دخولتسجيل الدخول

كتاب الطهارة 20 | الدرس الثامن عشر

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. المصنف رحمه الله تعالى: باب الحيض. أصله السيلان من قولهم حاض الوادي إذا سال، وهو شرعاً دم طبيعة وجبلة يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته.

لا حيض قبل تسع سنين، فإن رأت دما بدون ذلك فليس بحيض لأنه لم يثبت في الوجود، وبعدها إن صلح فحيض، قال الشافعي: رأيت جدة لها إحدى وعشرين سنة. ولا حيض بعد خمسين سنة لقول عائشة رضي الله عنها: إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض. ذكره أحمد. ولا فرق بين نساء العرب وغيرهن، ولا حيض مع حمل، قال أحمد: إنما تعرف النساء الحمل لانقطاع الدم. وإن رأى دما وهو دم فساد لا تترك له العبادة ولا يمنع زوجها من وطئها، ويستحب أن تغتسل بعد انقطاعه، إلا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة مع أمارة فنفاس ولا تنقص به مدته.

بارك الله فيك، أنهى المؤلف رحمه الله تعالى الكلام على أنواع الطهارة من رفع الحدث وما كان في معناه وزوال الخبث، ثم ختم أبواب الطهارة بباب الحيض، وهو نجاسة تزاف. وتقدم في الباب السابق ذكر نجاسة دم الحيض وكيفية تطهيره. الحيض أيضاً حدث يرفع، وهو وإن كان من موجبات الغسل وتقدمت الإشارة له في بابه، لكن الفقهاء رحمهم الله تعالى أفردوه بباب مخصوص لكثرة مسائله وانفراده عن موجبات الغسل ببعض الأحكام، وأخروه عن الأبواب السابقة أيضاً لكون أحكام الأبواب السابقة شاملة للجنسين بخلاف الحيض فأحكامه خاصة بالأنثى كما تقدمت الإشارة له في باب إزالة النجاسة.

وذكر المؤلف رحمه الله تعالى تعريف الحيض في اللغة والاصطلاح، وأنه في اللغة من السيلان، وفي الاصطلاح دم طبيعة وجبلة، يعني أنه سجية وخلقة ليس من مرض، يخرج من قعر الرحم أي موضع تكوين الولد ووعائه عند البلوغ وبعده مع الصحة لا مع المرض، ويخرج في أوقات معلومة. والله عز وجل خلق دم الحيض بحكمة غذاء الولد وتربيته، لأن الجنين يحتاج للغذاء، فلو شارك المرأة في غذائها لخارت قواها، فجعل الله سبحانه وتعالى له فضلة من فضلاتها مخلوقة من مائها، فاذا حملت المرأة انصرفت تلك الفضلات بإذن الله إلى غذاء، يعني هذا الدم إذا حملت المرأة انقلب إلى غذاء للجنين، فلذلك قيل إن الحامل لا تحيض، فإن حاضت فقيل إنه يخرج بعبّر الدم يحتبس بعضه، فإذا وضعت المرأة الجنين قلب الله عز وجل أيضاً الدم إلى لبن يتغذى به الولد، ولذلك قل أن تحيض المرضع.

والأصل في الحيض الكتاب والسنة والإجماع. لمن رحمه الله ذكر أن الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث أم حبيبة بنت جحش، وحديث حمنة بنت جحش، وفي رواية أم سلمة بدل أم حبيبة. أما حديث فاطمة بنت أبي حبيش فالمقصود به ما رواه الشيخان رضي الله تعالى عنهما من حديث عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إن ذلك عرق، ولكن دع الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي». متفق عليه. وهذا الحديث فيه رد إلى عادتها كما سيأتينا إن شاء الله بأحكام المستحاضة. وأما حديث أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها فقد رواه الشيخان أيضاً من حديث عائشة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم حبيبة: «امكثي بقدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي». وجاء عند الخمسة إلا الترمذي بلفظ: «أن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي وإذا أقبلت فاتركي لها الصلاة». وعند أبي داوود والنسائي: «أسود يعرف». وهذا فيه رد للتمييز. وأما حديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها فقد قالت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصيام؟ فقال: «أنعت لك الكرسف». قالت: هو أكثر من ذلك. وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما هذا ركبة من ركبات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله تعالى، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيتي فصلي أربعاً وعشرين أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها وصومي». وفي رواية: «تنجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام». رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الإمام أحمد وحسنه البخاري. وهذا فيه رد لععادة النساء.

وهذه الأحاديث الثلاثة هي التي جاءت في المستحاضة أنها إما أن ترد إلى عادتها أو إلى التمييز أو إلى عادة غالب النساء، والإمام أحمد رحمه الله أخذ بالأحاديث هذه كلها وحمل كل حالة منها أو حمل كل حديث منها على حالة كما سيأتينا إن شاء الله في أحكام المستحاضة. وأما حديث أم سلمة فقد روت أن امرأة كانت تهراق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «لتنظر عدد الأيام والليالي أو عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فاذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر ثم تصلي». رواه الخمسة إلا الترمذي. وهذا فيه رد للعادة.

وأحكام الحيض تشكل على بعض الناس خاصة الرجال لعدم يعني مزاولتهم لها، وتشكل على النساء أيضاً وأقل إشكالاً على الرجال، لكن تشكل عليهم لأنهم يزاولونها فيشكل عليهم بعض أحكامها. والفقهاء رحمهم الله تعالى يذكرون في هذا أيضاً تقسيمات كثيرة، لكن إذا ضبطت أصل الباب والأحاديث التي ذكر الإمام أحمد رحمه الله وضبطت تقاسيم الباب، يعني مثلاً الحيض يشتمل على مسائل، منها تحديده، تحديده أقله أكثره غالبه أيضاً تحديده بالسن، وأيضاً يشتمل على ما تمتنع منه المرأة الحائض، ويشتمل على ما الذي يميز دم الحيض عن الاستحاضة وكيف تصنع المرأة إذا رأت الدم أول مرة وكيف تصنع إذا رأت الدم زاد عن أكثر من مدة الحيض. فإذا ضبط هذه وظبطت تقاسيمها وأيضاً مسائل أخرى لكن أقصده إذا ضبط مسائل الباب بمعنى تقاسيمه وظبط التقاسيم خلاص سهل عليه فهم التفريعات، اضبط مسائل الباب وتقسيمها يسهل عليك فهم التفريعات.

ذكر المؤلف رحمه الله في أول الباب تحديد الحيض من حيث السن والحال، فذكر أن الحيض لا يكون قبل تسع سنين ولا بعد خمسين سنة، فأقل سن تحيض به المرأة تسع سنين وأكثر سن خمسون سنة، ولابد أن تكون حائلاً أي لا حاملاً. فلاحظ مع حمل وكونه لا حيض قبل تسع سنين. هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وهو تحديد لا تقريب، يعني لابد أن تبلغ التسع سنين كاملة، وهو تحديد لتقرير المذهب، فإذا رأت الدم وهي مثلاً بنت ثمان سنين فليس بحيض، لماذا؟ يقول الأصحاب رحمهم الله تعالى لكون ذلك يعني لم يثبت في الوجود أن المرأة تحيض دون تسع، ولأن الحيض إنما خلق لحكمة تربية الولد وغذائه والمرأة التي دون التسع ليست أهل للحمل فلا توجد فيها حكمة.

أما إذا رأته بعد التسع فحيض إن صلح له، لا يقل عن يوم وليلة ولا يزيد عن أكثره خمسة عشر يوماً. ويستدل أصحابه على ذلك بقول عائشة رضي الله عنها: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. ذكره الترمذي والبيهقي بدون إسناد، وروي مرفوعاً عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عند أبي نعيم والديلمي لكنه ضعيف. واستأنس المؤلف رحمه الله تعالى لإمكانية الحيض من بنت تسع بما ذكره الشافعي رحمه الله من قوله: رأيت جدة لها إحدى وعشرين سنة. فدل على أنها حملت بدون عشر ثم يعني انجبت امرأة أم انجبت بنتاً وهي بنت عشر، ثم بنتها أيضاً حملت بدون عشر يعني تسع، فانجبتها وهي بنت عشرين والأم بنت عشرين، أمكن أن تكون هذه الجدة لها إحدى وعشرين سنة.

