزوجها فأبيح لها التحلي بالذهب. فأدخلها في الأواني فلم يأت مسوغ لتجويزه.
ثم بين الشارح رحمه الله أن المنع من اتخاذ واستعمال الذهب والفضة في الأواني ليس مقصورا على الأواني بل يشمل جميع الآلات فلا تكون من الذهب والفضة. قال: كالمكحلة والمصعط وغيرها لاتحادها مع الآنية في علة التحريم. وقوله والمصعط هنا بضم الميم وبضم العين. ما يجعله في المصعط.
وهذا من النوادر التي جاءت بالضم وإلا فالقياس أن تكون بكسر الميم، لأنها اسم آلة. وقوله والمكحلة هذا أي ميل المكحلة لا يجوز أن يكون من الذهب والفضة لاتحادها مع الآنية في العلة. نعم، أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله: وتصح الطهارة منها أي من الآنية المحرمة. وكذا الطهارة بها وفيها وإليها. وكذا آنية مغصوبة. أحسنت. بين الشارح رحمه الله في هذه الجملة حكم التطهر من الآنية المحرمة. الآنية المحرمة إما لعينها كأن تكون آنية ذهب أو فضة، أو لكسبها كأن تكون آلة مغصوبة. ذكر أنها تصح أي مع الإثم. وهذا إحدى الروايتين للإمام أحمد رحمه الله تعالى وهي المشهورة عند الأصحاب.
لماذا؟ قالوا لأن النهي هنا عاد إلى أمر خارج عن العبادة وشرطها. أن النهي هنا كان على الآنية. الآن هو يتوضأ الآنية هي الوضوء؟ لا، وضوءه بالماء. الماء مباح ما فيه إشكال، لكن الآنية التي تحمله هي المحرمة. فهي وسيلة لحفظ الماء، لكنه هو سيتوضأ بالماء.
فلذلك لما لم تكن الآنية متوضأ بها وليست شرطا أيضا في الوضوء. فيمكن أن يتوضأ بماء البحر بدون إناء. فقالوا لما لم تكن هي ذات العبادة وليست شرطا فيها إذن صحت العبادة مع الإثم. وذكرنا لكم القاعدة لابن رجب رحمه الله في النهي إذا عاد فالنهي يقتضي الفساد أو لا يقتضي الفساد على التقسيمات الأربعة التي ذكرها ابن رجب رحمه الله.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن القول بصحة الطهارة منها هو قول أكثر الأصحاب. وشيخ الإسلام طبعا يختار القول الثاني بمنع التطهر منها، أقصد بعدم صحة التطهر منها. وقوله هنا الطهارة منها، طهارة منها يعني يغترف منها. وبها، يعني يغترف بها يعني مثلا يكون معه وعاء ككأس مثلا من الذهب يغترف به من الماء، فهذا المقصود به.
وفيها، طهارة فيها يعني يكون نعم الإناء كبير يسع ثلاثين فأكثر وينغمس فيه ويتوضأ داخله. وإليها يعني يجعلها مصبا لما ينفصل من الأعضاء. نعم، أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله: إلا ضبة يسيرة عرفا لا كثيرة، من فضة لا ذهب لحاجة وهي تتعلق بغرض من غير الزينة. فلا بأس بها لما روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة.
وعلم منه أن المضبب بذهب حرام مطلقا. وكذا المضبب بفضة لغير حاجة أو بضبة كبيرة عرفا ولو لحاجة، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» رواه الدارقطني.
وتكره مباشرتها أي الضبة المباحة لغير حاجة لأن في ذلك استعمالا للفضة. فإن احتاج إلى مباشرتها كتدفق الماء أو نحو ذلك لم يكره.
هنا استثنى رحمه الله مما يستثنى من استعمال ما فيه شيء من الذهب والفضة ذكر أنه يستثنى المضبب بالفضة. ذكر أنه إذا توفرت فيه أربعة قيود فإنه يستثنى. عندنا الأصل التحريم، الأصل في الأواني الطاهرة مباحة. طيب، استثنينا الأربعة أشياء: من عظم الآدمي وجلده، ومن الذهب أو الفضة أو ما فيه شيء منهما. الذهب والفضة وما فيه شيء منهما نقول ما فيه شيء منهما ما فيه استثناء، تعود إذن إلى الإباحة.
