دخولتسجيل الدخول

كتاب الطهارة 17 | الدرس الخامس عشر

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو اللقاء الخامس عشر من لقاء التعليق على الروض المربع، أسأل الله أن يجعله لقاء مباركا وينتفع به القائل والمستمع.

كنا في الدرس الماضي بدأنا بباب الغسل، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى موجبات الغسل، وعددها كم؟ ستة. طيب، منها: خروج المني، وأيضا والجماع، الحيض، والنفاس، إسلام الكافر، نعم، والموت أحسنت.

طيب، أيضا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يجب على المحدث، نعم ما يمتنع على المحدث فعله، المحدث حدثا أكبر، وأنه يمتنع عليه فعله كم؟ خمسة، كم شيء؟ خمسة أشياء، وهي: الصلاة، قراءة القرآن، الطواف، والمكث في المسجد، مس المصحف.

طيب، ثم تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الصفة المستحبة للغسل، وأنهيناها، ووقفنا على الصفة الواجبة، وهي ما تكلم وما عبر عنه بقوله: الغسل المجزئ، نعم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وموالاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسا معين. قال المصنف رحمه الله تعالى: والغسل المجزئ أي الكافي أن ينوي كما تقدم، ويسمي فيقول بسم الله، ويعم بدنه بالغسل مرة، أي يغسل ظاهر جميع بدنه وما في حكمه من غير ضرر كالفم والأنف والبشرة التي تحت الشعور ولو كثيفة، وباطن الشعر وظاهره مع ما استرسل مع مسترسله، وما تحت حشفة أقلف إن أمكن شمرها.

أحسنت، هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الصفة المجزئة للغسل، وذكر أن الصفة المجزئة للغسل فقط فيها ثلاثة أشياء. قلنا الصفة الواجبة نعم، الصفة المستحبة اشتملت على عشرة أشياء تقدم ذكرها. المجزئة، يعني ما الذي يجزئ من الغسل؟ ما الذي إذا أتيت به خلاص اكتمل وضوؤك؟ ثلاثة أشياء: النية، ينوي رفع الحدث أو الاستباحة، استباحة ما يمتنع على المحدث كما تقدم في الغسل المستحب؛ والتسمية، أيضا يقول بسم الله، وحكمها كما تقدم في الوضوء تفصيلا؛ والأمر الثالث، تعميم البدن بالغسل مرة أو بالغسل مرة واحدة.

فإذا أتى بهذه الأمور الثلاثة صح غسله بلا نزاع، قال ابن عبد البر رحمه الله: فإن لم يتوضأ المغتسل للجنابة قبل الغسل، لكنه عم جسده ورأسه ويديه وجميع بدنه بالغسل بالماء وأسبغ ذلك، فقد أدى ما عليه إذا قصد الغسل ونواه، إلى أن قال: وهذا إجماع من العلماء لا خلاف بينهم فيه والحمد لله، إلا أنهم مجمعون أيضا على استحباب الوضوء قبل الغسل للجنب تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه الأسوة الحسنة.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يشمله تعميم البدن بالغسل، يعني أشياء لكي يتنبه لها المغتسل ويعمها بغسله، فذكر أنه يغسل ظاهر بدنه وما في حكمه، يعني ما في حكم الظاهر، يغسل ما في بطن، نعم، يغسل ظاهر بدنه وما في حكمه كالفم والأنف، كالفم والأنف، يعني يقصد المضمضة والاستنشاق فهي واجبة في الغسل. قال: ولا من غير ضرر، من غير ضرر مثل داخل العينين فهذا لا يجب غسله للضرر.

أيضا يغسل البشرة التي تحت الشعور ولو كانت الشعور كثيفة، لعموم النصوص، لعموم النصوص، ومنها حديث أسماء الذي ذكرناه في الدرس الماضي وفيه: ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها. قال في الإنصاف: وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب، يعني غسل البشرة وما تحتها وما تحت الشعر.

أيضا يغسل باطن الشعر وظاهره ومسترسله. يغسل باطن الشعر، يعني عندنا في الوضوء تذكرون قلنا في الوضوء في الشعور، شعر اللحية والحاجبين ونحوهما، ماذا يغسل؟ ظاهر الشعر، هذا الواجب ويستحب تخليل اللحية، نعم. أما في الغسل لا يجب غسل ظاهره وباطنه ومسترسله، كالوضوء يغسل ظاهر مسترسله، ووجوب غسل ذلك هو أحد الوجهين في المذهب، وظاهر قول الأصحاب كما قاله الموفق، ويدل عليه ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر»، وهذا عند أبي داود وفيه ضعف. قالوا: ولأنه شعر نابت في محل الغسل، فوجب غسله كشعر الحاجبين وأهداب العينين، كشعر الحاجبين وأهداب العينين. شخص مشعر يعني، التشبيه هنا كشعر الحاجبين وأهداب العينين، يقصدون ماذا؟ غسل الوجه، في إيش؟ يعمها بالماء. إيه، متى؟ في الوضوء، في الوضوء، والآن يقيس الغسل على الوضوء يقول: الشعر إذا نبت في محل يجب غسله فإنه يجب غسل الشعر أيضا، مثل شعر الحاجبين وأهداب العينين، هذه نبتت في محل الغسل اللي هو في محل الوضوء فوجب غسلها مع الوضوء.

أيضا قال: وما تحت حشفة أقلف إن أمكن شمرها. الأقلف الذي لم يختتن، إذا أمكن شمر القلفة بمعنى رفعها قليلا ليوصل ما تحتها فإنه يغسل ذلك، لأن ذلك في حكم الظاهر. نعم.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وما تحت، ويرتفع حدث قبل زوال حكم خبث.

أحسنت، هنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في هذه الجملة أنه لا ارتباط بين ارتفاع الحدث وزوال الخبث، فلا يتوقف ارتفاع الحدث على زوال الخبث، وذلك في الحدثين كليهما على الصحيح من المذهب. فمثلا في الوضوء لو أن شخصا توضأ وكان على ساقه نجاسة، فهل يرتفع حدثه؟ يرتفع الحدث، نعم يرتفع حدثه بذلك ولو لم يزل النجاسة التي كانت على بدنه إلا بعد الوضوء. مثلا توضأ، مثلا أراد أن يذهب لصلاة الظهر، توضأ قبل الظهر مثلا قبل الظهر بساعة، لما أراد أن يذهب لصلاة الظهر غسل النجاسة التي على ساقه، فنقول هنا ارتفع حدثه بذلك، ارتفع حدثه بالوضوء الأول ولا نقول يلزمه إعادة الوضوء من جديد.

وكذلك لو كانت النجاسة موجودة على بدنه موجودة على ساقه مثلا، فكان عليه غسل فاغتسل، اغتسل الغسل الواجب الذي هو تعميم الجسد بالماء مرة واحدة، طيب اغتسل وزالت عين النجاسة التي على ساقه، لكن كما سيأتينا في باب إزالة النجاسة أنه أن الأصحاب رحمهم الله تعالى يشترطون كم غسلة لإزالة النجاسة على غير الأرض؟ ثلاث غسلات. لا، سبع غسلات. سبع غسلات.

فإذا عم بدنه بالغسل مرة واحدة فإنه هنا ارتفع حدثه، لكن الخبث الذي هو على ساقه لم يرتفع حتى الآن. فيقولون الآن ارتفع حدثه، لكن الخبث لابد أن، اللي هو على ساقه، لابد أن يغسله، يتم غسله سبعا. يتم غسله سبعا، فلا ارتباط بينهما. وهذا كما قلنا على أحد القولين في المذهب وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، نعم.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويستحب سدر في غسل كافر أسلم، وحائض. وأخذها مسكا تجعله في قطنة أو نحوها وتجعلها في فرجها، فإن لم تجد فطيبا، فإن لم تجد فطين.

أحسنت، ذكر المؤلف رحمه الله في هذه الجملة أنه يستحب إضافة السدر للماء في غسلين: في غسل الكافر إذا أسلم، لحديث قيس بن عاصم الذي مر معنا في الدرس الماضي، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يغتسل بماء وسدر؛ وأيضا في غسل الحائض، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وأسماء بذلك كما عند مسلم، أن تغتسل بماء وسدر.

ويستحب للحيض هنا ذكره استطرادا، في الحائض يستحب لها أن تستعمل المسك، تستعمل المسك في غسلها من الحيض، تجعله في قطنة ونحوها، تجعله في فرجها، لأمره صلى الله عليه وسلم لأسماء أن تأخذ فرصة ممسكة تتطهر بها، وقالت عائشة لما قالت تلك المرأة: كيف أتطهر بها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله! تطهرين بها». فقالت عائشة وكأنها تخفي ذلك: تتبعين أثر الدم. والحكمة منه: تطيب المحل. وقيل إن الحكمة أنه أسرع إلى علوق الولد. وهو متفق على استحبابه.

فإن لم تجد مسكا فأي طيب تستعمله، وذلك لغير المحرمة، لأن المحرمة ممنوعة من استعمال الطيب. فإن لم تجد طيبا فإنها تضع طينا ليقطع الرائحة. فإن تعذر الطين ما عنده لا طيب، فإن الماء كاف لدفع الكراهة ولحصول الطهارة به، نعم.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويتوضأ بمد استحبابا. والمد رطل وثلث عراقي، ورطل وأوقيتان وسبعا أوقية مصري، وثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية دمشقية، وأوقيتان وأربعة أسباع أوقية قدسية. ويغتسل بصاع، وهو أربعة أمداد. وإن زاد جاز، لكن يكره الإسراف ولو على نهر جار. ويحرم أن يغتسل عريانا بين الناس، وكره خاليا في الماء. فإن أسبغ بأقل مما ذكر في الوضوء أو الغسل أجزأ، والإسباغ تعميم العضو بالماء بحيث يجري عليه، بحيث يجري عليه ولا يكون مسحا.

أحسنت، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة مقدار ما يستحب استعماله في الغسل والوضوء، وأنه يستحب الوضوء بمد، وهو ملء الكفين المعتدلتين؛ والاغتسال بالصاع، وهو أربعة أمداد، لفعله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد.

وذكر الموفق رحمه الله تعالى أنه ليس في حصول الإجزاء بالمد في الوضوء والصاع في الغسل خلاف يعلمه. هذا هو المقدار المستحب، إن زاد على ذلك، إن زاد على ذلك زيادة لا تصل إلى حد الإسراف، فإنه يجوز، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يقال من قدح يقال له الفرق، والفرق ثلاثة آصع. فرق ثلاثة آصع. فدل على أنه يتجاوز الصاع، يعني النبي صلى الله عليه وسلم في اغتساله، لكن بدون أن يصل إلى حد الإسراف، دون أن يصل إلى حد أن تكون الزيادة زيادة كثيرة.

فإذا زاد إلى حد الإسراف فإنه يكره، فإنه يكره. وذكر المصنف رحمه الله تعالى أنه يكره ولو كان على نهر جار، وهذا جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف؟ قال: في الوضوء إسراف؟ قال: نعم، ولو كنت على نهر جار. وهذا عند أحمد وابن ماجه وفيه ضعف.