الأمر الثاني أنها أن أكثر سن تحيض فيه المرأة هو خمسون سنة، فلا حيض بعد خمسين سنة على المذهب، فما تراه المرأة من الدم بعد بلوغ الخمسين فليس بحيض فلا تجلس له بل تصوم وتصلي. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بأثر عائشة رضي الله تعالى عنها: إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض. ذكره أحمد في رواية حنبل. وذكر أنه لا فرق بين نساء العرب وغيرهن، وهذا إشارة إلى خلاف بعض العلماء رحمهم الله تعالى من الأصحاب وغيرهم الذين فرقوا بين نساء العرب ونساء العجم، قالوا نساء العرب يحضن إلى ستين ونساء العجم يحضن إلى خمسين، فذكر هنا أنه لا فرق بينهما، ولا خلاف في المذهب أنه لا يتجاوز الستين كما نقله ابن أبي عمر في الشرح.

ولا حيض مع حمل، وهذا هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب، فإذا حملت المرأة ثم استمرت ترى الدم أثناء حملها فلا يعد حيضاً، وإنما هو دم فساد. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض». رواه أحمد وأبو داوود. فدلت مغايرته بينهما على عدم اجتماعهما. وفي حديث عمر لما طلق امرأته وهي حائض ذكر عمر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وأمر عمر أن يأمر ابنه أن يراجعها ثم يطلقها طاهراً أو حاملاً، فجعل الحمل علماً على عدم الحيض كما جعل الطهر علماً عليه، وهذا احتج به الإمام أحمد رحمه الله. وقال الإمام أحمد رحمه الله: إنما تعرف النساء الحمل لانقطاع الدم، قال: فإذا رأى الدم فهو دم فساد.

ويترتب على كونه دم فساد لا دم حيض أنها لا تترك له العبادة التي تمتنع مع الحيض كالصلاة والصوم والأذكار في قراءة القرآن، وأيضاً لا يمنع زوجها من وطئها زمن نزول الدم، لأنه ليس دما حيض وإنما هو دم فساد، ولو لم يخف العنت، يعني حتى لو يستطيع الصبر لا يمنع من وطئها. والحجاوي رحمه الله في الإقناع قيده بخوف العنت، قيده بخوف العنت يعني يقول لا يطأها إلا إذا خاف العنت، ولعل هذا مبني على الاختلاف في معنى الاستحاضة، سيأتينا إن شاء الله ما المراد بالاستحاضة؟ هل هي مقصورة على الدم الذي جاوز أكثر الحيض، أما ما عداه فيسمى دم فساد؟ يعني الدم إذا جاوز خمسة عشر يوماً فيسمى استحاضة، وأما الدماء الأخرى التي لا تصلح أن تكون حيضاً فإنها تكون دم فساد. هذا احتمال أو هذا قول عند بعض الأصحاب، أو نقول دم الاستحاضة شامل لكل دم لا يصلح أن يكون حيضاً أو نفاساً، فكل دم فساد يكون دم استحاضة. الحجاوي رحمه الله على الثاني وأن دم الاستحاضة هو كل ما لا يمكن أن يكون حيضاً أو نفاساً، ولذلك الحامل إذا نزل عليها دم فانه يعتبر دم استحاضة وفساد لكنه له حكم الاستحاضة، ومنها أحكام الاستحاضة أنها لا توطأ إلا مع خوف العنت.

ولذلك قال بهوت الكشاف لما ذكر الحجاوي أنها لا توطأ إلا مع خوف عنت قال: ولم يذكر هذا القيد صاحب الفروع والانصاف والمبدع والمنتهى والشرح ولا غيره ممن وقفت على كلامه.

الأمر الثالث مما يترتب على كون دم الفساد لاحظ أنه يستحب لها الغسل بعد انقطاعه، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله خروجا من خلاف من يراه حيضاً، وقد نص الإمام على أنها تغتسل، حمله القاضي على الاستحباب.

واستثنى المؤلف رحمه الله تعالى من هذا الدم ما تراه الحامل ما تراه قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مع أمارة على قرب الولادة كالتألم، فإنه نفاس يأخذ أحكام النفاس، لكن لا تنقص به مدته فلا بد أن تستكمل أربعين يوماً بعد الولادة، ولا تعد منها اليومين والثلاثة التي بدأ فيها نزول الدم، يعني الدم الذي تراه الحامل قبيل الولادة بيومين أو ثلاثة ومعه طلق، فهذا تعتبره دم نفاس، تعتبره دم نفاس فتدع الصلاة والصوم، لكنه لا تنقص به المدة، فنقول إذا ولدت الآن تحسب أربعين يوم، ما تحسب اليومين أو الثلاثة التي سبقت الولادة.

فلو فلو تركت الصلاة والصوم، يعني أحست بقرب الولادة فتركت الصلاة والصوم لكن تبين أن الولادة بعيدة ما ولدت إلا بعد عشرة أيام، سنكون هنا تبين أن يعني رأى الدم ومعه طلق فظنت أن الولادة قريبة، لكنها لم فتركت الصلاة والصوم لكنها لم تلد إلا بعد عشرة أيام، فنقول تعيد هذه الصلوات والصوم الذي تركته، لماذا؟ لأنه تبين أنه ليس بدم نفاس.

هذا المشهور المذهب أنه لا حيضة قبل تسع سنين ولا بعد خمسين ولا مع حمل. وفي المسألة قول آخر في المسائل الثلاث: أن ما تراه المرأة من دم تنطبق عليه أوصاف دم الحيض فهو حيض يثبت له أحكامه ولو رأته قبل التسع أو بعد الخمسين أو مع الحمل، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله واختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وصوبه الموفق بن قدامة في المغني والمرداوي في الإنصاف في المسألتين الأخيرتين اللي هي أنه لاحظ قبل خمسين ولما حمل، فالمرداوي والموفق يرون ترجيح أنه مع الحمل وأنها تحيض بعد الخمسين إلى الستين.

وٱستدلوا بأنّ الله عزّ وجلّ علّق الحيض على وصف، وهو كونه أذى. فقالوا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]. فإذا وجد وصف الأذى، تعلّقت به الأحكام المترتبة على الحيض.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: وأقله، أي أقل الحيض، يوم وليلة، لقول علي رضي الله عنه. وأكثره، أي أكثر الحيض، خمسة عشر يوماً بلياليها، لقول عطاء: رأيت من تحيض خمسة عشر يوماً. فغالبه، وهي غالب الحيض، ست ليال بأيامها أو سبع ليال لأيامها. وأقل طهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً، احتج أحمد بما روي عن علي رضي الله عنه أن امرأة جاءته وطلقها زوجها، فزعمَت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، فقال: سل فيها شريحاً. قال: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينهم وأمانتهم فشهدت بذلك، وإلّا فهي كاذبة. فقال علي: قالون، أي جيد بالرومية، ولا حد لأكثره، أي أكثر الطهر بين الحيضتين؛ لأنه قد وجد من لا تحيض أصلاً، لكن غالبه بقية الشهر. والطهر زمن خلوص النقاء بأن لا تتغير معه قطنة احتشت بها، ولا يكره وطؤها زمنه إن انتسبت.

أحسنت. وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة. أحسنت. ذكر المؤلف رحمه الله في هذه المسألة أقل مدة الحيض الدورية، يعني التي تأتي في الشهر، وأكثرها، وغالبها، وأقل طهر بين حيضتين وأكثر. تذكّر أن أقل مدة الحيض يوم وليلة، يعني أربعة وعشرين ساعة، هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، بدليل أثر علي الذي ساقه المؤلف رحمه الله في مسألة أقل الحيض، وهو أن امرأة جاءته وقد طلقها زوجها، فزعمَت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، يعني أنها خرجت من العدة، فقال علي رضي الله عنه لشريح: سل فيها، يعني ما ترى فيها؟ قال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته فشهدت بذلك، يعني أخذنا بكلامه، وإلّا فهي كاذبة. وقال علي: قالون، أي جيد بالرومية. فأقرّ علي رضي الله عنه شريحاً على قبول دعوى من ادّعت انقضاء عدتها في شهر، وهذا إنما يتصور بأن تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، هذه أربعة عشر، ثم في اليوم الخامس عشر تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، هذه ثمان وعشرين، ثم تحيض يوماً وليلة، هذه تسع وعشرين. لكن لما كانت قليلة، اشترط البينة عليها، طبعا اشتراط البينة هذه للخروج من العدة، أما لوجوب الصلاة أو الصوم عليها، ومع ذلك فهذا يقبل قولها بدون إحضار بينة لأنها مؤتمنة عليه.

طيب، أكثر مدة الحيض خمسة عشر يوماً، هذا المذهب وعليه جمهور الأصحاب، وذكر الخلال رحمه الله أنه لا اختلاف فيه عن أبي عبد الله، وذكروا بأنه وجد. فذكر المؤلف رحمه الله أثراً عن عطاء رحمه الله قوله: رأيت من تحيض خمسة عشر يوماً، وأيضاً ذكر عن علي رضي الله عنه قال: ما زاد على الخمسة عشر استحاضة. ويستدل بعض الأصحاب في حديث تنفث أحداهن شطر عمرها لا تصلي، بأن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يوماً، فتمكث خمسة عشر يوماً لا تصلي، وخمسة عشر يوماً تصلي. والحقيقة أنه لا يوجد الحديث بهذا اللفظ في كتاب من كتب الحديث، كما أفاده جمع من المحدثين كالبيهقي وابن عبد البر وابن رجب وابن كثير وابن الملقن وغيرهم.

أما غالب الحيض فيقول: ستة أو سبعة، وهذا صحيح في حديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة»؛ وهذا عند أحمد والترمذي وصححه. وقوله: ستة أو سبعاً للتنويع، فمن النساء من غالب عادتها ستة، ومنهن من غالب عادتها سبع. وأقل طهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً للأثر الذي ساقه المؤلف، وهذا المذهب وعليه جمهور الأصحاب وهو من المفردات، وقال الأصحاب رحمهم الله تعالى: وهذا توقيفي واشتهر ولا يعلم خلافه. والحقيقة يعني أن هذه يكثر في كتب الأصحاب رحمهم الله تعالى: اشتهر ولم يعلم خلافه. لكن الحقيقة أن الأحكام تختلف، فمثل هذا هل هو مظنة الاشتِهار؟ يعني امرأة جاءت تستفتي في أو تدعي أنها خرجت من عدة في قضية خاصة، وعنده شريح وأفتى فيها، هل هي مظنة الاشتِهار؟ والله أعلم أنها ليست مظنة الاشتِهار، لكن الأصحاب رحمهم الله تعالى يتوسعون في هذا.

وأنبّه إلى أنه جاء في المبدع والكشاف وأيضاً شرح المنتهى للبهوتي، جاء فيه قال أحمد: لا يختلف أن العدة يصح أن تنقضي في شهر إذا قامت به البينة. الحقيقة أن هذا النقل صحيح، وأصله من قول الموفق في المغني، وعنه الشارح ابن أبي عمر في الشرح الكبير، وهما يعلّلان لمسألة أقل الطهر بين الحيضتين، وكان في تعليلهما على أن أقل الطهر في حوالي ثلاثة عشر يوماً، قالوا: لأن كلام أحمد لا يختلف أن العدة يصح أن تنقضي في شهر إذا قامت به البينة. مرادهما أنه لم ينقل عن الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة خلاف، يعني لم ينقل بعض الأصحاب رحمهم الله تعالى عن الإمام أحمد رأياً آخر في أنه لا تقبل دعوى إذا ادّعت انقضاء عدتها في شهر، الإمام أحمد لم يختلف قوله في هذا، وليس مرادهما أن الإمام أحمد رحمه الله نقل إجماع من سبقه، كما توهمه عبارة ابن مفلح في المبدع والبهوتي في الكشاف وشرح المنتهى.

طيب، الرابع: أنه لا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين. طبعا هنا قوله: أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، فإذا وجد طهر أقل، مثلاً حاضت ستة أيام ثم طهرت يوماً ثم حاضت يومين أو ثلاثة، فنقول: هذا يعتبر طهراً بين أيام الحيض، لا تعتبر حيضتين، تعتبر حيضة واحدة. هل تجلس هذا أو لا تجلس؟ هذه مسألة أخرى، لكنه طهر بين أيام الحيض، لا يعتبر حيضة. يعني لو أن امرأة طلقها زوجها، وهي من ذوات الحيض، الآن ستعتد ثلاث حيضات، حاضت خمسة أيام ثم طهرت يومين ثم حاضت يومين آخرين ثم طهرت، هل نقول الآن مضى لها حيضتان؟ أو نقول حيضة واحدة؟ لا، نقول: حيضة واحدة. لكن لو أنها حاضت مثلاً خمسة أيام، ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً، ثم حاضت يومين، ثم طهرت، فنقول: الآن مضى لها حيضتان، بقي لها حيضة واحدة، ولو لم تسحب هذه الحيضات الثلاث في ثلاثة أشهر.

ولا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين، وهذا إجماعاً؛ لأنه قد وجد من لا تحيض أصلاً، وقد ذكر أن امرأة تحيض في كل سنة مرة يوماً وليلة. وغالب الطهر بقية الشهر: أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين يوماً.

ثم ذكر كيف تعرف المرأة الطهر زمن الحيض، وأنها تعرفه بخلوص النقاء، وفسر ذلك بأن تحتشي بقطنة فلا تتغير. ثم ذكر أن المرأة إذا طهرت قبل زمن طهرها المعتاد، يعني امرأة مثلاً عادتها ثمانية أيام فطهرت في اليوم السادس، فإنها هنا إذا طهرت قبل زمن طهرها المعتاد فإنها لا يكره وطؤها فيه، فمن عادتها سبعة أيام والطهر في الخامس فلا بأس بأن يطأها زوجها؛ لأن الله عز وجل وصف الحيض بكونه أذى، فإذا انقطع فقد زال الأذى.

السلام عليكم. قال رحمه الله: وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة إجماعا، ولا يصحان، أي الصوم والصلاة منها، أي من الحائض، فيحرمان عليها، كالطواف وقراءة القرآن واللبث في المسجد لا المرور به إن أمنت تلويثه. ويحرم وطؤها في الفرج إلا لمن به سبق بشرطه، قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. فإن فعل، بأن أولج قبل انقطاعه من يجامع مثله، طوعاً أو ناسياً أو جاهلاً، فعليه دينار أو نصفه، على التخيير، كفارة، في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار» رواه أحمد والترمذي وأبو داود وقال: هكذا الرواية الصحيحة. والمراد بالدينار مثقال من الذهب مضروباً كان أو غيره، أو قيمته من الفضة، ويجزئ بواحد، وتسپط بعجزه، وامرأة مطاوعة كرجل. ويجوز أن يستمتع منها، أي من الحائض، بما دونه، أي دون الفرج، من القَبْل واللمس والوطء دون الفرج. المحيض اسم مكان الحيض، عفواً، لأن المحيض اسم لمكان الحيض، قال ابن عباس رضي الله عنهما: تعتزل نكاح فروجهن، ويسن ستر فرجها عند مباشرة غيره. وإذا أراد وطأها أدعت حيضاً ممكناً قبل. وإذا انقطع الدم، أي دم الحيض أو النفاس، ولم تغتسل، لم يباح غير الصيام والطلاق. وإن عدمت الماء تيممت وحل وطؤها. وتغتسل المسلمة وتغسل المسلمة الممتنعة قهراً. ولا نية هنا كالكافرة للعذر، ولا تصلي به، وينوى عن مجنونة، وصلت كميت.

أحسنت. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة مجموعة من الأحكام لا يجوز فعلها بسبب الحيض، وذكر هنا سبعة من الأفعال التي لا تجوز للحائض أو بسبب الحيض، ربما نعدها ثمانية إذا أراد البسط. الأول: الصلاة. الثاني: وجوب الصلاة. والثالث: الصوم. الرابع: الطواف. الخامس: قراءة القرآن. والسادس: اللبث في المسجد. والسابع: الوَطْء. والثامن: الطلاق. والحجاوي رحمه الله في الإقناع ذكر خمسة عشر فعلاً، والبهوتي في المنتهى ذكر اثني عشر فعلاً، تراجع هناك من أراد الأزدياد.

الأول والثاني: الصلاة والصوم. المؤلف رحمه الله تعالى يقول: وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة إجماعاً. وتقضي الصوم لا الصلاة إجماعاً، وهذا القانون يصحان منها، وهذا فيه فعل الصلاة ووجوب الصلاة. فعل الصلاة، يعني لا يجوز لها أن تصلي. ووجوب الصلاة، بمعنى أنه امتنع وجوب الصلاة عليها فلا يلزمها القضاء. وأما الصوم فنقول فعل الصوم فقط، لا وجوب الصوم، بل يلزمها القضاء. فالصلاة والصوم لا تصحان من الحائض، ويحرم عليها فعلهما بالنهي عن ذلك، ويلزم الحائض قضاء الصوم لا الصلاة إجماعاً لقول عائشة رضي الله عنها: كان يصيبنا ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. ونقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم رحمهم الله تعالى، كابن المنذر وابن هبيرة والنووي. سُئل الإمام أحمد رحمه الله في رواية الأثرم: فإن أحبت أن تقضيها، أي الصلاة؟ قال: هذا خلاف السنة. قال في الفروع: وظاهر النهي التحريم، وأنه قال لا، ويجوز احتمال يكره، لكنه بدعة.

الثالث والرابع والخامس: الطواف وقراءة القرآن واللبث في المسجد، وتقدم الكلام على ذلك في الكلام على نواقض الوضوء فيما يخص الطواف، وفي باب الغسل فيما يخص قراءة القرآن واللبث في المسجد. ويجوز لها المرور في المسجد، قال: المرور به إن أمنت التلويث، فيجوز لها المرور في المسجد إن أمنت تلويث المسجد، وهذا هو المذهب؛ لأن الجنب مباح له المرور في المسجد لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43]. فإن لم تأمن التلويث حرم المرور؛ لأن تلويث المسجد بالنجاسة محرم، والوسائل لها أحكام المقاصد.

السادس: وطْء الفرج لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»؛ وهذا مجمع عليه أن الحائض لا يجوز وطْء الفرج، هذا مجمع عليه. المؤلف رحمه الله تعالى: لمن به سَبَق، أي مرض ينشأ عنه شدة الشهوة ولا يستطيع معها ترك الجماع، فيجوز له وطْء الحائض بشرطه. الفقهاء رحمهم الله تعالى اشترطوا لذلك أربعة شروط: الأول: ألا تندفع شهوته بدون وطْء الفرج، فإن كانت تندفع شهوته بدون ذلك، كان يستمتع مثلاً بين الفخذين ونحو ذلك، فنقول: لا يجوز له إذن الوَطْء في الفرج. الثاني: أن يخاف الضرر بأن يخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ. الثالث: ألا يجد امرأة مباحة غير الحائض، فإن كان له مثلاً امرأة ثانية فنقول: لا يجوز له أن يطأ الحائض، أو كانت له أمة فلا يجوز له وطْء الحائض. الرابع: ألا يقدر على مهر حرة ولا ثمن أمة، فإذا كان يقدر عنده استطاع أن يتزوج امرأة ثانية، فنقول: لا يجوز له أن يأتي امرأته الحائض.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا فعل، يعني جامع في الحيض، فتجب به الكفارة، تجب به الكفارة بشروط. الأول: أن يكون الوَطْء في الفرج، فإذا كان الوَطْء فيما دون الفرج فإنه لا تجب به الكفارة؛ لأنه لا يحرم أصلاً إلا لمن خاف على نفسه. الثاني: حصول حقيقة الجماع، أن يحصل إيلاج في الفرج، إيلاج الحشفة أو قدرها، فإن لم يحصل ذلك لم تجب الكفارة، يعني إن أولج أقل من الحشفة فإنه لا تجب الكفارة. الثالث: أن يكون الجماع قبل انقطاع دم الحيض، يعني وعليها الدم، فلو جامعها بعد انقطاعه لكن قبل الغسل فإنه يحرم، ولكن لا كفارة عليه في المنصوص، وهو الصحيح من المذهب. الرابع: أن يكون الزوج ممن يجامع مثله، فلا تلزم الكفارة لو كان الزوج دون عشر سنين، فعلى هذا لا يشترط البلوغ على الصحيح من المذهب، ولا يشترط أن يكون الإيلاج بدون حائل، لذلك المؤلف: ولو بحائل.

تلتزم الكفارة ولو ألقى على ذكره خرقة ونحوها. وهذا ذكره المرداوي في الإنصاف مقتصرًا عليه، ذكره في الإقناع والمنتهى، كما لا يشترط القصد والذكر علمًا في الرجل، فتلزم الكفارة ولو كان المجامع مكرها أو ناسيًا أو جاهلًا للحكم على الصحيح، أو جاهلًا حال المرأة على الصحيح من المذهب، لعموم الخبر وقياسًا على الوطء في الإحرام. أما المرأة فعذروها بالجهل والإكراه والنسيان. وفرق بينهما؛ قالوا بأن المجامعة لا تكون غالبا إلا من الرجل فجانبه أقوى، فلم يعذر، وجانبها أضعف فعذرت.

وجوب الكفارة في الحيض من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى. وكونه يخير أيضًا بين الدينار والنصف؛ فكلاهما واجب والخير بينهما، هذا هو المذهب نص عليه الإمام أحمد. فانقيل: كيف يخير بين الشيء ونصفه ونقول كلاهما واجبان؟ الجواب: أن هذا ليس بمستغرب، المسافر مخير بين القصر والإتمام أيهما فعل فإنه يعتبر قد أدى الواجب عليه، فكذلك هنا. واستدل الأصحاب رحمهم الله تعالى بأثر ابن عباس رضي الله عنهما الذي ذكره المؤلف يتصدق بدينار أو نصف كفارة رواه الخمسة وأُعل بالاضطراب.

والإمام أحمد رحمه الله ذهب في رواية أخرى إلى عدم وجوب الكفارة، وإنما يلزمه التوبة والاستغفار، وهذا قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى لعدم صحة الحديث والأصل براءة الذمة. وقالوا ورد في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة في دبرها، أو أتى حائضًا، فقد كفر بما أنزل على محمد» وهذا عند الترمذي وابن ماجه ولم يذكر كفارة، ولأنه وطء نهي عنه من أجل الأذى في الدبر فلا كفارة فيه. وهذا الحديث اه منعت كاهنًا إلى آخره ضعفه الإمام البخاري رحمه الله فيما حكاه عنه الترمذي. ومدار حديث الكفارة على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ولذلك قيل للإمام أحمد رحمه الله: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم، لأنه من حديث فلان -أظنه قال عبد الحميد- قال: ولو صح ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنا نرى عليه الكفارة. هذا قول الإمام أحمد رحمه الله في إحدى الروايتين، وفي الرواية التي هي المشهورة قال في يعني في موضع آخر قال ليس به بأس أن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال ليس به بأس. أين تذهب إلى حديثه؟ قال: نعم البأس قد روى الناس عنه. الموفق رحمه الله في اختلاف الرواية في الكفارة عن الإمام أحمد رحمه الله: في الكفارة روايتان، قال: فاختلاف الرواية في الكفارة مبني على اختلاف قول أحمد في الحديث بأنه في مرة لعل الحديث في مرة أخذ به.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن المراد بالدينار ما يزن مثقالًا من الذهب، سواء كان الدينار مضروبًا يعني مصوغا على أنه دينار أو غير مضروب على الصحيح من المذهب، وهذا فيه إشارة إلى خلاف من اشترط ضرب الدينار يعني صوغه أن يكون دينارًا لا يكون ذهبًا خامًا. ولا يجزئ إخراج القيمة على الصحيح من المذهب، لو قال شخص مثلا الدينار مثلا خمسين ريال خلاص أنا بتصدق خمسين ريال، أو قال سأشتري مثلا أرزًا بقيمة دينار ونحو ذلك، فنقول لا يجزئ إخراج القيمة. لماذا؟ قالوا: لأنه كفارة فاختص ببعض أنواع المال كسائر الكفارات. بعض الكفارات تختص بأنواع من المال، مثل كفارة مثلا الأذى فدية الأذى اطعام عشرة نعم أطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع يعني على الأشياء المكيلة لا كله طعام، وهكذا فقالوا: كما أن الكفارات تختص ببعض أنواع المال فكذلك هنا يختص الدينار من الذهب. واستثنوا الفضة فقالوا: يجزئ أن يخرج عن الدينار درهمًا على الصحيح من المذهب، أحدهما عن الآخر في باب الزكاة.

ويجزئ دفع الكفارة لواحد فقط في قول أكثر الأصحاب لعموم الخبر فلم يشترط توزيعها على أكثر من واحد. وهنا فائدة ذكرها شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وهي أن المأمور باخراجه في الزكوات والكفارات عليه ثلاثة أقسام: أما أن يحدد مقدار المخرج والمدفوع له، مقدار المخرج كم تخرج، وعلى كم توزع، مثل فدية الأذى محدد مقدار المخرج ثلاثة آصاع، كم مسكين تدفع؟ إلى ستة مساكين، فهنا يلتزمون بها المال، فلو أخرج مثلا صاعًا واحدًا وقسمه إلى ستة مساكين قلنا لا لا يجزئه، أو أخرج ثلاثة آصاع وأعاها مسكينًا واحدًا نقول كذلك لا يجزئ، لابد أن يخرج ثلاثة آصاع ويقسمها على ستة مساكين. القسم الثاني: أن يحدد المخرج دون المدفوع له، فيجزئ لواحد وأكثر، مثل ماذا؟ مثل صدقة الفطر، حددت لكن لم يحدد عدد الذين تدفع لهم، فيجوز أن يدفع الصاع لواحد، ويجوز أن يقسمه بين اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة ونحو ذلك، لأنه لم يحدد المدفوع له. الثالث: أن يحدد المدفوع له دون المخرج، مثل الإطعام في كفارة الجماع في نهار رمضان أو كفارة اليمين أو كفارة القتل كلها مثلا إطعام ستين مسكينا إطعام عشرة مساكين لكن كم نطعم الواحد منهم؟ فهنا نقول يلتزم بالعدد يلتزم بالعدد، أما المقدار ففيه خلاف في المجزئ، والذي يقرره الأصحاب رحمهم الله تعالى أنه يدفع لكل مسكين مد بر أو نصف صاع غيره. وكفارة الوطء في الحيض من القسم الثاني، فحدد المدفوع ولم يحدد المدفوع له.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن هذه الكفارة إذا وجبت عليه فعجز عن إخراجها لفقره فإنها تسقط. وعن أصحابه رحمهم الله تعالى في المشهور عنهم أن جميع الكفارات لا تسقط بالعجز إلا هاتان الكفارتان، كفارة الوطء في نهار رمضان وكفارة الوطء في الحيض. سقوطها في وطء الحائض هو إحدى الروايتين، وقد صححها ابن مفلح رحمه الله في الفروع في باب الصوم، ولذا ذكره المرداوي على الصحيح من المذهب عدم سقوطها بالعجز عدم سقوطها بالعجز، يعني خلاف ما قرره المؤلف هنا لكن هذا المذهب عند المتأخرين أنها تسقط حال العجز، وهو الذي ذكره الحجاوي في الإقناع والبهوتي في المنتهى.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن وجوب الكفارة ليس خاصًا بالرجل بل يشمل المرأة بشرط أن تكون مطاوعة، يعني أنها ليست مكرهة فيتعلق بها التحريم والكفارة. وقد قال المؤلف رحمه الله وقد قال الإمام أحمد رحمه الله في امرأة غرت زوجها فوطأها وهي حائض بتغريرها قال إن عليه الكفارة وعليها، ولانه وطء يوجب الكفارة فوجب على المرأة المطاوعة، فوجبت عليها الكفارة المرأة المطاوعة، ككفارة الوطء في الإحرام، ووجوب الكفارة عن المرأة من المفردات أيضًا.

طيب هل وطء الحائض في الفرج كبيرة أو لا أو ليس بكبيرة؟ ابن مفلح في الفروع، حفيده صاحب المبدع، والحجاوي في الإقناع رحمهم الله تعالى نصوا على أنه ليس بكبيرة، إلا أنه ليس بكبيرة. أما الشيخ مرعي مرعي الكرمي في غاية المنتهى فذكر أن وطء الحائضة كبيرة، قال خلافا للحجاوي في باب الحيض. وذكر البهوتي في الكشاف وكذا في حاشيته على الإقناع أن الحجاوي عده من الكبائر في باب الشهادات من الإقناع، في باب الشهادات قولين، وتبعه على عزو القول الحجاوي الرحيباني في مطالب أولي النهى، وابن حميد رحمه الله في حاشيته على شرح المنتهى ناقلًا الحاشية يظنها بخط، وبمراجعة باب الشهادات من كتاب الإقناع المطبوع مفردًا والمطبوع مع الكشاف لم أجد الحجاوي رحمه الله نص على أن وطء الحائض في فرجها من الكبائر، لكنه ذكر ذلك في منظومته المفردة في الكبائر إذ قال في سياق عده للكبائر: واتيان من حاضت بفرج وشكواها على زوجها من غير عذر ممهد. وهذه المنظومة سرد بها أمثلة من الكبائر التي نص عليها في باب الشهادات من الإقناع فلعلها وجدت في بعض نسخ الإقناع والله أعلم.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يجوز للزوج الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج. الموفق رحمه الله يرى أن الاستمتاع من الحائض على ثلاثة أقسام: استمتاع بما وقع في الفرج فهذا لا يجوز إجماعًا، واستمتاع بما فوق السرة ودون الركبة فهذا جائز إجماعًا، يعني استمتع مثلا منها بتقبيلها على خدها ونحو ذلك أو أو يعني فهذا كله فهذا كله جائز إجماعًا، الخلاف في الاستمتاع بما بين السرة والركبة دون الفرج، هذا فيه الخلاف، والمشهور في المذهب جوازه إذا أمن مواقعة المحظور وهذا من المفردات. واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] والمحيض مكان الحيض وهو الفرج، وتفسير المحيض بمكان الحيض هو المشهور من المذهب وهو الصحيح من المذهب، فدل مفهومه على جواز الاستمتاع بما دونه. فإن قيل: إن قوله المحيض هو الحيض، وفي المحيض يعني في الحيض ما بين السرة والركبة؟ أجاب الموفق رحمه الله عن ذلك من وجهين: الوجه الأول يقول لو أراد الحيض لكان آمرًا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع بخلافه، يعني لو قلنا تعتزل النساء في المحيض يعني في الحيض قلنا خلاص اعتزل جسمها كله وهذا غير مراد بالإجماع.

الثاني يقول نظر إلى سبب نزول الآية، فقد كان في شأن اليهود الذين يأمرون باعتزال النساء بالكلية، فنزلت هذه الآية تجتنب النساء في المحيض وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وهذا تفسير لمراد الله تعالى، ولا تتحقق مخالفة اليهود في حملها على إرادة الحيض، لأنه يكون موافقًا لهم، يعني لو قلنا بعد إذنك صار تفسير هذه الآية موافقًا لفعل اليهود. طيب فعل النبي صلى الله عليه وسلم طيب يعتزل ما بين السرة والركبة، كان يأمر المرأة من النساء إذا كانت حائضًا وأراد أن يباشرها أن تأتزر في فور حيضتها ثم يباشرها. أقول هذا لا يدل على التحريم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد يترك المباح تقذرًا كترك أكل الضب والأرنب، وقد ذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة في قواعده، يعني هل هل يجوز الاستمتاع من الحائض يعني مقدمات الوطء من الحائض أو لا؟

يعني إذا حرم الوطء فهل تحرم مقدماته؟ ذكرت القاعدة السادسة والثلاثين بعد المئة، الوطء المحرم لعارض هل يستتبع تحريم مقدمات أم لا؟ محرم لعارض هذا يخرج من محرم دائم مثل الوطء الأجنبية محرم دائما فهذا يستتبع تحريم مقدماته، لكن محرم لعارض مثل وقت الحائض المحرمة الصائمة، فهل نقول إذا وجد هذا العارض وحرم الوطء فيستلزم منه تحريم مقدماته؟ يقول: لا يخلو هذا من أمرّين، أما أن يكون التحريم لضعف الملك وقصوره أو خشية عدم ثبوته كالأمة المستبرأة إذا ملكت بعقد، يحرم سائر أنواع الاستمتاع بها، يعني شخص اشترى أمة، إذا اشترى أمة لابد أن يستبرئها بحيضة لا يطأها حتى تحيض، طيب حرم عليه الوطء هنا هل يجوز له مقدمات؟ لا قالوا حتى مقدماته، لماذا؟ لأنه قد لا يثبت له الملك قد لا تحيض تصير حاملاً فينيفسخ الشراء. طيب قال وإن كان هذا النوع الثاني: إذا كان لغير ضعف الملك، كيف ذلك في الموانع؟ فيقول هذا على نوعين، أما أن تكون عبادة مانعة من الوطء مثل الحج يعني الإحرام الصيام وغيرها، الثاني غير العبادات يعني مثل الحيض هنا، فهل يحرم مع الوطء غيره؟ قال فيه قولان في المذهب، ويتخرج على ذلك مسائل، وذكر منها الحيض والنفاس يحرم بهما الوطء للفرج ولا يحرم دونه، الصحيح من المذهب أنه لا يحرم الوطء مما دون الفرج ولو كان ما بين السرة والركبة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا أراد أن يباشرها فانه يسن لها أن تستر فرجها عند مباشرة غير الفرج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر المرأة من نسائه أن تأتزر في فور حيضتها ثم يباشرها، وهو مستحب وليس بواجب على الصحيح من المذهب.

ثم ذكر أن الزوجة إذا أراد وطء زوجته فادعت حيضًا ممكنًا بأن تكون في سن من يطرقها الحيض وهي بنت تسع، فانه يقبل قولها فيه ويمتنع من وطئها نص عليه الإمام أحمد رحمه الله. قال في الفروع فيما خرجه في محبسه الإمام أحمد فيما خرجه في محبسه، إيش معنى ذلك؟ قال ابن قدامة رحمه الله في تفسيرها يعني أن الإمام أحمد رحمه الله لما كان محبوسًا قال هذا القول رحمه الله، وهو محبوس الفتنة مظلوم ما يدع التفكر في العلم واستنباط المسائل من القرآن أو من الأحاديث، وهكذا طالب العلم سلوته في العلم ستجده وهو قائم وهو قاعد وهو مضطجع بل قد تكون بعض أحلامه أيضًا في مسائل علمية. أذكر الشيخ محمد رحمه الله فكرة أن الشيخ السعدي رحمه الله لقاءنا في بعض الدروس أنني رأيت ابن الإسلام في المنام وسألته عن بعض المسائل فأجابني وأحالني على بعض كتبه رحمه الله، وهذا لكوني يعني حياة مستغرقة العلم والتعليم رحمهم الله تعالى.

السابع مما يحرم على يعني يحرم بسبب الحيض إيقاع الطلاق، وهذا شرع المؤلف لقوله: وإذا انقطع الدم أي دم الحيض والنفاس ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق، وتشير إليه في باب الحيض. ويدل على ذلك على عدم جواز إيقاع الطلاق على الحائض قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أي في قبل عدتهن أي مستقبلات في العدة، وإذا طلقها في حيضها لم يطلقها مستقبلة عدتها، بل تنتظر إلى أن تطهر فتبدأ باحتساب عدتها. والنبي صلى الله عليه وسلم غضب على ابن عمر لما طلق امرأته وهي حائض. ويستثنى على المذهب لو كان بسؤال الخلع أو الطلاق بعوض منها فيجوز على الصحيح وعليه أكثر الأصحاب. وفي خلاف المذهب هل يجوز أو لا؟ ويرجع الخلاف إلى

سبب تحريم الطلاق الحيضي: هل هو محرم لحق الله تعالى أو لحق الزوجة؟ فإن قلنا إنه محرم لحق الله تعالى فلا يجوز الطلاق الحيضي ولو سألته وكانت بعوض. وإن قلنا إنه محرم لحق الزوجة فانه يباح بسؤالها، أما إذا كان بغير عوض فإن سؤال الطلاق بغير عوض فإنه لا يجوز، لا يجوز له أن يطلقها حال الحيض بدون عوض. قاله الحجاوي في الإقناع، وهو ظاهر إطلاق المرداوي في الإنصاف؛ لأنه ذكر قولا آخر في إباحة الطلاق بدون عوض بسؤالها.

ولعل اعتبار العوض بأنها قد تظهر خلاف ما تبطن، فبذل العوض يدل على إرادتها الحقيقية. هذه الأحكام السابقة التي ذكرناها السبع تمتنع على الحائض فور نزول الدم وبعد انقطاعه حتى تغتسل، ما عدا الصيام والطلاق؛ فيجوز للمرأة لو سهرت قبيل الفجر ولم تغتسل إلا بعد طلوعه يجوز لها أن تصوم، لأن وجوب الغسل لا يمنع فعل الصيام كالجنب.

وكذلك يجوز للزوج أن يطلق زوجته إذا طهرت من الحيض ولو لم تغتسل، لأن المنع من إطلاق الحائض إنما هو لتطويل العدة وقد زال، وحكي هذا إجماعا. وذكر في الشرح الكبير حكمين آخرين وهما: سقوط فرض الصلاة، لأن سقوطه بالحيض وقد زال، وهي حائض لا تخاطب بالصلاة، فإذا طهرت من الحيض ولو لم تغتسل ومر عليها الصلاة فإنها تخاطب بالصلاة.

والرابع أو الثاني مما زاده صاحب الشرح الكبير منع صحة الطهارة لذلك، يعني أنها في حال الحيض لا يجوز لها أن تتطهر أن تغتسل، فتغسل الحيض لاجل الحيض لا للتبرد ولا لإزالة الجنابة، لا تغتسل لأجل الحيض لا يجوز لها ذلك، لماذا؟ لأنه عبث. لكن إذا طهرت هنا نقول يجوز لها الاغتسال بذلك.

تقدم أمر خامس في باب الغسل، وهو إباحة المكث في المسجد بالوضوء إذا انقطع الدم. أما وطؤها إذا انقطع الدم وقبل الاغتسال فهذا لا يجوز في قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222]، يعني إذا اغتسلن كما صرح به ابن عباس رضي الله عنهما.

وانقطاع الدم الذي تتعلق به الأحكام إنما هو الانقطاع الكثير، فأما اليسير فلا حكم له، لأن العادة أن الدم ينقطع تارة ويجري أخرى. ثم ذكر أن الحائض وقد عدمت الماء فتتيمم ويحل وطؤها، وهذا تقدم لنا في باب التيمم. ثم ذكر أن المسلمة لو طهرت من الحيض وأراد زوجها أن يطأها فامتنعت من الغسل، فيجوز تغسيلها رغماً عنها ويستبيح زوجها وطأها بهذا الغسل، ولا تشترط النية هنا لصحة غسلها الذي يحل به الوطء، فيسقط اشتراط النية هنا للعذر.

وهذا من المسائل التي استثناها الأصحاب رحمهم الله تعالى من مسألة اشتراط النية التي تقدمت معنا في باب الوضوء، قالوا: النية شرط لطهارة الأحداث كلها، واستثنوا هنا تغسيل المسلمة الممتنعة من الحيض، تغسل قهراً، ويصح هذا الغسل لحل الوطء فقط فلا تصلي به.

قال هنا: ولا تصلي به، لماذا؟ لأنها لم تعتبر هذه النية لخلوه عن نية رفع الحدث. وأيضاً المسألة الثانية: الكافرة الكتابية الآن، كتابية طهرت من الحيض أراد زوجها أن يطأها تغتسل، طيب هي ما عندها نية رفع حدث لأنها لا تصلي، فنقول: يصح غسلنا هنا بدون نية. وأيضاً المسألة الثالثة: المجنونة، المجنونة فإذا طهرت من الحيض فإنها تغتسل، وينوي من يقوم بتغسيلها رفع الحدث وتباح لزوجها بهذا الغسل، إذ لا اعتبار بنيتها لامتناعها منها، قياساً على الميت يغسله من يغسله بتعذر النية من الميت، فكذلك المجنونة.

وهل تعيد الغسل إذا أفاقت من الجنون؟ وجهان للأصحاب رحمهم الله تعالى. وظاهر كلامهم أنهم إذا قيل إن المغسل من يقوم بتغسيله ينوي عنها أنها لا تعيده لأنه وقع صحيحا في حالة جنونها، قاله المرداوي رحمه الله تعالى. المرداوي نقل عن أبي المعالي في شرح الهداية أنها تعيده، لأنه ذكر أنه لا ينوى عنها لعدم تعذر النية منها مآلاً، يعني أنها قد تفيق من جنونها.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: أي في زمن يمكن أن يكون حيضاً. والمبتدأة، ومبتدأة أي بزمن يمكن أن يكون حيضاً وهي التي رأت الدم ولم تكن حاضت من قبل، أي تدع الصلاة والصيام ونحوهما بمجرد رؤيته ونحوهما أو صفرة أو كدرة، أقله أي أقل الحيض يوم وليلة، ثم تغتسل لأنه آخر حيضها وتصلي وتصوم، ولا إن انقطع دمها لأكثره أي أكثر الحيض خمسة عشر يوماً فما دون بضم النون بقطعه عن الإضافة اغتسلت لانقطاعه أيضاً تجب من صلاحيته أن يكون حيضها، وتفعل ذاك وتفعل كذلك بالشهر الثاني والثالث، فإن تكرر الدم ثلاثاً أي في ثلاثة أشهر ولم يختلف كله حيض وتثبت عادتها تجلسه في الشهر الرابع، ولا تثبت بدون ثلاث، وتقضي ما وجب فيه أي ما صامت فيه من واجب وكذا ما طافته أو ارتكبته فيه أو أي ست قبل التكرار لم تقضه.

ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذه الجملة حكم المبتدأة، أي التي ترى الحيض لأول مرة، سواء كان الذي رأته دماً أسود أو أحمر أو صفرة أو كدرة على الصحيح من المذهب، فذكر أنها لا تخلو من أمرين، الآن اللي قرأناها كله في الأمر الأول في الحالة الثانية، بدأ قليل أن يكون دمها الذي يأتيها الذي يأتيها لم يقل عن يوم وليلة ولم يتجاوز خمسة عشر يوماً. والحالة الثانية أن تراه متجاوزاً خمسة عشر يوماً وهذه تسمى مستحاضة وستأتي معنا بعد قليل إن شاء الله تعالى.

فمن رأت الدم أول مرة وقد بلغت تسع سنين، وهذا معنى قولهم في زمن الإمكان أن يكون حيضاً وهي من بلغت تسع سنين فما ماذا تفعل؟ نقول: تجلس الثلاثة الأشهر الأولى، تجلس أقل الحيض يوم وليلة، يعني مثلاً أول مرة رأت الحيض واحد محرم تجلس يوماً وليلة، جاء اثنين محرم خلاص تغتسل وتصلي وتصوم إذا كانت تريد التنفل أو تصوم قضاء وكفارة إلى آخره، وتفعل ما تفعله الطاهرات.

فلو انقطع دمها في اليوم الثامن، جاء اليوم الثامن خلاص تغتسل مرة ثانية، والشهر الثاني كذلك فيوم جاء واحد صفر أتاه الدم فنقول تجلس يوم وليلة صبر خلاص انتهى التأسير، في ثمانية صفر تغتسل مرة ثانية. طيب جاء شهر ربيع الأول، في واحد ربيع الأول جاءه الدم تجلس يوماً وليلة، ثم تغتسل في اليوم الثاني، ثم إذا طهرت في اليوم الثامن خلاص الآن تكرر مرة ثانية. الآن تكرر هذا الحيض ثلاثة أشهر، فبان أن عادتها ثمانية أيام.

طيب في اليوم الرابع نقول لها: في اليوم الرابع تجلس الثمانية أيام كاملة، ما تجلس يوم وليلة وتغتسل. إذاً في الأشهر الثلاثة الأولى تغتسل بعد اليوم والليلة وتغتسل مرة ثانية عند انقطاعه، هذا طبعا كما قلنا إذا كان انقطع بدون خمسة عشر يوماً. وهذا المذهب بلا ريب ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية عبد الله وصالح المروزي وعليه جمهور الأصحاب وهو من المفردات.

وإنما أوجب الأصحاب رحمهم الله تعالى الجلوس يوم وليلة فقط، لأن العبادة واجبة في ذمتها بيقين، خلاص في اليوم والليلة يقين أنه حيض، اللي بعده مشكوك قد يكون استحاضة ما ندري، فلا نسقط العبادة بالشك. طيب، فلا تصوم ولا تصلي في هذه الأيام الزائدة يوم وليلة، لكن لا توطأ، إذا كانت متزوجة فلا يطأها زوجها. قالوا: لماذا؟ قالوا: لأن الظاهر أنه حيض ونحن أمرناها بالصوم والصلاة احتياطاً برئت ذمتها فيجب ترك وطئها احتياطاً أيضاً.

الإمام أحمد رحمه الله نص على تحريم وطئها فيه وعليه الأصحاب. وهل عليها كفارة إذا وطأ زوجها في الأيام الزائدة اليوم والليلة؟ قولان أو احتمالان للأصحاب رحمهم الله تعالى، مرعي في الغاية ذكر أنه لا كفارة، لماذا؟ لأنها لا تجد الكفارة بالشك، قد يكون حيضاً وقد لا يكون حيضاً. الخلاصة في حاشية الإقناع مال إلى وجوبها، احتمالان.

هذه الأيام كما قلنا في المثال السابق إذا جاء الشهر الرابع خلاص تعتبر عدتها هي ثمانية أيام التي تكررت. طيب إذا ما إذا تكررت لياليها مختلفة بمعنى الشهر الأول ظهرت في اليوم الثامن، الشهر الثاني طهرت في اليوم السابع، الشهر الثالث طهرت في اليوم الخامس، نقول: أيهم الذي يتكرر؟ تكرر الخمسة أيام، فنقول: إذا هذا الذي تعتبره حيضها، هذا الذي تعتبره حيضها. ولا تثبت العادة بدون ثلاث، لابد أن تتكرر ثلاث مرات وهذا من المفردات. الأصحاب رحمهم الله تعالى على تكررها ثلاث مرات بحديث: «دع الصلاة أيام أقرائك»، قالوا: جمع وأقل الجمع أقل الجمع ثلاث، فلا تثبت العادة بدونها.

طيب، لو جاء في اليوم في الشهر الرابع قلنا الآن عدتها تبين أنها ثمانية أيام وهي جلست بعد اليوم الأول تصلي وتصوم، نقول: ما فعلته من العبادات الواجبة خصم من الصيام أو الصلاة منذورة أو اعتكاف منذور يلزمها قضاؤها فيه، لو قضت مثلاً يومين من رمضان في هذه الأيام الزائدة عن يوم وليلة سنقول يلزمها القضاء عليها لأنها تبين أنها قضت في أيام الحيض.

لكن لو ارتفع حيضها هنا، قال المؤلف رحمه الله: تثبت عادتها وتجلس في الشهر الرابع وتقضي ما وجب فيه أي ما صامت فيه، وإن ارتفع حيضها ولم تدري ولم يعد أو أيست قبل التكرار لم تكمل. يعني أنها لو أنها حادت شهرين فتجلس يوم وليلة ثم تغتسل وتجلس بقية الدم ثم تغتسل، وهذا في الشهر الثاني، ثم انقطع الدم ما رأت لين صار عمرها خمسين، الآن خلاص أيست، فنقول: ولم يذكر الحيض ثلاث مرات هنا، لا تقضي ما وجد في الشهر الأول أو الثاني. لماذا؟ قالوا: لأننا لم يتحقق كونه حيضاً، والأصل براءتها.

وهناك قول آخر في المذهب في المبتدأة وهي أنها لا تتقيد باليوم والليلة في الأشهر الثلاثة، بل تجلس حتى ينقطع الدم أو تصير مستحاضة على الخلاف فيما يتحقق به وصف الاستحاضة. وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول أكثر أهل العلم، واختار الموفق ابن قدامة والشيخ تقي الدين رحمهم الله تعالى وغيرهم. لأن الله عز وجل علق الحيض بكونه أذى، فمتى وجد الوصف ترتب حكمه، قالوا أيضاً: ونحن حكمنا بأن ابتداء الدم حيض مع أنه ممكن يكون استحاضة، فكذلك نحكم به في أثنائه.

هذا لعله هو الذي لا يسع النساء العمل به، لماذا؟ لأنه يصعب على المرأة، هذا يعني يخصنا الآن، يعني نحن الرجال لا نحس بالمعاناة، هم يحسون بها، يعني كونها تججلس يوم وليلة ثم تنتظر في الأيام اللاحقة، وهي خاصة إذا كان في رمضان نلزمها بالصوم ثم نلزمها بقضائه، أيضاً الصلاة نلزمها به وهي ترى نفس الدم وأوصافه، يعني كوننا نلزمها بالصلاة وهي لا تجب عليها، نلزمها بالصوم ونلزمها بقضائه، هذا فيه حرج ومشقة. أسيما وأن الله عز وجل خفف على الحائض مراعاة لحالها، فنحن نثقل عليها في العبادات التي نلزمها بها ثم نلزمها بقضاء ما يصح قضاؤها، فيه حرج ومشقة عليها.

نعم، قال رحمه الله: وإن ههر أي جاوز الدم أكثره أي أكثر الحيض فهي مستحاضة. والاستحاضة سيلان الدم بغير وقته من العرق الهادل من أدنى الرحم دون قعره. فإن كان لها تمييز بأن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود ولم يعبر أي يجاوز أي يجاوز الأسود أكثره أي أكثر الحيض ولم ينقص عن أقله، فهو أي الأسود حيض، فلتجلسه. وكذلك إذا كان بعضه ثخيناً أو منتناً فصلح حيضاً تجلسه في الشهر الثاني ولو لم يتكرر أو يتوالى. والأحمر أو الرقيق وغير المنتن استحاضة، تصوم فيه وتصلي.

وإن لم يكن دمها متميزاً جالست عن الصلاة ونحوها أقل الحيض من كل شهر حتى يتكرر ثلاثاً، فتجلس غالباً الحيض ستاً أو سبعاً بتمييز من كل شهر من أول وقت ابتداء لها إن علمته من أول كل هلال.

ذكر المصنف رحمه الله في هذه الجملة النوع الثاني من المبتدأة، قلنا النوع الأول من المبتدأة التي لم يجاوز دمها خمسة عشر يوماً، النوع الثاني من المبتدأة الذي جاوز دمها خمسة عشر يوماً فهذه تكون مستحاضة، وعرفت الاستحاضة بأنها سيلان الدم في غير وقته من عرق يسمى العادل من أدنى الرحم دون قعره. والاستحاضة اختلف الأصحاب المتأخرون رحمهم الله في حدهم، فالذي ذهب إليه المرداوي رحمه الله في الإنصاف ومظهر كلام البهوتي هنا أنها من جاوز دمها أكثر الحيض.

وذهب الموفق في المغني وابن أبي عمر في الشرح الكبير وابن مفلح في المبدع والحجاوي في الإقناع إلى أنه كل دم لا يصلح أن يكون حيضاً كالدم دون اليوم والليلة والدم الذي تراه الحامل ليس قرب ولادة والذي تراه المرأة ولم تبلغ ثلاث سنين، علقوا الأول تكون هذه دم فساد لا استحاضة، فيترتب على ذلك يعني وش الفرق بينهم؟ نقول: الفرق بينهما في ما لم يسمى دم استحاضة على القول الأول الذين يسمون دم الفساد ولا دم الاستحاضة، فإنه نعم يقولون يجوز وطؤه. والذين يقولون يقول: لا يجوز وطؤه إلا مع خوف العنت. المستحاضة المبتدأة، يعني امرأة أول ما جاها الدم جاءها عشرين يوم أول مرة، نقول: هذه لا تخلو من حالها.

الحل الأول أن يكون لا تميز، طبعا نستحضر ما قررنا أصحاب في الحالة الأولى أنها تجلس أقل الحيض، تجلس يوم وليلة زين، جلست يوم وليلة ثم بدأت تصلي لكن استمر الدم عشرين يوم. نقول هل هي تميز في تمييز يبين الدم يعني أنه في أوله مثلا أسود ثخين ثم في آخره البريس الأحمر، وهذا الأسود يعني هو مدته أكثر من يوم وليلة وكم خمسة عشر يوما. فلو كانت مثلا كذلك رأت الدم عشرين يوم لكن مع ستة الأيام الأولى هي الدم الأسود المعروف، ثم بعده بدأ الدم الأحمر الخفيف.

فنقول هنا اعتبر هذه العشرة أيام هي حيضها تعتبرها من الشهر الثاني أن الشهر الأول كما قلنا أنها جلست يوم وليلة مبتدأة، ثم في الشهر الثاني خلاص تجلس عشرة أيام وهكذا. يعني لو كانت كل شهر يجيها عشرين يوم نقول تجلس عشرة أيام ثم تغتسل وتصلي ولا يعتبر تكرره ثلاثا كما قلنا، ولا يحصل التمييز باللون فقط بل بالرائحة أيضا أو السخونة، ويدل على عدم اشتراط التكرار قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي». أمرها بترك الصلاة إذا أقبلت الحيضة من غير اعتبار أمر آخر ثم مده إلى حين أدباره، قالوا ولأن التمييز أمارة مجردة بمفرده فلم يحتاج إلى ضم غيره إليه.

الحالة الثانية اللي هي كلها تمييز، يعني تشوف الدم كله أسود أو كله أحمر نعم فنقول ماذا تفعل؟ فهنا مثل الأولى، الأولى المبتدأة غير المستحاضة، كما قلنا تجلس يوم وليلة كل شهر، فهذه مثلا تجلس يوم وليلة كل شهر ثلاثة شهور، الشهر الرابع كم تجلس؟ قال الشهر الرابع تجلس غالبا الحيض ستة أيام أو سبعة أيام. هل الصحيح من المذهب؟ وقالوا أنها تتحرى لا تتخير، ستجتهد في أن ترى أمارة أو تعتبر عادة قريباتي لحديث حمنة: تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ثم اغتسلي، وعملا بالغالب.

وتجلسه من أول وقت ابتدائها إن علمته، بمعنى لو كانت تأتيه خمسة وعشرين يوما اعتبارا من العاشر من الشهر حتى الخامس من الشهر القادم، فإنها تجلس الستة أو سبعة أيام من بداية اليوم العاشر وقت نزول دمها، أما إذا كان الدم مطبقا عليها كل شهر فتجلسه من بداية الشهر الهلالي، يعني الشهر القمري الأشهر الهجرية. نقف عند هذا الحد، نسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.