ما الذي يستثنى مما فيه شيء منهما؟ يقول ما فيه أربعة قيود: أن تكون الضبة التي قلناها لكم من باب التحريم. الضبة لإخراج إذن غير الضبة؛ التمويه والتطعيم والتكفيت إلى آخره هذه تخرج، لا بد أن يكون تضبيبا.
وأن تكون يسيرة، لإخراج الكثيرة فلا تباح. الكثيرة لو كانت الضبة كبيرة هنا لا تباح بحال لما فيها من السرف والخيلاء، أشبهت الآنية الخالصة من الذهب والفضة.
الثالث أن تكون من الفضة، لإخراج ما كان من الذهب. لو كانت الضبة من الذهب نقول لا تجوز. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ومن مضبب بالذهب هذا داخل في النهي، سواء كان قليلاً أو كثيراً، والخلاف المذكور في الفضة منتفٍ هنا. لكن في يسير الذهب في الآنية وجه للرخصة فيه، أن يقول بعض الفقهاء يجوز اليسير من الذهب في الآنية سواء كان تضبيباً أو غيره.
الرابع أن تكون بحاجة، بحاجة يعني غير الزينة، يخرج به ما أريد به الزينة. والحاجة كما قال المصنف هنا ما يتعلق به غرض غير الزينة. يقول موفق ابن قدامة رحمه الله: ومعنى الحاجة أن تدعو الحاجة إلى ما فعل به وإن كان غيره يقوم مقامه. يعني يقصد أن يكون مثلا إناء يحتاج إلى تلحيم، هذه الحاجة يحتاج إلى تلحيم.
لا، ليس المراد أنه لا ينفع بالتلحيم معه إلا الفضة، فهنا يقول شيخ الإسلام أن هذا يكون ضرورة وليس بحاجة. لكن المقصود أنه يحتاج إلى تلحيم، سواء لحمه بحديد أو بنحاس أو بفضة فهنا يجوز التلحيم بالفضة، هذا قصده بذلك.
إذن يقول شيخ الإسلام رحمه الله: والمراد بالفقهاء بالحاجة هنا إلى تلك الصورة، كما يحتاج إلى التشعيب والشعيب، سواء كان من فضة أو نحاس أو حديد أو غيره، وليس مرادهم أن يحتاج إلى كونه من فضة. إذا احتاج لما لا ينفع فيها إلا الفضة هنا يقول هذا ضرورة وليس حاجة. والضرورة يقول تبيح الذهب والفضة مفرداً وتبعاً.
والدليل على هذه القيود ما ذكره المصنف هنا من حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. ولأن الحاجة تدعو إليه وليس فيه سرف ولا خيلاء أشبه الآنية من النحاس. والتضبيب اليسير من الفضة يباح إجماعاً كما قاله شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة.
وأيضاً المرداوي رحمه الله ذكر أن استعمال المضبب بالفضة إذا اجتمعت هذه القيود مجمع عليه كما قاله في الإنصاف. وإذا اجتمعت هذه القيود فيباح استعمال المضبب على الصحيح من الفضة من المذهب بغير كراهة. إيه، يعني إذا احتاج الإناء إلى تضبيب فهنا يقول الآن في الخيار؛ يضببه بحديد بنحاس بفضة، لا، هنا الذهب لا يدخل، يعني يدخل الفضة.
وقوله اتخذ مكان الشعب، الشعب هو الصدع، وكأنه سد الشقوق بخيوط من فضة فصارت مثل السلسلة. ذكر القرطبي في مختصر البخاري أنه رأى في بعض النسخ القديمة من صحيح البخاري قال أبو عبد الله البخاري: رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت فيه، وكان اشتري من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف. حسب القسم مئة درهم، لا، بثمانمائة ألف كما جاء ذلك في الفتح، في فتح الباري.
ذكر الشارح رحمه الله أنه إذا أبيح استعمال المضبب بالفضة للحاجة، فيكره مباشرة الضبة المباحة لغير حاجة، لأن فيه استعمال الفضة بلا حاجة. جزم به الموفق في المغني، وهو المذهب كما قاله المرداوي، ولا تحرم مباشرة إباحة الاتخاذ. فإذا احتاج إلى مباشرتها كما لو كان الإناء يتدفق أو شرب من الجهة الأخرى أبيح له مباشرتها من غير كراهة؛ لأن الحاجة تبيح المباح. لو كان مثل الإبريق عندنا، الإبريق له فتحة يتدفق منها الماء، فلو كانت الضبة من هذه الجهة، فلو شرب من الجهة الأخرى ربما يتدفق الماء من فتحة الإبريق، فقالوا: ما في إشكال هنا، يشرب من فتحة الإبريق.