طيب، لماذا الأصحاب رحمهم الله تعالى قالوا بالكراهة؟ كراهة الإسراف هنا، لم يقولوا بالتحريم، مع أن الحديث فيه نهي: لا تسرف؛ وفي القرآن: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. لتعلقه بعبادة. ها؟ تعلقه بعبادة، طيب، إذا تعلقت بعبادة لا تحرم؟ مبالغة. تعلق بالوضوء فجعلت عبادة، إي. لا. الوضوء جعل، لكن ليس كل نهي جاء في صفة العبادة يدل على الكراهة.

لذلك يعني مثلا أوقات النهي في العبادة، أوقات النهي، نهي عن الصلاة فيها والنهي لا يقتضي التحريم. لكن هنا نهي عن الإسراف في الوضوء، لماذا قالوا لا يقتضي التحريم؟ الشيخ. نعم. أقول لكونه أدبا يا شيخ؟

لكونه من باب الأدب. يعني محتمل. هذا محتمل أنه لكونه من باب الأدب. ذكروا أن النهي يحمل على الكراهة.

حقيقة أن الفقهاء رحمهم الله تعالى يعني لأجل أن، أقول الحنابلة رحمهم الله تعالى، لأجل أن تعرف اتجاههم في أو مقصودهم بالإسراف وأحكام الإسراف، لابد أن تستقرئ مواضع كلامهم على الإسراف في أبواب الفقه، فهم يتكلمون يشيرون إليه إشارة هنا في هذا الباب، ويشيرون إليه في الكلام على اللباس، عند شروط الصلاة، في شروط ستر العورة، في شرط ستر العورة؛ وأيضا يتكلمون عليه ويطيلون فيه، يعني يفصلون فيه أكثر، في باب الحجر، في باب الحجر عند الكلام على السفه؛ وأيضا في أبواب الأطعمة أو آداب الأكل والشرب، يعني مثل البهوتي رحمه الله في الروض ذكر آداب الأكل والشرب وين؟ في الزواج. في باب في، أحسنت، في كتاب النكاح بعد باب وليمة العرس، ذكر تتمة في آداب الأكل والشرب، وتكلم على أو جاء بالإسراف في الأكل والشرب هناك، أو يتكلمون عن الإسراف في الأكل والشرب هناك.

فتجمع كلام الفقهاء رحمهم الله، أقصد الحنابلة رحمهم الله تعالى، في الإسراف في مظانها، والفقه كما قيل معرفة المظان، فتستقرئ كلامهم في ذلك. المشهور عند فقهائنا الحنابلة رحمهم الله تعالى كراهية الإسراف في المباحات، لا تحريم. وهم يفرقون أو بعضهم يفرق بين الإسراف والتبذير، بين الإسراف والتبذير، وقد أشار إلى هذا الفرق الحجاوي في حاشيته على إيش؟ المنتهى، أو التنقيح. على حاشيته على المنتهى أو التنقيح، أو التنقيح. لا، هو له حاشية التنقيح، لا، له حاشية، إذا قال البهوتي في الكشاف: ذكره المصنف في الحاشية، أو في حاشيته ولم يذكر التنقيح، ماذا يقصد حاشيته على إيش؟ غريب لغة الإقناع.

أحسنت، حاشيته على الإقناع. والظاهر أنها هي غريب لغة الإقناع، كما استظهره الشيخ عبد الله الشمراني في كتابه عن الشيخ الحجاوي، وزاد المستقنع، استظهر أن حاشيته على الإقناع هي المسماة غريب لغة الإقناع، بدليل أن غالب نقولات البهوتي عنها في مسائل لغوية.

طيب، الحجاوي في حاشيته على الإقناع قال: الإسراف صرف الشيء فيما لا ينبغي زائدا عما ينبغي، والتبذير صرف الشيء فيما لا ينبغي، يعني أن الإسراف هو تجاوز الحد في المباح والتبذير هو صرفه في الحرام.

فالفقهاء رحمهم الله تعالى، أقصد الحنابلة، المشروع عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أن الزيادة على الحد المباح، الزيادة على الحد المباح يرونه من الإسراف المكروه، أما صرفه في الحرام، أما صرفه في الحرام فيرونه من التبذير المحرم. ولذلك يعني هنا زاد على الحد المشروع فيعتبر إسرافا مكروها، إيه.

هذا المشروع عند الحنابلة رحمهم الله، شيخ الإسلام رحمه الله لا يرى أنه. الزيادة على الحد المشروع في المباح يرى أنه من العدوان المحرم كما ذكره في الفتاوى.

ابن مفلح رحمه الله في باب الحجر في الفروع نقل عن ابن عقيل وغيره أن ظاهر كلام أحمد رحمه الله أن التبذير والإسراف الممنوع ما أخرجه في الحرام، أخرجه في الحرام فقد قال رحمه الله: لو أن الدنيا لقمة فوضعها الرجل في في أخيه لم يكن إسرافًا، لم يكن إسرافًا لأن هذا تصرف في ماله المباح فليس إسرافًا.

وسبب قول الإمام أحمد رحمه الله هذا أن أحد أصحابه وهو رزق الله الكلوذاني دعاه، دعاه إلى بيته ومعه يحيى بن معين وأبو خيثمة وغيرهم، فقدم لهم، قدم لهم نوع من الحلوى، الظاهر الفالوذج، فكانت قيمته ثلاثين درهما أو تزيد، فقال الإمام أحمد أو فقال أبو خيثمة: هذا إسراف. فالإمام أحمد قال: لا ليس هذا إسراف. ثم قال هذه الجملة: لو أن الدنيا لقمة فوضعها الرجل في في أخيه لم يكن إسرافًا. وافقه يحيى بن معين على ذلك قال: صدقت يا أبا عبد الله.

ابن مفلح رحمه الله أيضا في الآداب الشرعية لما تكلم عن التخمة في الأكل وحكمها، ذكر أنه قد يستدل لعدم التحريم، يعني لعدم تحريم الإسراف، يعني الكراهة التي يراها الفقهاء، بعموم القرآن وإطلاقه من غير نظر إلى السبب، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] إلى آخره، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93] إلى آخره.

فدل على أن هذه ليست محرمة، يعني استعمال الشيء في المباح أصلا ثم الزيادة فيه يرون أنها ليست محرمة وإنما إذا خرجت تخرج إلى الكراهة لأن الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾. وربما يقال أنها تخرج إلى التحريم إذا تسبب ذلك في ضرر غيره، كما لو صرف الفقير ماله إلى المباحات وأضر بالنفقة على من تحت يده، فإن هذا يخرج من الكراهة إلى التحريم، وقد نص عليه بعض الحنابلة رحمهم الله تعالى، وكذلك يحرم إذا كان تصرفا في مال غيره تصرفا في مال غيره.

ولذلك ابن الشيخ مرعي رحمه الله في الغاية لما تكلم عن الإسراف في الماء والوضوء قال: يتوجه أو يتجه التحريم إذا كان موقوفا، إذا كان الماء موقوفا فإنه يحرم فيه الإسراف، لماذا؟ تصرف في ملك غيره الآن، تصرف في مال غيره فصرف الوقف في غير ما صرف له، في غير ما صرف الوقف، هذا الماء أوقف للوضوء المشروع فاستعمله في غير ما شرع له فقال: يتجه التحريم هنا. والحقيقة أن هذه المسألة التي كرهت الإسراف كانت مشكلة عندي، حتى تذاكرت فيها مع أحد المشايخ وهو الشيخ عبد الله بن خنين وفقه الله، فجزاه الله خير ذكر لي مظان هذه المسألة فبارك الله فيه.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى تحريم الاغتسال عريانا بين الناس لما فيه من كشف العورة المحرم كشفها. أما إن كان خاليا، أما إن كان خاليا فنقول هنا قال: كره خاليا في الماء، كره خاليا في الماء، يعني إذا أراد أن يغتسل في الماء يعني في نهر أو في بحر وكان وحده فإنه يكره له، يكره له التعري ولا يحرم. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن أكثر نصوص أحمد تدل على هذا، فقد قال: لا يعجبني أن يدخل الماء إلا مستترا، إن للماء سكانا.

ومما يستدل به على الكراهة أثر الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما دخل الماء وعليهما بردان، فقيل لهما في ذلك فقالا: إن للماء سكانا. ولأن الماء لا يستر فتبدو عورة من دخله خاليا. هذا إذا كان في الماء، أما إذا كان لا، ليس في الماء وإنما هو في دورة المياه أكرمكم الله، فإنه يباح التعري، يباح التعري لفعله موسى وأيوب عليهما السلام، والأفضل الاستتار.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه لو أسبغ الوضوء بأقل من مد أو أسبغ الغسل بأقل من صاع أجزأه ذلك لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك رواه مسلم. ولحديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بثلثي مد، وعن أم عمارة في إناء بقدر ثلثي مد. هذا في حديث أم عمارة، وجاء في حاشية ابن قاسم في الحاشية الأولى صفحة 293 أو الحاشية الثانية صفحة 293 قال: لحديث عمارة، سقطت كلمة أم فيستدرك.

وإنما يجزئ الأقل بشرط الإسباغ، لذلك قال: فإن أسبغ بأقل مما ذكر في الوضوء والغسل أجزأه، بشرط الإسباغ لا المسح، لا المسح يعني لابد أن يجري الماء على العضو لا يمسحه ببلل يده لأن هذا هو الغسل وقد أمرنا بالغسل. قال الإمام أحمد رحمه الله: إنما هو الغسل ليس المسح. فإن مسح العضو ببلل يده أو أمر الثلج على العضو لم تحصل الطهارة به ولو ابتل العضو، إلا إذا ابتل، إلا إذا ذاب الثلج وجرى على العضو. نعم.

قال رحمه الله: ولسنو نوى بغسله الحدثين أو الحدث وأطلق أو الصلاة ونحوها مما يحتاج لوضوء وغسل أجزأ عن الحدثين ولم يلزمه ترتيب ولا موالاة. أحسنت. تحدث المؤلف رحمه الله في هذه الجملة عن مسائل في النية في الغسل هل يرتفع الحدثان بمجرد الغسل، وهذه المسألة مبنية على ما تقدم في نواقض الوضوء من أن من النواقض كل ما أوجب غسلا سوى الموت.

فالآن هذه التي أوجبت غسلا، الجماع، إسلام الكافر إلى آخره، هذه أوجبت غسلا وأوجبت وضوءا، فهل يرتفع الحدثان بمجرد الغسل أو لا؟ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن المغتسل إن نوى بغسله رفع الحدثين الأكبر والأصغر، أو نوى رفع الحدث وأطلق. يعني هناك ثلاث صور ذكرها المؤلف يرتفع بهما الحدثان، إما أن ينوي رفع الحدثين، يعني حينما أراد أن يبدأ بالغسل نوى بغسله رفع الحدثين الأكبر والأصغر فيرتفع الحدثان، ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى﴾.

أو نوى رفع الحدث وأطلق، نوى أن يرفع عنه الحدث لكن لم يقيد أكبر أو أصغر بل نوى رفع الحدث وأطلق، فهنا أيضا يرتفع الحدثان. أو نوى الأمر الثالث أن ينوي استباحة الصلاة، الصلاة ونحوها مما تجب له الطهارتان، مما تجب له الطهارتان. اللي الأمور الثلاثة: الصلاة والطواف ومس المصحف. فإذا نوى أحد هذه الأمور الثلاثة فإنه يرتفع الحدثان الأكبر والأصغر.

وذكر الموفق رحمه الله في المغني أن الإمام أحمد رحمه الله نص على أن الغسل يجزئ عن الوضوء إذا نواه. والقول بدخول الوضوء في الغسل إذا نواه، وكذا إن نوى رفع الحدث وأطلق أو استباحة ما لا يباح إلا بهما هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب كما قاله في الإنصاف.

ويدل على عدم وجوب الوضوء مع الغسل، يعني بعض العلماء قالوا: لا لابد أن يتوضأ ويغتسل، إذا اغتسل فقط ارتفع الحدث الأكبر، لا يرتفع الحدث الأصغر فلابد أن يتوضأ، لكن المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أنه لا يشترط ذلك إذا نوى أحد هذه الأمور الثلاثة. ويدل على عدم وجوب الوضوء مع الغسل قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] فجعل الغسل غاية للمنع من الصلاة، فإذا اغتسل يجب ألا يمنع منها.

أيضا ولأنهما عبادتان من جنس واحد فتدخل الصغرى مع الكبرى كالعمرة مع الحج. كالعمرة مع الحج في أي نسك من الأنساك الثلاثة؟ القران. لا. من كان عمرة وحج. أحسنت. القران. القران. خلاص. الطواف، طواف الإفاضة يكون طوافًا للعمرة والحج. السعي يكون سعيًا للعمرة والحج. تتداخل الععبادتان.

وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا». وظاهره الاجتزاء به بغير وضوء. ويترتب على دخول الوضوء في الغسل أنه لا يشترط له ترتيب ولا موالاة لأنهما عبادتان. يعني لو أنه مثلًا بدأ بغسل رجليه ثم غسل رأسه ثم غسل يديه ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثم أفاض الماء على سائر جسده، نقول هنا ارتفع حدثه الأصغر والأكبر، لا نقول يجب عليه أن يرتب أعضاء الوضوء أولًا ثم يعمم الماء على سائر جسده، لا، نقول إذا تداخلتا ترتب على ذلك سقوط اشتراط الترتيب والموالاة لأنهما عبادتان دخلت إحداهما في الأخرى فسقط حكم الصغرى.

وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على عدم وجوب الموالاة في الغسل. سأله حنبل عن جنب اغتسل وعليه خاتم ضيق. قال: يغسل موضع الخاتم. قلت: فإن جف غسله؟ قال: يغسله. يغسله. ليس هو بمنزلة الوضوء، الوضوء محدود، الوضوء محدود، يعني الوضوء فيه غسل أعضاء أربعة ومحدود. الغسل لا، فيه تعميم البدن بجميع، تعميم الماء على جميع البدن. قال: الوضوء محدود وهذا على الغسل على الجملة على جملة البدن. قال الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]. قلت: فإن صلى ثم ذكر؟ قال: يغسل موضعه ثم يعيد الصلاة.

طبعًا القول بعدم وجوب الموالاة في الغسل هو المذهب وعليه أكثر الأصحاب. ذكر الشيخ عثمان بن قايد في حاشية المنتهى ثلاث صور أخرى للنية في الغسل تجزئ في رفع الحدث الأكبر فقط، قلنا الثلاث نيات هذه تجزئ في رفع الحدثين، يقول هناك ثلاث نيات أخرى إذا نواها ارتفع الحدث الأكبر فقط، وهي إذا نوى رفع الحدث الأكبر فقط فإنه يرتفع الحدث الأكبر والصحيح في المذهب أنه لا يرتفع الأصغر هنا.

أيضا إذا نوى استباحة أمر يتوقف على الغسل وحده، مثل إيش؟ كلام يا شيخ. إذا نوى استباحة أمر يتوقف على الغسل وحده؟ مس المصحف. لا، مس المصحف يتوقف على الطهارتين. قراءة القرآن. قراءة القرآن. أحسنت، يتوقف على الغسل وحده قراءة القرآن واللبث في المسجد، في المسجد. فإذا نوى أحدهما للغسل فإنه يرتفع حدثه الأكبر فقط.

أيضا إذا نوى ما يسن له الغسل ناسيًا الوجوب، مثل غسل الجمعة، غسل الجمعة، نوى أن يغتسل للجمعة، طبعًا نوى أن يغتسل للجمعة وعليه حدث أكبر، وعليه حدث أكبر، زين؟ فنسي الوجوب، فهنا يرتفع حدثه الأكبر ولا يرتفع حدثه الأصغر.

ذكر ابن رجب رحمه الله مسألة تداخل نية رفع الحدثين في القاعدة الثامنة عشرة، ونصحها: إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد في وقت واحد ليست إحداهما مفعولة على وجه القضاء ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت تداخلت أفعالهما واكتفي بهما فيهما بفعل واحد. وذكر أن هذه القاعدة على ضربين، وعندنا مثل المسألة تدخل تحت الضرب الأول، الضرب الأولى قال: أن يحصل له بالفعل الواحد العبادتان جميعًا فيشترط أن ينويهما معًا على المشهور، وذكر منهما إذا كان عليه حدثان أصغر وأكبر فالمذهب أنه يكفيه أفعال الطهارة الكبرى إذا نوى الطهارتين بها، إلى آخر كلامه رحمه الله.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: ويسن للجنب ولو أنثى وحائض ونفساء انقطع دمها، انقطع دمها غسل فرجها لإزالة ما عليه من الأذى، والوضوء لأكل وشرب لقول عائشة رضي الله عنها: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضأ وضوءه للصلاة» رواه أحمد بإسناد صحيح. ونوم لقول عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة» متفق عليه، ويكره تركه لنوم فقط.

ويسن أيضًا غسل فرجه ووضوءه لمعاودة وطء، لحديث: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا» رواه مسلم وغيره، وزاد الحاكم: «فإنه أنشط للعود» والغسل أفضل.

أحسنت. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة مسائل يستحب فيها الوضوء للجنب، وهي إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء، فإنه يستحب له الوضوء، لحديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ. المؤلف رحمه الله تعالى عزاه هنا للإمام أحمد، وعند الإمام أحمد زيادة الشرب وليست في صحيح مسلم.

وسبب اهتمام الأصحاب رحمهم الله تعالى بالعزو للإمام أحمد رحمه الله في مسنده أن إيراده للحديث في مسنده يدل على أنه يأخذ به إذا لم يرد عنه تضعيفه، إذا لم يرد عنه تضعيفه. ويكره النوم للجنب ولا يكره له الأكل والشرب على الصحيح من المذهب. وظاهر كلامهم رحمهم الله تعالى أنه إذا أحدث بعد الوضوء لم يعد الوضوء، لم يعد الوضوء، لتعليلهم استحباب الوضوء بتخفيف الحدث والنشاط، قاله في الفروع. وقال: ظاهر كلام الشيخ تقي الدين رحمه الله أنه يعيده حتى يبيت على إحدى الطهارتين.

وأما الوضوء لمعاودة الوطء فقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث أبي سعيد عند مسلم: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا». وعند الحاكم: «فإنه أنشط للعود». وذكر أن الغسل أفضل من الوضوء لأنه أزكى وأطهر. وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه طاف على نسائه واغتسل عند كل واحدة وقال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر».

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: وكره الإمام أحمد بناءه وبيعه وإجارته، وقال فيمن بنى حمامًا للنساء: ليس بآثم. ولرجل دخول

ولرجل دخوله بستر مع أمن الوقوع في محرم. ويحرم على المرأة بلا عذر.

أحسنت. ختم المؤلف رحمه الله تعالى باب الغسل بمسائل تتعلق ببناء الحمام، وهي الأماكن التي تعد مغتسلات للناس وفيها ماء حار، وقد انتشرت في بلاد الشام. فذكر أن الإمام أحمد رحمه الله كره بناء الحمام وبيعه وإجارته، وذلك لما فيه من كشف العورات ومشاهدتها وفعل المنكرات ودخول النساء إياه. وقد شدد فيه الإمام أحمد رحمه الله حتى إنه لم يجِز شهادة من بناه للنساء، كما في رواية ابن عبد الحكم، وحرمه القاضي وغيره.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حكم دخول الحمام للرجل والمرأة، فذكر أنه يباح للرجل دخوله بشرطين: ستر للعورة، وأيضًا أن يأمن من الوقوع في المحرم بأن يسلم من النظر إلى عورات الناس ومسها ونظرهم إلى عورته ومسها. ودليل الإباحة ورود ذلك عن بعض الصحابة كابن عباس وخالد بن الوليد. فإن لم يأمن مواقعة المحظور كره؛ لأنه يخشى مواقعة المحظور. وإن علم الوقوع في المحرم، يعني قال أنا لا بد أن أقع في المحرم إذا دخلت الحمام، فإنا نقول يحرم. وردت أحاديث في تحريم دخول الحمام إلا بمئزر، لكن ذكر المنذري رحمه الله أن أحاديث الحمام كلها معلولة، وإنما يصح منها ما أُثِر عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

أما المرأة فيحرم عليها دخول الحمام بدون عذر. وردت أحاديث في التشديد في دخول المرأة للحمام، لكن كما قلنا لا يصح في الحمام حديث مرفوع، لكن يرجع فيه للقواعد العامة، وما دام أن هذا المكان مظنة لكشف العورات والمرأة مأمورة بالستر والصيانة، فلا يجوز لها قربانه إلا من حاجة ماسة كغسل واجب ونحوه. والأفضل اجتناب الحمام بكل حال مع الغنى؛ لأنها مما أحدث الناس من رقيق العيش، ولأنها مظنة النظر في الجملة كما قاله شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة. نعم.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: باب التيمم. التيمم في اللغة القصد، وشرعًا مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص. وهو من خصائص هذه الأمة لما يجعله الله طهورًا لغيرها توسعةً عليها وإحسانًا إليها. فقال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]. أحسنت. لما أنهى المؤلف رحمه الله تعالى الكلام على الطهارة بالماء عن الحدثين الأكبر والأصغر، وكان الإنسان قد لا يجد الماء أو يتضرر باستعماله، أعقبه بهذا الباب ليبين حكم ما لو تعذر عليه استعمال الماء بفقد أو ضرر. فهل هناك بدلًا عن الماء؟ فذكر أنه يكون التيمم بدلًا عنه. والتيمم مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. من القرآن قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]. ومن السنة أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». وأيضًا فعله صلى الله عليه وسلم أنه تيمم وإقراره لمن تيمم. وحكى الإجماع على مشروعيته غير واحد، كالموفق ابن قدامة رحمه الله وغيره.

