أما بعد، فهذا هو اللقاء الرابع من لقاءات التعليق على الروض المربع لكتاب المناسك. من الروض المربع. أين توقفنا؟ المحور السادس مبطلات الإحرام. وننبه على خطأ وقع في الدرس الماضي لما قرأ القارئ في آخر الدرس كلمة نماماً، قرأها بالتشديد، فرددت عليه أنها بالتخفيف.
والحقيقة أنني اعتمدت على ما في حاشية ابن فيروز وابن قاسم رحمه الله تعالى على الروض أنها، وقد أفادني القارئ الشيخ هزاع حفظه الله أنه راجع بعض المعاجم اللغوية؛ كتاب الصحاح ومخصص ومختار الصحاح واللسان والقاموس وتجرس فوجدها مضبوطة بالتشديد. مضبوطة يعني مشكلة، وليست ولم يذكر وزنها.
وصاحب المعجم الاشتقاقي وهو محمد حسين جبل رحمه الله، نص على أنها على وزن شداد، أي بالتشديد. هذه فائدة الشيخ هزاع، راجعت بعض المعاجم اللغوية فوجدت كذلك أنها مضبوطة بالتشديد، لكن لم ينصوا على وزنها. الضبط بالشكل الحقيقة يعتريه سبق قلم أو الغفلة ونحو ذلك.
لكن إطباق المعاجم اللغوية على ضبطها بالشكل بالتشديد، هذا يقوي أنها بالتشديد. ثم وقفت على كلام النووي رحمه الله في المجموع، وقد نص على أنها بفتح النون وتشديد الميم. وذكر لي أيضًا بعض المختصين أنه مذكور وزنها أيضًا في معجم متقدم اسمه شمس العلوم وهو معجم الأبنية لنشوان الحميري في القرن السادس، ذكر أنه على وزن فعال بتشديد العين، فيصحح ذلك، فهي بالتشديد نمامًا وليست نمامًا. والله أعلم.
المحظور السادس: قتل الصيد. قال المصنف رحمه الله تعالى: السادس قتل صيد البر أو اصطياده، وقد أشار إليه بقوله: وإن قتل صيدًا مأكولًا بريًا أصليًا كحمام وبط، ولو استأנס، بخلاف إبل وبقر أهلية ولو توحشت، ولو تولد منه أي من الصيد المأكول ومن غيره كمتولد من المأكول وغيره أو بين الوحشي وغيره تغليبًا للحظر، أو تلف الصيد المذكور في يده بمباشرة أو سبب كإشارة ودلالة وإعانة ولو بمناولة آلة، أو جناية دابة هو متصرف فيها، فعليه جزاؤه. وإن دل ونحوه محرم محرمًا فالجزاء بينهما.
ويحرم على المحرم أكله مما صاده، أو كان له أثر في صيده، أو ذبح لأجله. وما حرم عليه نحو دلالة أو صيد له لا يحرم على محرم غيره. ويضمن بيع صيد ولبنه إذا أتلفه بقيمته. ولا يملك المحرم ابتداءً صيداً بغير إذن، وإن أحرم وفي ملكه صيد لم يزل ولا يده الحكمية، بل تزال يده بمشاهدة إرساله.
هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن المححظور السادس من محظورات الإحرام، وهو قتل صيد البر واصطياده. القتل طبعاً إزهاق الروح، واصطياده يعني أنه يصطاده ولو يعني يحوزه ولو لم يقتل أو يذبح، فهذا محظور. ويحظر على المحرم قتل الصيد إجماعًا، وهذا نقله الموفق رحمه الله وغيره ودل عليه القرآن والسنة. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]. وفي السنة أحاديث تضمين الصيد.
وقلنا أنه بالإجماع نقله الموفق وغيره، لكن المرداوي رحمه الله يقول في بقر الوحش رواية أنه لا جزاء فيه. قال: وقد أشار إليه بقوله: وإن قتل صيدًا مأكولًا بريًا أصليًا إلى آخره. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ضابط الصيد الذي يحرم على المحرم صيده، أو ضابط الحيوان الذي يحرم على المحرم صيده.
الأول: أن يكون بريًا، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96]. خرج به صيد البحر، فهذا لا يحرم على المحرم إلا إذا كان في الحرم كما سيأتي. الثاني: أن يكون وحشيًا ليس أهليًا، لأن الأهلي حقيقةً يذبح ولا يصاد، فلو كان أهليًا كبهيمة الأنعام فيجوز للمحرم ذبحها، وهذا استفدناه من الأمثلة التي ذكرها المؤلف بقوله: كحمام وبط ولو استأنس.
الأمر الثالث: أن يكون مأكولًا، قال: صيدًا مأكولًا، فغير المأكول لا فدية على المحرم في قتله، كما لو قتل صقرًا مثلاً فإنه لا فدية عليه. الأمر الرابع: وهذا لم يذكره المؤلف هنا، لكن ذكر مفهومه بعد أسطر، اللي هو ألا يقتله دفاعًا عن نفسه؛ دفع الصائل، فإن قتله دفاعًا عن نفسه فإنه لا فدية في قتله.
قال: كحمام وبط ولو استأنس. بخلاف إبل وبقر أهلي ولو توحشت. يعني يقصد أن العبرة في وصف الحيوان بكونه أهليًا أو وحشيًا العبرة بأصله، فالحمام والبط وحشي، يعني أنه غالبًا يهرب عن الآدمي ولو استأنس ولو كان يعيش معنا الحمام والبط، بخلاف الإبل والبقر فهي أهلية ولو توحشت، فلو توحش أهلي أو بقر فإنه يجوز أكله، ويجوز صيده على المحرم ولا جزاء فيه.
قال: ولو تولد منه، أي من الصيد المذكور ومن غيره، كالمتولد بين المأكول وغيره بين الوحشي وغيره تغليبًا للحظر. يعني يقصد أن هذه الأوصاف خص الأوصاف الثلاثة هذه؛ بريًا وحشيًا مأكولًا، سواء كان هذا الصيد فيه الأوصاف الثلاثة أو أحد أبويه فيه الأوصاف الثلاثة.
فلو كان حيوان مثلاً أبوه وحشي وأمه أهلية فإنه يأخذ حكم أبيه في ذلك، أو أبوه مأكول وأمه غير مأكولة فإنه يأخذ حكم أبيه في ذلك، فيكون صيدًا يحرم أكله، قالوا: كالسمع، السمع ولد الذئب من الضبع، فالذئب يحرم أكله والضبع لا يحرم أكله يعني يجوز أكله، فإذا قتل السمع الذي هو متولد بينهما فإنه يأخذ حكم الضبع هنا الذي يجوز أكله، ففيه الجزاء. وتحريم قتل المتولد من الحيوان الوحشي أو من المأكول ومن غيره، هذا قول واحد في المذهب، يعني أنه يحرم قتله. أما إيجاب الجزاء فيه فهذا فيه خلاف في المذهب، والصحيح من المذهب أي كما قال المرداوي رحمه الله أنه يجب الجزاء في قتله، يعني السمع مثلاً.
وهناك يذكرون العلماء رحمهم الله تعالى في تبعية مولود لوالديه؛ يتبع أباه أو أمه. فقالوا: أنه يتبع أباه في النسب، هذه الأولى؛ معلوم أن الابن ينسب أو الولد ينسب لأبيه. ويتبع أمه في الحرية والرق، فلو تزوج حر أمة فإن أولادها منه يكونون عبيدًا لسيد أمه.
ويتبع خير أبويه في الدين، هذه الثالثة؛ أنه يتبع خير أبويه في الدين، فلو أن مسلمًا تزوج نصرانية فأنجبت ولدًا، ثم مات هذا الولد وهو صغير، فهل نصلي عليه أو لا؟ هل نحكم عليه بحكم الإسلام أو لا؟ نقول: يتبع أباه هنا، لأن أباه هو الخير في الدين. ويتبع شر أبويه في النجاسة وتحريم النكاح والذكاة والأكل، وهذه القاعدة في تبعية المولود لوالديه. هذه ذكرها الفتوحي في المنتهى ومرعي في الدليل في نهاية فصل ما يلحق النسب الملحق بكتاب اللعان. والبهوتي رحمه الله في الروض ذكره في الموضع المذكور، لكن ذكر تبعية النسب والدين، أما الباقي فذكره مفرقًا في أبوابه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى صور ضمان الصيد، يعني هل لا يضمن إلا بالقتل المباشر؟ لا، يضمن بالقتل المباشر وما ألحق به. فيقول في البداية: وإن قتل صيدًا مأكولًا بريًا أصليًا، هذا مباشرة قتله بيده، فهذا يضمنه بالإجماع، ودل عليه القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95].