وتباح آنية الكفار إن لم تعلم نجاستها ولو لم تحل ذبائحهم كالمجوسي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة. وتباح ثيابهم، أي ثياب الكفار ولو وليت عوراتهم كالسراويل إن جهل حالها ولم تعلم نجاستها؛ لأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك، وكذا ما صبغوه أو نسجوه. وآنية من يلابس النجاسة كثيراً كمدمني الخمر وثيابهم وبدن الكافر طاهر، وكذا طعمه وماؤه. لكن تكره الصلاة في ثياب المبتدع والحائض والصبي ونحوهم.
ذكر الشارح رحمه الله في هذه الجملة حكم استعمال آنية الكفار وثيابهم، وذكر حكم آنيتهم وأطعمتهم ومياههم مستطرداً إلى حكم آنية وملابس من يلابس النجاسة كثيراً، فذكر أن آنية الكفار مباحة، وهذا هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب، واستدل على ذلك في وضوئه صلى الله عليه وسلم من مزادة مشركة. وهذا الحديث عزاه إلى البخاري ومسلم، والحقيقة أنه لا وجود لهذا الحديث في الصحيحين ولا في غيرهما بهذا اللفظ المشهور، ولكنه يؤخذ من مفهوم قصة طويلة وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم في أحد أسفاره لما نام عن صلاة الفجر، وقد رواه الشيخان من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب وآخر معه ليطلبوا الماء لقلة ما مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الماء، وفيه أن عليًا ومن معه أتيا بامرأة مشركة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان معها مزادتان، يعني راويتين، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء فأفرغ فيه من أفواه المزادتين، وأطلق العزلاء، يعني مصب الماء من الراوية، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فاستقى من شاء.
وكان آخر ذلك أن أعطى الرجل الذي أصابته جنابة إناءً من ماء، قال: اذهب فأفرغه عليه. إلى آخر الحديث. فهذا السياق ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة المشركة، لكن جاء في رواية البيهقي: فملأ به ماءً، وأعاده في أفواه المزادتين، فهذا يدل على استعماله صلى الله عليه وسلم لمزادة المشركة مجرد الاستعمال بدون الوضوء، لكن استعماله يدل على طهارة آنية الكفار. أما الوضوء فلعل الفقهاء رحمهم الله تعالى يستدلون عليه بأن الصحابة ملأوا قربهم وأدواتهم، ومن ضمن استعمالاتهم للماء الوضوء به، وكذلك إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم لمن أصابته جنابة من الماء ليغتسل بها لا يدل على طهارتها، فلذلك نجد كثيراً من الفقهاء يتناقلون هذا الحديث بهذا اللفظ، وهذا كما قلنا إنما هو استدلال بمفهوم الحديث، وأيضاً نوجده في الكتب المشهورة، ممن ذكره ابن حجر في البلوغ، والمجد ابن تيمية في المنتقى، وابن عبد الهادي في المحرر، كلهم يذكرونه بهذا اللفظ ويعزونه إلى الصحيحين.
ويستدل على إباحتها كذلك لأن الأصل الطهارة، فلا ينتقل عنها إلا بيقين، ولذلك نص الشارح على أنها تباح وإن لم تعلم نجاستها، وإباحتها عامة لأهل الكتاب وغيرهم، ولذلك قال: ولو لم تحل ذبائحهم كالمجوس. فقوله ولو هنا إشارة خلاف، وهو خلاف داخل المذهب وخلاف عام أيضاً، أما أهل الكتاب فلا يحرم استعمال أوانيهم برواية واحدة في المذهب كما نقله الموفق عن ابن عقيل رحمه الله تعالى، منهم من قال تباح بدون كراهة ومنهم من قال تباح مع الكراهة، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5]. وأما غير أهل الكتاب كالمجوس وغيرهم، فحكم استعمال أوانيهم حكم استعمال أهل الكتاب على أحد الوجهين في المذهب، وهو المشهور بحديث عمران بن حصين السابق، ولأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك.
ثم انتقل المصنف رحمه الله إلى بيان حكم ثيابهم، فذكر أن الأصل فيها الطهارة والإباحة، قال: ولو وليت عوراتهم، فلا ينتقل عنها إلا بيقين النجاسة، ولذلك قال: إن جهل حالها ولم تعلم نجاستها، وقوله ولو وليت عوراتهم إشارة خلاف، فهذا أحد الوجهين في المذهب وهو المشهور عند الأصحاب، والوجه الآخر أن الإباحة مقصورة على ثيابهم التي لا يستعملونها، أو أنها تباشر ما على جسدهم كالعمامة ونحوها. ما سبب الخلاف؟ سبب الخلاف كلمة للإمام أحمد رحمه الله في ثيابهم قال: أحب إليّ أن يعيد أي من صلى فيه. فاختلف الأصحاب في مدلول كلامه، منهم من قال إن هذا على الاحتياط، ومنهم من قال هذا على الإيجاب، إن علمت نجاستها فهنا لابد من غسلها، كذلك لو علمت نجاسة الآنية.
ثم انتقل المصنف رحمه الله إلى بيان حكم ما نسجوه أو صبغوه، فهذا مباح بلا خلاف كما ذكره الموفق ابن قدامة في المغني، ويستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما كان لبسهم من نسج الكفار. ابن مفلح في المبدع ذكر أن الخلاف في أواني الكفار وثيابهم هذا متجه لما كان قبل الغسل وعدم تحقق النجاسة، يقول: إذا لم تغسل ولم تتحقق نجاستها تؤثر في هذين القيدين، فهذا فيه الخلاف، منهم بعض الفقهاء قال تحرم، وبعضهم قال تكره. أما بعد غسلها إذا غسلتها الكفار أو غسلت ثيابهم فلا خلاف في طهارتها وجواز استعمالها، وكذا بعد تحقق نجاستها فهنا لا خلاف لأنه لا يجوز استعمالها حتى تغسل. ثم بين الشارح رحمه الله أن هذا الحكم ليس خاصاً بالكفار، بل يعدى إلى كل من لابس النجاسة كثيراً كمدمن الخمر، وكذا الحائض، والمرضع، والجزار، والدباغ، فهؤلاء كلهم أوانيهم طاهرة ما لم تعلم نجاستها.
ثم بين الشارح رحمه الله أن بدن الكافر طاهر، بدليل أنه لا يجب بجماع الكتابية غير ما يجب بجماع المسلمة، ولو حرمت رطوباتهم لاستفاض نقلها، وبين أن طعامه وماءه طاهر لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5]. ثم بين أن ثياب من يلابس النجاسة كثيراً وإن كانت طاهرة، لكن تكره الصلاة بها احتياطاً للعبادة، وتجوز الصلاة في ثياب الصبيان كما ذكر الموفق ابن قدامة إن لم تستيقن نجاستها لحديث أبي قتادة في حمل النبي صلى الله عليه وسلم لأمامة بنت أبي العاص بن الربيع وهو يصلي، لكن تكره الصلاة فيما فيه احتمال غلبة النجاسة له. والحافظ ابن رجب رحمه الله ذكر الخلاف في المذهب في حكم استعمال أواني الكفار وثيابهم تحت قاعدة تعارض الأصل والظاهر التي ذكرناها قبل قليل، وذكر فيه الروايات الواردة عن الإمام أحمد رحمه الله.
قال رحمه الله: ولا يطهر جلد ميتة بدباغ. روي عن عمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين رضي الله عنهم، وكذا لا يطهر جلد غير مأكول بذكاة كذئبه. هنا انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى مسألة طهارة جلد الميتة، ومناسبتها هنا لهذا الباب لأن بعض الأواني تصنع من جلود الحيوانات، إما أن تكون ميتة أو تكون مذكاة. عندنا الطهارة من عدمها، وعندنا جواز استعمالها من عدمه. ذكر هنا أنها لا تطهر بالدباغ، لكن يباح استعمالها بقيود سيذكرها بعد قليل.