وبين المؤلف رحمه الله تعالى تعريفه في اللغة والاصطلاح وأنه في اللغة من القصد. يقال: تيممت فلانًا، أي قصدته. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267]. واصطلاحًا: مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص. وهو الذي سيمر معنا في صفة التيمم بإذن الله تعالى. وأجمع العلماء رحمهم الله تعالى على أن التيمم مخصوص بالوجه واليدين، سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر، وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن التيمم من خصائص هذه الأمة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي»، وذكر منها: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» كما في الصحيحين. نعم.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: وهو أي التيمم بدل طهارة الماء لكل ما يفعل بها عند العجز عنه شرعًا، كصلاة وطواف ومس مصحف وقراءة قرآن ووطء حائض. أحسنت. ذكر المؤلف رحمه الله في هذه الجملة أن طهارة التيمم بدلية وليست أصلية، فهي بدل عن طهارة الماء، فيقوم التراب مقام الماء عند العجز عنه شرعًا إما بتعذره أو بمشقة استعماله لمرض ونحوه. ويستثنون مسائل لا يقوم فيها التراب مقام الماء. منها مسألة مرت معنا في باب الغسل الدرس الماضي.

شيخ، أرجو أن توضح. التيمم؟ لا، مرت معنا الدرس الماضي في باب الغسل. مسألة قال لا يتيمم. شيخ، مسألة المكث في المسجد. المكث في المسجد. أيوة، إذا كان مثلاً يترتب على المكث فيه تأخر، أو يحتاج مثلاً في المكث في المسجد مدة كذا. إذا كان يريد الدخول للغسل يا شيخ؟ نعم، إذا أراد أن يدخل المسجد جنبًا، إذا أراد دخول المسجد وليس عنده ماء، يحتاج يدخل المسجد وليس عنده ماء، لا داخل المسجد ولا خارجه، فيقولون يدخل بدون تيمم. يدخل بدون تيمم. فهنا يعني يدخل بدون تيمم وجوبًا، يعني لا يجب عليه التيمم. لا يجب عليه التيمم، لكن لو وجد عنده الماء، قال وجب عليه بمجرد أن يمكث، فيجب عليه الوضوء. فالتيمم هنا لا يقوم مقام الماء في الحكم، يعني الوجوب، وإلا فيستحب له التيمم، قالوا إنه أفضل خروجًا من الخلاف.

وأيضًا في مسألة ثانية وسيستمر معنا في باب التيمم لكن يمكن الدرس القادم، وهي النجاسة على غير البدن. الآن التيمم يكون عن رفع الحدث ويكون عن إزالة الخبث. لكن فقهاء الحنابلة رحمهم الله تعالى خصوا إزالة الخبث بما كان على بدنه، أما إذا كان على غير بدنه، إزالة النجاسة على الثوب أو على البقعة، فيقولون هذا لا يستعمل فيه التيمم.

انقطع دم الحيض يا شيخ؟ ها؟ انقطع دم الحيض إيش فيه؟ ما يحتاج يتيمم إذا لم يجد الغسل ولا؟ إذا انقطع دم الحيض أيوة، وما يغني التيمم عن الغسل. إذا انقطع دم الحيض وليس عندها ماء، عندها تيمم عن الغسل. فهذه مما نص عليه المؤلف هنا. هنا قال بدل بكل ما يفعل بها عند العجز عنه شرعًا كصلاة وطواف ومس مصحف وقراءة قرآن ووطء حائض، انتبه له، هذا اللي تقصده السائلة.

طيب، عندنا مسألة من المسائل الكبرى في باب التيمم، ويترتب على الخلاف فيها خلاف في عدة مسائل ستمر معنا في هذا الباب، وهي: هل التيمم رافع للحدث أو مبيح لفعل ما يمتنع منه المحدث؟ وهذه مسألة كبيرة وهي من مهمات مسائل باب التيمم. وكما قلنا يترتب على الخلاف فيها خلاف في عدة مسائل ذكرها المؤلف رحمه الله مفرقة في هذا الباب، سنذكرها الآن إجمالًا ثم نشرحها في مواضعها. فالمشهور في مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى أن التيمم مبيح لا رافع. وهذا نص عليه المؤلف، سبق معنا ثم يذكره هنا تعليلًا لبعض المسائل. لكن نص على أن التيمم مبيح لا رافع، في المياه. أحسنت. عند قوله: الماء الطهور لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث الطارئ غيره. ذكر أن التيمم مبيح لا رافع. فالمشهور كما قلنا مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى أن التيمم مبيح لا رافع للحدث.

ويستدلون بأحاديث وآثار عن الصحابة، منها مثلاً حديث أبي ذر الذي استيقظ، وطهور المسلم وإن لم يجد ماء سنتين فإذا وجد الماء فليتق الله ولا يمسه بشرته، قالوا: ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده. وأيضًا في عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه أَمَّ أصحابه في غزوة ذات السلاسل وكان جنبًا فتيمم لشدة البرد خشي على نفسه الهلاك، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صليت بأصحابك وأنت جنب» فسماه جنبًا مع علمه بأنه تيمم للبرد. وأيضًا قالوا: يوجد عدة آثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أنه يتيمم لوقت كل صلاة، ورد عن علي وعمرو بن العاص وابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولم يُعرف لهم من الصحابة مخالف إلا رواية عن ابن عباس والمشهور عنه خلافها. فهذه أدلتهم على أن التيمم مبيح لا رافع.

وهناك قول ثاني في المسألة، وهو أن التيمم رافع للحدث رفعًا مؤقتًا، يعني في وقت تعذر استعمال الماء، فإذا قَدِر على استعمال الماء بحصوله عليه أو ببرئه فإنه يبطل التيمم. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام رحمه الله وغيره. وعندهم عدد من الأدلة، منها قوله تعالى في آية الوضوء لما ذكر التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]، قال في آخر الآية: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مَنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، فسمى التيمم تطهيرًا. وأيضًا في قوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وأيضًا: «الصعيد الطيب طهور المسلم»، ومثل قوله: «التراب كافيك»، وغيره. فهذه تدل على أن التراب أو التيمم رافع للحدث، لكنه رفع مؤقت.

طبعًا أصل المسألة هل هو مبيح ولا رافع؟ ترى مسألة نظرية، يعني بمعنى أن كلا القولين يقولون: لو صلى بالتيمم صلاته صحيحة، صلاته صحيحة. لكن الخلاف في الآثار المترتبة على ماذا؟

طيب، من المسائل التي تترتب على الخلاف مذكور عندكم الآن في الشريحة: إذا قلنا إنه مبيح فإنه يشترط له دخول الوقت، يعني لا يتيمم إلا بعد دخول الوقت كما سيأتينا بعد قليل. إذا جاء يتيمم لصلاة الظهر لا بد أن يكون بعد دخول وقت صلاة الظهر. لا يتيمم مثلاً نوى أن يتيمم لصلاة الضحى، صلى الضحى وبقي على طهارته، لما جاء أذن الظهر قال: خلاص بصلي بتيممي. نقول: لا، تيمم مبيح لا رافع. طيب، على القول الثاني الذي قالوا: رافع للحدث، يقولون: لا يشترط دخول الوقت. أيضًا يبطل بخروج الوقت، إذا تيمم مثلاً لصلاة الظهر وبقي على تيممه لم يحدث، فإنه يبطل تيممه، لا بد أن يتيمم لصلاة العصر. طبعًا هذه ممكن نمثل لها، يعني أحياناً هنا تيمم لصلاة العصر، هنا دخل الوقت، لكن إذا تيمم لصلاة الفجر، ثم خرج وقت صلاة الفجر بطلوع الشمس، بعد ارتفاع الشمس قال: أنا أصلي الضحى. نقول: خلاص خرج وقت صلاة الفجر، فلا بد أن تتيمم مرة أخرى.

تعيين ما يتيمم له، يعني إذا قلنا إنه مبيح يقولون: يريد أن يتيمم لصلاة، لا بد أن يعين، يتيمم لصلاة، يريد أن يتيمم ليطوف، يعين أنه يتيمم ليطوف، وهكذا. أما على القول بأنه رافع فيقولون: لا يشترط ذلك، لا يشترط ذلك.

إذا تيمم لشيء لا يستبيح به ما فوقه، إذا تيمم ليصلي الضحى أو ليصلي قلنا راتبة الفجر، تيمم ليصلي راتبة الفجر، فيكون لا يصلي به الفجر؛ لأنه تيمم لنافلة فلا يصلي به فريضة. أما بالعكس إذا تيمم لفريضة فإنه يصلي به نافلة. أما إذا قلنا أنه رافع للحدث فيقولون: لا، إذا تيمم لنافلة يصلي به فريضة وما شاء وما شاء.

في النية، إذا قلنا أنه مبيح فإنه لا ينوي رفع الحدث، بل ينوي الاستباحة استباحة، فإذا نوى رفع الحدث يقول: لا يرتفع، لا يرتفع؛ لأنه لا يرتفع الحدث إلا بالماء الطهور. أما على القول بأنه رافع فإنه يجزئه؛ لأنه يرفع الحدث. والأخير أيضًا لا بد من نية رفع الحدثين إذا كان التيمم مثلاً عن حدث أكبر، وأيضًا موجبات الحدث الأكبر توجب الوضوء، فيكون ينوي بتيممه استباحة، يعني ممكن نعدلها، يعني لا بد من نية استباحة ما يمتنع منه المحدث. لا بد من نية استباحة ما يمتنع منه المحدث حدثًا أكبر وأصغر. أما على إذا قلنا إنه رافع فإنهم يقولون: إذا أطلق، لا بد من استباحة، المهم بعدين إن شاء الله. إذا نوى رفع الحدث، نعم، إذا قلنا أنه رافع فإذا نوى رفع الحدث وأطلق، لأنه نوى رفع الحدث وأطلق فإنه يرتفع الحدثان مثل الوضوء أو مثل الغسل، لأنه رفع الحدث وأطلق فإنه يرتفع الحدثان. وقيل: ولو نوى الأكبر فقط كالغسل، الغسل بعض الفقهاء -وهو يعني قول المذهب- أنه إذا نوى رفع الحدث الأكبر فقط، فإنه يرتفع الحدث الأكبر والأصغر، والتيمم مثله. فهذه ست مسائل تترتب على هذا الخلاف، ذكرناها مجملة، والمؤلف سيذكرها مفرقة في هذا الباب. نعم.

السلام عليكم. قال رحمه الله: ويشترط له شرطان. أحدهما: دخول الوقت. وقد ذكره بقوله: إذا دخل وقت فريضة، أو منذورة بوقت معين، أو عيد، أو وجد كسوف، أو اجتمع الناس لاستسقاء، أو غسل ميت، أو يُمِّم لعذر، أو ذكر فائتة وأراد فعلها، أو أبيحت نافلة بأن لا يكون وقت نهي عن فعلها. أحسنت. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط إباحة التيمم، وذكر أنه يباح لاستعماله شرطان: أحدهما: دخول الوقت. والثاني: تعذر استعمال الماء. الموفق رحمه الله في المغني زاد شرطًا ثالثًا وهو طلب الماء. الحقيقة أن طلب الماء يعني هنا المؤلف وغيره من الحنابلة يدرجون طلب الماء في الشرط الثاني: تعذر استعمال الماء؛ لأنهم يقولون: لا يتحقق التعذر إلا إذا وُجِد الطلب. طيب، دخول الوقت، الشرط الأول: دخول الوقت، وهذا كما قلنا سابقًا مبني على إيش؟ على أن التيمم مبيح لا رافع. واشتراطه دخول وقت فريضة أو إباحة نافلة هو الصحيح من المذهب كما قاله المرداوي.

فَلَابُدَّ أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَهَا. فَإِذَا كَانَتْ فَرِيضَةً فَبِدُخُولِ وَقْتِهَا.

فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ تَيَمَّمَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْفَجْرِ. وَهَكَذَا الظُّهْرُ الْعَصْرُ الْمَغْرِبُ الْعِشَاءُ. إِذَا كَانَتْ مَنْذُورَةً بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، مَنْذُورَةً بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ. يَعْنِي مَثَلًا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، السَّاعَةَ الْعَاشِرَةَ مَسَاءً، السَّاعَةَ الْعَاشِرَةَ مَسَاءً. فَنَقُولُ: إِذَا جَاءَتِ السَّاعَةُ الْعَاشِرَةُ مَسَاءً يَتَيَمَّمُ لَهَا وَيُصَلِّي. أَمَّا النَّذْرُ الْمُطْلَقُ إِذَا قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ، نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُحَدِّدْ وَقْتًا، فَإِنَّهُ مَتَى مَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهُمَا.

يَعْنِي إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ دُخُولُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَهُوَ صَلَاةُ الْعِيدِ مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، أَوْ وُجِدَ كُسُوفٌ لَابُدَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْكُسُوفَ لَابُدَّ أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الْكُسُوفِ يَعْنِي يُشْرَعُ صَلَاةُ الْكُسُوفِ بِأَنْ تُرَى الشَّمْسُ أَوْ الْقَمَرُ كَاسِفًا.

قَالَ: أَوْ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِلِاسْتِسْقَاءِ، يَعْنِي أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الِاسْتِسْقَاءَ لَابُدَّ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ، يَعْنِي مَجْمُوعَةٌ مِنَ النَّاسِ يَجْتَمِعُونَ لِلِاسْتِسْقَاءِ، هُنَا الْآنَ يُشْرَعُ لَهُ التَّيَمُّمُ، لَكِنْ قَالَ أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُبَكِّرَ فَأَتَيَمَّمَ مِنْ بَعْدِ الْفَجْرِ مُبَاشَرَةً سَأُصَلِّي أَجِيءُ مِنَ الْأَوَّلِينَ؟ لَا، نَقُولُ: لَا، لَابُدَّ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ.

قَالَ: أَوْ غَسْلُ الْمَيِّتِ، يَعْنِي أَرَادَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ. نَقُولُ: لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ طَبْعًا، خُذُوا فِي ذِهْنِكُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَا كَانَتْ تَرْتَبِطُ وَقْتَ الصَّلَاةِ كَمَا عِنْدَنَا الْآنَ؛ يُصَلُّونَ الْجِنَازَةَ فِي أَيِّ وَقْتٍ، فَمَثَلًا يُصَلُّونَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَقْتَ الضُّحَى، أَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا قَالُوا: خَلَاصٌ سَنُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ السَّاعَةَ الْعَاشِرَةَ ضُحًى. طَيِّبٌ، شَخْصٌ مَا عِنْدَهُ مَاءٌ يَقُولُ: يَتَيَمَّمُ. فَنَقُولُ: إِذَا غُسِلَ الْمَيِّتُ فَهُنَا يُشْرَعُ لَكَ التَّيَمُّمُ. قَالَ: أَوْ يُمِّمَ لِعُذْرٍ، يَعْنِي الْمَيِّتُ أَحْيَانًا يُمِّمُ كَمَا سَيَأْتِينَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ؛ يُمِّمُ إِذَا تَعَذَّرَ الْمَاءُ أَوْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ بِأَنْ مَثَلًا كَانَ وَاحْتَرَقَ جِسْمُهُ، احْتَرَقَ جِسْمُهُ فَلَوْ غُسِلَ تَقَطَّعَ زِيَادَةً، فَيَقُولُ: هَذَا يُمِّمُ. أَوْ كَانَ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ أَوْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ فَإِنَّهَا تُيَمَّمُ.

فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فَنَقُولُ: لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَغْسِيلِ الْمَيِّتِ أَوْ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ إِذَا تَعَذَّرَ تَغْسِيلُهُ. فَلِذَلِكَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَقُولُونَ يُلْغَزُ بِهَا، فَيُقَالُ: شَخْصٌ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ إِلَّا إِذَا تَيَمَّمَ غَيْرُهُ. وَهِيَ هُنَا الْآنَ أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَالْمَيِّتُ لَا يُمْكِنُ تَغْسِيلُهُ فَيُمِّمَ، الْمَيِّتُ لَا يُمْكِنُ تَغْسِيلُهُ فَيُمِّمَ، فَمَا يَصِحُّ أَنَّكَ تَتَيَمَّمُ حَتَّى يُيَمَّمَ الْمَيِّتُ أَوَّلًا، فَيُقَالُ: شَخْصٌ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ إِلَّا إِذَا تَيَمَّمَ غَيْرُهُ، وَهِيَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.

أَوْ ذَكَرَ فَائِتَةً؛ شَخْصٌ نَسِيَ صَلَاةَ الظُّهْرِ مِنْ أَمْسِ أَوْ مَثَلًا صَلَّى تَذَكَّرَ أَنَّهُ صَلَّى بِدُونِ وُضُوءٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُعِيدَهَا. طَيِّبٌ، يَقُولُ: مَا عِنْدَهُ مَاءٌ. الْآنَ نَقُولُ: مَتَى مَا تَذَكَّرَ هَذِهِ الْفَائِتَةَ وَأَرَادَ فِعْلَهَا فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ. أُبِيحَتْ نَافِلَةٌ؛ أَرَادَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ لَكِنْ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ تُبَاحُ فِيهِ صَلَاةُ هَذِهِ النَّافِلَةِ بِأَلَّا يَكُونَ وَقْتَ نَهْيٍ عَنْ فِعْلِهَا، وَقْتَ نَهْيٍ عَنْ فِعْلِهَا. طَيِّبٌ، هَلْ يَتَيَمَّمُ لِلنَّافِلَةِ وَقْتَ النَّهْيِ؟ كَانَتْ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ. كَانَتْ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ. لَا، الْمَذْهَبُ لَا يَسْمَحُ، الْمَذْهَبُ لَا يُوَسِّعُونَ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ. الْمَذْهَبُ يَسْتَثْنُونَ نَوَافِلَ مُعَيَّنَةً ثَمَانِيَةً أَوْ تِسْعَةً تَقْرِيبًا، النَّوَافِلَ وَالْفُرُوضَ، يَعْنِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي تُؤَدَّى وَقْتَ النَّهْيِ الْمَذْهَبُ مُعَيَّنَةٌ.

لَكِنْ هُنَاكَ نَافِلَةٌ دَائِمًا تُصَلَّى، يَعْنِي وَقْتُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ هُوَ وَقْتُ نَهْيٍ. هَا، رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ؟ لَا، رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ صَحِيحٌ هَذِهِ مِنَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ. لَكِنْ نَافِلَةُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؟ لَا، تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ مَا تُصَلَّى وَقْتَ النَّهْيِ عِنْدَ الْمَذْهَبِ. رَكْعَتَيْ الْوُضُوءِ؟ لَا. أَحَدِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ؟ سُنَّةِ الْفَجْرِ، سُنَّةِ الْفَجْرِ. الْمَذْهَبُ مَتَى يَبْدَأُ وَقْتُ النَّهْيِ فِي الْفَجْرِ؟ مِنْ دُخُولِ وَقْتِ الْفَجْرِ. وَيَسْتَثْنُونَ رَاتِبَةَ الْفَجْرِ فَيَقُولُونَ: هَذَا وَقْتُهَا فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْهُ. فَلِذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِرَاتِبَةِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ، مَا فِي إِشْكَالٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ لَيْسَ وَقْتَ نَهْيٍ عَنْ فِعْلِ هَذِهِ الرَّاتِبَةِ فَقَطْ. طَيِّبٌ، نَعَمْ.

أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، قَالَ رَحَمَهُ اللَّهُ: أَوْ أُبِيحَتْ نَافِلَةٌ بِأَلَّا يَكُونَ وَقْتَ نَهْيٍ عَنْ فِعْلِهَا. الشَّرْطُ الثَّانِي، مَا دَلِيلُ الْمَذْهَبِ عَلَى اشْتِرَاطِ دُخُولِ الْوَقْتِ؟ يَقُولُونَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] إِلَى آخِرِهِ، قَالُوا: وَالتَّيَمُّمُ فِي حُكْمِهِ. طَيِّبٌ، الْآنَ الْوُضُوءُ لَا يَجِبُ كُلَّ وَقْتٍ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، لَوْ كَانَ شَخْصٌ عَلَى طَهَارَةٍ جَاءَ وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ، نَقُولُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَلَا يَتَوَضَّأَ؟ يَقُولُونَ: نَعَمْ، الْوُضُوءُ اسْتُثْنِيَ، فَنَقُولُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ وُضُوءَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ وَلَا يَجِبُ؛ لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوُضُوءِ فَيَكُونُ التَّيَمُّمُ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْخِطَابِ، وَهَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحَمَهُ اللَّهُ فِي الْفَتَاوَى.

الْبُهُوتِيُّ عَلَّلَ بِوَجْهٍ آخَرَ قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّيَمُّمَ مُبِيحٌ، وَالْوُضُوءَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ، فَلَمَّا كَانَ مُبِيحًا اشْتُرِطَ لَهُ دُخُولُ الْوَقْتِ فَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بَلْ هُوَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ. طَبْعًا، اشْتِرَاطُ دُخُولِ الْوَقْتِ هَذَا فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا فِي التَّيَمُّمِ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُبَاحُ الطَّهَارَةُ كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِطَوَافٍ أَوْ مَسِّ مُصْحَفٍ فَهَذَا يَجُوزُ كُلَّ وَقْتٍ إِذَا أَرَادَ فِعْلَهُ، فَاشْتِرَاطُ دُخُولِ الْوَقْتِ هَذَا فِي الصَّلَاةِ.

نَعَمْ، الشَّرْطُ الثَّانِي؛ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، قَالَ رَحَمَهُ اللَّهُ: الشَّرْطُ الثَّانِي تَعَذُّرُ الْمَاءِ، وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَعَدَمُ الْمَاءِ حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا، قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا، مُبَاحًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. فَمَنْ خَرَجَ لِحَرْثٍ أَوْ احْتِطَابٍ وَنَحْوِهِمَا وَلَا يُمْكِنُهُ حَمْلُ الْمَاءِ مَعَهُ وَلَا الرُّجُوعُ لِلْوُضُوءِ إِلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِهِ فَلَهُ التَّيَمُّمُ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. أَوْ زَادَ الْمَاءُ عَلَى ثَمَنِهِ، أَيْ ثَمَنِ مِثْلِهِ فِي مَكَانِهِ، بِأَنْ لَمْ يُبْذَلْ إِلَّا بِزَائِدٍ كَثِيرًا عَادَةً، أَوْ بِثَمَنٍ يُعْجِزُهُ أَوْ يَحْتَاجُهُ لَهُ أَوْ لِمَنْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، أَوْ خَافَ بِاسْتِعْمَالِهِ أَيْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ضَرَرًا، أَوْ خَافَ بِطَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ أَوْ ضَرَرَ رَفِيقِهِ أَوْ ضَرَرَ حُرْمَتِهِ أَيْ زَوْجَتِهِ أَوْ امْرَأَةٍ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ ضَرَرَ مَالِهِ بِعَطَشٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ هَلَاكٍ وَنَحْوِهِ، كَخَوْفِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ تَأَخُّرَ الْبُرْءِ أَوْ بَقَاءَ أَثَرِ شَيْنٍ فِي جَسَدِهِ، شَرَعَ التَّيَمُّمُ أَيْ وَجَبَ لِمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ أَوْ الْغَسْلُ لَهُ وَسُنَّ لِمَنْ يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ جَوَابُ إِذَا مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ.

أَحْسَنْتَ. هُنَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ رَحَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الشَّرْطَ الثَّانِي لِبَحْثِ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ تَعَذُّرُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ إِمَّا تَعَذُّرًا حِسِّيًّا أَوْ شَرْعِيًّا، وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ رَحَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ أَيْ عَوْزِ الْمَاءِ عِنْدَ الطَّلَبِ، وَلِتَعَذُّرِهِ صُوَرٌ.

تَعَذُّرٌ كَمَا قُلْنَا حِسِّيٌّ وَشَرْعِيٌّ، مِنْهَا: الصُّورَةُ الْأُولَى عَدَمُ الْحُصُولِ عَلَى الْمَاءِ، عَدَمُ الْحُصُولِ عَلَى الْمَاءِ هَذَا تَعَذُّرٌ حِسِّيٌّ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ، وَلِذَلِكَ قَوْلُهُ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ»، قَالُوا: وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، وَمَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لَا تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ.

طَيِّبٌ، فِي الْآيَةِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: 6] قَيَّدَهَا بِالسَّفَرِ، فَلِمَاذَا قُلْنَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ؟ لِأَنَّهَا عَزِيمَةٌ وَلَيْسَتْ رُخْصَةً. طَيِّبٌ، هَذِهِ عَزِيمَةٌ وَلَيْسَتْ رُخْصَةً، طَيِّبٌ، وَأَيْضًا لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْعَدِمُ فِي الْحَضَرِ. لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْعَدِمُ فِي الْحَضَرِ، إِيهِ طَيِّبٌ، انْطَفَأَ أَوْ انْعَدَمَ الْمَاءُ فِي الْحَضَرِ لِمَاذَا نَقُولُ يَتَوَضَّأُ يَتَيَمَّمُ وَالْآيَةُ قَالَتْ: كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ؟ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ. أَحْسَنْتَ، خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ غَالِبًا يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ وَانْعِدَامُهُ فِي الْحَضَرِ أَقَلُّ.

وَكَوْنُ الْعَدَمِ مُسَوِّغًا لِلْعُدُولِ لِتَيَمُّمٍ، سَوَاءٌ كَانَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا وَالْعَادِمُ مُطْلَقًا أَوْ مَحْبُوسًا هُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا، يَعْنِي غَيْرَ مَحْبُوسٍ أَوْ مَحْبُوسًا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ كَمَا قَالُوا فِي الْإِنْصَافِ وَكَمَا سَوَاءٌ كَانَ أَيْضًا السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا، وَالْمُرَادُ بِالْقَصِيرِ مَا دُونَ الْمَسَافَةِ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ، أَيْ مَا كَانَ فِيهِ خُرُوجٌ مِنْ بَلَدِهِ وَلَمْ يَبْلُغْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ. وَسَوَاءٌ كَانَ أَيْضًا السَّفَرُ مُبَاحًا أَمْ غَيْرَ مُبَاحٍ، قَالُوا: لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ أَيْ وَاجِبَةٌ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ فَأُبِيحَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَجَوَازُ التَّيَمُّمِ فِي مُطْلَقِ السَّفَرِ هُوَ الْمُصَحَّحُ مِنَ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ تَعَذُّرُ حَمْلِ الْمَاءِ مَعَهُ إِذَا ذَهَبَ لِحَاجَةٍ كَحَطَبٍ أَوْ احْتِطَابٍ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الْمَاءِ مَعَهُ، يَعْنِي ذَهَبَ مَثَلًا يَحْتَطِبُ أَوْ ذَهَبَ لِيَصِيدَ وَمَا مَعَهُ مَاءٌ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَلَدِهِ أَوْ إِلَى بَيْتِهِ وَيَأْخُذَ الْمَاءَ أَوْ إِلَى مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ، فَهُنَا يَتَيَمَّمُ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ حَمْلُ الْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. هَذَا وَجْهًا وَاحِدًا فِي الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَ الذَّهَابُ لِخَارِجِ قَرْيَتِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الذَّهَابُ فِي نَفْسِ قَرْيَتِهِ فَهُنَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ، لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كُلُّ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحَمَهُ اللَّهُ: كُلُّ مَنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ كَمَا أُمِرَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.

أَيْضًا مِمَّا يَلْحَقُ بِالتَّعَذُّرِ وَهُوَ تَعَذُّرٌ شَرْعِيٌّ؛ إِذَا وُجِدَ الْمَاءُ لَكِنْ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ فِي مَكَانِهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً عَمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ فِي شِرَاءِ الْمُسَافِرِ لَهُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَوْ فِي مِثْلِهَا، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، يَعْنِي مَثَلًا وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ مَثَلًا بِعِشْرِينَ رِيَالًا وَنِصْفٌ، هَذَا يُبَاعُ بِعِشْرِينَ رِيَالًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ لِلتَّيَمُّمِ.

أَيْضًا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بِثَمَنٍ يُعْجِزُهُ فَيَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنِ التَّيَمُّمِ يُبِيحُ الِانْتِقَالَ لِلْبَدَلِ، يَعْنِي مَثَلًا يُبَاعُ الْمَاءُ مَثَلًا بِخَمْسَةِ رِيَالَاتٍ لَكِنْ مَا مَعَهُ خَمْسَةُ رِيَالَاتٍ.

أَيْضًا إِذَا كَانَ مَعَهُ ثَمَنُ الْمَاءِ لَكِنْ يَحْتَاجُهُ لِنَفَقَةٍ أَوْ كُسْوَةٍ وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ أَوْ لِمَنْ تَحْتَ يَدِهِ فَإِنَّهُ أَيْضًا يَعْدِلُ لِلتَّيَمُّمِ.

أَيْضًا إِذَا خَافَ الضَّرَرَ، خَافَ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ طَلَبِهِ، إِمَّا ضَرَرٌ بَدَنِيٌّ أَوْ ضَرَرُ رَفِيقِهِ أَوْ ضَرَرُ حُرْمَتِهِ أَيْ زَوْجَتِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْأَمْرَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ تَعْبِيرُ صَاحِبِ الْمُنْتَهَى أَوْ عَطَشِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ مُحْتَرَمِينَ، فَعَمَّمَ الْأَمْرَ بِالْآدَمِيِّ الْمُحْتَرَمِ لِإِخْرَاجِ الْحَرْبِيِّ وَالْبَهِيمَةِ الْمُحْتَرَمَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ مُحْتَرَمَةً لِإِخْرَاجِ مِثْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا.

وَلِذَلِكَ صَرَّحَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحَمَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَطْشَانُ أَوْ الْمَخُوفُ عَطَشُهُ رَفِيقَهُ الْمُزَاحَ أَوْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ أَوْ غَيْرَهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّينَ أَوِ الْبَهَائِمِ وَهِيَ لَا تَخْتَلِفُ بِالْمُرَافَقَةِ وَعَدَمِهَا، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الشَّرْبَ عَلَى الْوُضُوءِ، يَعْنِي إِذَا خَافَ الْعَطَشَ فَنَقُولُ: يُقَدَّمُ الشَّرْبُ عَلَى الْوُضُوءِ لِكَوْنِ الشَّرْبِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ الْوَاجِبَةِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْعِبَادَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ نَفَقَةُ النَّفْسِ وَالْأَقَارِبِ الْمُعَيَّنِينَ عَلَى الْحَجِّ.

وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِخَوْفِ الضَّرَرِ خَوْفَ التَّلَفِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَخَافَ نَزْلَةً أَوْ زُكَامًا أَوْ مَرَضًا، وَكَذَا لَوْ خَافَ بِاسْتِعْمَالِهِ تَأَخُّرَ الْبُرْءِ أَوْ بَقَاءَ أَثَرِ شَيْنٍ فِي جَسَدِهِ، فَإِنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَصَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي، وَذَكَرَ الْمَرْدَاوِيُّ أَنَّهُ صَحِيحٌ مِنَ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

وَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ مُحَقَّقًا لَا جُبْنًا عَلَى صَحِيحِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحَمَهُ اللَّهُ فِي رَجُلٍ يَخَافُ بِاللَّيْلِ وَلَيْسَ شَيْءٌ يُخَافُ مِنْهُ، يَعْنِي مَثَلًا عِنْدَهُ مَثَلًا هُوَ فِي الْبَيْتِ وَعِنْدَهُ مَاءُ بِئْرٍ خَارِجَ الْبَيْتِ لَكِنَّهُ ظَلَامٌ يَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ، لَكِنْ مَا فِيهِ شَيْءٌ مَا فِيهِ عَدُوٌّ مَا فِيهِ لُصُوصٌ مَا فِيهِ لَكِنْ يَخَافُ مِنَ الظَّلَامِ، فَيَقُولُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحَمَهُ اللَّهُ: لَابُدَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ؛ لِأَنَّ هَذَا خَوْفُ جُبْنٍ لَا خَوْفُ مُحَقَّقٍ، الْمُوَفَّقُ رَحَمَهُ اللَّهُ فِي الْمُغْنِي ذَكَرَ احْتِمَالًا بِإِجْزَاءِ التَّيَمُّمِ لَهُ، إِجْزَاءِ التَّيَمُّمِ لَهُ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْخَوْفِ الْحَقِيقِيِّ.

أَيْضًا إِذَا خَافَ بِطَلَبِ الْمَاءِ ضَرَرَ مَالِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ مَثَلًا وَتَعِبَتْ جِدًّا مِنَ السَّيْرِ، يَعْنِي لَوْ سَارَ عَلَيْهَا لَوَصَلَ الْمَاءِ لَكِنْ تَعِبَتْ جِدًّا مِنَ السَّيْرِ فَلَا يَلْزَمُ تَعَبُهَا وَيَعْدِلُ لِلتَّيَمُّمِ، وَكَذَا لَوْ خَافَ شُرُودَهَا أَوْ سَرِقَتَهَا إِذَا طَلَبَ الْمَاءَ فَيَعْدِلُ لِلتَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ كَالْعَاجِزِ.

نَعَمْ، أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، قَالَ رَحَمَهُ اللَّهُ: وَيَلْزَمُ شِرَاءُ مَاءٍ وَحَبْلٍ وَدَلْوٍ بِثَمَنِ مِثْلٍ أَوْ زَائِدٍ يَسِيرًا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ، وَاسْتِعَارَةُ الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ وَقَبُولُ الْمَاءِ قَرْضًا وَعَارِيَّةً وَقَبُولُ ثَمَنِهِ قَرْضًا إِذَا كَانَ لَهُ وَفَاءٌ، وَيَجِبُ بَذْلُهُ لِعَطْشَانَ وَلَوْ نَجِسًا.

أَحْسَنْتَ. ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ رَحَمَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْحُصُولَ عَلَى الْمَاءِ إِذَا تَوَقَّفَ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَيَكُونُ وَاجِبًا.

فَإِذَا تَوَقَّفَ عَلَى شِرَاءِ مَاءٍ، مَا مَعَهُ مَاءٌ لَكِنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَاءً فَنَقُولُ: يَجِبُ الشِّرَاءُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ.

وَإِذَا كَانَ عِنْدَ بِئْرٍ فِيهَا مَاءٌ لَكِنْ لَابُدَّ لَهُ مِنْ دَلْوٍ وَحَبْلٍ، فَهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاءُ الدَّلْوِ وَالْحَبْلِ.

وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وُجُوبُ شِرَاءِ الْمَاءِ وَوُجُوبُ شِرَاءِ الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ زَائِدًا عَنْهُ يَسِيرًا، وَلَا يُجْحِفُ بِمَالِهِ، وَلَا يُجْحِفُ بِمَالِهِ، وَأَنْ يَكُونَ أَيْضًا هَذَا الْمَالُ فَائِضًا عَنْ حَاجَتِهِ، يَكُونُ فَائِضًا عَنْ حَاجَتِهِ.

كقضاء ديونه ونفقة مؤونة سفر له ولعياله. والأصحاب رحمهم الله تعالى أوجبوا شراء الماء مع الزيادة اليسيرة، يعني لو مثلًا الماء مثلًا أبو 4 ريال مثلًا وجده بـ 8 ريالات، فهذه زيادة يسيرة لكنها غير مجحفة، فيقولون إنها يجب الشراء، ولو كانت زائدةً على ثمن المثل ما دامت الزيادة يسيرة.

قالوا لأن ضررها يسير، وقد اغتفر اليسير في النفس كضرر يسير في بدنه من صداع أو برد، فهنا أولى، لأنهم يقولون الآن الشخص لو كان معه صداع يقول لا أستطيع أن أتوضأ بصداعه، هل أعدل للتيمم؟ يقول: لا أعدل للتيمم. هذا ضرر في البدن فيكون ضرر في المال من باب أولى أن يغتفر اليسير.

أما إذا كانت الزيادة كثيرة، زيادة كثيرة لكنها لا تجحف بماله، فالمذهب أن مجرد الزيادة الكثيرة تبيح العدول للتيمم، يعني مثلًا شخص غني الماء أبو ريال وجده بـ 100 ريال، فهل نقول هذه زيادة كثيرة فاعدل للتيمم ونقول: لا أنت غني ما يمثل عليك الـ 100؟ المشهور المذهب أن مجرد الزيادة الكثيرة ولو كانت غير مجحفة تبيح العدول للتيمم.

والإمام أحمد رحمه الله توقف فيها، توقف فيمن بذل له ماء بدينار وعنده 100 ماء بدينار يعني غالي وعنده 100 دينار عنده ما تأثر عليه، لكن توقف فيها رحمه الله، وإلا الأصحاب كما قلنا فيها وجهان، والمذهب أن مجرد الزيادة الكثيرة تبيح العدول للتيمم، وثمن المثل يعتبر بالبقعة التي يريد الشراء فيها أو مثلها غالباً على الصحيح.

وإذا توقف الحصول على استخراج الماء من البئر ولكن لم يكن عنده مال يشتري به حبلاً ودلواً لكن وجد من يعيره إياه، وجد من يعيره الحبل والدلو، فإنه يجب عليه قبول الاستعارة لأن المنة في ذلك يسيرة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

أيضاً لو لم يكن عنده ثمن الماء لكن وجد من يقرضه الماء، أقرضه، من قال: أقرضك ماءً ترده عليّ متى ما أيسرت، أو وهبه الماء، فإنه يجب عليه قبوله، قالوا لأنه قادر على استعماله ولا منة في ذلك في العادة.

قالوا ولا يجب عليه الاستقراض والاتهام، لا يجب عليه أن يقول لغيره أقرضني ماءً أو هبني ماءً، لا يجب عليه ذلك كما صوبه المرداوي رحمه الله في تصحيح الفروع.

وكذا يجب قبول قرض ثمن الماء إذا قال أريد أن أقرضك مالاً تشتري به ماءً، فإنه يجب قبوله بشرط أن يكون له وفاء، اشترط أن يكون له وفاء ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فيما نقل عنه المفلح، لأن المنة في ذلك يسيرة في العادة فلا يضر احتماله.

طيب لو وهب له ثمن الماء، قال: خذ هذه الخمس ريالات واشتر بها ماءً، قالوا لا يلزم القبول هنا. لماذا؟ قالوا لأنه تلحقه منة بذلك، هذا على الصحيح من المذهب.

ثم ذكر أن من كان عنده ماء واحتاج إلى التطهر به لكن وجد عنده شخص عطشان محتاج للماء، فيبذل هذا الماء للمحتاج ويعدل، هذا الذي عنده ماء يعدل إلى التيمم. نص عليه الإمام أحمد رحمه الله، وحرمة الآدمي تقدم على الصلاة، بدليل ما لو رأى حريقاً أو غريقاً في الصلاة عند ضيق وقتها فإنه يلزمه ترك الصلاة والخروج لإنقاذه، فلأن يقدمه على الطهارة بالماء أولى، ودفعه للعطشان الذي يخاف التلف هذا على الصحيح من المذهب من وجوب دفعه للعطشان.

لكن هل يبذله مجاناً أو يبذله بثمنه؟ نعم، بثمنه يا شيخ. يقول العنجري رحمه الله في حاشيته: الظاهر أنه بثمنه. صرح به في الرعاية ويدل عليه كلامهم في الأطعمة، أصحابنا رحمه الله في الأطعمة ذكروا أنه يجب بذل الطعام للمحتاج، لو وجدت شخصاً مضطراً للطعام وأنت عندك فائض عن حاجتك فيجب عليك بذله بثمنه، يعني إذا رفضت، يعني الأصل أنك تبذله له مجاناً هذا من المروءة ومن الإحسان إليه، لكن إذا قلت لا أنا أريد ثمنه فيجوز لك ذلك ولا يلزمك أن تبذله له مجاناً.

وذكر أنه يجب بذل الماء للعطشان ولو كان الماء نجساً طرأت عليه نجاسة، لأنه إنقاذ من هلكة.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: ومن وجد ماءً يكفي بعض طهره من حدث أكبر أو أصغر، تيمم بعد استعماله ولا يتيمم قبله، ولو كان على بدنه نجاسة وهو محدث، غسل النجاسة وتيمم للحدث بعد غسلها، كذلك لو كانت النجاسة في ثوبه.

ذكر المؤلف رحمه الله في هذه الجملة حكم من أراد التطهر بالماء وقد وجد ماءً يسيراً لا يكفي للوضوء إن أراد الوضوء أو لا يكفيه الغسل إن أراد الغسل، فإنه يستعمل هذا الماء الموجود ثم يتيمم عن الباقي لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه. ولا يتيمم قبل استعمال الماء الموجود لكونه لا يتحقق فيه وصف الفقد هنا، استعمال الموجود ثم التيمم بعده والصحيح من المذهب في الغسل والوضوء.

بل ذكر بعض الأصحاب كالقاضي أنه يلزم استعمال الموجود في الغسل بغير خلاف في المذهب. وإذا أراد الغسل ولم يجد إلا ماءً يسيراً يكفي أعضاء وضوئه، فذكر المجد وغيره أنه يبدأ بأعضاء وضوئه ناوياً رفع الحدثين ليتحقق له كمال الطهارة الصغرى وبعض الكبرى، يعني إذا وجد ماءً يسير وهو عليه غسل يقول الأفضل أن يبدأ بأعضاء الوضوء، يعني يتوضأ وضوءاً كاملاً ليحصل وينوي به رفع الحدثين ليحصل له رفع الطهارة الحدث الأصغر وأيضاً بعض الأكبر.

ونص الإمام أحمد رحمه الله فيمن وجد ما يكفيه لوضوئه وهو جنب، قال: يتوضأ ويتيمم. في حديث عمرو بن العاص لما تيمم عن جنابة لخوف البرد في بعض الروايات أنه غسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم تيمم وصلى بهم.

وذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة في القاعدة الثامنة ونصها: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها؟ ذكر أن هذه على أربعة أقسام. القسم الأول أن يكون المقدور عليه ليس مقصوداً في العبادة بل هو وسيلة محضة إليها. والقسم الثاني ما وجب تبعاً لغيره. والثالث ما هو جزء من العبادة وليس بعبادة في نفسه. والرابع ما هو جزء من العبادة وهو عبادة مشروعة في نفسه. فقال في القسم الرابع: يجب فعله عند تعذر فعل الجميع بغير خلاف.

ثم ذكر أن وقع تردد في مسائل أخر، وذكر مما يدخل تحت القسم الرابع: إذا عجز عن بعض غسل جنابة فيلزمه الإتيان بما قدر عليه منه، لأن تخفيف الجنابة مشروع ولو بغسل أعضاء الوضوء، كما يشرع للجنب إذا أراد النوم أو الأكل أو الوضوء أو الوطء ويستبيح به اللبث في المسجد عندنا. وذكر مما وقع فيه التردد المحدث حدثاً أصغر إذا وجد ما يكفي بعض أعضائه، ذكر أن في وجوب استعماله وجهين.

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أنه إذا أراد الوضوء وكان على بدنه نجاسة وليس عنده إلا ماء يكفي أحدهما، يعني إما أنه يتوضأ ثم يتيمم عن النجاسة أو أنه يغسل النجاسة ثم يتيمم عن الوضوء، فماذا يقدم؟ يقول: يبدأ بغسل النجاسة، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله وقاله الأصحاب. قال الخلال: اتفق أبو عبد الله وسفيان على هذا. قال الموفق: لا نعلم فيه خلافاً. لماذا؟ لأن التيمم للحدث ثابت بالنص والإجماع، أما التيمم للنجاسة فإنه مختلف فيه كما سيأتينا.

وكذلك إذا كانت النجاسة على ثوبه أو بقعته فيبدأ فيها قبل الوضوء، وفيه قولان في المذهب، يعني تقديم غسل النجاسة إذا كانت على بدنه هذا قول واحد في المذهب، أما إذا كانت على ثوبه أو بقعته ففيها قولان في المذهب، والمشهور أن حكم النجاسة على الثوب والبقعة كالنجاسة على البدن، ومال إليه الموفق في المغني وهو صحيح الروايتين كما ذكره المرداوي في الإنصاف.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: ومن جرح وتضرر بغسل جرحه أو مسحه بالماء تيمم له ولما يتضرر بغسله مما قرب منه، وغسل الباقي، فإن لم يتضرر بمسحه وجب وعز. وإن كانت جروحه ببعض أعضاء وضوئه لزمه إذا توضأ مراعاة الترتيب فيتيمم له عند غسله ولو كان صحيحاً، ومراعاة الموالاة فيعيد غسل الصحيح عند كل تيمم، بخلاف غسل الجنابة، أحسنت.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة حكم من كان عليه جرح يتضرر بالماء، كان هذا الجرح في أعضاء وضوئه أو في أي عضو من أعضاء بدنه في بالنسبة للغسل، فذكر أنه لا يخلو هذا الجرح من أحوال. الحالة الأولى ألا يتضرر بالغسل، فإنه يغسله، لو كان الآن الجرح ناشفاً لا يتضرر بالغسل فإنه يغسله. الحالة الثانية إذا تضرر بالغسل فإنه ينتقل إلى مسحه، يمسحه ولا يتيمم عنه على الصحيح من المذهب. والحالة الثالثة إذا كان يتضرر بالمسح فإنه ينتقل إلى التيمم عنه، ويكون التيمم خاصاً بالمحل الذي يتضرر بالماء.

واضح؟ يعني لو كان الجرح مثلاً في ساعده في منتصف ساعده، يعني يتوضأ وضوءاً كاملاً يعني يغسل ساعده كاملة ما عدا موضع الجرح، فإذا كان يتضرر بالغسل يغسله معه، إذا كان يتضرر بالغسل يمسحه، يعني يمسح موضع الجرح، أما باقي اليد فيغسلها، إذا كان يتضرر بمسحها فإنه يغسل اليد التي ليس فيها جرح ولا ما حول الجرح ويتيمم عن الجرح فقط. إن بعض الناس يحسب أنه إذا قلنا يتيمم خلاص يتيمم ولا يتوضأ أبداً، لا هذا خطأ، يتوضأ وضوءاً كاملاً ويتيمم عن موضع الجرح.

طيب أين موضع التيمم؟ أما في الغسل فإنه يتيمم متى شاء، يتيمم قبل الغسل أو بعده أو في أثنائه ولو لم يتحقق ترتيب ولا موالاة. أما في الوضوء فإنه يتيمم عند وصوله لموضع الجرح، فإذا كان مثلاً جرح في الساعد فإنه يغسل كفيه، يتمضمض، يستنشق، يغسل وجهه، ثم إما إن أراد أن يتيمم ثم يغسل صحيح من يديه أو يغسل صحيح يديه ثم يتيمم، ثم يمسح رأسه وأذنيه ثم يغسل رجليه، فلا بد من الترتيب ولا بد من الموالاة.

ويترتب على اشتراط الموالاة أنه إذا خرج الوقت وقد مضى زمن تفوت فيه الموالاة، فلا يكتفي بالتيمم عن الجرح فقط ويقول قد غسلت باقي أعضائي سابقاً، فليبطر وضوءه أيضاً بخروج الوقت لفوات الموالاة. يعني مثلاً شخص توضأ لصلاة الظهر، زين، وكان في مثلاً يده جرح، فتيمم عن هذا الجرح، يعني توضأ وضوءاً كاملاً وتيمم عن هذا الجرح، بقي على طهارته.

طيب جاء وقت صلاة العصر، الآن بطل التيمم الذي يعني هذا الجرح، زين؟ فهل نقول يتيمم فقط؟ أو نقول يعيد الوضوء كاملاً؟ يعيد الوضوء والتيمم فقط؟ شيخ، لقول اشتراط الموالاة، يعني يعيد الوضوء كاملاً مع التيمم. يعني يعيد الوضوء كاملاً مع التيمم. نعم. لذلك هنا قال ماذا قال هنا؟ قال فيعيد غسل الصحيح عند كل مراعاة الموالاة فيعيد غسل الصحيح عند كل هذا هذا المقصود بها، أنه إذا توضأ مرة أخرى وإن كان باقياً على طهارته فيعيد غسله كاملاً.

لكن إذا ما فاتت الموالاة، ما فاتت الموالاة، مثلاً توضأ قبيل أذان العصر توضأ وجلس يقرأ من القرآن، أذن العصر، الآن أراد أن يتـ قلنا بطل التيمم بخروج الوقت، أذن العصر والآن أعضاؤه ما زالت رطبة لم تنشف بعد، يقولون يجزئه التيمم فقط لأنه لم تفوت الموالاة هنا، لم تفوت الموالاة.

يعني الشيخ يقول يكون في الوضوء أذن، ها؟ يعني يكون هو يتوضأ ويؤذن، أو بعد انتهائه من الوضوء أذن، كذا؟ إي إذا كان توضأ يعني قبل دخول الوقت ثم أذن، نقول الآن بطل تيممه الذي قبل الأذان. طيب هل يعيد الوضوء؟ نقول إذا فاتت الموالاة أعاد الوضوء، إذا لم تفوت الموالاة لم يعد الوضوء.

طيب واشتراط الترتيب والموالاة هنا هو الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وهو المشهور عند المتأخرين، فقد اتفق عليه صاحب الإقناع والمنتهى. هناك قول آخر في المذهب بعدم اشتراط مراعاة الترتيب هنا، فيجزئه أن يتيمم قبل الوضوء أو بعده ولا يجب أثنائه، وهو اختيار المجد ابن تيمية وحفيده شيخ الإسلام رحمه الله، بل قال: الفصل بين أعضاء الوضوء والتيمم بدعة. ومال إليه الموفق في المغني.

واستدلوا بأن التيمم طهارة مفردة فلا يجب الترتيب بينها وبين الطهارة الأخرى، وقياساً على ما لو كان للجريح جنباً، فالجنب لا يلزمه ترتيب ولا موالاة. قالوا ولما فيه من الحرج المنتفي شرعاً. وهذا اختيار والد ابن فيروز كما ذكره في حاشيته، واختيار الشيخ عبدالله البابطين رحمه الله تعالى، وصوبه المرداوي في تصحيح الفروع، وذكر أنه المذهب على ما اصطلح عليه في مقدمة كتابه، لأنه اتفق عليه الموفق والمجد، فـ يعني على ما اصطلح عليه في مقدمة كتابه أن الموفق والمجد إذا اتفقا على قول فإن قولهما هو المذهب.

لكن هنا الموفق ترى ما صرح، ما صرح به ترجيحه وإنما مال إليه ميلاً، والمرداوي أيضاً استظهره في التنقيح. طيب لماذا صاحب المنتهى إذاً ما اختاره ما دام المرداوي استظهره في التنقيح؟ المنتهى جمع بين المقنع والتنقيح، فلماذا ما اختاره؟ قدمه صاحب لا، هو في الإنصاف ذكر أن الأول هو المذهب، لكن صاحب المنتهى يختار ما قدمه صاحب التنقيح.

وصاحب التنقيح ذكر القول الأول؛ وجوب الترتيب والموالاة. ثم ذكر أنه هناك قول لا يجب، قال وهو أظهر. قال وهو أظهر. فصاحب المنتهى يختار ما قدمه صاحب التنقيح لا ما رجح، لا ما رجح. فإذا قدم قولاً ثم رجح الرأي الثاني، فإن صاحب المنتهى يقدم أو يختار القول الأول.

طيب، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شيخنا، في أسئلة؟ شيخ، في سؤال؟ إيوه.

السلام عليكم، هذا سؤال يقول صاحبه: لو نوى بغسله رفع الحدثين ثم سمى الله، وغسل الكفين، وغسل فرجه وأكمل الغسل، فهل يرتفع الحدثين كونه مس فرجه أثناء الطهارة؟

أحسنت. إذا مس فرجه أثناء الطهارة، ثم بعد مس الفرج لم يستوعب بدنه، بمعنى مثلاً لو توضأ وضوءاً كاملاً ثم مس فرجه ثم غسل باقي البدن، لم يستوعب البدن كاملاً، فهنا الفقهاء رحمهم الله تعالى، الحنابلة رحمهم الله تعالى، ينصون على أنه يرتفع حدثه الأكبر ويبقى الأصغر. فإذا انتهى من غسله فإنه يتوضأ، يعني يعيد الوضوء فقط.

يعيد الوضوء فقط. ينصون على أنه إذا أحدث في أثناء الغسل وأكمل، فإنه يكمل ويلزمه إعادة الوضوء؛ لأنه مس فرجه، ها؟ لأنه مس فرجه، إي، لأنه مس فرجه. وكذلك لو خرج منه ريح مثلاً في أثناء الغسل.

شيخنا، هذا سؤال. نعم، في سؤال: اشتراط قول واحد في التيمم؟ قالوا: اجتمع الناس لصلاة الاستسقاء. لماذا اشترطوا اجتماع الناس؟ لأن صلاة الاستسقاء تكون يعني في الأصل جماعة، فمتى تشرع؟ إذا اجتمعوا. لكن لو أراد أن يصلي وحده فنقول: متى أراد أن يصلي فيأتيه، لكن إذا أراد أن يصلي مع الجماعة، فإنه يشترط اجتماع الناس.

شيخ، أحسن الله إليكم، ضابط الإسراف؟ هو أمر عرفي، أمر عرفي، فنقول: ما كان إسرافاً في نظر الناس؛ أن هذا بذل مالاً كثيراً خارج عن المعتاد، فإنه يعد إسرافاً. يعني مثلاً فقير اشترى عطر بـ 500 ريال، قال: هذا إسراف. لكن غني اشترى عطر بـ 1000 ريال، ليس إسرافاً، ليس إسرافاً. فهذا يختلف. يعني يا شيخ، ممكن يرد إلى قضية الشخص نفسه، إلى الغنى والفقر؟ يعني يا شيخ، ممكن؟ صحيح.

سبحان الله، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم صل وسلم صلاة تزيد بخير شيخنا.