الثانية قال: أو تلف الصيد المذكور في يده بمباشرة، مثل لو أنه أمسك أرنبًا، أمسك أرنبًا لم يذبح، لكنه أمسكه حتى هلك هذا الأرنب، مثل لم يطعمه ونحو ذلك هلك، فإنه يضمنه. الصورة الثالثة: أو سبب، ثم بدأ يمثل على سبب، يعني أنه لم يتلف في يده مباشرة، وإنما تسبب في ذلك، مثل قال: كإشارة ودلالة؛ إشارة أشار للصيد، يعني كان هناك شخص حلال يبحث عن صيد فأشار له، أشار له مجرد إشارة فإنه يضمن. أو دلالة، يعني لم يكتف بالإشارة بل دل له، قال: انظر إلى الشجرة الفلانية، روح يمين، روح يسار، إلى أن أوقفه عليه.
أو إعانة، طبعًا الدلالة هذه بشرط ألا يراه، فإذا كان الحلال قد رآه من قبل فإنه لا يضمنه بذلك، وهذا قيده به الفتوحي في المنتهى، لأنه لا يعتبر هنا تسبب في تلفه. قالوا: أو إعانة ولو بمناولة آلة، إذا أعان المحرم الحلال في قتل الصيد ولو أنه ناوله آلته، فإنه يحرم عليه ذلك ويضمنه بجزائه.
قالوا: ولو كانت الإعانة بمناولة الآلة أو إعارتها، سواء أمره بالصيد أو لم يأمره، فمثلاً لو أعطاه آلة وقال له: صد بها، فإنه يضمن، إذا أعطاه آلة ولم يقل له: صد بها فصاد بها، فإنه يضمن كذلك. لكن إذا أعاره آلة لغير الصيد، كما لو أعطاه سكينًا ليذبح به فاكهة فجاء هذا وذبح به صيدًا، فإنه لا يحرم على المحرم ولا يفتي، لأن فعله هذا غير محرم عليه.
وهنا قوله: ولو بمناولة آلة، طبعًا دليل الأصحاب رحمهم الله تعالى على تضمين أو على عدم جواز فعل ذلك للمحرم في حديث أبي قتادة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صاد أبو قتادة الصيد وأكل منه الصحابة رضي الله عنهم، أو تحرجوا حتى يأتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل منكما أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟» قالوا: لا. قال: «إذن فكلوه»، فدل على أنه لو أن أحدًا أعانه أو أمر أو أشار له بشيء، فإنه يعتبر فاعل محظور.
وقوله: ولو بمناولة آلة، هنا ابن قايد رحمه الله في حاشية المنتهى ذكر أن الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكروا في الجنايات أن من دفع آلة، يعني الآن سنمثل ونذكر الإشكال: الآن محرم أعطى الحلال مسدسًا مثلاً، فهو هنا أعانه بمناولة الآلة، فإذا قتل الحلال صيدًا فإن المحرم هو الذي يضمنه! الحلال فعل شيئًا مباحًا له، المحرم هو الذي يضمنه.
في الجنايات الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكروا أن من دفع لشخص آلة فقتل بها، فمن الذي يضمن؟ المباشر، القاتل يعني، أما من دفع له آلة فإنه لا يضمن. طيب، لماذا شركوا بينهما في الصيد ولم يشركوا بينهما في الجنايات؟ فرق ابن قايد رحمه الله بينهما أن الآدمي من شأنه الدفاع عن نفسه ولا يقدر عليه إلا بمزيد قوة، فقويت المباشرة، بخلاف الصيد فإن من شأنه عدم الدفاع عن نفسه، فضاعفت المباشرة فألحق بها، وألحق بها السبب.
ثم قال بعد ذلك: أو بجناية دابة هو متصرف فيها. يعني أن المحرم يضمن ما قتل من الصيد حتى لو كانت الجناية بسبب الدابة التي هو متصرف فيها، يعني يكون مثلاً راكبًا على بعير مثلاً، فالبعير يطأ جرادة، فنقول الآن الذي ركب عليه المحرم يضمنه، فيضمن ما أتلفته بيده أو بفمه، أي ما أتلفته بمقدمه، لا ما رمحت برجلها، فهو مسؤول عن مقدمها، أما ما رمحت برجلها فإنه لا يضمنه، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «رجل العجماء جبار»، أي هدر.
طيب، فإن انفلتت عنه الدابة فإنه لا يضمن ما أتلفته. قال البهوتي رحمه الله في حاشية المنتهى: كالآدمي، يعني قياسًا على ما لو أتلف آدمي فإنه لا يضمنه. المؤلف رحمه الله قال: فجزاء، وذكرنا لكم الدليل من حديث أبي قتادة، أو فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل منكم أحد أشار إليه إنسان منكم أو أشار إليه بشيء؟» قالوا: لا. وفي الرواية الأخرى أبو قتادة قال: ناولوني الصوت والرمح. قالوا: والله لا نعينك عليه. فدل بمفهومه على أن من حصلت منه الإعانة فإنه يأثم وتترتب عليه الفدية.
وذكر المرداوي رحمه الله أن ضمان الدال والمشير هو المذهب مطلقًا، يعني كونه يضمن هو المذهب مطلقًا، لكن كونه يستقل بالضمان ولا يضمن مع المحل، يقول: هو الصحيح من المذهب. وذكر ابن رجب رحمه الله هذه المسألة تحت القاعدة الثامنة والعشرين، مسألة المحل والمحرم في الصيد، ونص القاعدة: إذا حصل التلف من فعلين، أحدهما مأذون فيه والآخر غير مأذون فيه، وجب الضمان كاملًا على الصحيح.
قال: وإن كان من فعلين غير مأذون فيهما فالضمان بينهما نصفين، حتى لو كان أحدهما من فعل من لا يجب الضمان عليه، لم يجب على الآخر أكثر من النصف. وذكر من صورها: إذا اشترك محل ومحرم في جرح صيد ومات من الجرحين، فإنه يلزم المحرم ضمانه كاملاً.
طيب، الآن حصل التلف من فعلين، أحدهما فعل مأذون فيه وهو فعل الحلال، والآخر المسألة متصورة في صيد خارج حدود الحرم، والآخر غير مأذون فيه وهو فعل المحرم، فالذي يضمن المحرم يضمن الجزاء كاملاً، أما الحلال فلا يضمن شيئًا، إلى آخر كلامه رحمه الله.
قال: وإن دل ونحوه، يعني نحو الدلالة من الإعانة ونحوها، محرم محرمًا فالجزاء بينهما.
يعني لو أن محرماً دل محرماً آخر على حمامة فصادها، فالشمامة فيها شاة كما سيأتي. فالشاة من الذي يخرجها؟ يخرجها المحرمان كلاهما، يشتركان في إخراجها. الجزاء بينهما، لا نقول كل واحد يخرج شاة، لا، الشاة هذه يشتركان بإخراجها، يعني لو كانت مثلاً قيمتها 500 كل واحد يدفع 250.
قال لأنهما اشتركا في التحريم فيشتركان في الجزاء، وهذا هو المذهب وهو من المفردات كما ذكرهم المرداوي رحمه الله، وتدل عليه القاعدة السابقة التي ذكرناها آنفاً. ولا يكون على كل واحد منهما جزاء، لأن الواجب جزاء المتلف وهو واحد، فيكون الجزاء واحداً.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويحرم على المحرم أكله مما صاده أو كان له أثر في صيده. يعني يحرم على المحرم أن يأكل من الصيد الذي صاده وهو محرم ولم يكن محتاجاً أو مضطراً إلى الصيد، فيحرم عليه، يكون هذا الصيد ميتة فلا يجوز له ولا لغيره أكله.
وكذا ما أعان عليه، أما ما صاده بنفسه فهذا بالإجماع أنه يجوز أكله، وكذلك أكل الصيد الذي أعان عليه بمفهوم حديث أبي قتادة: «هل منكم أحد أشار له بشيء أو ناوله شيئاً؟» فقالوا: لا. فأذن لهم بالأكل منه. فدل ذلك على أنه لو أعان واحد بشيء فإنه لا يجوز له أكل منه.
قال: أو ذبح أو صيد لأجله. يعني لو أن حلالاً ذبح صيداً أو صاده لأجل المحرم لأجل أن يطعمه المحرم، فلا يجوز للمحرم أكله على الصحيح من المذهب، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله، وعليه الأصحاب. لحديث الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حمار وحش، فرده عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ما في وجهه قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنه حرم» متفق عليه. وهذا يحمل على أنه كان سبب صيده إهداؤه للمحرم.
ويدل على هذا التفصيل، يعني يجوز له أن يأكل ما صاده الحلال إذا كان صاده لنفسه بدليل حديث أبي قتادة. أما إذا صاده الحلال لأجل المحرم فلا يجوز له، بدليل حديث الصعب بن جثامة. ويدل على هذا التفصيل ما جاء عند أحمد وغيره من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لحم الصيد للمحرم حلال ما لم تصيدوه أو يصيد لكم». والحديث فيه مقال، لكن الترمذي رحمه الله يقول هو أحسن حديث في الباب. وقال الموفق رحمه الله: وهذا صريح في الحكم، وفيه جمع بين الأحاديث وبين المختلف منها.
قال: وما حرم عليه نحو دلالة أو صيد له، لا يحرم على محرم غيره. يعني أن الصيد إذا كان صيداً لأجل المحرم، أو أن المحرم له أثر في صيده بدلالة أو نحوها، لم يصده المحرم نفسه، إنما صاده الحلال سواء صاده الحلال لأجل المحرم أو صاده الحلال لأجل نفسه لكن المحرم أعان عليه. فنقول: المحرم الذي صيد له أو أعان عليه فإنه لا يجوز له الأكل منه، لكن غيره من المحرمين يجوز لهم الأكل منه.
وقد روى الإمام مالك رحمه الله عن عثمان أنه أتي بلحم صيد وهو محرم، فقال لأصحابه: كلوا. فقالوا: ألا تأكل؟ فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد لأجلي. وهذا دليل على أن من صيد لأجله فلا يأكل، وأما غيره من المحرمين فلهم الأكل.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن مما يضمن أيضاً الصيد، ويضمن أيضاً بيضه ولبنه. بيض الصيد ولبنه إذا تسبب في تلفه؛ فلو رأى المحرم مثلاً بيضة حمامة فنقله عن العش إلى مكان آخر فتلف هذا البيض بسبب نقله، فإنه يضمنه بقيمته. وكذا حليب الصيد، لو أنه حلب مثلاً حلب من حمار وحش، فإنه لا يجوز له استعماله، ويضمنه بقيمته أيضاً.
ويصر الأصحاب رحمهم الله تعالى على تضمين بيض الصيد بقول ابن عباس رضي الله عنهما في بيض النعام: قيمته. قالوا: ولأنه لا مثل له، فوجبت فيه القيمة. وكذلك يقاس عليه الحليب، فلما كان لا مثل له فإنه سيكون فيه قيمته، قياساً على جزاء الصيد الذي لا مثل له.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يملك المحرم ابتداء صيد بغير إرث. يعني أنه بأجل مباعدة المحرم من الصيد حرم عليه حتى تملكه، إلا التملك الجبري. ولذلك يقول المؤلف رحمه الله: لا يملك الصيد، لا يملك المحرم ابتداء صيد بغير إرث. فلو أن شخصاً مثلاً أحرم من ذي الحليفة ثم ذهب إلى سوق الطيور فاشترى حماماً وهو محرم، ولو كان خارج حدود الحرم، فلا يجوز له ذلك، لأن هذا من تملك الصيد الذي منع منه المحرم. تملكه ممنوع على المحرم سواء صاده أو قتله أو لا.
وقوله: ابتداء، هذا أخرج به استدامة الملك سيصرح به المصنف لاحقاً بقوله: وإن أحرم وبملكه صيد لم يزل. وقوله: بغير إرث، فالمحرم يملك الصيد ابتداء بالإرث على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. فلو أن شخصاً أحرم بالحج ثم هو في عرفة مثلاً توفي مورثه كما توفي مثلاً والده، والده يملك مجموعة من الطيور، فالآن ملكية الطيور ستنتقل للورثة ومنهم هذا المحرم، فيجوز له التملك هنا لأن التملك جبري فيشبه الاستدامة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: وإن أحرم وبملكه صيد لم يزل ولا يده الحكمية. هنا الآن يتكلم عن استدامة ملك الصيد، قبل قليل يتكلم عن ابتداء ملك الصيد. طيب استدامته؟ يقول الآن استدامته يملك الاستدامة. فلو كان مثلاً صاد غزالة أو حمامة أو كان من الأصل عنده في بلده حمامة أو غزالة ونحو ذلك، فإنه هنا المؤلف رحمه الله عندنا الملكية وعندنا إزالة اليد. الملكية هذه تستدام، يعني كونه مثلاً اشترى حمامة أو غزالة أو كان هو يملك في بلده صيداً فملكه باقٍ عليه لا يزول، إذا قال: لم يزل ولا يده الحكمية.
طيب عندنا اليد، يعني تصرفه فيها. نقول: عندنا يد حكمية ويد مشاهدة. اليد الحكمية يعني ملكه على ما كان ليس في حوزته وهو مسافر، كطيوره التي في بلده. شخص من أهل الرياض حج، عنده حمام في البيت، طيب لما أحرم نقول: ما زال ملكه باقياً على الحمام التي يملكها في الرياض فلا تزول. أما يده المشاهدة فإنه يزيلها، قال: بل تزال يده المشاهدة بإرساله. لذلك قالوا: إذا أحرم يرفع يده المشاهدة، فيطلق هذا الطير أو الصيد، فإذا تلقاه في الصحراء أو جعله عند أحد، قالوا: لئلا يكون ممسكاً له وهو محرم، وقد حرم عليه إمساك الصيد قياساً على ابتداء التملك.
ولا يحرم بإحرام أو بحرم حيوان إنسي، كالدجاج وبهيمة الأنعام لأنه ليس بصيد. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذبح البدنة في إحرامه بالحرم.
ولا يحرم صيد صيد البحر إن لم يكن بالحرم لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96]. وطير الماء بري، ولا يحرم بحرم ولا إحرام قتل محرم الأكل كالأسد والنمر والكلب، إلا المتولد كما تقدم.
ولا يحرم قتل الصيد الصائل دفعاً عن نفسه أو ماله، سواء خشي التلف أو الضرر بجرحه، لأنه التحق بالمؤذيات فصار كالكلب العقور. ويسن مطلقاً قتل كل مؤذٍ غير آدمي.
وهذا لأنه لم يتوفر فيه أحد شروط الصيد، وهو أن يكون وحشياً. فإذا كان إنسياً فإنه يجوز له ذبحه، سواء كان محرماً أو كان داخل حدود الحرم. وهذا بالإجماع نقله الموفق والمرداوي وغيرهما لأنه ليس بصيد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال المؤلف رحمه الله هنا، يذبح البدنة في إحرامه بالحرم.
ولا يحرم صيد البحر إن لم يكن بالحرم. يعني عندنا صيد البحر، وعندنا الحيوان الإنسي هذا لا يحرم لا بالحرم ولا بالإحرام، وصيد البحر هذا يحرم بالحرم فقط، يعني إذا كان داخل حدود الحرم فهذا يحرم على المحرم والمحل. أما إذا كان خارج حدود الحرم فإنه يجوز قتله للمحرم والمحل. ودليل جواز قتل صيد البحر خارج حدود الحرم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96]. وهذا بالإجماع، طبعاً البحر لا يقصد به البحر المالح، وإنما يشمل أيضاً الأنهار والعيون.
واستدل الموفق رحمه الله على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12]. ولأن الله تعالى قابله بصيد البر، فقال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: 96]، فدل على أن ما ليس من صيد البر فهو من صيد البحر.
طبعاً قلنا لكم أن هذا ما لم يكن بالحرم، فإذا كان داخل حدود الحرم فإنه لا يجوز قتل صيد البحر. فلو كان شخص مثلاً عنده بحيرة في العزيزية مثلاً، هذه البحيرة فيها سمك، فهذا السمك يحرم صيده على المحرم والحلال على إحدى الروايتين في المذهب، وصوب المرداوي رحمه الله في التصحيح التحريم، واقتصر عليه في التنقيح، ولم يصوب شيئاً في الإنصاف، لكن كما قلنا لكم مراراً أن التصحيح والتنقيح أتيا بعد الإنصاف، فهذا هو المعتمد عند المرداوي. ويستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ينفر صيدها». ولأن الحرمة تثبت للصيد كحرمة المكان، وهو شامل لكل صيد.
قال المؤلف رحمه الله: وطير الماء بري. وهذا في قول عامة أهل العلم، يعني مثل الموفق. وهذا مثل البط، فيعتبر طير الماء برياً لأنه يفرخ ويبيض في البر، فيحرم على محرم صيده، وفيه الجزاء. يقول الموفق: وإنما إقامته في البحر لطلب الرزق والمعيشة منه، كالصياد.
قال: ولا يحرم بحرم وإحرام قتل محرم الأكل كالأسد والنمر والكلب. وهذا لأنه لم يتوفر فيه أحد شروط الصيد، وهو أن يكون مأكولاً. إذا كان غير مأكول فإنه لا يحرم لا بالحرم ولا بالإحرام، وهذا على الصحيح من المذهب. قال المؤلف: إلا المتولد كما تقدم، وقد تقدم آنفاً، فإنه يحرم لتغليب جانب الحظر.
قال: ولا يحرم قتل الصيد الصائل لعدم توفر أحد الشروط، وهو أن لا يكون قتله دفعاً لصياله عليه. فلا يحرم قتل الصيد الصائل، يعني لو أن مثلاً ضبعاً صال على آدمي فإنه يجوز له قتله دفاعاً عن نفسه، وكذا لو صال على ماله فيجوز له قتله دفاعاً عن ماله. قالوا: سواء خشي تلفه أو الضرر بجرحه أو لا. لماذا؟ لأن صنيعه هذا ألحقه بالمؤذيات، فصار كالكلب العقور. طبعاً قالوا: ولا يحل هذا الصيد الذي قتله دفاعاً عن نفسه على المذهب وعليه الأصحاب، لأنه لم يقتله لمأكلة، وإنما قتله دفاعاً عن نفسه.
قال: ويسن مطلقاً قتل كل مؤذٍ غير آدمي. قوله مطلقاً يعني في الحل أو الحرم، ومع وجود الأذى وبدونه، في حديث عائشة رضي الله عنها في الفواسق: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور» متفق عليه، وأبو داود زاد الحية. ويقاس على هذه الفواسق كل مؤذٍ. يقول الموفق رحمه الله تعالى: الخبر نص من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيهاً على ما هو أعلى منها ودلالة على ما كان في معناها.
هنا قال: ويسن قتل كل مؤذٍ غير آدمي. قال الخلوتي رحمه الله: يستثنى من سنية قتل المؤذي غير الآدمي الكلب العقور. الكلب العقور يقول: فإنه يجب قتله، لأن المؤذيات يستحب قتلها طبعاً إلا الآدمي، ما عدا الكلب العقور فإنه يجب قتله، كما صرحوا به في غير هذا المحل، صرحوا به في باب الصيد أنه يجب قتل الكلب العقور. طبعاً غير آدمي فلا يشرع قتله إذا كان غير حربي إلا بإحدى ثلاث، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة».
قال: ويحرم بإحرام قتل قمل وصئبانه، يعني بيضه، ولو برميه ولا جزاء فيه. مما يتميز به الإحرام عن الحرم للمحل تحريم قتل القمل وصئبانه، أي بيضه. فقتل القمل وصئبانه هذا محظور على المحرم فقط، لذلك قال: ويحرم بإحرام، فهو محظور على المحرم، لكن المحل يجوز له قتل القمل وصئبانه في الحرم وخارجه، خارجه ما في إشكال، لكن حتى داخل حدود الحرم. قالوا: ويحرم على المحرم قتل القمل، قالوا: سواء بإزالته من رأسه أو بدنه أو ثوبه، أو برميه عن بدنه أو ثوبه، قالوا: إنما فيه من الترفه
بإزالته أشبه بقطع الشعر. قالوا: ولظاهر فعل كعب بن عجرة رضي الله عنه، حيث لو كان كعب بن عجرة حمل النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهه، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحلق رأسه ويفتدي.
قالوا: لو كان قتل القمل مباحًا لم يكن كعب ليتركه حتى يكون كذلك، يعني ملأ رأسه وأولاه النبي صلى الله عليه وسلم بإزالته. قالوا: لكن لا جزاء فيه، لا جزاء في قتل القمل على المذهب.
قالوا: لأن كعب بن عجرة حين حلق رأسه أذهب قملًا كثيرًا ولم يجب عليه لذلك شيء، وإنما وجبت الفدية في حلق الشعر. قالوا: ولأنه لا قيمة له، أشبه البراغيث، ولسكونه لا يعد صيدًا على الصحيح من المذهب.
قال: لا براغيث وقراد ونحوها، فالأصح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب، فلا يحرم على المحرم قتل البراغيث والقراد، فهذه الحشرات التي تأتي الحيوانات لأن عمر رضي الله عنه كان يقرد بعيره بالسقيا، أي يزيل حشرة القراد عنه. وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قال: ويضمن جراد بقيمته. يعني إذا قتل المحرم جرادًا داخل حدود الحرم. نعم، إذا قتل المحرم أو الحلال جرادًا داخل حدود الحرم. يعني المحرم سواء داخل حدود الحرم أو خارجه. والحلال يكون داخل حدود الحرم.
فإذا قتلوا جرادًا فإنه يضمن الجراد بقيمته على الصحيح من المذهب لأنه غير مثلي. طيب، لماذا نص على الجراد؟ ما نص على غيره. لأن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: الجراد من صيد البحر.
والمؤلف يقول: لا، هو من صيد البر وليس من صيد البحر. بدليل أن الماء يهلكه إذا وقع فيه، فيعتبر من صيد البر.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولمحرم احتاج لفعل محظور فعله ويفدي. وهذا عام في كل المحظورات. أي محرم احتاج إلى فعل محظور فإنه يفعله ويفدي.
للاية في حلق الشعر: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ [البقرة: 196]. التقدير: فحلق، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. ولحديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه سابقًا.
وهذه الآية والحديث في حلق الشعر وألحق بالحلق باقي المحظورات. وجوب الفدية عليه من غير خلاف يعلمه المرداوي بين الأصحاب.
طيب. هل هذا في كل المحظورات حتى في الوطء؟ حتى في الوطء؟
قال الخلوتي رحمه الله: قال شيخنا يعني البهوتي: الظاهر لا، لأن الكلام في المحظور غير المفسد. قال: تأمل. قال الشيخ ابن جاسر رحمه الله وهو كما قال الشيخ منصور بلا إشكال.
قال: وكذا لو اضطر إلى أكل صيد فله ذبحه وأكله كمن بالحرم. يعني إذا اضطر المحرم إلى أكل صيد الآن جائع ما عنده إلا صيد ليسد جوعته، فإنه يذبحه ويأكله ويكفي. أما ذبحه وأكله فبلا نزاع بين الأصحاب رحمهم الله تعالى، كما قال المرداوي. وأما الفداء فهو على الصحيح من المذهب.
قوله: كمن بالحرم، يعني أن هذا الحكم ليس خاصًا بالمحرم، بل يشمل ما إذا كان داخل حدود الحرم من محرم أو حلال. واستدل الموفق رحمه الله تعالى على كونه يفتدي بأنه قتل من غير معنى يحدث من الصيد يقتضي قتله فضمنه كغيره.
يعني الآن على تعبير ابن رجب رحمه الله في القاعدة التي ذكرناها لكم سابقًا في حلق الشعر وتقليم الأظفار، الأذى في غير الصيد. فهو أتلف الصيد ليدفع أذاه، أذى المحرم به أنه تأذى بالجوع فأتلف الصيد لأجله، فإنه يفعله ويفتدي ويضمن بناءً على القاعدة التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى.
قال: ولا يباح إلا لمن له أكل الميتة. يعني أن حل هذا الصيد الذي اضطر له المحرم مختص به، لتعلق الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها. ما نقول إذا ذبح المحرم خلاص ما دام مباحًا للمحرم يباح لغيره، لا، نقول هذا أصله ميتة، فلا يباح إلا لمن يباح له أكل الميتة. وهذه العبارة فيها إشكال لن أذكره، لكن سأحيلكم على من ذكرها، وهو البهوتي رحمه الله في حاشيته على المنتهى، ذكر إشكالاً فيها.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: السابع عقد النكاح. فذكره بقوله: ويحرم عقد نكاح. فلو تزوج المحرم أو زوج محرمة، كولي أو وكيل في النكاح، حرم ولا يصح، لما روى مسلم عن عثمان رضي الله عنه مرفوعاً: «لا ينكح المحرم ولا ينكح». ولا فدية في عقده، كشراء الصيد.
الكاف مفتوحة أو مكسورة؟ مكسورة، أحسن الله إليكم. إي نعم. ولا ينكح. أحسن الله إليكم. لا ينكح المحرم ولا ينكح. ولا فدية في عقد النكاح كشراء الصيد. ولا فرق بين الإحرام الصحيح والفاسد. ويكره للمحرم أن يخطب امرأة، كخطبة عقده، وحضوره وشهادته فيه.
تصح الرجعة، أي لو راجع المحرم امرأته صحت بلا كراهة لأنه إمساك. وكذا شراء أمة للوطء.
أحسنت. هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن المحظور السابع من محظورات الإحرام وهو عقد النكاح. وهذا المحظور عندنا له حكمان: حكم تكليفي وحكم وضعي.
الحكم التكليفي ذكره بقوله: ويحرم عقد النكاح. فهنا هذا الحكم التكليفي وأنه حرام. والدليل ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من حديث عثمان عند مسلم: «لا ينكح المحرم ولا ينكح»، هذا دليل على النهي.
طيب، قال بعده: ولا يصح، ولا يصح هذا الحكم الوضعي. ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام مالك رحمه الله في موطئه أن رجلاً تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر نكاحه. وللقاعدة أن النهي يقتضي الفساد إذا عاد إلى ذات المنهي عنه، وعقد النكاح لا يصح للمحرم، هذا هو المذهب وعليه الأصحاب.
ثم قال المؤلف رحمه الله: فلو تزوج المحرم أو زوج محرمة أو كان ولياً أو وكيلًا في النكاح حرم. فالتحريم متعلق بالزوجين وبالولي وبالوكيل. فلو كان أحدهما محرماً حال العقد لم يصح للحديث: «لا ينكح المحرم ولا ينكح». وقوله: أو زوج محرمة، يعني زوج الولي ابنته المحرمة لم يصح العقد، هذا مقصوده.
الشيخ العنقري رحمه الله نقل عن الباطيني رحمه الله أن هذا القيد محرمة لا مفهوم له، بل المحرمة وغيرها سواء. هذا صحيح إذا كان الولي ولياً محرماً، لكن إذا كان الولي حلالاً صح التقييد به.
ولا فدية، يعني في عقد النكاح كشراء الصيد. قال: لأنه عقد فاسد لأجل الإحرام كشراء الصيد، ولعدم ورود الفدية فيه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله أنه لا فرق بين الإحرام الصحيح والفاسد. الإحرام الفاسد سيأتينا بعدها. لكن إن الإحرام يفسد بالوطء. يفسد النسك بالوطء قبل التحلل الأول، ويفسد الإحرام بالوطء بعد التحلل الأول.
فيقول: ما في فرق بين الإحرام الصحيح والإحرام الفاسد، فلا يقول: ما دام أني وطئت أساسًا قبل التحلل الأول فهنا يفسد نسكي إذاً سأعقد النكاح. لا نقول: يلزمك إتمامه حتى لو كان فاسداً، فيلزمك إتمامه. ومن إتمامه أن تجتنب المحظورات التي تحرم على المحرم.
ولذلك يقول الموفق رحمه الله: الإحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح وسائر المحظورات؛ لأن حكمه باق في وجوب ما يجب في الإحرام، فكذلك في محرمه. يعني لابد لمن وطئ قبل التحلل الأول أن يتم نسكه، فيأتي بالواجبات التي يأتي بها المحرم إحراماً صحيحاً، ويمتنع عن المحظورات التي يمتنع منها المحرم إحراماً صحيحاً.
قال: ويكره للمحرم أن يخطب امرأة كخطبة عقده. يعني يكره له أن يتقدم يخطب امرأة، يتقدم ليعرض نفسه عليها، فهذا يكره على الصحيح من المذهب. علله الموفق رحمه الله لأنه تسبب إلى الحرام فأشبه الإشارة إلى الصيد، سبب الإحرام في ذلك.
الحقيقة أن هذا التعليل على الكراهة في نظر؛ لأنه شبه الإشارة إلى الصيد، الإشارة إلى الصيد محرمة، إشارة المحرم الحلال إلى الصيد هذه محرمة وفيها الجزاء. فمقتضى التعليل أنه يكون للتحريم. لكن نقول: قد يكون مراده إذا أشار له وقد رآه المحرم من الحلال من قبل، هذا يتوجه فيه الكراهة. هناك قول آخر في المذهب بالتحريم بنص الحديث: «لا ينكح المحرم ولا يخطب».
قال: كخطبة عقده. يعني يكره للمحرم أيضاً أن يأتي بخطبة عقد النكاح لدخولها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يخطب». هذا الصحيح من المذهب، فيشمل خطبة المرأة ويشمل خطبة العقد.
قال: وحضوره أو شهادته فيه. يعني يكره للمحرم أن يحضر أو يشهد على نكاح محرمين. وهذا كله لأجل إبعاد المحرم عما يثير شهوته وميله، وكراهة ذلك كله هو الصحيح من المذهب.
نقل حنبل عن الإمام أحمد رحمه الله أنه فسر قوله: «لا يخطب» في الحديث يعني لا يشهد في النكاح. أي فسر قوله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يشهد النكاح. ولا يفسد العقد لذلك شهود المحرم، قالوا: لأنه لا مدخل للشاهد في الخطبة.
قال: وتصح الرجعة. أي لو راجع المحرم امرأته صحت بلا كراهة لأنه إمساك. فتباح الرجعة للمحرم، وهذا قول أكثر العلم، وهذا هو المذهب؛ لأنها إمساك واستدامة نكاح، والاستدامة أقوى من الابتداء، كما تقدم معنا في الطيب ومن أمثلتها الرجعة.
قال: وكذا شراء أمة للوطء. فلا يكره للمحرم أن يشتري أمة للوطء. قال الموفق رحمه الله: لا أعلم فيه خلافاً؛ لأن الشراء يقع على عين الأمة، الأمة تراد للوطء وغيره، بخلاف عقد النكاح فإنه يكون على منفعة الوطء خاصة.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: والثامن الوطء، وإليه الإشارة بقوله: وإن جامع المحرم بأن غيب الحشفة في قبل أو دبر من آدمي أو غيره حرم. قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الجماع.
وإن كان الوطء قبل التحلل الأول أفسد نسكهما ولو بعد الوقوف بعرفة. ولا فرق بين العامد والساهي لقضاء بعض الصحابة بفساد الحج ولم يستفصل.
ويمضيان فيه، أي يجب على الواطئ والموطوءة المضي في النسك الفاسد ولا يخرجان منه بالوطء. روي عن عمر وعن علي وعن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما. فحكمه كالإحرام الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196].
ويقضيانه وجوباً ثاني عام. روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما. وغير المكلف يقضي بعد تكليفه وحجة الإسلام فوراً، من حيث أحرم أولاً إن كان قبل ميقات وإلا فمنه. وسنة تفرقهما في قضاء من موضع وطء إلى أن يحلا.
ولو وطء بعد التحلل الأول لا يفسد النسك وعليه شاة، ولا فدية على مكرهة، ونفقة حجة قضائها عليه لأنه المفسد لنسكها.
أحسن الله إليكم. المحظور الثامن من محظورات الإحرام وهو أعظمها هو الوطء. قال: وإليه الإشارة بقوله: وإن جامع المحرم بأن غيب الحشفة في قبل أو دبر من آدمي أو غيره حرم لقوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾. قال ابن عباس: هو الجماع.
وتحريم الجماع على المحرم هذا بلا خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى. والوطء الذي هو محظور من محظورات الإحرام الذي تترتب عليه الأحكام التي ذكرها المؤلف هو الوطء الذي يوجب الغسل، وهو ما ذكره المؤلف هنا. قال: بأن غيب الحشفة في قبل أو دبر من آدمي أو غيره حرم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يترتب على الوطء قبل التحلل الأول. طبعاً سيأتينا في صفة الحج أن التحلل الأول يحصل باثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة.
قال: إذا كان الوطء قبل التحلل الأول يترتب عليه أمور. الأول: فساد النسك، وهذا بالإجماع إذا كان قبل الوقوف بعرفة كما حكاه ابن المنذر والموفق. ولذلك المؤلف رحمه الله قال: ولو بعد الوقوف بعرفة، هذا ترى إشارة إلى خلاف من خالف، خلاف أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وإلا فالجمهور أنه إذا واطأ قبل التحلل الأول فإنه يفسد حجه، على خلاف بينهم فيما يحصل به التحلل الأول.
وفساد النسك هذا دل عليه فتوى ابن عمر وابن عباس وابن عمرو رضي الله تعالى عنهم بمن جامع قبل التحلل الأول، حيث أفتوا بأنه فسد نسكه. قال الموفق رحمه الله: ولم نعلم له في عصره مخالفا. وقال: ولو بعد الوقوف بعرفة.
ويدل على ذلك أيضاً فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم حيث لم يستفصلوا. قال: ولا فرق بين العامد والساهي. يعني الوطء لا يعذر فيه بالجهل والنسيان، وكذا الإكراه من الرجل، وكذا الجهل منهما فيترتب عليه الأحكام حتى مع العذر، لقضاء بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم بفساد نسكهم ولم يستفصلوا.
وذكر الموفق رحمه الله أن الإمام أحمد نص على عدم عذر الناس فقال: إذا جامع أهله بطل حجه؛ لأنه شيء لا يقدر على رده. والشعر إذا حلقه فقد ذهب لا يقدر على رده، والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده. قال الموفق رحمه الله: فهذه الثلاثة العمد
والنسيان فيها سواء. وذكر المرداوي رحمه الله أن الصحيح من المذهب أن العامد والساهي والجاهل والمكره في ذلك سواء، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله في الجاهل.
الأمر الثاني الذي يترتب على المجامع قبل التحلل الأول أنه يمضي في نسكه. قال: ويمضي، أي يجب على الواطئ والموطوءة المضي في النسك الفاسد، ولا يخرجان منه للوطء. روي عن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس، فحكمه كالإحرام الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: 196]. وهذا نقله الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله وعليه الأصحاب. ولما ذكر الموفق رحمه الله أنه مروي عن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس، قال: ولم نعرف لهم مخالفًا.
قوله: وحكمه كالإحرام الصحيح. يعني يا حكمه كالإحرام الصحيح في أنه يجب المضي فيه، ولا يسقط عنه توابع الوقوف، ويجتنب بعد الفساد ما كان يجتنبه قبله، وعليه أيضًا الفدية في جناية الإحرام الفاسد كالصحيح. فلا يقول: ما دام أن حجي فسد إذًا لن أقف بعرفة ولا أبيت في مزدلفة ولا أطوف للإفاضة إلى آخر المناسك. نقول: لا، فيلزمه المضي في فاسده وهو كالإحرام الصحيح. فإذا فعلت محظورًا آخر فعليك الفدية، وإذا تركت واجبًا فعليك الفدية. وهذا للدليل الذي ذكره المؤلف: وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ.
الأمر الثالث مما يترتب على المجامع قبل التحلل الأول أنه يلزمه قضاؤه، قضاؤه على الفور. لذلك قال الأقضيان: وجوبًا ثاني عام. وذكر أنه مروي عن ابن عباس وابن عمر وابن عمرو رضي الله تعالى عنهما حيث قالوا لمن وطئ زوجته قبل التحلل الأول: فإذا أدركت قابلًا فحج وأهد. إذا كان الحج واجبًا، سواء كان واجبًا بأصل الشرع أو كان واجبًا بالنذر، فإنه يجب قضاؤه بلا نزاع. أما إذا كان نفلًا، فإنه يجب قضاؤه على المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله وعليه الأصحاب. يعني فيها خلاف، فيها خلاف، لكن المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله وعليه الأصحاب أنه يجب قضاؤه حتى في النفل.
وهذا خاص بالمكلف، ولذلك يقول المؤلف رحمه الله بعده: وغير المكلف يقضي بعد تكليفه وحجة الإسلام فورًا لأنه لا عذر له في التأخير. فيقضي بعد حجة الإسلام، لا، لابد أن يقدم حجة الإسلام على حجة القضاء. قال: من حيث أحرم أولًا إن كان قبل ميقات وإلا فمن... يعني من أين يحرم بحجة القضاء؟ نقول: ننظر إلى حجة الأداء التي فسدت، فإذا كان أحرم بها من قبل الميقات فإنه يلزمه الإحرام من قبل الميقات. فلو كان شخص مثلا قادمًا من مصر بالطائرة فخشي أن ينام قبل أن يحاذي الميقات، فقال: إذن سأحرم من حين أن تقلع الطائرة من مطار القاهرة. فأحرم من هناك مطار القاهرة، ووقع في حجتي. لما جاء قلنا: يجب عليك القضاء. لما جاء في حجة القضاء من أين يحرم؟ نقول: يحرم من القاهرة. لماذا؟ نقول: لأن القضاء يحكي الأداء. لذلك قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يجزئهما إلا من حيث أهلا. الحرمات قصاص، وهذا بمعنى قولهم: القضاء يحكي الأداء. أما إذا كان أحرم من الميقات أو من دون الميقات فهنا في حجة القضاء لابد أن يحرم من الميقات.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يسن تفرقهما في حجة القضاء من موضع وطنه إلى أن يحل، وهذا لئلا يعني يكرر ما فعله في السنة الماضية. وهذا جاء في مراسيل سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن جامع قبل التحلل الأول: أتما حجكما ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى من قابل، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتها فيه فاحرما وتفرقا ولا يؤاثر أحد منكما صاحبه ثم أتما مناسككما وأهديا. وهذا الأثر مرسل، لكن جاء عن عمر وابن عباس نحو القول بالتفرق. هذا هو المذهب وعليه الأصحاب، واستحبابه أيضًا هو المذهب لأن هناك قولًا آخر بالوجوب. والموفق رحمه الله يميل إلى الاستحباب قياسًا على الصيام، قياسًا على الصيام، فلا نقول: إذا جامع في صيامه ثم قضاه فإنه يلزمهما التفرق، نقول: لا، يستحب التفرق. وهذا كذلك في الحج، لأن الحكمة منه الصيانة عما يتوهم من معاودة الوقاع عند تذكره برؤية مكانه، وهذا وهم ذاهب وهذا وهم بعيد لا يقتضي الإيجاب، كما قاله الموفق رحمه الله تعالى.
قال: والوطء بعد التحلل الأول لا يفسد النسك على المذهب لقول ابن عباس رضي الله عنهما في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه حج من قابل، رواه الإمام مالك، ولا يعرف له مخالف من الصحابة. قال: وعليه شاة لفساد إحرامه، وهذا على أحد القولين في المذهب، والقول الآخر أن عليه بدلًا لأثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المذكور آنفًا.
قال: ولا فدية على مكرهة. المكرهة على الوطء يفسد نسكها ويلزمها القضاء، لكن هل عليها بدنة كالرجل؟ يقولون: لا فدية عليها، لا فدية عليها لأنها معذورة بذلك، ولكن يلزمها القضاء. قالوا: ولا على الرجل أن يهدي عنها، نص عليه أحمد رحمه الله، لأنه جماع يوجب الكفارة، فلم توجب حال الإكراه أكثر من كفارة واحدة كما في الصيام. ونفقة الحجة قضاء عليه لأنه مفسد لنسكها، يعني عندنا المكرهة يلزمها القضاء. طيب، النفقة تكون على زوجها الذي أكرهها، زوجها الذي أكرهها، وهذا على الصحيح من المذهب، قالوا: حتى لو طلقها، حتى لو طلقها لإفساد نسكها، كنفقة نسك.
قال الشيخ يوسف، اللي هو حفيد الفتوحي، ويعايى بها، فيقال: شخص وجبت عليه نفقة حج امرأة أجنبية، ويجب على الزوج الثاني إرسالها لقضائه. لأن الآن المطلق يتحكم بالزوجة الثانية، يقول له: أرسل زوجتك تحج هذه السنة وأنا سأتكفل بحجها، ويلزم على الزوج الثاني أن يرسلها، أن يرسلها. ويمكن صار معينة بصيغة أخرى، فيقال: رجل وجبت عليه نفقة لمطلقته بعد خروجها من العدة ولم تكن حاملاً منه، وهذه صورتها. نعم، أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله: التاسع المباشرة دون الفرج. ذكرها بقوله: وتحرم المباشرة، أي مباشرة الرجل للمرأة. إن فعل أي باشرها فأنزل، لم يفسد حجه كما لو لم ينزل، ولا يصح قياسها على الوطء لأنه يجب به الحد دونها، وعليه بدنة إن أنزل بمباشرة أو قبلة أو تكرار نظر أو لمس بشهوة أو أمنى باستمناء قياسًا على بدنة الوطء. وإن لم ينزل فشاة كفدية أذى. ابن عقيل رحمه الله: وعليه بدنة إن أنزل بمباشرة أو قبلة أو تكرار نظر أو لمس بشهوة أو أمنى باستمناء قياسًا على بدنة الوطء، وإن لم ينزل فشاة كفدية أذى، وخطأ في ذلك كعمد، وامرأة بشهوة كرجل في ذلك. لكن يحرم بعد أن يخرج من الحل ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، والطواف بين الحل والحرم لطواف الفرض، أي ليطوف طواف الزيارة محرمًا. وظهر كلامه أن هذا في المباشر دون الفرج إذا أنزل وهو غير متوجه... لأنه لم يفسد إحرامه حتى يحتاج لتجديده، فالمباشرة كسائر المحرمات غير الوطء. هذا مقتضى كلامه في الإقناع كالمنتهى والمقنع والتنقيح والإنصاف والمبدع وغيرها، وإنما ذكروا هذا الحكم فيمن وطئ بعد التحلل الأول إلا أن يكون على وجه الاحتياط مراعاة للقول بالإفساد.
أحسنت. هذا المحظور الثالث والأخير من محظورات الإحرام، وهو المباشرة دون الفرج بشهوة، فهذه لا تفسد النسك. المباشرة دون الفرج محظور من محظورات الإحرام، لكونها من مقدمات الجماع ولما فيها من استدعاء الشهوة المنافي للإحرام، وهي مشمولة بقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197] لأن الرفث هو الوطء أو دواعيه كما ذكر بعض المفسرين. قال: فإن فعل أي باشر فأنزل لم يفسد حجه. طبعًا إذا لم ينزل فإنها لا تفسد بالإجماع كما قال الموفق رحمه الله. وأما إذا أنزل فإنها لا تفسد النسك، كالمباشرة دون الفرج لا تفسد النسك على الصحيح من المذهب، كما قال المرداوي في الإنصاف. قالوا: لأنه لا نص فيها ولا إجماع، والأصل صحة النسك، ولا يصح قياس المباشرة على الوطء في الفرج.
هنا قال: لا يصح قياسه على الوطء. لماذا؟ قال: لأنه يجب به الحد دونه. الوطء يوجب الحد دون المباشرة دون الفرج. يعني لو أن رجلًا وطئ امرأة أجنبية فهنا يلزمه حد الزنا، لو أنه باشر فيما دون الفرج هنا لا يلزمه حد الزنا وإنما يلزمه التعزير. وقياسها على الوطء قياس مع الفارق، وهذا يقوله أصحاب ردًا لتعليل من قال بفساد النسك بالمباشرة إذا اقترن بها الإنزال، وهذا أحد القولين في المذهب.
قال المؤلف رحمه الله: وعليه بدنة إن أنزل بمباشرة أو قبلة أو تكرار النظر أو لمس بشهوة أو أمنى باستنماء قياسًا على بدنة الوطء، وإن لم ينزل فشاة كفدية الأذى، وخطأ في ذلك كتعمد، وامرأة معتمرة كالرجل في ذلك. هنا المؤلف رحمه الله تعالى فصل: متى تجب في المباشرة بدنة، ومتى تجب فيها شاة؟ فيقول إنها تجب بدنة إذا أنزل، سواء أنزل بمباشرة، أو قبلة، أو تكرار نظر، يعني لا نظرة واحدة، أو لمس لشهوة، أو باستمناء، فهذه الخمس يجب فيها بدنة قياسًا على بدنة الوطء. لماذا؟ قال: لأن بجمع أن كليهما يوجب الغسل، وهذا المذهب نقله الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله وعليه الأصحاب، وهو من المفردات.
طيب، متى تلزمه شاة؟ متى تلزمه شاة؟ هنا قال: إذا لم ينزل. فإنها تلزمه شاة كفدية أذى إذا لم ينزل. وكذا لو أمنى بنظرة. قلنا: إذا تكرر النظر فأنزل فإنه تلزمه بدنة، إذا أمنى بنظرة فإنه تلزمه شاة. وكذلك إذا أنزل مذيًا بالذال، ليس من منيًّا إنما أنزل مذيًا، فإنه أيضًا تلزمه شاة. قال: وخطأ في ذلك كتعمد. يعني أن دواع الوطء لا يعفى فيها عن الخطأ والنسيان كما في الوطء، وهذا هو الصحيح من المذهب. قال: وامرأة مع شهوة كرجل في ذلك، يعني فيما يجب من الفدية كالوطء.
قال: لكن يحرم بعد أن يحرم الحج... يرجع في الإحرام بين الحل والحرم لطواف الفرض لئلا يطوف طواف الزيارة محرمًا. وظهر كلامه أن هذا في المباشرة والوطء إذا أنزل وهو غير محرم إلى آخره. هنا الحجاوي رحمه الله في الزاد ذكر هذه المسألة: لكن يحرم من الحل لطواف الفرض ذكرها بعد المباشرة. وغيرهم من الأصحاب يذكرونها بعد الوطء الذي جاء بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني. لماذا؟ قالوا: إذا واطئ بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني فإنه هنا يفسد إحرامه ولا يفسد نسكه، فيلزمه أن يعيد الإحرام من جديد ليطوف محرمًا، يطوف محرمًا.
الحجاوي رحمه الله هنا ذكرها بعد المباشرة. هل هو قول له؟ أو سبق قلم؟ هنا احتمالان. ذكر المؤلف رحمه الله الاحتمال الأول أنه سبق قلم. قال: هذا غير متجه، فلم يثق في هذه المعلومات. غير الواقع. قال: هذا مقتضى كلامي في الإقناع ممتاز. يعني أن هذا سبق قلم.
واحتمال آخر: أنه يقول ذكره على وجه الاحتياط، لأنه قول له، لكنه ذكره على وجه الاحتياط مراعاة للقول بالفساد، لأن هناك قولًا في المذهب أن المباشرة دون الفرج إذا أنزل بها فإنها تفسد النسك. فيقول: مراعاة لهذا القول ألزم بإعادة الإحرام. ومراعاة الأقوال عند الحنابلة رحمهم الله تعالى سائغة ولها أمثلة. ابن فيروز رحمه الله ذكر احتمالًا بعيدًا نوعًا ما، وهو يقول: إن هذه عائدة إلى الوطء دون الفرج، نعم، أن هذه عائدة إلى الوطء بعد التحلل الأول. يقول: وما بينهما كلام أجنبي، يعني كأنه كلام جملة اعتراضية. لكن هذا فيه بعد شديد، هذا فيه بعد شديد لأن هذا يؤدي إلى الإلباس.
طيب، ثم المؤلف رحمه الله تعالى: إن إحرام المرأة كالرجل إلا في اللباس، يعني كل ما قلنا في الإحرام الأحكام السابقة فالمرأة مثل الرجل في ذلك، مثل الرجل في ذلك. فيحرم عليها ما يحرم على الرجل، لأن خطابات الشارع تشمل الذكور والإناث، فالأصل لما توجه للذكور فإنه يشمل الإناث. يستثنى من ذلك اللباس، لباس المخيط، فلا يحرم عليها المخيط، مع ذلك القفازين بمعنى في... هو البرقع، وأيضًا تغطية الرأس. فتغطية الرأس محظور خاص بالرجل.
قال: وتجتنب البرقع والقفازين، تجتنب البرقع والقفازين. فلا تغطي وجهها بالبرقع ولا تغطي يديها بالقفازين للحديث: «لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» رواه البخاري وغيره. فالقفازان شيء يعمل للأيدي لتقيها من البرد ومن الحر كما يعمل بالجذاع، ويكفي الرجل والمرأة بلبسهما. يعني أن القفازين يحرمان على الرجل والمرأة، أما الرجل فلكونه مخيطًا، والمرأة فلكونها منصوصًا عليها في الحديث.
قال: وتجتنب تغطية وجهها أيضًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إحرام المرأة إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها». وذكر الموفق رحمه الله أنه لا يعلم في منع المحرمة من تغطية وجهها خلافًا إلا ما روي عن أسماء رضي الله عنها أنها لا تغطي وجهها وهي محرمة. قال: ويحتمل أنها كانت تغطيه بالستر عند الحاجة فلا يكون اختلافًا. والمرداوي في الإنصاف ذكر أنه بلا نزاع.
عندنا المؤلف رحمه الله استدل بهذا الحديث: إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها. والحقيقة أن هذا حديث عند الدارقطني وغيره، وهو روي مرفوعًا وموقوفًا ولا يصح رفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك ابن القيم رحمه الله في تهذيب السنن ذكر أن هذا الحديث لا أصل له ولم يروه أحد من أصحاب الكتب... يعني لا أصل له مرفوعًا، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمدة عليه، ولا يعرف له إسنادًا.
ولا تقوم به حجة. يترتب على ذلك أنه يلزمها كشف وجهها ما لم يمر بها الرجال، فإنها تسدل لحاجة. ولذلك قال: فتضع الثوب فوق رأسها وتستره على وجهها لمرور الرجال قريباً منها، لقول عائشة رضي الله عنها: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما يجوز للمحرمة فعله ويباح لها التحلي بالخاتم والأسورة والخلخال ونحوها. وهذا حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب؛ من معصفر أو خز أو حلي». وقال نافع: كن نساء ابن عمر يلبسن الحلي والمعصفر وهن محرمات. رواه ابن أبي شيبة. قال أحمد: لا ينكر ذلك عبد الله.
قال: ويستن لها خضاب عند الإحرام؛ يعني يسن للمرأة أن تختضب عند الإحرام، يعني قبيل الإحرام تجعله في يدها أو في شعرها. وفي حديث ابن عمر أنه قال: من السنة أن تدرك المرأة يديها في الحناء، وهو البيهقي. ولأنه من الزينة فاستحب لها كالطيب، المحرم يستحب له أن يطيب قبيل إحرامه في بدنه. قالوا هذا أيضًا يستحب للمرأة أن تختضب في يدها أو شعرها قبل إحرامها.
قالوا وكره بعده، يعني كره الخضاب بعد الإحرام، فإذا أحرمت المرأة فيكره لها الخضاب بالحناء. والصحيح من المذهب لأنه من الزينة أشبه الكحل بالإثمد. قال وكره لهما اكتحال بإثمد لزينة، ويباح لغيرها، ولا فدية فيه. وذكر الموفق رحمه الله أن للعلم في ذلك خلاف؛ يكره للزينة بما روي عن عائشة أنها قالت في امرأة محرمة: اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد والأسود. ولا يكون لغيرها إذا كان لحاجة فإنه يجوز؛ لأن الكراهة تزيل الحاجة.
قال ولهما، في بعض النسخ ولها، لبس معصفر ومقطلي. المعصفر هو الثوب المصبوغ بالعصفر، وهو شيء لونه قريب من الأحمر. قالوا فيجوز للمرأة والرجل ذلك لأنه ليس بطيب ولا بأس باستعماله وشمه. وجاء في أثر نافع أن نساء ابن عمر كن يلبسن الحلي والمعصفر وهن محرمات. أما المحرم فهل يباح له ذلك أو يكره؟ قولان للأصحاب رحمهم الله تعالى.
لعلكم ترجعون إلى كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى، لعلكم ترجعون إلى كلام المرداوي رحمه الله في الإنصاف، وفي التنقيح، والحجاوي في الإقناع، والمبدع، والفتوحي في المنتهى؛ يذكرونها في باب ستر العورة ويذكرونها في هذا الباب. وأريدكم أن تقارنوا بين أقوالهم في هذه المواضع. وارجعوا أيضًا إلى شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة في هذه المسألة في كتاب الحج.
قال وكحلي؛ يعني يجوز لبسه من غير استثناء اللون الكحلي على سائر الملابس سواء كان مصبوغًا بالبر أو بغيره من الأصباغ، ما لم يكن مصبوغًا بورث أو زعفران أو طيب عمومًا؛ لأن الأصل الإباحة فنبقى عليها إلا في مواضع الشرع في تحريمه وما كان في معناه. وهذا يسع النساء كثيرًا. هل للإحرام ثياب مخصوصة؟ فأقول لا، ليس للإحرام ثياب مخصوصة بالنسبة للنساء، فتلبس ما شاءت إلا أن يكون ثوب زينة أو ثوبًا مطيبًا.
وهنا أنبه إلى ما في حاشية ابن قاسم رحمه الله قال في صفحة 43 من المجلد الرابع الحاشية الخامسة في الاستدلال لبس المعصفر والكحلي؛ قال قال صلى الله عليه وسلم في المحرمة: «ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من معصفر أو خز أو كحلي». رواه أبو داود. الحقيقة أن الموجود في مصنفات المحدثين: أو حلي وليست أو كحلي، فهي واردة عند أبي داود والحاكم والطحاوي والبيهقي في سننه الكبير وابن عبد البر في التمهيد وابن حزم في المحلى، رحم الله الجميع.
ولعل ابن قاسم رحمه الله تابع البهوتي رحمه الله في الكشاف حيث ذكره بهذا اللفظ أو كحلي، ونبه المحقق محقق الكشاف إلى الصواب وجعل الصواب في كتب المذاهب الأخرى كما جاء في المغني وسننه الكبير والزركشي والتعليق على أبي طالب والمبدع والكافي وغيرها من كتب الأصحاب على الصواب حلي.
قال وقطع رائحة كريهة في غير طيب؛ يعني للمحرم والمحرمة أن يستعمل ما يزيل الرائحة الكريهة مثل مزيل العرق، فيجوز له استعماله بشرط ألا تكون نكهته نكهةً عطريةً؛ يعني مثل أن يكون بنكهة العود مثلاً فنقول لا، دهن العود مثلاً فنقول لا. لكن لو كان بنكهة الليمون أو التفاح فلا بأس استعماله.
قال والتجار وعمل صنعة ما لم يشغل عن واجب أو مستحب. قال الموفق: أما التجارة والصناعة فلا نعلم في إباحتهما اختلافًا. فلو ذهب طباخ مثلاً يطبخ أو خياطة تخيط واشتغلوا بهذه الصنعة في الحج وتكسبوا بها فلا بأس بذلك. وجاء في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]؛ أن قول ابن عباس: كان عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت هذه الآية. رواه البخاري رحمه الله تعالى.
قال ما لم يشغل عن واجب أو مستحب، فإذا شغل عن واجب حرم، وإذا شغل عن مستحب كره. قال وله لبس خاتم؛ يعني للمحرم أن يلبس الخاتم المباح له. يعني الرجل يباح له خاتم الحديد وخاتم الفضة، لكن لا يباح له خاتم الذهب. والمرأة مباح لها الخواتم كلها، فيجوز لهم ذلك. وجاء في أثر ابن عباس: ولا بأس بالهميان والخاتم للمحرم.
قال ويستنيبان الرفث والفسوق والجدال، هذا المحرم والمحرمة يستنيبان ذلك. فالرفث هو الجماع ودواعيه. والفسوق هو السباب، وقيل المعاصي وهي تشمل المعاصي العامة والمعاصي الخاصة وهي محظورات الإحرام. والجدال هو المراء فيما لا ينفع، أما الجدال والمحاجة في المسائل الفقهية فليس فيه بأس مسائل العلم.
قال وتسن قلة الكلام إلا فيما ينفع، وهذا مستحب لغير المحرم وفي حقه أولى؛ ولأن من كثر كلامه كثر سقطة، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». واحتج أحمد على ذلك بأن شريحًا رحمه الله كان إذا أحرم كأنه حية صماء.
نقـف عند هذا الحد، ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا بما يحب ويرضى، وفقنا للعلم النافع والعمل الصالح.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان