دخولتسجيل الدخول

كتاب الطهارة 19 | الدرس السابع عشر (باب إزالة النجاسة)

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

باب إزالة النجاسة.

المراد بإزالة النجاسة هنا كما قال المؤلف؛ النجاسة الحكمية؛ لأن النجاسة نوعان: حكمية وعينية. حكمية وعينية، حكمية يعني هي طاهرة لكن طرأت عليها نجاسة، وهذا هو الذي يزال. وعندنا نجاسة عينية، يعني من أصلها، وسيتكلم المؤلف رحمه الله في هذا الباب عنهما جميعًا.

والمؤلف رحمه الله في أول كتاب الطهارة، ذكر أن الطهارة تشتمل على رفع الحدث وإزالة الخبث. الأبواب السابقة كلها في رفع الحدث ما عدا الاستنجاء، فقد تطرق فيه لإزالة الخبث، أما هذا الباب فهو في إزالة الخبث، لذلك لما انتهى من أحكام رفع الحدث انتقل إلى إزالة الخبث. سيتكلم في هذا الباب عن أنواع النجاسات من حيث طريقة تطهيرها، وسيتكلم عن اشتراط الماء في تطهير النجاسات وهل يقوم غيره مقامه. وسيتكلم عن مسألة تطهير النجاسة إذا خفي موضعها، كما سيتكلم عن النجاسات المعفوي عن يسيرها، وسيتكلم عن أنواع مما يشكل حكمه من حيث طهارته ونجاسته يعني طهارة عينية ونجاسة عينية.

وقدم الأصحاب رحمهم الله تعالى باب إزالة النجاسة على باب الحيض؛ مع أن الحيض والنفاس من موجبات الغسل، ولهما تعلق بطهارة الحدث، وهم لا يقطعون النظير عن نظيره إلا لنكتة؛ وذلك لأن إزالة النجاسة واجبة على الذكر والأنثى، بخلاف الحيض والنفاس، بخلاف الطهارة من الحيض والنفاس فإنها واجبة على الأنثى فقط، وما كان مشتركا بينهما فالاعتناء ببيانه أشد مما هو مختص بالأنثى.

والمراد بالنجاسة عند الأصحاب رحمهم الله تعالى عرفها البعلي رحمه الله في المطلع بقوله: كل عين حرم تناولها مع إمكانه، لا لحرمتها ولا لاستقذارها ولا لضرر بها في بدن أو عقل. كل عين حرم تناولها مع إمكانه، خرج بذلك ما امتنع تناوله، مثل- مثلوا على حجر الصوان يعني الحجر الكبير -ما يستطيع الإنسان أن يتناوله أو يأكله، فلا نقول إنه نجاسة لماذا؟ لأنه امتنع تناوله لعدم إمكانه لا لحرمته.

قال: لا لحرمتها؛ فيخرج ما تناوله لحرمته مع كونه طاهرا مثل صيد الحرم والإحرام. قال: ولا لاستقذارها؛ يخرج ما امتنع تناوله لاستقذاره، كالبزاق والمخاط. وقال: ولا لضرر به في بدن؛ خرج ما امتنع تناوله لضرره في البدن كالسم. ولا لضرر في عقل؛ خرج ما امتنع تناوله لضرر في عقل كالبنج. فهذا هو المراد بالنجاسة، النجاسة يقصد العينية.

باب إزالة النجاسة الحكمية، أي تطهير مواردها. يجزئ في غسل النجاسات كلها، ولو من كلب أو من خنزير، إذا كانت على الأرض وما اتصل بها من حيطان والأحواض والصخر، غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة ويذهب لونها وريحها. فإن لم يذهبا لم تطهر ما لم يعجز، وكذا إذا غمرت بماء المطر والسيول لعدم اعتبار النية لإزالتها، وإنما اكتفي بالمرة دفعًا للحرج والمشقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء» متفق عليه. فإن كانت النجاسة ذات أجزاء متفرقة كالرمم والدم الجاف أو في واختلطت بأجزاء الأرض، لم تطهر بالغسل، بل بإزالة أجزاء بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة.

ابتدأ المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بذكر كيفية تطهير النجاسة، فالنجاسة لا تخلو إما أن تكون على الأرض أو تكون على غير الأرض. على الأرض ويلحق بها ما يتصل بالأرض من الأحواض والحيطان ونحوها، والتي على غير الأرض لها ثلاثة أنواع كما سيأتينا؛ مغلظة ومتوسطة ومخففة. تكلم المؤلف رحمه الله في هذه الجملة عن النجاسة التي على الأرض، فذكر أنه إذا وقعت نجاسة على الأرض فيجزئ في غسلها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة وأثرها، سواء كانت نجاسة كلب أو خنزير أو غيرهما.

ولا يجب فيها العدد على الصحيح من المذهب، وإنما يجب مكاثرتها بالماء؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بأن يصب على بول الأعرابي ذنوب من ماء ولم يشترط عدداً. ولو لم تطهر الأرض بذلك، لو لم تطهر الأرض بهذا الماء الذي يصب على النجاسة التي فيها لكان صب الماء على النجاسة يزيد الأرض تنجيساً. لماذا؟ لأنه سينفصل عن هذه عن هذه النجاسة وسينجس ما بعده وسينجس ما بعده وهكذا، فلذلك قالوا إنه لا يشترط فيه العدد.

والنبي صلى الله عليه وسلم قال في بول الأعرابي: «أريقوا على بوله ذنوباً من ماء أو سجلاً من ماء». هل بينهما فرق السجل والذنوب؟ ذكر الجوهري في الصحاح أن السجل هو الدلو إذا كان فيه الماء. وأما الذنوب فهو إذا ملئ ماء. فالذنوب الدلو الممتلئة والسجل الدلو التي فيها ماء لكنها ليست ممتلئة، أما إذا لم يكن فيها ماء قط فيقال له دلو. وإنما اكتفي بالمرة قال: دفعًا للمشقة.

ويلحق بالأرض ما اتصل بها من الحيطان والأحواض والصخور، فكلها إذا وقعت فيها نجاسة فإنها تزال بغسلة واحدة، يعني لو أنه وقعت نجاسة على الجدار، على الجدار جاءه رشاش بول، فهنا نقول يغسل، فإذا غسل مرة واحدة وذهب لون النجاسة وريحه فهنا نقول يكتفى بذلك. طبعا لابد يعني أن تذهب عين النجاسة وأثرها، فلو لم تذهب بغسلة واحدة لابد أن يزيد ثانية وثالثة إلى أن تزول، فإن لم تذهب عينها أو ذهبت عينها وبقي أثرها فإنها لا تطهر إلا إذا عجز عن إزالة الأثر؛ قياسًا على غير الأرض، وقد جاء في حديث خولة في دم الحيض أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره» وهذا عند أحمد وأبي داود وفي ضعفه.

ولا يشترط قصد إزالة النجاسة، ولذلك قال المؤلف: وكذا إذا غمرت بماء المطر والسيول، فلا يشترط القصد؛ فإذا وقعت نجاسة على الأرض وجاءت الأمطار فأزالتها أزالت أثرها وعينها فإنه فإنها تطهر بذلك، لعدم اعتبار النية لإزالة النجاسة.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن النجاسة إذا كانت متفرقة واختلطت بأجزاء الأرض كالروث مثلا، فإنها لا تطهر بمجرد الغسل مع بقاء عين النجاسة، بل لابد من إزالة عين النجاسة ليتيقن زوالها، يعني لو كان مثلا روث غير مأكول اللحم موجود على الأرض فلا نقول يكفي غسلة واحدة، لا لابد يعني. وكذلك لو أن هذا الروث أكرمكم الله تفرق في التراب، فهنا نقول لابد من إزالته ويغسل محله.

وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة أن النجاسة على الأرض تخالف النجاسة على المنقولات من وجوه؛ منها أنه لا يشترط فيها عدد، سواء كانت نجاسة كلب أو خنزير أو غيرهما، ومنها أنه لا يشترط لتطهيرها انفصال الغسالة عن موضع النجاسة، يعني سيأتينا إن شاء الله في النجاسة على غير الأرض أنه لابد أن تغسل سبع غسلات وينفصل منها الماء. أما النجاسة على الأرض فإنه لا يشترط انفصال الماء، فلو غسلت وما زال الماء موجودا لم ينشف بعده فإنه فإنها تطهر بذلك، ولا يلزم تجفيفها حيث لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة الماء عنها. وهذا الثاني؛ أنه لا يشترط انفصال الغسالة عن موضع النجاسة، أيضا ألحق به الفتوحي في المنتهى غسالة النجاسة المخففة اللي هي بول الغلام الرضيع، فإنه يقول لا يشترط أيضًا لها الانفصال.

ويجزئ في نجاسة على غيرها، أي غير الأرض، سبع غسلات إحداها، أي إحدى الغسلات، والأولى أولى بتراب طهور، بنجاسة كلب وخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، في حديث: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب» رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا. ويعتبر ماء يوصل التراب إلى المحل ويستوعبه به، إلا فيما يضر فيكفي مسماه، ويطلق عن التراب ماء ونحوه كالصابون والنخالة، ويحرم استعمال مطعوم في إزالتها.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة النوع الثاني من أنواع النجاسات، وهو ما كان على غير الأرض. فالنجاسة إذا كانت على الأرض تقدم لنا أنه يجزئ فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة وأثرها. طيب، إذا كانت على غير الأرض مثلا كانت على الثوب أو على البدن، فكيف تطهر؟ قسمها المؤلف رحمه الله إلى ثلاثة أقسام، هنا سيتكلم عن النجاسة المغلظة، وهناك نجاسة متوسطة، وهناك نجاسة مخففة.

فالنجاسة المغلظة هي نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما، فتغسل سبع مرات إحداها بتراب مخلوط بماء، ويكون التراب طهورًا لا نجسًا، لذلك قال: بتراب طهور. ولا طاهرًا يعني مستعملًا على الصحيح من المذهب.

وذكر الموفق رحمه الله وشيخ الإسلام في شرح العمدة أنه لا يختلف المذهب في أنه يجب غسل نجاسة الكلب والخنزير سبع مرات، إحداهن بالتراب. ولعل نفيهم للخلاف إنما هو لما دون السبع، لوجود رواية أخرى عن الإمام أحمد رحمه الله بأنه يغسل ثمانياً، لما جاء في بعض الروايات: «وعفروه الثامنة بالتراب»، علماً أن بعض الأصحاب ذكروا أنه يغسل بدون عدد، وهذا نقله القاضي رواية.

وههل يجب التسبيع في غسل ما ولغ فيه الكلب لكونه نجساً أو تعبداً؟ الصحيح من المذهب أنه يجب غسلهما لنجاستهما، وأيضاً الصحيح من المذهب وجوب استعمال التراب لا كونه مستحباً. واستدلوا على ذلك، أما على تطهير نجاسة الكلب، فبحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي ساقه المؤلف رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب».

وذكر المؤلف رحمه الله أن الأولى جعل التراب في الغسلة الأولى، وهذا هو الصحيح من المذهب لكثرة رواتها وليأت الماء بعده فينفطه، ومتى غسل به أجزأه، سواء غسل به في الأولى أو الثانية أو السابعة. وذكر المرداوي رحمه الله أنه لا خلاف في ذلك، يعني بين الأصحاب، وإنما الخلاف في الأولوية.

هذا الدليل على الكلب، أما على الخنزير قالوا: الخنزير كالكلب على الصحيح من المذهب في إيجاب التسبيع والتتريب. قال الإمام أحمد رحمه الله: هو شر من الكلب. وقاسوه على الكلب قياسًا أوليًا؛ لأنه شر من الكلب، وقد نص الشارع على تحريمه وحرمة اقتنائه، فاستفيد الحكم فيه بطريق التنبيه، يعني كونه ينص على الكلب وهو أقل منه نجاسة وحرمة، دليل على أن الخنزير حكمه هذا من باب أولى. وإنما لم ينص على حكمه والله أعلم لأن العرب لم يكنوا يعتادونه بخلاف الكلب.

وقوله: يعتبر ماء يوصل، في بعض النسخ كما في نسخة الحاشية حاشية ابن قاسم: ويعتبر ماء يوصل وفي بعض النسخ مائع. ولعل الأقرب لفظ ماء، وعبارة الإقناع: يعتبر مزجه بماء يوصله إليه. ولذلك قال البهوتي في شرحه: فلا يكفي مائع غير الماء، كما نبه عليه المصنف في حاشية التنقيح للسيد الحجاوي.

وعبارة الفروع والتنقيح والمنتهى: مائع، ولعلهم يقصدون الماء، ولذلك يقول البهوتي في شرح المنتهى: والمراد بالمائع، يعني في كلام الفتوحي: والمراد بالمائع هنا الماء الطهور كما أوضحته في الحاشية عن ابن قندس.

وقوله: يعتبر ماء يوصل التراب إلى المحل، يعني لابد أن يصل التراب إلى النجاسة مخلوطًا بماء مخلوطًا بالماء، فلا يضره على النجاسة ثم يتبعه بالماء، على أحد القولين في المذهب، وهو الذي مشى عليه المتأخرون الفتوحي في المنتهى والحجاوي في الإقناع. وهناك خلاف في المذهب، ولذلك ابن مفلح في الفروع والمرداوي في الإنصاف والتنقيح ذكروا أنه لا يشترط إيصال التراب بماء، بل يكفي ذروه على النجاسة.

قال: ويستوعبه به، يعني لابد أن يستوعب التراب محل النجاسة، فلا يكفي غسل بعضها بالتراب ليتحقق معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أولاهن بالتراب» أولى الغسلات بالتراب. واستثنى من ذلك إذا ضر استيعاب النجاسة بالتراب فيكفي مسماه، كما لو كانت العين المتنجسة مثلاً ثوباً رقيقاً فلو فرك بالتراب سيتمزق، فقالوا: يكفي أقل شيء يسمى تراباً يوضع في إحدى الغسلات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وللنهي عن إفساد المال.

ثم ذكر أنه يقوم مقام التراب أشنان ونحوه كالصابون والنورة، خلاصة على المشهور من المذهب، قالوا: لأنها أبلغ من التراب في التنظيف، والنص على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه. فإن قيل: لماذا قام الأشنان مقام التراب الطهور ولم يقم التراب المستعمل مقام التراب الطهور، التراب الذي استعمل مثلاً في تيمم؟ قالوا: لا يقوم مقام التراب الطاهر، فلا بد أن يكون التراب طهوراً ليس مستعملاً ولا نجساً. أورد هذا الإشكال الخلوتي رحمه الله في حاشيته على المنتهى وقال: قد يقال إن التراب الطاهر ضعفت قوته باستعماله في نحو

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى النوع الثاني من أنواع النجاسات التي ليست على الأرض، وهي النجاسة المتوسطة. النجاسة المتوسطة هي سائر النجاسات ما عدا المغلظة؛ اللي هي نجاسة الكلب والخنزير، والمخففة التي هي بول الغلام الرضيع، وسياتينا إن شاء الله بعد قليل. فذكر أنها تزال بسبع غسلات بلا تراب. ولا بد أن يكون الماء المزيل ماءً طهورًا؛ لأن النجس يزيده نجاسة. وأما الطاهر، أي المستعمل في رفع حدث، فهذا لا يطهر غيره، كما تقدم معنا في أول باب المياه. ويشترط العدد أيضًا، وهو السبع، كما سيأتينا التفصيل والاستدلال عليه بعد قليل. وإيجاب السبع هو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وهو من المفردات. وأيضًا يشترط الإنقاء؛ أن ينقي النجاسة، فإن لم تنقَ بسبع زيد حتى تنقى. ولا يشترط في هذا الماء أن يكون مباحًا، ولذلك قال: ولو غير مباح. فيزال الخبث بالماء المحرم، وهذا من الفروق بين طهارة رفع الحدث وإزالة الخبث؛ وذلك لكون إزالة النجاسة من التروك التي لا تحتاج إلى نية.

لعل الطالب يقارن بين ما أخذه في الوضوء والتيمم والغسل من أحكام تتعلق برفع الحدث، وما سيأخذه هنا، ويقارن بينهما من حيث الفروق. ولا يشترط الحت، يعني الحك، ولا القرص، يعني الدلك بأطراف الأصابع، إلا عند الحاجة. فإن احتاج إليه، بأن لصقت النجاسة بالطاهر، وجب الحك والقرص؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهل يشترط عصره بعد كل غسلة؟ ذكر ابن قائد رحمه الله أن المغسولات على ثلاثة أنحاء، يعني ثلاثة أنواع: منها ما يمكن عصره، فهذا لابد فيه من العصر؛ يعني يغسل ويعصر، ثم يغسل الثانية ويعصر، وهكذا كالثياب مثلاً. والنوع الثاني: ما لا يمكن عصره لكن يمكن تقليبه، فلا بد من تقليبه كجلد البعير مثلاً. والثالث: ما لا يمكن عصره ولا تقليبه، فهذا لابد من تثقيله ودقه؛ يعني شيء ثقيل لا يمكن يعصر ولا يمكن أن يقلب، فيثقل بالأشياء التي تثقله ويدق لأجل أن يخرج منه الماء. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة أنه لا يكتفى بتجفيفه عن عصره في أصح الوجهين، وهذا نص عليه الحجاوي رحمه الله في الإقناع.

وهل يشترط جفاف الماء في الحالتين الأخيرتين؟ يعني في التقليب والتثقيل. قالوا: لا. لا يشترط ذهابه كله، بل يكفي ذهاب أكثره دفعًا للحرج والمشقة. هنا قال: ولا يضر بقاء لون أو ريح أو هما عاجزًا. وفي نسخة حاشية ابن قاسم: أو لهما. يعني في الروض لا، هي صوابها: أو هما. في بعض النسخ بدونها. فيشترط ذهاب أثر النجاسة من اللون أو الرائحة لتطهر من النجاسة، لكن إن عجز عن إزالتهما فيعفى عنه للمشقة على الصحيح من المذهب، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث خولة: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره». وأما بقاء الطعم فإنه يضر على الصحيح من المذهب، كما قاله في الإنصاف، لدلالته على بقاء العين ولسهولة إزالته. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على وجوب التسبيع بأثر ابن عمر رضي الله عنهما: أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا. كذا يذكره أكثر الأصحاب رحمهم الله تعالى معزواً لابن عمر، ولا يذكرون مصدر الأثر. وبعض من حقق كتب الحنابلة رحمهم الله تعالى يقول: إن المقصود به أثر ابن عمر عند أحمد وأبي داود وغيرهما. وفيه: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل الثوب من البول سبع مرار، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى كانت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة وغسل الثوب من البول مرة.

لكن هل هذا مقصود الحنابلة رحمهم الله تعالى أو لا؟ يبدو لي، والله أعلم، أنه ليس هو المقصود، لذلك الموفق رحمه الله في المغني استدل بالأثر الأول على وجوب التسبيع، واستدل بالأثر الثاني على عدم الوجوب. وغالب من رأيته يخرج الحديث يقول، يعني أثر ابن عمر: أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا، يقول: ذكره الموفق في المغني بدون عزو. وهو صحيح في المغني في المجلد الأول صفحة خمس وسبعين. والحقيقة أنه ذكره قبل الموفق أبو الخطاب في الانتصار، حيث أورده في الجزء الأول صفحة ثمن مئة وسبع وأربعين، وأعزاه لموسى بن عقبة صاحب المغازي، وموسى هذا أدرك ابن عمر رضي الله عنهما وحج معه سنة ثمان وستين كما ذكر عن نفسه. لكن يبقى التثبت من الإسناد إلى موسى بن عقبة. وذكر ابن قاسم رحمه الله في حاشية الروض أن القاضي ذكر أنه رواه أبو موسى عنه، ويتثبت من هذا النقل. ويبدو لي أنه يقصد موسى بن عقبة، كما ذكر أبو الخطاب في الانتصار. وهذا الأثر ساقه ابن عبد الهادي رحمه الله، تلميذ شيخ الإسلام، في جزء مختصر في الأحاديث الضعيفة التي يتداولها الفقهاء وغيرهم، حيث ذكر جملة من الأحاديث التي تداولها الفقهاء في كتبهم وليس لها إسناد، أو إسنادها باطل أو ضعيف لا يعتمد عليه أو فيه علة. وساق نحو من مئة وخمسين حديثًا، منها هذا الحديث. وهذا الجزء مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن عبد الهادي.

وهذا الاستدلال، الاستدلال بأثر ابن عمر، ذكره الأصحاب من أبي الخطاب فمن تبعه، لكن لم أقف على أن الإمام أحمد رحمه الله استدل به. الإمام أحمد رحمه الله استدل بالقياس الأولي على ولوغ الكلب، فقال في رواية الميموني: إذا أصاب الخف البول نشف، وإذا أصاب القميص ينشف أشد وأنا أذهب أن يغسله سبع مرات، والبول أنجس من الكلب، فأدنى ما يكون أن يكون مثله، فإن البول أنجس من الكلب. انتهى كلامه رحمه الله. وهذا النقل من زاد المسافر لغلام الخلال، وأشار إليها أبو الخطاب في الانتصار، ولم يذكر لفظ هذه الرواية، وذكر أنه نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية صالح وحنبل وأبي طالب والميموني. وأنبه يعني في سياق الخلاف أحياناً، ينقل مثلًا هنا في هذه المسألة على سبيل المثال، يقول مثلًا: الحنابلة ذهبوا إلى وجوب التسبيع في غسل النجاسات غير نجاسة الكلب والخنزير، ويستدلون بحديث ابن عمر: أمرنا بغسل نجاسة الكلب، وهذا الأثر ضعيف ولا يوجد مسندًا، ولذلك فالقول الثاني هو الصحيح وهو غسلها حتى يزول أثر النجاسة.

سياق الخلاف والاستدلال به فيه قصور، أنا لا أقصد يرجح هذا أو هذا، الترجيح على حسب ما يترجح للإنسان، لكن الإمام أحمد رحمه الله إمام هذا المذهب ما استدل بأثر ابن عمر، استدل به الأصحاب بعده، لكن الإمام أحمد رحمه الله استدل بالقياس على القياس الأولوية على ولوغ الكلب. فيناقش القياس، يناقش أيضًا القياس، قد ناقش القياس الآن وناقش هذا، ثم رجح ما في إشكال، لكن أما أنك تأخذ هذا الدليل الذي لم يستند عليه إمام المذهب وترجح وتمشي، لا، هذا فيه خلل في المناقشة. وهذا ليس مقصورًا على مذهب الحنابلة، يعني من يبحث في الخلاف العالي بين الأئمة رحمهم الله تعالى، ينتبه إلى الاستدلالات التي يستدل بها الفقهاء: هل استدل بها إمامهم؟ هل هذا الدليل لإمامهم؟ يعني قد يستدل الشافعي رحمه الله بدليل، لكن أصحابه يستدلون بدليل أضعف من دليل الشافعي، لكنه أصلح؛ صحيح أنه أصلح لكنه أضعف، فلذلك ينتبه إلى هذا ويتأنى في الترجيح بين الأقوال بالنظر إلى الدليل.

قال المؤلف رحمه الله: وما تنجس بغسلة يغسل بعدد ما بقي بعدها مع تراب في نحو نجاسة كلب إن لم يكن استعمل. يقصد المؤلف رحمه الله بهذا أن النجاسة الآن، أن مثلاً إناء جاءته نجاسة، سنطهره سبع مرات. طيب، غسلناه المرة الأولى، زين، لا بد أن نريق الماء. أرقنا الماء على إناء آخر. أرقنا الماء في الغسلة الأولى على إناء آخر. الماء الذي أرقناه لإناء آخر؛ إناء نجس، ماء ذهب إلى الإناء الآخر. طيب، جينا وغسلناه الغسلة الثانية، صببناه على إناء ثاني، وهكذا في كل غسلة نصبه على إناء. طيب، الآن الأواني التي صب فيها غسالة النجاسة هذه أواني تنجست. فهذا معنى قوله: تنجس بغسلة. طيب، الإناء الذي صبت فيه الغسالة الأولى، الآن الغسلة الأولى بعدها كم؟ ست غسلات، إذاً الإناء الذي صب في الغسالة الأولى لكي نطهره نغسله ستاً فقط. طيب، الإناء الذي صبت فيه الغسالة الثانية نغسله خمساً فقط، وهكذا وهكذا. هذا مقصود المؤلف رحمه الله تعالى بذلك، وهذا هو الصحيح من المذهب، قالوا: لأنها نجاسة تطهر في محلها بما بقي من الغسلات.

عندكم في حاشية ابن قاسم: أن النجاسة تطهر في محلها من الغسلات. لو أضفتم: بما بقي، لكي تتضح، وهي من الكشاف، وهذه منقولة من الكشاف. بما بقي من الغسلات؛ يعني هذه النجاسة بقي عليها في أصلها ست غسلات، طيب، فطهرت به في مثله، فطهرت في مثله في مثله، يعني لما سكبت هذا مثل هذا، فصار هذا يطهره ستاً ولا يجب فيه التسبيع، وهكذا. طيب، إذا كان الإناء الأول الذي نطهر سبعاً هو في نجاسة من نجاسة كلب أو خنزير، فسنطهره سبعاً مع التراب. طيب، غسلناه الأولى ماء بتراب، ثم سكبنا، الآن بقي ست. طيب، الست هذه نغسلها بالتراب ولا بدون تراب؟ يقول: مع تراب في نحو نجاسة كلب إن لم يكن استعمل. يعني يقول: إنك تضيف لها التراب إذا كان هذه نجاسة كلب أو خنزير إلى إن لم يكن استعمل. فإذا كان استعمل، مثل هنا في المثال، الآن غسلنا الغسلة الأولى ماء بتراب، فسكبنا الغسالة في إناء بجانبه، فنقول: الإناء الذي بجانبه نتبعه ستاً فقط بدون تراب. لماذا؟ لأن التراب ذهب في الغسلة الأولى التي غسلناها بها الإناء الأول.

ولا يطهر متنجس، ولو أرضاً، بشمس ولا ريح ولا دلك، ولو أسفل خف أو حذاء أو ذيل امرأة، ولا صقيل بمسح. ولا يطهر متنجس باستحالة ورماد النجاسة وغبارها وبخارها وذوب جرح وصراصير كنف وكلب وقع في ملاحة صار ملحاً ونحو ذلك، غير الخمرة إذا انقلبت بنفسها خلاً، أو بنقل لا لقصد تخليل ودن ودنوبها مثلها، والماء الكثير إذا زال تغيره بنفسه، والعلقة إذا صارت حيواناً طاهراً؛ فإن خللت أو نقلت بقصد التخليل لم تطهر، والخل المباح يصب على الدن أو العصير خل قبل غليانه حتى يغلي. ويمنع غير الخلال من إمساك الخمرة.

هنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في هذه الجملة أن النجاسات لا تطهر بغير الماء الطهور، وكون النجاسة لا تطهر إلا بالماء هذا المذهب مطلقاً، وعليه معظم الأصحاب كما قاله المرداوي. وقوله: مطلقاً، يعني سواء كان الماء مباحاً أم محرماً، وسواء وجد غيره أم لا، فلا تطهر النجاسة بإذهاب الشمس لأثرها؛ يعني لو كانت النجاسة على الأرض فلا تطهر، يعني لو تبول شخص على الأرض، فالآن لا يطهر هذا البول بمرور النجاسة عليه. وكذا لا تطهر بمرور الرياح عليها وإذهاب أثرها. وذكر الأرض هنا إشارة للخلاف القوي فيها، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل بول الأعرابي، ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به. كما لا تطهر النجاسة بالدلك، بدلكها يعني تفريكها، لأنه لم يستعمل فيها الماء الطهور، ولا يقوم غير الماء الطهور مقامه. وكون النجاسة لا تطهر بما ذكر من شمس وريح ودلك، هذا هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وقوله: ولو أسفل خف.

أو حذاء أو ذيل امرأة. هذا إشارة لخلاف داخل المذهب وخارجه. الصحيح في المذهب وجوب الغسل.

ويوجد رواية أخرى في المذهب أن أسفل الخف والحذاء وذيل المرأة، المراد بذيل المرأة ما تسحبه على الأرض من ثوبها، يطهره ما بعده. وهذا رواية في المذهب، اختارها الموفق رحمه الله في النعل والخف، واختارها شيخ الإسلام رحمه الله فيهما، يعني في النعل والخف وذيل المرأة.

لما جاء في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور». هذا عند أبي داود وفيه ضعف، لكن له شواهد. وقال في ذيل المرأة: «يطهره ما بعده». وهذا عند مالك وأبي داود والترمذي من حديث أم سلمة، وأعل بجهالة أحد رواته، لكن له شاهد يقويه.

علمًا أنه حتى على القول بنجاسته على المذهب وأنه لا يطهره الدلك، فالذي قطع به الأصحاب أنه يعفى عن يسير النجاسة فيه، كما قاله في الإنصاف، وذكره البوطي في الكشاف.

وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه أيضًا لا يطهر الجسم الصقيل بالمسح، يعني مثل المرآة. مرآة جاءتها نجاسة، فلا يكتفى بمسحها، بل لا بد من استعمال الماء على الصحيح من المذهب. لماذا؟ لأنه لا يقوم غير الماء الطهور مقامه.

وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية أن النجاسة تزول بأي مزيل، سواء كان ريحًا أو شمسًا أو دلكًا، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله، لأن النجاسة عين حكمية متى زالت زال حكمها. وذكروا بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالماء في بعض المواضع، كبول الأعرابي مثلًا في المسجد، لكونه أسرع في التطهير، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا عامًا بأن لا تزال النجاسة إلا بالماء، وقد أذن بإزالتها بغير الماء في غير موضع كالاستجمار.

ثم تحدث المؤلف رحمه الله تعالى عن تطهير النجاسة العينية بالاستحالة، أي تحول النجاسة من عين إلى عين أخرى، كما لو وقع الكلب في مملحة فصار ملحًا، فهل يطهر بذلك أم لا؟ ذكر المؤلف رحمه الله أنه لا يطهر المتنجس بالاستحالة، وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الجلالة وألبانها لأكلها النجاسة. الجلالة هي الحيوان مأكول اللحم الذي يأكل النجاسات، فمنهي عن أكله وشرب لبنه حتى يحبس ويطعم الطاهر ثلاثًا، كما سيأتينا إن شاء الله في الأطعمة. قالوا: لو طهرت بالاستحالة، الآن النجاسة التي ستأكلها الجلالة ستستحيل في جسمها إلى دم ونحوه، فقالوا: لو طهرت النجاسة بالاستحالة لم ينهَ عن أكل الجلالة.

ومما يستدل به أيضًا ما ذكره الموفق رحمه الله من أن النجاسة لم تحصل بالاستحالة فلم تطهر بها. يعني يقول: الأشياء النجسة ما كانت أشياء طاهرة ثم انقلبت تحولت إلى... فلذلك يقول: ما دام الأمر كذلك فلا نقول إنها إذا تحولت إلى عين أخرى فإنها ترجع إلى أصلها الطاهر. قال لذلك قال: وخرج عليه الخمر، فإنه بالاستحالة لأن أصله عصير مباح، فلما انقلب إلى خمر استحال إلى خمر صار نجسًا، فإذا رجع إلى خل فإنه يرجع إلى أصله فيصير مباحًا طاهرًا. والخلاف في الاستحالة كسابقه.

ومثل المؤلف رحمه الله على النجاسة التي استحالت في رماد النجاسة ودخانها وغبارها وبخارها، وكذا الدود الذي استحال من الجرح والصراصير التي تكونت من الخارج من السبيل، فكلها كان أصلها النجاسة ثم استحالت لعين أخرى، فلا تطهر بتحولها من تلك العين إلى عين أخرى. استثنى المؤلف رحمه الله من النجاسات التي تطهر بالاستحالة ثلاث مسائل.

وهي الخمر إذا تخللت بقيودها التي ستأتي، واستثناء الخمر هو الصحيح من المذهب، يعني كونها تطهر بالاستحالة هو الصحيح من المذهب، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله وعليه الأصحاب. وقال: دنها مثلها، يعني دن الخمر، يعني وعاؤها الذي استحالت فيه من خمر إلى خل، فإن الوعاء أيضًا يطهر بذلك، وهذا المذهب.

أيضًا العلقة إذا صارت حيوانًا طاهرًا. المراد بالحيوان الكائن الحي فيشمل الآدمي. فهاتان النجستان، خمر ودم، تحولتا إلى عين أخرى فطهرتا بذلك. قالوا: لأن العلقة، يعني الدم، نجاستها بصورتها علقة، يعني أصلها نطفة، ثم صارت علقة، فأصلها طاهرة، ثم صارت علقة، ثم تحولت إلى عين أخرى، فانقلبت إلى، تطورت إلى أن كانت إنسانًا، فيكون وهو طاهر. فإذا زال ذلك، يعني زال الدم، عاد إلى أصلها، قالوا كالماء الكثير المتغير بنجاسة.

نرجع إلى ما استثناه المؤلف، أولًا الخمر. وعد الخمر هو قول جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى، ولهم أدلة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21] وهو الخمر، فيؤخذ من مفهوم مخالفته أن خمر أهل الدنيا ليس بطهور بل هو نجس، والكلام في الخمر ونجاستها طويل جدا، لكن هذا قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى، ونقل الإجماع عليه، لكنه لا يصح الإجماع.

فهذه الخمر تطهر إذا استحالت خلا في ثلاثة أحوال. إما بنفسها، وهو معنى بقوله انقلبت في نفسوها خلًا، أو بنقلها من موضع لآخر لا بقصد التخليل، أو تخللت بإمساكها. وعلى المصنف رحمه الله تعالى طهارة الخمر بالاستحالة بكون الخمر إنما نجست لشدتها المسكرة، فإذا زالت زال حكمها، قياسًا على الماء الكثير إذا تنجس فزالت النجاسة بنفسها فإنه يطهر.

أما إذا تخللت النجاسة بنقلها بقصد التخليل، أو كان التخليل محرمًا بأن خللها بعد غليانها، فلا تطهر بذلك، وذلك لكون تخليل الخمر محرمًا على الصحيح من المذهب. وكذلك نقلها بقصد التخليل لا يطهرها على الصحيح من المذهب.

وذكر ضابط التخليل المباح، يعني العصير قبل أن يتخمر يخلل، وهو أن يصب على العنب أو العصير خل قبل غليانه حتى لا يغلي، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية الجماعة. وذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة في القاعدة الثانية بعد المائة: من أتى بسبب يفيد الملك أو الحل أو يسقط الواجبات على وجه محرم وكان مما تدعو النفوس إليه ألغي ذلك السبب، وصار وجوده كالعدم ولم يترتب عليه أحكامه. وهي التي يعبر عنها بعض الفقهاء أو قريبًا منها: من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وذكر منها: تخليل الخمر لا يفيد حله ولا طهارته على المذهب الصحيح.

ذكر المؤلف رحمه الله أن إمساك الخمر التي تتخلل هذا ممنوع لغير الخلال. لذلك قال: ويمنع غير الخلال، الخلال الذي يعمل بالخل، إمساكها لتخلل، لتخلل جائز للخلال دون غيره، لأن هذا هو عمل الخلال لئلا يضيع عليه ماله، وهذا هو الصحيح من المذهب كما قاله المرداوي. ولو أمسكها غير الخلال فتخللت فإنه يأثم وتطهر على الصحيح من المذهب.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: تنجس دهن مائع أو عجين أو باطن حب أو إناء تشرب النجاسة أو سكين سقيتها لم يطهر لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه. وإن كان الدهن جامدًا ووقعت فيه نجاسة ألقيت وما حولها والباقي طاهر، فإن اختلط ولم ينضبط حرم.

ذكر المؤلف رحمه الله في هذه الجملة أن المائعات غير الماء لا يمكن تطهيرها إذا وقعت فيها نجاسة، مثل الدهن، الدهن إذا كان مائعًا ووقعت فيه نجاسة فلا يطهر ولو كان كثيرًا، فلا بد من إراقته. وهذا المذهب مطلقًا وعليه جماهير الأصحاب. قالوا: لأننا لو سكبنا عليه ماء فإنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه.

طيب، إذا كان الدهن جامدًا ووقعت فيه نجاسة، قالوا: تزال وما حولها ويطهر بذلك. فإن اختلط النجس بالمحرم، النجس بالطاهر ولم ينضبط، فإنه يحرم الأكل تغليبًا لجانب الحظر. وفرقوا بين المائع والجامد بما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السمن إذا وقعت فيه الفأرة فقال: «ألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان مائعًا فلا تقربوه». رواه أبو داود والحديث فيه ضعف. قالوا: ولو كان إلى تطهيره طريق لم يأمر بإراقته. والذي في البخاري من حديث ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أو قال في الفأرة وقعت في السمن، قال: «فيه ألقوها وما حولها وكلوه». ولم يفرق بين المائع والجامد.

وحد الجامد قالوا: الذي لا تسري النجاسة إلى جميعه، وهو المتماسك الذي فيه قوة تمنع انتقال النجاسة عن الموضع الذي وقعت فيه النجاسة إلى ما سواه.

قال: أو عجين، فالعجين إذا وقعت فيه نجاسة فلا يمكن تطهيره لعدم إمكانية غسله. وباطن الحب، باطن الحب أيضًا لا يمكن تطهيره، فإذا تشرب النجاسة فلا يطهر بالغسل على الصحيح من المذهب لعدم استئصال أجزاء النجاسة. قيل للإمام أحمد رحمه الله في سمسم نقع في إناء فوقعت فيه فأرة فماتت فقال: لا ينتفع بشيء منه. قيل: أفيغسل مرارًا حتى يذهب ذلك الماء؟ قال: أليس قد ابتلي من ذلك الماء؟ لا ينقى منه، أليس قد ابتلي من ذلك الماء؟ لا ينقى منه وإن غسل.

قال: أو إناء تشرب النجاسة، يعني لو تنجس إناء وتشرب النجاسة، يعني مثلًا إناء من طين، وقعت فيه نجاسة فتشربها ودخلت في باطنه، الآن لا يستطيعون الآن أن يتحققوا من إزالة النجاسة، يعني اللي في ظاهره يستطيعون إزالتها، بس اللي في باطنه لا يستطيعون إزالتها، لذلك قالوا: لا يتحقق إزالة الماء لما في باطنه من النجاسة.

وكذلك لا تطهر السكين التي سقيت النجاسة. وإسقاؤها قالوا: بأن تعالج بأدوية، يعني تدهن بأشياء، ثم تسقى أو تغمس في الماء النجس، تغمس في الماء النجس فتتشرب النجاسة فلا تطهر بذلك. لكن لو أحميت في النار ثم غمست في ماء، قالوا: فهذا ليس إسقاءً لها وإنما إطفاءً لها، فتطهر بالغسل.

وعلل المصنف رحمه الله عدم طهارة ما ذكر بأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه فلا يتحقق التطهير.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وإن خفي موضع نجاسة في بدنه أو ثوب أو بقعة ضيقة وأراد الصلاة غسل وجوبًا حتى يجزم بزواله، أي زوال النجاسة، لأنه متيقن فلا يزول إلا بيقين طهارة. فإن لم يتيقن جهتها من الثوب غسله كله. وإن علمها في أحد كميه ولا يعرفه غسلهما، ويصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحري.

ذكر المؤلف رحمه الله في هذه الجملة مسألة تطهير موضع النجاسة إذا خفي، وذكر أنه تجب إزالة النجاسة إذا أراد الصلاة. قبل الصلاة لا يجب عليه إزالة النجاسة، يعني شخص مثلاً بال على ثوبه طفل، لا نقول إنه يجب عليك الآن أن تغسل النجاسة، لا شك أن هذا هو الأفضل أن يبادر لئلا ينسى، لكن لو أنه أخره فنقول لا بأس به إلى أن يحين موعد الصلاة. طبعًا الصلاة أو غيرها مما يشترط له إزالة النجاسة وهو الطواف.

طيب، إذا خفي موضع النجاسة يقول: كان في نجاسة في ثوبي لكن لا أدري هي في الكم الأيمن أو الأيسر، هي أعلى الثوب أو أسفله، أنا أضمن أنها مثلاً من الركبة إلى آخر الثوب، لكن هل هي أقرب إلى الركبة أقرب إلى القدم؟ فهو خفي عليه. فنقول هذا لا يخفى من أمرين: إما أن يكون الخفاء في مكان محصور أو ضيق كالثوب مثلًا، أو بقعة ليست كبيرة، فيقولون يغسل ما يتيقن به زوال النجاسة.

فإذا كان يعني مثلًا في الثوب يقول: أنا ما أدري هي في الكم الأيمن أو الأيسر؟ نقول: يغسل الكمين جميعًا. يقول: ما أدري في أي موضع من الثوب؟ نقول: يغسل الثوب كله، وهكذا. وهذا هو المذهب وعليه الأصحاب. قالوا: لأن وجود النجاسة متيقن ولا تزول إلا بيقين الطهارة.

الحالة الثانية: أن يكون خفاؤه في موضع واسع كالفضاء الواسع، فيقولون: لا خلاص، هنا لا يلزم الغسل، يصلي حيث شاء بلا تحري، لأن التحري أو لأن غسله يؤدي إلى الحرج والمشقة وقد يجلب أيضًا الوسواس.

قالوا: ويستدل بعضهم بحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك. رواه البخاري، وفي بعض نسخ الصحيح: وتبول، وليس في النسخ المعتمدة.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويطهر بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة بنضحه، أي غمره بالماء، ولا يحتاج لمرس وعصر. فإن أكل الطعام غسل كغائطه وكبول الأنثى والخنثى، فيغسل كسائر النجاسات.

قال الشافعي: لم يتبين لي فرق من السنة بينهما. وذكر بعضهم أن الغلام أصله من الماء والتراب والجارية أصلها من اللحم والدم، وقد أفاده ابن ماجة في سننه وهو غريب قاله في المبدع. ولعابهما طاهر.

المؤلف رحمه الله ذكر في هذه الجملة النوع الثالث من أنواع النجاسات التي ليست على الأرض. تقدم لنا النجاسة المغلظة والنجاسة المتوسطة، هذه النجاسة المخففة، وهي نجاسة بول الغلام الرضيع وقيئه، وهو خاص بالغلام لإخراج الأنثى، والبول والقيء لإخراج غيره من النجاسات كالغائط أكرمكم الله، وأيضًا الذي لم يأكل الطعام لشهوة.

فيخرج ما من اشتهى أكل الطعام، فيكفي فيه النضح أي الرش، ولا يجب الغسل ولا الدلك. والاكتفاء فيه بالنضح هذا بلا نزاع في المذهب، وهو على الصحيح من المذهب.

لحديث أم قيس رضي الله عنها أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله. متفق عليه.

وجاء في حديث علي وأبي السمح وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر». وهذا عند أهل السنن.

وهذا كما قلنا خاص بالبول وبكون الطفل لم يأكل الطعام، فإن أكل الطعام لشهوة أو كان حدثه غائطًا فنجس متوسط كغيره لا بد فيه من الغسل.

ونقل المؤلف رحمه الله عن بعض أهل العلم التفريق بين الأنثى والذكر؛ الشافعي يقول: لم يتبين لي فرق من السنة بينهما، وبعض العلماء ذكر أن الغلام أصله من الماء والتراب لأن أصله آدم، والجارية أصله من اللحم والدم لأن أصلها حواء، والماء والتراب طهور والدم فيه نجاسة، فلذلك فرق بينهما. قال قاله أو أفاده ابن ماجه.

والحقيقة أن هذه الإفادة من زيادات أبي الحسن القطان رحمه الله على سنن ابن ماجه، فهي ليست من كلام ابن ماجه لكنها في بعض نسخ السنن.

نعم، قال: ولعابهما طاهر، يعني لعاب الذكر والأنثى من الأطفال، وينبه أن لعابهما طاهر ولو بعد قيء، يعني هم يقولون لعابهم طاهر لأنه غالباً ما يختلط أو يعني يأتي أنه أحيانا يختلط بقيء أكثر من البالغ، فقالوا: حتى لو اختلط بقيء فإنه طاهر.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويعفى بغير مائع وفي غير مطعوم عن يسير دم ولو حيضًا أو نفاسًا أو استحاضة، وعن يسير قيء وصديد من حيوان طاهر، لا إن كان من سبيل قبل أو دبر. واليسير ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه، ويضم متفرق بثوب لا أكثر، ودم السمك وما لا نفس له سائلة كالبق والقمل ودم الشهيد عليه، وما يبقى في لحمه وعروقه ولو ظهرت كدرته طاهر. ويعفى عن أثر الاستجمار في محله بعد الإنقاء واستيفاء العدد.

أحسنت. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى النجاسات المعفو عنها، فذكر أنه يعفى عن أمرين: نجاسة الدم ويلحق به القيء والصديد، ونجاسة أثر الاستجمار.

والعفو عن يسير الدم هذا رواية واحدة في المذهب، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله إجماع الصحابة، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو الصحيح من المذهب. ودليل العفو عنه أن الإنسان غالباً لا يسلم منه ويشق التحرز منه.

ويفهم من هذا أن دم الآدمي في الأصل طاهر، وهذا قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى، ونقل الإجماع عليه غير واحد من أهل العلم رحمهم الله، وعلى رأسهم الإمام أحمد رحمه الله حيث سئل: القيء والدم عندك سواء؟ فقال: لا، الدم لم يختلف الناس فيه، والقيء قد اختلف الناس فيه.

وأنبه إلى أنه ورد في مطبوعة الفروع لابن مفلح رحمه الله تحقيق الشيخ تركي ما يوهم وجود رواية أخرى عن الإمام أحمد رحمه الله بطهارة الدم، فقد ورد فيه في المجلد الأول صفحة 343: وعنه طهارة قيح ومدة وصديد ودم كذا.

والحقيقة أن الرواية تنتهي عند كلمة صديد، يعني وعنه طهارة قيح ومدة وصديد، أما كلمة دم فهذه تتعلق بالجملة التي بعدها، ولذلك صحتها: ودم عرق المأكول طاهر خلافا للأئمة الثلاثة ولو ظهرت حمرته.

ورد في المطبوع: وعرق، وصوابها بدون واو كما في المخطوط، وكما نقلها المرداوي في الإنصاف هكذا. وقد أفاد بذلك الشيخ علي الرميحي وفقه الله في رسالته في الماجستير في الأقوال الشاذة في أبواب العبادات.

واشترط المؤلف رحمه الله تعالى للعفو عن نجاسة الدم شروطًا؛ الأول: أن يكون في غير مائع ومطعوم، فلا بد أن يكون في جامد غير مطعوم كالثوب والسجاد والعمامة ونحوها، فلو كان في مائع يعني دم مثلا في الماء، فنقول هنا لا يعفى عنه، دم في المطعوم في شيء يؤكل فنقول لا يعفى عنه. ولذلك يقول المرداوي رحمه الله: حيث قلنا بالعفو عن يسيره فمحله في باب الطهارة دون المائعات.

الثاني: أن يكون الدم يسيرًا لا كثيرًا، واليسير هو الذي لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه، نظير ما قالوه في نواقض الوضوء من الخارج النجس من بقية البدن وأنه معتبر في كل أحد بحسبه، وقد تقدم الكلام عليه هناك.

الثالث: أن يكون من حيوان طاهر في الحياة، تقدم في باب الآنية ذكر الحيوانات الطاهرة في الحياة والحيوانات النجسة فيرجع إليه.

الرابع: ألا يكون خارجًا من أحد السبيلين، فما خرج من أحد السبيلين فلا يعفى عن يسيره على أحد الوجهين في المذهب وصوبه المرداوي في الإنصاف؛ لأن حكمه كالبول والغائط فلا يعفى عن شيء منه، ولأنه يغلظ بخروجه من السبيل. أما الحيض والنفاس والاستحاضة فإنه يعفى عن يسيره على المذهب، كما قالوا في الإنصاف وذكره في الإقناع والمنتهى.

لقول عائشة رضي الله عنها: ما كان لإحدانا إلا ثوب تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فقسعته بظفرها. رواه البخاري. قال الموفق رحمه الله: وهذا يدل على العفو عنه؛ لأن الريق لا يطهر ويتنجس به ظفرها، وهذا إخبار عن دوام الفعل، ومثل هذا لا يخفى عنه صلى الله عليه وسلم فلا يستر إلا عن أمره.

والأمر الخامس من شروط العفو: أن يكون الدم نجسًا؛ لأن الطاهر أصلاً طاهر، فسواء كان يسيرًا أو كثيرًا هذا لا نعتد به، يعني لا نقول يعفى عنه لأنه من الأصل طاهر، وسياتينا بعد قليل أمثلة لأنواع الدماء الطاهرة.

وألحق المؤلف رحمه الله تعالى بالدم القيح والصديد فيعفى عن يسيرهما، وهما نجسين على الصحيح من المذهب. والقيح هو مادة بيضاء غليظة لم يخالطها الدم، يعني ويخرج من الجرح ويكون غليظ لم يخالطه الدم، أما الصديد فهو ماء الجرح الرقيق المختلط بالدم قبل أن تغلظ المادة، فيعفى عن يسيرهما من طاهر لتولدهما من الدم فهما أحق بالعفو عنه.

وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الدم إذا تفرق في ثوب واحد فيضم المتفرق بعضه إلى بعض لينظر هل هو يسير أو كثير، يعني شخص أصابه دم في مواضع من ثوبه؛ قطرات هنا وقطرات هنا وقطرات هنا، نقول: اجمعها جميعًا إذا كان في ثوب واحد، اجمعها جميعًا فإذا كانت باجتماعها كثيرة فنقول هنا تكون لا يعفى عنها، وإذا كانت باجتماعها تكون يسيرة فإنها يعفى عنها. أما إذا كان في أكثر من ثوب، يعني مثلاً أصاب عمامته أو غترته وأصاب ثوبه، أو أصاب ثوبه وأصاب بنطاله، فهنا نقول: لا يضم هذا إلى هذا، بل ينظر لكل واحد على حدة.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أمثلة الدماء الطاهرة، قال: دم السمك طاهر، وهذا على الصحيح من المذهب لأن ميتته طاهرة، فلو كان دمه نجسًا لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح. وأيضًا دم ما لا نفس له سائلة على الصحيح من المذهب، والمراد بالنفس يعني الدم، أي لا دم له سائل، مثل البق يعني البعوض، وكذا القمل على إحدى الروايتين في المذهب واستظهرها الموفق. فلو أن شخصًا مثلاً قتل بعوضًا وأصاب هذا البعوض ثوبه بدم، فنقول هذا الدم طاهر، هذا الدم طاهر ليس نجسًا.

أيضًا دم الشهيد عليه، فهو طاهر لو كثر على الصحيح من المذهب، فإن انفصل كغيره.

وأيضًا ما يبقى في اللحم وعروقه من المذكَّات ولو ظهرت حمرته، فهو طاهر على الصحيح من المذهب، نص عليه، وهو من المفردات، لأنه لا يمكن التحرز منه، ولأن الله إنما حرم الدم المسفوح وهو الذي يسيل، فالذي ليس بمسفوح ليس حرامًا.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: لا أعلم بين العلماء خلافًا في العفو عنه، يعني الدم الذي في اللحم. بمعنى أنه إذا ذبح الذبيحة وهو يسلخها فيه دم في اللحم، فنقول الدم الذي في اللحم هذا طاهر.

النوع الثاني من النجاسات المعفو عنها: أثر الاستجمار. قال: أثر الاستجمار بمحله. يقول الموفق رحمه الله: محل الاستنجاء يعفى فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد بغير خلاف نعلمه. وذكر المرداوي رحمه الله أن العفو عن يسيره هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. فلو قضى حاجته من الغائط واستجمر وبقي أثر يسير لم يزله الحجر وكان الأثر في مخرج السبيل فيعفى عنه.

واشترط المؤلف أن يكون العفو بعد الإنقاء واستيفاء العدد وهو ثلاث مساحات منقية كما تقدم معنا في باب الاستنجاء. وعلم من قوله بمحله عن أثر الاستجمار بمحله أنه لو تعدى إلى الثوب أو البدن أو غيرهما لم يعفى عنه، وهو ظاهر كلام الموفق في المغني كما قاله المرداوي في الإنصاف.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ولا ينجس الآدمي بالموت في حديث المؤمن لا ينجس متفق عليه. وما لا نفس أي دم له سائلة كالبق والعقرب وهو متولد من طاهر لا ينجس بالموت بريا كان أو بحريا. ولا ينجس الماء اليسير بموت ما فيه. وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه طاهر لأنه صلى الله عليه وسلم نعم ما شاء الله أمر المؤمنين بأن يلحقوا بإبل الصدقة فيشرب من أبوالها وألبانها، والنجس لا يباح شربه ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة.

ومني الآدمي طاهر لقول عائشة رضي الله عنها: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يذهب فيصلي به. متفق عليه. فعلى هذا يستحب فرك يابسه وغسل رطبه.

ورطوبة فرج المرأة وهو مسلك الذكر طاهرة، كالعرق والريق والمخاط والبلغم وما سال من الفم وقت النوم. وسؤر الهر وما دونها في الخلقة طاهر، مكروه غير دجاجة مخلاة. والسؤر بضم السين مهموزًا: بقية طعام الحيوان وشرابه، والهر: القط.

فإن أكل هو أو طفل ونحوهم ما نجاسة ثم شرب ولو قبل أن يغيب من مائع لم يؤثر في عموم الأواني، لأن نجاسة بيدها أو رجلها ولو وقع ما ينضم ذبوله في مائع ثم خرج حيا لم يؤثر.

وسباع البهائم وسباع الطير التي هي أكبر من الهرة خلقة، والحمار الأهلي والبغل منه أي من الحمار الأهلي والوحشي، وكذا جميع أجزائها وفضلاتها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الماء وما يلوثه من السباع والدواب فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما، وقال في الحمر يوم خيبر إنها رجس متفق عليه، والرجس النجس.

أحسنت. هنا المؤلف رحمه الله تعالى ختم باب إزالة النجاسة بذكر أنواع يشكل حكمها من حيث طهارتها ونجاستها، فذكر ثمانية أنواع من الطاهرات.

الأول: الآدمي، قال: لا ينجس آدمي بالموت، فجسمه طاهر حيا وميتا على الصحيح من المذهب، لحديث الذي استدل به المؤلف رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن لا ينجس»، وعمم الأصحاب رحمهم الله تعالى الحكم في المسلم والكافر مع أن الحديث في المسلم، وذلك لاستوائهما في الآدمية وفي طهارة أعيانهما حال الحياة.

ومحل الخلاف في جسم الآدمي في غير النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا خلاف فيه كما قاله الزركشي رحمه الله، وقاس المرداوي عليه سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقال: وهذا مما لا شك فيه.

الثاني: ما لا نفس له سائلة، يعني ما ليس له دم سائل وتولد من طاهر، فلا ينجس بالموت بريا كان أو بحريا، فلا ينجس الماء إذا وقع فيه، فلو وقع الذباب في شراب فمات فيه فإنه لا ينجس الشراب؛ لأن الذباب ليس له دم سائل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء».

وكون الماء لا ينجس بوقوع ما لا نفس له سائلة فيه هو قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى، ونقل ابن المنذر أنه لا يعلم فيه خلافا إلا قولا للشافعي. فإن كان متولدا من كصراصر الحش فنجس حيا وميتا؛ لأن استحالتة غير مطهرة.

الثالث: بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه، أي فضلات مأكول اللحم فهذه كلها طاهرة على المذهب، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين بشرب أبوال إبل الصدقة كما في الصحيحين، والنجس لا يباح شربه.

فإن قيل إنه أمرهم أن يشربوا أو أباح لهم ذلك للضرورة، فالجواب أنه لو كان كذلك لم يرتفع حكم النجاسة، ولأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة، ولذلك قول المؤلف هنا: والنجس لا يباح شربه ولو أبيح للضرورة لأمرهم، هذا جواب عن إيراد ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة، وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا في مرابض الغنم».

الغنم وهي لا تخلو من أرواثها، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن القول بنجاسة فضلات مأكول اللحم قول محدث لم يذهب إليه أحد من الصحابة.

الرابع مني الآدمي: قال مني الآدمي طاهر، وهذا هو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد رحمه الله، وهذا المذهب عليه جماهير الأصحاب لحديث عائشة الذي ذكره المؤلف رحمه الله: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يذهب فيه ويصلي فيه متفق عليه. فلو كان نجسًا لأذهبته بالماء ولم يجزئ فركه كسائر النجاسات، ولأنه بدء خلق آدمي فكان طاهرًا كالطين، وذكر أنه يستحب فرك يابسه وغسل رطبه، ولا يجب غسله لكونه طاهرًا.

ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى المذي بالذال، وهو في ظاهر المذهب ونجاسته متوسطة، والمشهور من المذهب فيغسل كغيره. هنا الشيخ ابن قاسم رحمه الله ذكر في الحاشية في صفحة ثلاث مئة وثلاثة وستين أن المذي إجماعًا! الحقيقة لا، أنه ليس إجماع، فيه خلاف حتى داخل المذهب، بل فيه رواية عن الإمام أحمد ليست قولًا لبعض الأصحاب بل هي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله بطهارة المذي.

لكن الأكثر على نجاسته، فالمذي كما قلنا نجاسته متوسطة، والمشهور من المذهب فيغسل كغيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر منه في حديث المقداد، ولأنه نجاسة فوجب غسله كسائر النجاسات. وروي عن الإمام أحمد رحمه الله أن نجاسته مخففة يجزئ فيه النضح. قال في رواية محمد بن الحكم: المذي يرش عليه الماء، أذهب إلى حديث سهل بن حنيف ليس يدفعه شيء وإن كان حديثًا واحدًا. ويقصد بحديث سهل قوله: كنت ألقى من المذي شدة وعناء، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يجزئك منه الوضوء»، يعني لعله كان يغتسل منه. قلت: فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصاب منه». وهذا عند الترمذي وغيره، وقال الترمذي: حسن صحيح. ويجب منه غسل الذكر والأنثيين على الصحيح من المذهب، وهو من المفردات، ونص عليه الحجاوي والفتوحي.

وأنبه إلى أن بعضهم ينسب إلى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه يقول بطهارة المذي، ولعله اغتر بما في اختيارات البعل حيث ورد في المطبوع: ولا يجب غسل الثوب والبدن من المذي والقيح والصديد، ولم يقم دليل على نجاسته، كذا ورد في المطبوع الذي بتحقيق الشيخ أحمد الخليل، وصوابها: المذة، من: ولا يجب غسل الثوب والبدن من المذة والقيح والصديد. وهذا النقل موجود في إغاثة اللهفان لابن القيم، والإنصاف للمرداوي بلفظ المذة، يعني نقل عن شيخ الإسلام وهو أصوب. وأفاد بعض طلبة العلم أن نسخة شيخنا ابن عثيمين رحمه الله أيضًا صححها، يعني موجود فيها المذي وصححها للمذة. وبعض المعاصرين نسب هذا القول للشيخ رحمه الله، وعز ذلك إلى الاختيارات التي جمعها ابن عبد الهادي، والاختيارات الأخرى التي جمعها البرهان ولد القيم رحمهما الله تعالى. والحقيقة أن الذي فيهما أن الشيخ رحمه الله اختار أنه يطهر بالنضح، يعني نجاسته مخففة، وهو أحد القولين أو إحدى الروايتين عن أحمد، وهذا يدل على أنه يرى نجاسته لا طهارته، لكن نجاسته مخففة كبول الغلام الرضيع.

الخامس من الطهارات: رطوبة فرج المرأة، وهو مسلك الذكر أي مخرج المني والحيض لا مخرج البول، فيعد طاهرًا على الصحيح من المذهب لأن منيها محكوم بطهارته.

السادس: عرق الآدمي، فهو طاهر لعدم الدليل على نجاسته.

السابع: ما يخرج من فم الآدمي من الطاهرات سوى القيء، من الريق والمخاط والبلغم، ولو ازرقّ، سواء كان البلغم من الصدر أو الرأس أو المعدة، فهذا كله طاهر على الصحيح من المذهب لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا، فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض» رواه مسلم، ولو كان نجسًا لما أمر بمسحه في ثوبه. وذكر ابن مفلح في الفروع أن ما يسيل من الفم وقت النوم طاهر في ظاهر كلامهم.

الثامن: سؤر الهرة وما دونها في الخلقة، والسؤر بقية الطعام والشراب، والحيوانات من حيث طهارة سؤرها ونجاسته على أنواع، وهذه التقسيمات ذكرها الموفق رحمه الله في المغني. القسم الأول: ما هو رواية واحدة وهو الكلب والخنزير وما تولد منهما، فهذا سؤره نجس في قول أكثر أهل العلم. القسم الثاني: ما اختلف في طهارته ونجاسته، وهو سائر السباع والبهائم إلا الهرة وما دونها في الخلقة، فهذا فيه روايتان في طهارة سؤرها، والمذهب نجاسته، والمذهب نجاسته كما سيأتي في ذكر نجاسة عينه، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن هذه أشهر الروايتين. القسم الثالث: مأكول اللحم، وهذا طاهر في الجملة حكاه ابن المنذر إجماعًا، وقولنا في الجملة لإخراج الجلالة التي تأكل النجاسات ففيها روايتان، فمأكول اللحم سؤره طاهر. القسم الرابع: سؤر الهرة وما دونها في الخلقة، فهذا طاهر بلا نزاع إلا ما روي عن أبي حنيفة من كراهتها، ويستدل على طهارته بحديث أبي قتادة في الهرة أنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم، وشبهها بالمماليك من خدم البيت الذين يطوفون على أهله للخدمة ولعدم إمكان التحرج منها. والصحيح من المذهب أنه يلحق بها ما دونها في الخلقة. واستثنى المؤلف الدجاجة المخلاة -يعني غير المحفوظة بأن تأكل من الأرض- فيكره سؤرها، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله احتياطًا لأن الظاهر نجاسته.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الهرة ونحوها وكذا الطفل، أكل من نجاسة ثم شرب بعدها ماء، النجاسة الأصل أنها علقت في فمه، فالماء الآن التصق بأثر النجاسة، فهل ينجس الماء أو السؤر الذي بعدهم؟ لا ينجس السؤر الذي بعدهم على الصحيح من المذهب لعموم البلوى، فالنبي صلى الله عليه وسلم نفى عنها النجاسة وتوضأ من فضلها مع علمه بأنها تأكل النجاسات. وقول المؤلف: ولو قبل أن يغيب، إشارة لخلاف بعض العلماء الذين اشترطوا للطهارة غيبته، قالوا: فإن لم يغب فلا يطهر سؤره ليقين اختلاط النجاسة به. ثم ذكر أن النجاسة التي في يدها ورجلها لا يعفى عنها وليست مثل سؤرها، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله.

ثم ذكر أنه إن وقع في الحيوان ماء وكان ينضم دبره إذا وقع، ثم خرج حيًا -كالفأر مثلاً ثم خرج حيًا- فإن الماء لا ينجس على الصحيح من المذهب، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله لعدم وصول النجاسة إليه. سئل الإمام أحمد رحمه الله عن الفأرة تقع في السمن الذائب فلم تمت، فقال: لا بأس بأكله، وذلك لأن الأصل طهارة الماء، وإصابة الماء لموضع النجاسة مشكوك فيه، فإن المخرج أي الدبر ينضم إذا وقع الحيوان في الماء فلا يزول اليقين بالشك. وقيل: كل حيوان إذا وقع في الماء فإنه ينضم دبره إلا البعير، كذا ذكره الأنجري رحمه الله. وكذا لو وقع في جامد، يعني هنا قال: لو وقع في ماء، وكذا لو وقع في جامد، كما قاله الحجاوي في الإقناع والفتوح وفي المنتهى فحكمه كذلك.

ثم ذكر رحمه الله الأعيان النجسة، وهي: سباع البهائم -مثل الذئب والأسد إلى آخره- وسباع الطير التي هي أكبر من الهرة خلقة كالصقر ونحوه، والحمار الأهلي -لإخراج الوحشي- والبغل المتولد من الحمار الأهلي، يعني الذي أحد أبويه حمار أهلي وليس أحد أبويه حمار وحشي. فهذه الأربع، وكذا فضلاتها النجسة كريقها وعرقها وسؤرها، ونجاسة هذه الأربع هي المذهب وعليها جماهير الأصحاب، واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على نجاستها بحديث القلتين، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال: «إذا كان الماء قلتين لا ينجسه شيء». قال: فمفهومه -يعني مفهوم المخالفة- أنه ينجس، يعني الماء ينجس إذا لم يبلغه ماء. واستدل أيضًا على نجاسة الحمر الأهلية بحديث خيبر أنها رجس، أنها رجس يعني.

وفي الحمار الأهلي والبغل منه قول آخر بطهارته، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختارها الموفق وشيخ الإسلام رحمه الله، وصححه المرداوي في الإنصاف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يركبهما ويركبان في زمانه وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسين لبين النبي صلى الله عليه وسلم نجاستهما، وعلى هذا فسؤرهما طاهر، يعني ينبني على طهارتهما طهارة سؤرهما، وتعليله صلى الله عليه وسلم طهارة سؤر الهرة يقتضي أن الحاجة مقتضية للطهارة. وأجابوا عن حديث خيبر بأن هذا كان جوابًا عن لحومها التي طبخت فذكر أنها نجست لأنها محرمة لا تحلها الذكاة، ولا يدل على أن آثارها كما أفاده ابن القيم رحمه الله تعالى، وكذلك لا يدل على أن أعيانها.

وبذلك تم الكلام على باب إزالة النجاسة، والله ولي التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.