الحيوان الميت لا يخلو من أن يكون إما مات حتف أنفه بدون ذكاة شرعية، أو مات بذكاة شرعية. إذا مات حتف أنفه فهذا يعتبر ميتة وجلده بلا خلاف، كما ذكر الموفق في المغني، طبعاً الجلد بلا خلاف، أما هل يطهر بالدباغ أو لا؟ هذه مسألتنا. إذا مات بالذكاة، يعني شخص ذبح حيواناً، نقول هل هذا مما تحله الذكاة؟ يعني مما يباح أكله مثل الغنم، البقر، الإبل، إذا كان مما تحله الذكاة، خلاص، جلده طاهر سواء دبغ أو لم يدبغ، لأنه مأكول فصار طاهراً. أما إذا كان مما لا يباح أكله، شخص ذبح كلباً أو سبعاً، هنا جلده لا يطهر بالذكاة، هل يباح استعماله بعد الذبح أو لا؟ هذا فيه تفصيل سيتكلم عنه المؤلف.
القول بأن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ هذا هو المذهب، وهو من مفردات الحنابلة، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية الجماعة وعليه جماهير الأصحاب، والدليل على أن جلد الميتة لا يطهر بالذكاة أن هذا هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء في حديث عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى جهينة: «إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب». أخرجه الخمسة وأعل بالاضطراب في سنده ومتنه، حيث جاء في بعض الروايات قبل موته بشهر وبعضها بثلاثة أيام وبعضها بشهرين وبعضها بأربعين يوماً، الإمام أحمد رحمه الله جود إسناد هذا الحديث. وأيضاً يقولون أحاديث الدباغ معلولة لا يصح منها شيء، وهذا ذكره الإمام أحمد رحمه الله في بعض الروايات عنه، ومما يدل على ذلك أن ممن رواها الزهري، والزهري كان يجوز استعمال جلود الميتة بدون دباغ، قالوا وهذا مما تعل به الرواية عنه.
يقول الموفق رحمه الله وهذا حديث عبد الله بن عكيم ناسخ لما قبله لأنه في آخر عمره صلى الله عليه وسلم ولفظه دال على سبق الترخيص وأنه متأخر عنه بقوله: «كنت رخصت لكم»، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً هذا هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون أيضاً هذا مروياً عن بعض الصحابة كما ذكره الشارح هنا كعمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين رضي الله تعالى عنه. وهناك قول آخر في المذهب وهو طهارته بالدباغ، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله فيما كان طاهراً حال الحياة، ونقل عن الإمام أحمد جماعة، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن هذه آخر الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله.
استدلالاً بما نقله الترمذي في جامعه عن أحمد بن الحسن الترمذي، يقول أحمد بن الحسن: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث، إلى حديث عبد الله بن عكيم، لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: هذا آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ له من جهينة. وهذا القول بطهارة جلد الميتة بالدباغ هذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، إلا خلاف بينهم في تحديد الحيوانات التي تطهر بالدباغ، واختار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وغيره ذلك. وفي حاشية ابن قاسم هنا عزى القول بطهارة جلد الميتة بالدباغ للموفق ابن قدامة والشارح ابن أبي عمر، والحقيقة أن الموفق والشارح لم يصرحا بترجيحه ولم ينسبه لهما المرداوي في أصل المسألة، لكن المرداوي لما ذكر الروايتين فرع على الرواية الثانية التي هي طهارته بالدباغ، فقال: إذا قلنا يطهر جلد الميتة بالدباغ، فهل ذلك مخصوص بما كان مأكولاً حال الحياة؟
أو يشمل جميع ما كان طاهرًا حال الحياة؟ ذكر الأصحاب وجهين، وذكر أن القول بأنه مقصور على ما كان طاهرًا حال الحياة هذا هو الصحيح واختاره المصنف والشارح. هل يقصد اختاره المصنف والشارح أنهما رجحا هذا القول؟ هذا الذي فهمه ابن قاسم رحمه الله. والذي يظهر لي والله أعلم أن الموفق والشارح لم يختارا هذا القول، وإنما لما ذكرا الرواية الثانية أن الإمام أحمد عنه رواية بطهارة جلد الميتة بالدباغ. هل يقصد الإمام أحمد الميتة ما حل أكله فقط أو كل ما كان طاهرًا حال الحياة ولا يحل أكله؟ يعني مثل الهر؛ الهر الآن طاهر حال الحياة لكنه لا يحل أكله. فهل يقصد الإمام أحمد ما كان مباحًا أكله أو حتى ما كان طاهرًا حال الحياة؟ يقولون إن ظاهر كلام الإمام أحمد أنه يعيد هذا الحكم إلى ما كان طاهرًا حال الحياة، فقالوا هذا ظاهر كلام الإمام أحمد. فلعل ابن قاسم رحمه الله فهم أنهما بذلك يرجحان هذه الرواية، وهما إنما يريدان توضيح مقصود الإمام أحمد رحمه الله في الرواية لا ترجيح لهذا القول.
يستدل أصحاب هذا القول بالأحاديث الواردة في طهارة جلد الميتة بالدباغ، كحديث «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه» في صحيح مسلم، وحديث «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» أيضًا في صحيح مسلم، ولم يقولوا بعمومه في جميع الميتات. يقول الموفق رحمه الله: ولأن قوله عليه السلام «أيما إهاب دبغ فقد طهر» يتناول المأكول وغيره، وخرج منه ما كان نجسًا في الحياة؛ لأن الدباغ إنما يؤثر في نجاسة حال الميتة بعد الموت، فيبقى فيما عداه على قضية العموم. وأجابوا عن حديث ابن عكيم بأنه ضعيف، وعلى فرض صحته فقالوا إن الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ كما قرره بعض علماء اللغة، فالحديث فيه النهي عن استعمال الجلد غير المدبوغ. والحقيقة أن الكلام في هذه المسألة يطول جدًا، الأصحاب رحمهم الله تعالى أجابوا عن هذه الأحاديث والجمهور أجابوا عن حديث الأصحاب والكلام فيه يطول. الأصحاب لماذا لم يأخذوا بالرواية الثانية عن الإمام أحمد ما دام أنها هي المتأخرة؟ السؤال لكم، استحضروا الجواب إن شاء الله في الدرس القادم.
قوله: وكذا لا يطهر جلد غير مأكول بذكاة كلحمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن افتراش جلود السباع وركوب النمور، وهو عام في المذكى وغيره، ولأن ذبحها لا يبيح اللحم، فلم يطهر الجلد كذلك النجس. يعني يقول لو ذبح ذئبًا ما يبيح اللحم، إذًا لا يطهر جلده بتذكيته.
يباح استعماله، أي استعمال الجلد بعد الدباغ بطاهر منشف للخبث. قال في الرعاية: ولا بد فيه من زوال الرائحة الخبيثة. وجعلوا المصران والكرشة وترًا دباغًا، ولا يحصل بتشميس ولا بتتريد، ولا يفتقر إلى فعل آدمي؛ فلو وقع في مدبغة فدبغ جاز استعماله ليابس لا مائع، ولو وسع قلتين من الماء. إذا كان الجلد من حيوان طاهر في الحياة مأكولًا كان كالشاة أو لا كالهرة. وأما جلود السباع كالذئب ونحوه مما خلقه أكبر من الهر ولا يؤكل فلا يباح دبغه، لا استعماله قبل الدباغ ولا بعده، ولا يصح بيعه، ولا يباع.
يتكلم المصنف رحمه الله تعالى في هذه الجملة عن حكم استعمال جلد الميتة، فذكر أن جلد الميتة وإن قلنا بنجاسته لكن يباح استعماله بقيود ثلاثة: الأول أن يكون بعد الدباغ، وثانيًا أن يستعمل في اليابسات، وثالثًا أن يكون من طاهر حال الحياة. إذًا الشرط الأول أن يكون بعد الدباغ لكونه نجسًا بالإجماع قبل الدباغ، كما قاله الموفق في المغني، وذكر الشارح ابن أبي عمر أنه لا يعلم خلافًا في عدم جواز بيعه قبل الدباغ. ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة أنه لا ينتفع به قبل الدباغ قولًا واحدًا. القيد الثاني أن يستعمل في اليابسات لا الرطبات، قال كثير من الأصحاب رواية واحدة، يعني أنه يستعمله في الأشياء اليابسة، يعني يجمع فيه مثلًا حبوبًا أو فاكهة ونحو ذلك، لكن لا يجعل فيه مثلًا مائعات كماء أو زيت ونحوه. الثالث أن يكون الحيوان طاهرًا حال الحياة مثل الهر ونحوه، فإذا كان نجسًا كالكلب فلا يجوز استعمال جلده ولو دبغ.
إذا اجتمعت هذه القيود جاز استعماله والانتفاع به مع نجاسته على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو المذهب، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخذتم إهابها فانتفعوا به» متفق عليه، وفي رواية زيادة: «فدبغوه»، «أخذتم إهابها فدبغوه فانتفعوا به»، فيحمل المطلق على المقيد كما قاله ابن المنجى في الممتع. ولأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم مع أن ذبائحهم ميتة، ولأنه انتفاع من غير ضرر أشبه الاصطياد بالكلب وركوب البغل والحمار. وعلى القول بإباحته، فظاهر المذهب أنه يكره استعمال النجاسات في الجملة كما ذكره الحجاوي في الإقناع وذكره المفلح في الفروع. قال الخلوتي في حاشيته على الإقناع: ليس على إطلاقه، يعني استعمال النجاسات هل هو مكروه مطلقًا؟ أقول ليس على إطلاقه بدليل إباحة صيد الكلب وركوب البغل والحمار واستعمال جلد مدبوغ في يابس.
قوله هنا ولا بد من زوال الرائحة الخبيثة: ضابطها أن يطيب به ريح الجلد بحيث لو وقع في الماء بعده لم يعد إليه الفساد، ويفتقر ما يدبغ به لأن يكون منشفًا للرطوبة منقيًا للخبث. والمقصود بالدبغ آلة تنظف الجلد من الرائحة الخبيثة وأثر النجاسة. وقوله وجعل المصران والكرش وترًا لدباغ، يعني مما يحصل به الدبغ أن تجعل المصران والكرش وترًا، يعني كوثر القوس، فهذا يكون دباغًا لها لأن هذا هو المعتاد فيها. قوله ولا يحصل بتشميس ولا بتتريد: يعني لا يحصل الدبغ بتشميس ولا بتتريد، التشميس يعني جعلها في الشمس، والتتريد بجعل التراب عليها؛ لأن هذا لا يكون دباغًا لقوله صلى الله عليه وسلم «هلا أخذتم هذا فدبغتموه» واشترط وجود الفعل منه.
قوله ولا يفتقر إلى فعل آدمي: لأن إزالة النجاسة من التروك فلا تفتقر إلى نية، فلو وقع في ماء دباغة فاندبغ جاز استعماله؛ لأنه إزالة نجاسة فلا يشترط فيه النية أشبه المطر ينزل على الأرض النجسة. قوله جاز استعماله في يابس لا مائع ولو وسع قلتين من الماء: يعني لا يباح استعمال جلد الميتة المدبوغ في المائعات ولو وسع ماءً كثيرًا. قوله أما جلود السباع كالذئب ونحوه فلا يباح دبغه ولا استعماله قبل الدبغ ولا بعده، ولا استعماله بعد الدبغ ممتنع برواية واحدة؛ لأن الدباغ إنما يزيل النجاسة الحادثة بالموت. يعني جسم طاهر حال الحياة ثم مات حتف أنفه يعني ليس بمذكاة، فهنا الدباغ يطهر نجاسة حدثت بالموت، لكن شيء من الأصل فهذا لا يطهره الدباغ.
وقد جاءت عدة أحاديث تنهى عن جلود السباع منها حديث معاوية والمقداد بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها، رواه أبو داود. قال الشارح: فجمعنا بين هذه الأحاديث وبين الأحاديث الدالة على طهارة جلود الميتة بحملها على ما كان طاهرًا حال الحياة. الحديث الدال على طهارة جلود الميتة المدبوغة لها فقط أو غيرها هذا تحمل على ما كان طاهرًا حال الحياة، ونحمل أحاديث النهي عن جلود السباع وركوب جلود السباع وغيرها هذا على ما لم يكن طاهرًا؛ لأنه متى أمكن الجمع بين الأحاديث ولو من وجه كان أولى من التعارض بينها. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: وهذه الأحاديث نصوص فيها أنها لا تباح بذكاة ولا دباغ. وقوله ولا يصح بيعه: يعني لا يصح بيع الجلد قبل الدباغ، قال الشارح: لا نعلم فيه خلافًا، وكذا بعد الدباغ إذا لم نقل بطهارته بالدباغ، وذلك بكونه جزءًا من ميتة فلا يكون قابلًا للعوض عملًا بالنصوص الدالة على تحريم ثمنه وبيعه، هكذا قالوا في الكشاف. والذي يظهر من كلام الموفق رحمه الله في المغني أنه يجوز بيع الجلد ولو لم نقل بطهارته إذا كان مما يطهر بالدباغ نجاسته. والله تعالى أعلم. نسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان