دخولتسجيل الدخول

كتاب المناسك 08 | المجلس الثامن

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم يدفع بعد الغروب مع الإمام أو نائبه على طريق المأزمين إلى مزدلفة، وهي ما بين المأزمين ووادي محسر. ويسن كون دفعه بسكينة لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس السكينة السكينة». ويسرع في الفجوة لقول أسامة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص أي أسرع، بأن العنق انبساط السير، والنص فوق العناقة.

ويجمع بها، أي بمزدلفة، بين العشائين، أي يسن لمن دفع من عرفة ألا يصلي المغرب حتى يصل إلى مزدلفة، ويجمع بين المغرب والعشاء من يجوز له الجمع قبل حط رحله، وإن صلى المغرب بالطريق ترك السنة وأجزأه.

ويبيت فيها وجوبا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، وقال: «خذوا عني مناسككم». وله الدفع من مزدلفة قبل الإمام بعد نصف الليل؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما فيمن قدم: كنت فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى، متفق عليه.

والدفع قبله، أي قبل نصف الليل، فيه دم على غير سقاة ورعاة، سواء كان عالماً بالحكم أو جاهلاً، عامداً أو ناسياً. كوصوله إليها، أي إلى مزدلفة، بعد الفجر فعليه دم لأنه ترك نسكاً واجباً، فإن وصل إليها قبله، أي قبل الفجر، فلا دم عليه، وكذا إن اندفع من مزدلفة قبل نصف الليل وعاد إليها قبل الفجر لا دم عليه.

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الدفع إلى مزدلفة بعد غروب الشمس. غربت الشمس من يوم عرفة يشرع له الدفع إلى مزدلفة. قال: ثم يدفع بعد الغروب مع الإمام أو نائبه. المؤلف رحمه الله تعالى هنا على أن الدفع يكون مع الإمام أو نائبه، يعني بعد أن يدفع الإمام هو نائبه. وهذا أقصد التأخر بعد دفن الإمام أنادي بهذا الأمر مستحب، هذا الصحيح من المذهب.

ونص المؤلف رحمه الله هناك يعني إشارة إلى خلاف من قال بالوجوب؛ لأن بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى من الحنابلة وغيرهم يشددون فيها، يرون أنها واجبة، وأنه لا يجوز له أن يدفع من عرفة إلى مزدلفة إلا بعد دفع الإمام. قال الإمام أحمد رحمه الله: ما يعجبني أن يدفع إلا معلمه. سئل عن رجل دفع قبل الإمام بعد غروب الشمس فقال: ما وجدت عن أحد أنه سهل فيك، كلهم يشدد.

لكن طالع على الطريق المأزمين هذا هو المأزمين جبلاً بين عرفة ومزدلفة. قال: إلى مزدلفة وهي ما بين المأزمين لا وادي محسر. وادي محسر وادي بين مزدلفة ومينى ليس من واحدة منهما. قالوا: يسن كون دفعه في سكينة لقوله عليه الصلاة والسلام: «أيها الناس السكينة السكينة». وفي حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورث رحله، ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس السكينة السكينة».

قال: ويسرع في الفجوة، يعني التي هي الفرجة إذا وجدها متسعاً، فانه يسرع. لقول أسامة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العناء، إذا وجد فجوة نص أي أسرع. قال: لأن العنق انبساط السير، كان يمشي بتؤدة، والنص فوق العنق.

قال: ويجمع بها، أي بمزدلفة، بين العشائين. أي سن لمن دافع من عرفة ألا يصلي المغرب حتى يصل إلى المزدلفة يجمع بين المغرب والعشاء من يجوز له الجمع قبل حط رحله، لفعله صلى الله عليه وسلم حيث إنه صلى الله عليه وسلم لما خرج من عرفة وقف عليه الصلاة والسلام في الطريق يقضي حاجته، ثم استنجى، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله؟ قال: «الصلاة أمامك». لأنه صلى الله عليه وسلم يراعي حال من كانوا معه، فلو وقف صلى الله عليه وسلم في الطريق لأفضى ذلك إلى أن يقف الناس كلهم يصلون، وهذا فيه مشقة عليهم؛ لأنهم هم يريدون الاقتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيه مشقة عليه، فرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الوقوف مرة واحدة للصلاة والمبيت في مزدلفة.

فلما بلغها عليه الصلاة والسلام جمع بين المغرب والعشاء قبل حط رحله. والذي يجوز له الجمع بين العشاء والمسافر سفر قصر كما تقدم في جبل عرفة. وذكرنا هناك الخلاف بين الحنابلة الجمع. المذهب أنه إنما يجوز الجمع لمن يجوز له الكسر، يجوز الجمع لمن يجوز له قطع المسافر سفرا.

قال: وإن صلى المغرب بالطريق ترك السنة وأجزأه. أنا بصلي المغرب بالطريق وما في يعني ما يخاف أنه يخشى خروج الوقت ونحو ذلك لا، سأصلي بعرفة. نقول هنا أحياناً الإنسان يصلي بعرفة ويمشي، قد يخشى يعني قد يخشى الزحام في الطريق، هذا لا بأس به.

لكنه فولب أنه يعني تيسر له بسهولة الوصول إلى مزدلفة مثلاً في المغرب أو بعد صلاة العشاء بوقت قصير، سنقول: إذا صلى المغرب أو المغرب والعشاء في الطريق من غير خشية خروج الوقت، فانه يكون ترك السنة وأجزأه ذلك؛ إنما بأنه أتى بفعل الصلاة في الوقت الأصلي.

ونص المؤلف رحمه الله على هذه المسألة دفعاً لقول من قال إنه لا يجزيه إلا الصلاة بمزدلفة أخذاً بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لأسامة: «الصلاة أمامك». لكن أخشى ألا يصل إلى مزدلفة إلا بعد نصف الليل، وهو كفر بصلاة العشاء على أحد القولين، أو ثلث الليل على المذهب اختياري، فإذا خشي ذلك فلنصلي في عرفة لو حبسوا المسير، أو يصلي في الطريق، أو يصلي في الطريق.

حتى أن بعض العلماء ابن القيم رحمهم الله تعالى ذكروا أنه إن خشي خروج وقت الوقوف بعرفة وهو لم يصل إليه يعني يعني هو في قادته إلى عرفة هو خشي أن يطلع الفجر الفجر اليمنى وما وصل إلى عرفة، قالوا: يصلي على دابته. في وقتنا هذا يصلي في سيارته، لا يلزم أن ينزل، في سيارته.

قال: ويبيت بها وجوبا. البيت بها واجب كما سيأتي من واجبات الحج، بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم». قالوا: له الدفع من مزدلفة قبل الإمام بعد نصف الليل. حديث ابن عباس: كنت فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله مزدلفة إلى منى، متفق عليه.

الأفضل أن يبقى إلى بعد صلاة الفجر قبيل طلوع الشمس، لكن إن أراد أن يدفع في الليل فلا بأس، يدفع منتصف الليل. والدفع في الليل عن المذهب ليس خاصاً بهذه الأعذار بل يشمل حتى الأقوياء، لكل الأقوياء الأفضل أن يبقوا إلى الفجر أو لبعد الفجر لفعله صلى الله عليه وسلم لكن اندفعوا في الليل جاز لهم ذلك.

وهنا أحد الفقهاء رحمهم الله تعالى بنصف الليل، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم الإذن لضعفة أهله في الدفع بالليل. قالوا: ومن بات نصف الليل فإنه النصف في حكم الكل، فمن بات نصف الليل فهو في حكم بات، فيأخذ النصف حكم الكل.

قال: الدفع قبله، أي قبل نصف الليل، فيه دم؛ لأن الدفع إلى منتصف الليل هذا هو الواجب، فاذا دفع قبل منتصف الليل دي دم. هذا المذهب نص عليه وعليه الأصحاب لأنه ترك واجبا. وجاء ابن عباس رضي الله عنهما من ترك شيئاً من نسكه كان على غير سقاه. استثناء السقاة والرعاة لم يرد عن الإمام أحمد رحمه الله لكن أورده أورده الخرقي وتبعه بعض الأصحاب، ومنه الموفق في المغني. وهم يقيسونه على المبيت في منى، يقيسون على المبيت في منى؛ لأنه المبيت في منى رخص للسكات والرعاة ألا يبيتوا في منى أنهم يشتغلون بسقاية الحجاج أو براعي إبلهم.

فبعض الأصحاب قاس المبيت في مزدلفة على المبيت في منى، ومنهم الخرقي وتبعه موفق في المغني وصاحب المستوعب، ولذلك الزرقشي قال في شارع المختصر الغلمي: لم أر من صرح باستثنائهما إلا أبا محمد، يعني الموفق حيث شرح الخراقي، الخرقي وأبو محمد الموفق في المقضي.

سواء كان عالماً بالحكم أو جاهلا عامداً أو ناسيا. هكذا في كل الواجبات، في كل الواجبات لا يعذر الجاهل ولا يعذر الناس، الجاهل ولا يعذر الناس؛ لأنه فعل مأمور فلا يعذر فيه، أو أو نقول: ترك المأمور لا يعذر فيه بالنسيان والجهل، بخلاف فعل المعذور.

قال: كوصوله إليها يعني أنه إنه يلزمه الدم إذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر بعد الفجر. وصل لمزدلفة بعد الفجر فإنه يعتبر يعتبر ترك واجباً من واجبات الحج، أنه ترك واجباً من واجبات الحج فيلزمه يلزمه دم. قال: وكذا إن دافع عن مزدلفة قبل نصف الليل وعاد إليها قبل الفجر ندم عليه. هذا مثل عرفة، المهم أن أن يبيت بمزدلفة، يبيت في مزدلفة إلى نصف الليل أو إذا دفع قبل نصف الليل فلابد أن يرجع قبل الفجر نرجع قبل الفجر، فإذا رجع قبل الفجر فإنه لا دم عليه، لا دماء عليه، يسقط عن الدم، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله.

فإذا أصبح بها صلى الصبح بغلس. المشعر الحرام وهو جبل صغير بمزدلفة، سمي بذلك لأنه من علامات الحج، أو يقف عنده ويحمد الله ويكبره ويهلله ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] الآيتين، ويدعو حتى يسفر. في في حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل واقفا عند المشعر الحرام حتى أسفر جدا.

نعم، فاذا هنا إذا إذا إذا كان سيمكث في مزدلفة الليل كله إلى الفجر، سنقول: إذا أصبح بها، إذا أصبح وهو بمزدلفة، فإنه يصلي الصبح بغلس يعني في أول وقتها في فعله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح حين تبين له الصبح في أذان وإقامة، وذلك ليتسع له الوقوف عند المشعر الحرام.

قال: ثم أتى المسجد الحرام وهو جبل مزدلفة مقام عنده حالياً، مسجد مزدلفة، قد سمي بذلك أنهم علامات الحج؛ لأن المشعر بمعنى العلامة، خلف يركعه أو يقف عنده، يركع ويقف عنده ويحمد الله ويكبره أن يقف عنده يعني بدون صعوبة، أحمدوا الله ويكبروا ويقرأوا: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم﴾ من عرفات، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المساء عظام وهلله فحمد الله وهلله وكبر. واما قراءة: فاذا أفّضت مع الوقت، هذه حقيقة ليس فيها بدليل بخصوصها، لكن الأصحاب رحمهم الله تعالى لعلهم قاسوها على قراءة آية أن الصفا والمروة عند الصعود الصفا. قال: ويدعو حتى يسفر بفعله صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر رضي الله تعالى عن.

إذا أسفر سار قبل طلوع الشمس بسكينة. فاذا بلغ محسرا وهو واد بين مزدلفة ومنى، سمي بذلك لأنه يحشر سالكه، اسرع قدر رمية حجر إن كان ماشياً وإلا حرك دابته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما أتى بطن معسر حرك قليلاً كما ذكره جابر رضي الله عنه.

وأخذ الحصى أي حصل جمار من حيث شاء. كان ابن عمر رضي الله عنهما يأخذ الحصى من جمع، وفعله سعيد بن جبير قال: كانوا يتزودون الحصى من جمع. والرمي تحية منى فلا يبدأ قبله بشيء. وعدده، أي عدد حصى الجمال، سبعون حصاة، كل واحدة بين الحمص والبندق كحص الخلف، فلا تجزئ صغيرة جداً ولا كبيرة. ولا يسن غسله.

فإذا وصل إلى منى، وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة، بدأ بجمرة العقبة فرماها بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد واحدة، فلو رمى دفعة واحدة، ولا يجزئ الوضع، يرفع يده اليمنى حال الرمي حتى يرى بياض أبطه؛ لأنه أعون على الرمي. ويكبر مع كل حصاة ويقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً. ولا يجزئ الرمي في غيرها، أي غير الحصى، كجوهر وذهب ومعادن. ولا يجزئ الرمي بها ثانياً؛ لأنها استعملت في عبادة فلا تستعمل ثانياً كماء الوضوء.

ولا يقف عند جمرة العقبة بعد رميها بضيق المكان. ونذهب أن يستبقن الوادي، وأن يستقبل القبلة، وأن يرمي على جانبه الأيمن. وإن وقعت الحصاة خارج المرمى ثم تدحرجت فيه أجزأت.

ويقطع التلبية قبلها؛ لقول الفضل ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة حتى رمى جمرة العقبة، أخرجه في الصحيحين.

ويرمي نبا بعد طلوع الشمس؛ لقول جابر رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، أخرجه مسلم. ويجزئ رميها بعد نصف الليل من ليلة النحر؛ فيما روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت.

أفاضت، فإن غربت الشمس يوم الأضحى قبل رميه رمى من غد بعد الزوال. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا أسفر يعني قبيل طلوع الشمس بدأت السماء تشفر، فإنه يسير قبل طلوع الشمس بسكينة بفعله صلى الله عليه وسلم.

وذكر الموفق أنه لا يعلم خلافه أن السنة الدفع قبل طلوع الشمس، وكان أهل الجاهلية لا يدفعون مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، يعني ثبير جبل مزدلفة، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع قبل طلوع الشمس.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتقصد مخالفة الجاهلية في نسكه، ولذلك مثلاً هنا في هذا الموضع كانوا هم يدفعون بعد طلوع الشمس، وكان في الجاهلية أهل الحرم لا يقفون بعرفة، يقولون: نحن أهل الحرم لا نخرج في حجنا خارج الحرم، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ووقف بعرفة، ولذلك يعني جبير بن المطعم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم واقفا في عرفة فقال فاستغرب، يعني قال النبي صلى الله عليه وسلم من الحمس من أهل قريش من مكة ما شأنه وقف هنا؟

أيضاً كان من يقف بعرفة من أهل الأنصار يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، وخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع بعد الغروب، وأيضاً في التلبية، يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، خالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فلبى بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».

وأيضاً في الدفع من مزدلفة، كانوا يقفون عند محسر ويتفاخرون بابائهم، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأسرع عند وادي محسر كما سيأتي إن شاء الله، فهذه مواضع قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف أهل الجاهلية، ومن تأمل وتبصر سيجد غيرها من المواضع التي يتقصد فيها النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة أهل الجاهلية، وذلك مخالفة أهل الشرك والكفر؛ هذا من مقتضيات لزوم الصراط المستقيم.

ولذلك ألف شيخ الإسلام رحمه الله كتابه اقتضاء الصراط المستقيم مخالفته أصحاب الجحيم، يعني أن من لزم الصراط المستقيم فيقتضي ذلك أنه يخالف أصحاب الجحيم، بحث في ذلك بكلام نفيس كعادته رحمه الله.

قال: سار قبل طلوع الشمس بسكينة، لأنه صلى الله عليه وسلم أردف الفضل لابن عباس، يقول: «أيها الناس، إن البر ليس بإيضاع، فعليكم بالسكينة»، فإذا بلغ محسراً -وهو وادٍ بين مزدلفة ومنى، ليس من هذا ولا من هذا، سمي بذلك لأنه يحسب سالكه- أسرع قدر رمية حجر، سواء كان ماشياً يحرك دابته -نعم ماشياً يسرع بقدميه- أو راكباً يحرك دابته بلين يجعلها تستعجل، لقول جابر رضي الله عنه: حتى أتى بطن محسر تحرك قليلاً.

وذكر بعض العلماء أن سبب إسراعه صلى الله عليه وسلم في وادي محسر أن هذا مكان عذاب الفيل فشرع الاستعجال فيه، وقالوا: إنه سمي محسراً لأن الفيل حسر فيه أي أعيا، وهذا فيه نظر، لأن الفيل لم يحسر هنا وإنما حصر في المغمس، كما ذكره الأزرق وابن كثير وغيرهما رحمهم الله، وهذا السهل شرقي مكة ومبدأه يعني المغمس ومبدأه قرب الشرائع ويمتد عند عرفة، وكل مغمس من الحل.

وفيه قال أمية بن الصلت: آيات ربنا ظاهرات ما يماري فيهن إلا الكفور، حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يحبو كأنه معقول.

ولعل الإسراع في وادي محسر إما لكونه وادياً فكان الإسراع فيه أسمح للدابة، أو لكون هذا المكان كان يجتمع فيه التفاخر بالآباء، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأسرع فيه صلى الله عليه وسلم إمعاناً في المخالفة، والله أعلم.

قال: وأخذ الحصى أي حصى الجمار من حيث شاء، يعني إذا دفع من عرفة من مزدلفة إلى منى فإنه يأخذ حال دفع حصى الجمار، يأخذه من حيث شاء، إما أن يأخذ من مزدلفة أو يأخذها من منى إذا وصل أو يأخذها من عرفة من حيث شاء.

وهذا هو المذهب، وعن الأصحاب أنه لا يستحب في أخذها مكان دون مكان، لكن كان ابن عمر يأخذ الحصى من جَمْع أي مزدلفة، وسعد بن أبي وقاص أيضاً قال: كانوا يتزودون الحصى من جَمْع، هم يقولون: لا يأخذها من منى لأجل ألا ينشغل عند قدومنا بلقط الحصى، ولذلك رمي جمرة العقبة يبدأ قبله بشيء.

ثم ذكر أن عدد الجمار سبعون التي يلتقطها، وهو مخير إما أن يلتقط السبعين كلها إذا كان طبعا سيتاخر ولم يتعجل، أو إذا كان يتعجل تسعة وأربعين؛ إما أن يلتقطها كلها مرة واحدة أو يلتقط حصى كل يوم بيومه.

ثم ذكر صفة الحصى أنه يعني بين الحمص -أكبر منه- والبندق -دون البندق- كحصى الخذف، وهذا المذهب ونص الإامم أحمد رحمه الله: الرمي بحصى مقاربة لما ذكر، جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة العقبة: «القط لي الحصى»، قال: فلقط له سبع حصيات من حصى الخذف، جعل صلى الله عليه وسلم يقبضهن في كفيه ويقول: «بأمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».

قال: فلا تجزئ صغيرة جداً، الآن لما ذكر الوصف ذكر ما لا يجزئ، قال: لا تجزئ صغيرة جداً ولا كبيرة، صغيرة جداً يعني هي مثل قريب من حبة التراب مثلاً أو نحوها فهذه لا تجزئ، لأنه لا يصدق عليها رمي بحصى، وكذلك كبيرة جداً مثلاً لو كانت بحجم نصف حجم أصبعه كامل فهذا كبير فلا يجزئه، لا يشمل إطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: «بأمثال هؤلاء فارموا».

الإمام أحمد رحمه الله قال في الحجر الكبير: لا يجزئه حتى يأتي بالحجر على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والموفق رحمه الله، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهذا القدر بقوله: «مثل هؤلاء فارموا» ونهى عن تجاوزه بقوله: «إياكم والغلو»، والامر مقتض للوجوب والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.

قال: ولا يسن غسله، يعني لا يسن غسل حصى الجمار، وإنما نص على عدم الاستحباب إشارة إلى خلاف من استحب غسل حصى الجمار، وهذا قول في المذهب، لكن الأصحاب رحمهم الله تعالى قالوا: لا يسن غسله، والإمام أحمد رحمه الله قال: لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ولذلك لا يستحب، وهذا هو الصحيح من المذهب كما قاله المرداوي.

وصل إلى منى وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة، هذه حدود منى، في حدود منى ما بين وادي محسر وجمرة العقبة، فإذا وصلها فإنه يبدأ بجمرة العقبة وهي تحية منى، يرميها بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد واحدة لفعله صلى الله عليه وسلم، رمى جمرة العقبة سبعاً كما جاء في حديث جابر، وكونه واحدة بواحدة هذا من شروط الرمي، من شروط الرمي أن تكون واحدة بعد واحدة متعاقبات، لا تكون دفعة واحدة وإنما يرميه متفرقا، فلو رمى دفعة واحدة لم يجزه إلا واحدة.

المرداوي: لا أعلم فيه خلافاً، وهذا نص عليه الإمام أحمد رحمه الله كما قاله الموفق، فيجزئه بواحدة ويبقى عليه ست، لأنه صلى الله عليه وسلم رماه مفرقة واحدة بواحدة وقال: «لتأخذوا عني مناسككم»، وقالوا قال الأصحاب: إنه إذا رمى دفعة واحدة فإنه يؤدب ألا يقتدى به، وهذا نقله الأثرم عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

قال: ولا يجزئ الوضع، هذا من شروط الرمي، كله من شروط أن يكون التعاقد، الشرط الثاني أن حقيقة الرمي، فلا يجزئ الوضع، وإنما شرطنا الرمي حقيقة الرمي لقوله صلى الله عليه وسلم: «بمثل هؤلاء فارموا»، وإذا وضعها فإنه لا يعتبر قد رمى، فلو التبس بحصيات فوضعها في المرمى وضعاً ولم يرمها رمياً فإنه لا يجزئ ذلك لأن هذا لا يعد رمياً، وهذا قول واحد في المذهب كما قاله المرداوي، وقال الموفق: وكذلك إن وضعها بيده في المرمى لم يجزه في قول جميعهم.

قال: يرفع يده اليمنى حال الرمي حتى يرى بياض إبطيه، هذا من المستحبات أنه يبالغ في رفع اليد، المبالغة في رفع اليد لأن ذلك أعون على الرمي كما قاله المؤلف رحمه الله، ويكبر مع كل حصاة، هذا أيضاً من المندوبات أن يكبر مع كل حصاة بفعله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه، قال: ويقول اللهم اجعله حجاجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً، يقول هذا الذكر مع كل حصاة، وهذا جاء عن ابن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما موقوفاً عليهما، ويروى أنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: ولا يجزئ الرمي بغيرها، يعني بغير الحصى، بغير الحصى قال: كالجوهر والذهب والمعادن فلا يجزئ الرمي بها، لأنها لا تدخل في إطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: «بمثل هؤلاء فارموا»، ولأن هذا موضع لا يدخله القياس كما قاله الموفق رحمه الله تعالى، أما الذهب والفضة فهذا لا يجزئ قولا واحدا في المذهب كما قاله المرداوي في الإنصاف، أما غير الحصى وغير الذهب والفضة فهذا لا يجزئ عن الصحيح من المذهب فيما قاله المرداوي.

قال: ولا يجزئ الرمي بها ثانية، يعني أخذ حجراً فرمى به ثم أخذ مرة ثانية، أو أنه أخذ من المرمى حجراً قد رمي به سابقاً من غيره، فإنه لا يجزئ ذلك، لماذا؟ قالوا وهذا هو نص المذهب، قالوا: لأنه صلى الله عليه وسلم أخذ الحصى من غير المرمى، ولأنها استعملت في عبادة، التعليل الذي ذكر المؤلف: استعملت في عبادة فلا تستعمل فيها ثانية كماء الوضوء، الآن لو توضأ الماء المتساقط هذا مستعمل، المستعمل في رفع حدث يكون ماء طاهراً لا يرفع الحدث، قالوا هذا مثله، الحصى الذي استعمل فإنه لا يجزئ مرة ثانية قياساً على الماء في الوضوء الذي استعمل فلا يجزئه مرة أخرى.

قال: ولا يقف عند جمرة العقبة بعد رميها، لا يقف عند جمرة العقبة بعد رميها، إذا رمى جمرة العقبة بسبع حصيات كبر مع كل حصاة فإنه لا يقف عندها للدعاء، لأنه لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم، قالوا ولضيق المكان، طبعا التعليل بضيق المكان هذا يذكره الفقهاء قديما، لأنه كان سابقاً خلفها شجرة، شجرة قالوا يعني المكان ضيق وإذا وقفوا سيؤدي ذلك إلى الزحام، قالوا إذا لا يستحب الوقوف.

طيب، الشجرة أزيلت، الجبل الذي قرب الجمرة هل نقول إن الحكم يدرك معلته؟ لا، هناك علة أخرى وهي أن الغالب في فعل النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء يكون أثناء العبادة لا بعدها، وهنا انتهت عبادة رمي الجمرات.

ونرد أن يستبطن الوادي ويستقبل القبلة ويرمي على جانبه الأيمن، يعني يستبطن الوادي من أين يرميها؟ يرميها من بطن الوادي ويستقبل القبلة، ألا يرميها من فوقها؟ هذا الأصل، طبعا الكلام تراعي إن كانت على وادي وكان وخلفها الجبل، وهنا كانوا يذكرون هذا الأرض منبسطة من أي مكان، لكن الأفضل أن يستقبل القبلة، يستقبل القبلة ويرمي على جانبه الأيمن، الآن إذا استقبل القبلة ورمي على جانبه الأيمن يعني على المذهب أنه نستقبل القبلة يكون وجهه إلى القبلة ومنى تكون خلفه، الجمرات الصغرى والوسطى تكون خلفه، وجمرة العقبة تكون عن يمينه، يرمي وهو وجهه إلى الكعبة والجمرة عن يمينه، يرمي وهو لا يرمي من تلقاء وجهه وإنما يرمي على جانبه الأيمن، يرمي على جانبه الأيمن.

قال الأصحاب ويستدلون بحديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه جعل يرمي الجمرة على جانبه الأيمن ويقول: والذي لا إله غيره، إنه ها هنا رمي الذي أنزلت عليه سورة البقرة، لكن جاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل القبلة عن يساره ومنى عن يمينه ورماها من تلقاء وجهه، وهذا أصح مما ورد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، يعني أنه لا يستقبل القبلة حال رمي جمرة العقبة وإنما يجعلها عن يساره ومنى عن يمينه، وجمرة العقبة الوسطى والصغرى تكون عن يمينه ويستقبل الجمرة يرمي من تلقاء وجهه.

قال: وإن وقعت الحصاة خارج المرمى ثم تدحرجت فيه، يعني من الشروط أن يحصل أن تحصل الحصاة في المرمى، الحصاة في المرمى، والمرمى مجتمع الحصى، طيب، وليس المرمى هو الشاخص، يعني لا يلزم أن تكون أن تضرب الشاخص، لا، أن تسقط في مجتمع حصى، هل يلزم العلم أو يكفي الظن؟ هذا خلاف في المذهب لكن لم يذكر هذا المؤلف، لكن الكلام إذا وقعت الحصاة خارج المرمى، شخص رمى فوقعت خارج المرمى ثم تدحرجت فيه دحرجت فيه فوقعت فيه فإنها تجزئه، تجزئه لأنه تحقق حصولها في المرمى.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يقطع التلبية قبله، يعني الأصل أنه يلبي يلبي وهو دافع من مزدلفة إلى منى، فإذا وصل إلى منى وأراد أن يشفع برمي جمرة العقبة فإنه يقطع التلبية في أول الرمي، لحديث الفضل بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ولأن الحاج يتحلل بالرمي، طبعا هناك خلاف هل يتحلل بالرمي فقط أو الرمي مع الحلق أو اثنين من ثلاثة؟ هذه أخر، لكن على كل هو الرمي مما يتوقف عليه التحلل.

فقالوا: هو يتحلل بالرمي، فإذا شرع فيه قطع التلبية. قياساً على من؟ قياساً على المعتمر، يقطع التلبية إذا شرع في الطواف.

ويرمي ندباً بعد طلوع الشمس لقول جابر رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، أخرجه مسلم.

الرمي الأفضل يعني له وقت استحباب ووقت جواز. الآن بدأ بوقت الاستحباب؛ أن يكون بعد طلوع الشمس، لأنه صلى الله عليه وسلم رمى بعد طلوع الشمس. صلى الله عليه وسلم دفع مزدلفة قبيل طلوع الشمس، وأتى منى بعد طلوع الشمس ورماها، كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، حال من حال من يوم النحر. يعني أما أيام التشريق فإنه لا يرميها بالضحى، وإنما يرميها بعد الزوال.

وقال: ويجزئ رميها بعد نصف الليل من ليلة النحر، فيما روى أبو داود عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت. وأجزأ رميها من بعد منتصف الليل هذا على الصحيح مذهب مطلقاً يعني للرعاة وغيرهم. وقالوا: لأن تقديم الدفع إنما ليتوفر للضعفة الرمي قبل الزحام، فإذا أخروا إلى طلوع الشمس أنه لن يستفيدوا الفائدة المرجوة من التذكير بالدفع.

فإن غربت شمس يوم الأضحى قبل رميه، من شروط من شروط الرمي، من شروط صحة الرمي عند الأصحاب: أن يكون الرمي في النهار. لذلك قال: فإن غربت شمس يوم الأضحى قبل رميه رماه من الغد بعد الزوال. فوقت رمي جمرة العقبة على المذهب يبدأ من نصف ليلة النحر حتى غروب الشمس من يوم النحر، فإذا غربت الشمس هنا لا رمي، بل إنما يرمي من الغد بعد الزوال. فلا يجزئ الرمي بالليل على المذهب في الأيام كلها، وإنما يجزئ رمي جمرة العقبة في الليل من نصف ليلة. وقالوا: إنه يرمي من الغد بعد الزوال. وهذا ما دخله المرداوي في إخلاء، بل ما أثر عن ابن عمر أنه قال: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس لا يرمي إلا من الغد، رواه البيهقي. وأجابوا عن حديث قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: «ارم ولا حرج»، قالوا السؤال كان في النهار، أنه في يوم النحر، ولا يكون اليوم إلا قبيل ما بين الشمس.

نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله: وينحر هدياً إن كان معه واجباً كان أو تطوعاً، فإن لم يكن معه هدي وعليه واجب اشتراه، فإن لم يكن عليه واجب سن له أن يتطوع به. وإن نحر الهدي فرقه على مساكين الحرم. ويحلق ويسمد، العمل الثاني من أعمال يوم النحر. عندنا أعمال يوم النحر: جمرة العقبة وهذا الأفضل ترتيبها كذا، ثم نحر الهدي، ثم الحلق والتقصير، ثم طواف الإفاضة، ثم السعي لمن عليه السعي، وسيأتينا بعد قليل إن شاء الله.

قال: ثم ينحر هدياً. وهذا لفعله صلى الله عليه وسلم، حيث إنه لما رمى جمرة العقبة انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده صلى الله عليه وسلم، وأعطى علياً رضي الله عنه فنحر ما غبر. قال: إن كان معه واجباً كان أو تطوعاً، بفعله صلى الله عليه وسلم في ذبح هذا الواجب بعد الرمي، والتطوع مثله في هذا. قال: فإن لم يكن معه هدي وعليه واجب اشتراه، أي أراد ذبحه أولاً أن يكون في منى، وإن لم يكن عليه واجب سواء كان معتمراً أو كان مفرداً، نعم سواء كان مفرداً أو كان قارناً أو متمتعاً وكان من أهل مكة، كان من أهل مكة فإنه يستحب له التطوع به، لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾.

قال: وإذا نحر الهدي فرقه على مساكين الحرم. في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36]. ولا يتعين الذبح فلو أطلقه لهم كما تقدم معنا في... نعم.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويحلق، ويسن أن يستقبل القبلة ويبدأ بشقه الأيمن، أو يقصر من جميع شعره لا من كل شعرة بعينها، ومن لبد رأسه أو ظفره أو عقصه فكغيره. وبأي شيء قصر الشعر أجزأه، وكذا إن نتفه أو أزاله بنورة، لأن القصد إزالته، لكن السنة الحلق أو التقصير. وتقصر منه المرأة أي من شعرها أنملة فأقل، في حديث ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» رواه أبو داود. تقصر من كل قرن قدر أنملة أو أقل. وكذا العبد ولا يحلق إلا بإذن سيده. وسن لمن حلق أو قصر أخذ ظفر وشارب وعانة وإبط.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الفعل الثالث من أفعال يوم النحر، وهو الحلق أو التقصير. ثم نعم قال: ويحلق، ويحلق لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27]، بالفعل، ولتأسيه صلى الله عليه وسلم حيث إنه لما نحر هديه حلق شعره عليه الصلاة والسلام. قالوا: يسن أن يستقبل القبلة ويبدأ بشقه الأيمن في الحلق. أما استقبال القبلة فقالوا: هذا مشروع في كل عبادة. وأما البدء بالشق الأيمن فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بشقه الأيمن، وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في شأنه كله، وذكر الموفق رحمه الله أنه لا يعلم خلافا في عدم وجوب التيايمن في الحلق.

قال: ويقصر من جميع شعره. الحلق أو التقصير يكون من جميع الشعر، لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، أي مقصري رءوسكم. تعلق الحلق أو التقصير بالرأس أي كله، وهذا هو مذهب المذهب أنه لابد أن يقصر من جميع رأسه، وعليه أكثر أصحابه أن التقصير يكون من جميع الشعر. قال: لا من كل شعرة بعينها، يعني ليس المقصود إذا قلنا من جميع الشعر أنه يمر على كل شعرة بعينها يقصر منها، فهذا فيه مشقة شديدة، ولا يتحقق التيقن منه إلا بالحلق، ولذلك قالوا: المقصود أن يعم شعره بالحلق، بداية من الأخطاء وإن كان هذا الفعل يعني أن بعضهم يقص اطراف الشعر، يقص مثلاً مقدمة شعره من اليمين، أو مقدم أو يقص ثلاث شعرات ونحو ذلك، هذا كله ليس فيه امتثال النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن التخيير بين الحلق والتقصير شامل لكل أحد، حتى من لبد رأسه أو ظفره أو عقصه فكغيره. والتلبيد هو أن يجعل في رأسه شيئاً يسكن شعره كالصمغ ونحوه. والتظفير جعله ضفائر أي جدلاً، والعكس لوي الشعر وعقده. فإذا كان قد لبد رأسه أو ظفره أو عقصه، فإنه يُخير أيضاً بين الحلق والتقصير. ونص عليه المؤلف رحمه الله تعالى، هنا إشارة بخلاف من أوجب الحلق على مثل هؤلاء.

قال: وبأي شيء قصر الشعر أجزأه، بموسى أو غيره. وكذا إن نتفه أو أزاله بنورة، لأن القصد إزالته، والأفضل حلقه بالموسى. وهذه الأمور يتحقق بها الفعل، يعني مثلاً نتف الشعر ونحوه، وكذا إن نتفه أو أزاله بنورة، لأن القصد إزالته، لكن السنة الحلق أو التقصير لأن هذا هو المأمور به، وهو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم.

قال: وتقصر المرأة من شعرها قدر أنملة فأقل، والانملة رأس الإصبع من المفصل في الأعلى. والمرأة لا تحلق، لما جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير». قالوا: ولأن الحلق مثلة في حقهم، يعني عيب في حقهم. فتقصر من كل قرن قدر أنملة، أو تجمع شعرها إلى مقدم رأسه وتأخذ من أطرافها قدر أنملة. نعم.

وكذا العبد، يعني أنه يتعين في حقه التقصير، ولا يحلق إلا بإذن سيده، لأن قيمته تنقص، لأن الشعر ملك للسيد ويزيد في قيمته، ولم يتعين له زواله فلم يكن ذلك الغيب، فلم يكن له ذلك كغير حال الإحرام.

نعم، قال: ويسن لمن حلق أو قصر أخذ ظفر وشارب وعانة وإبط. وذكر المنذري أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه لما حلق رأسه قلم أظفاره، وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أيضاً ذلك.

نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله: ثم إذا رمى وحلق أو قصر، فقد حل له كل شيء كان محظوراً بالإحرام إلا النساء، وطئاً ومباشرةً وقبلاً ولمساً لشهوة وعقد نكاح. فيما روى سعيد عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء». والحلاق والتقصير ممن لم يحلق نسك، في تركهما دم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فليقصر ثم ليحلق». ولا يلزم بتأخيره أي الحلق أو التقصير عن أيام منى دم، ولا لتقديمه على الرمي والنحر. ولا إن نحر أو طاف قبل رميه ولو عالماً. روى سعيد عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قدم شيئا قبل شيء فلا حرج». ويحصل التحلل الأول باثنين من حلق ورمي وطواف، والتحلل الثاني لما بقي مع السعي. ثم يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير، يعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي.

أحسنت.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الحاج إذا رمى وحلق أو قصر، الآن حل له كل شيء كان محظوراً بالإحرام إلا النساء. هذا هو التحلل الأول، هذا هو التحلل الأول، وهذا صحيح مذهب أحمد رحمه الله ونص عليه في رواية جماعة. فيحله كل شيء إلا ما يتعلق بالنساء، من الوطء فما دونه مباشرة وقبلة ولمس لشهوة وعقد النكاح.

واستدل المؤلف بما جاء في حديث عائشة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء». وهذا الحديث فيه ضعف. وكانت عائشة طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، يرفع منها أنه إنما حل من إحرامه التحلل الأول بعد أن رمى وحلق ونحر قبل أن يطوف صلى الله عليه وسلم. لكن هل يفهم منه أنه لو طيب قبل فإنه لا يجزئ ذلك، أو أنه لابد أن يدفع فدية؟ هذا لا يفهم منه، وإنما يفهم من حديث عائشة الصديق.

الحلاقة والتقصير ممن لم يحلق نسك. هنا يشير المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة خلافية وهي: هل الحلق والتقصير مقصودان لذاتهما؟ هذا الحلق والتقصير مقصودان لذاتهما فيلزم الحاج أو المعتمر إذا طاف سعياً والحاج إذا كان يوم النحر أن يحلق أو يقصر من شعورهما. أو نقول وهذا هو القول الثاني: أنهما إطلاق من محظور، وعلى هذا فإذا جاء يوم النحر الآن رمى ثم تحلق، يعني تعلم أنك خلاص الآن هذا الذي كان محظور عليك، اللي هو حلق الشعر الآن زال هذا الحظر، أو تقصر أظفارك، أو تلبس المخيط، أو تتطيب ونحو ذلك. فيقولون إنه ليس فعلاً مقصوداً لذاته، إنما المقصود أن يفعل محظوراً، أن يفعل شيئاً محرماً عليه من قبل، أن يفعل الشيء من قبل، وذلك يعبرون عنه بأنه إطلاق من محظور.

والمذهب عند الحنابلة رحمه الله تعالى أن الحلق والتقصير نسك، وأنه يلزم بترك نسك دماً. والدليل على أنهما نسك أن الله عز وجل وصف الحجاج بذلك وامتن به عليهم: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ فدل على أنه من العبادة، ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر من لم يمسك الهدي بقوله: «فليقصر ثم ليحلق» وأمره به دل على أنه نسك وليس إطلاقاً من محظور. قالوا: ولو لم يكن نسكاً لما توقف الحل عليه، ما جاء في حديث عائشة: «إذا رميتم وحلقتم». وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم من دعا للمحلقين والمقصرين فظفر بينهما، فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء ولا ما وقعت المفاضلة، إذ لا مفاضلة في المباح، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فليقصر ثم ليتحلل». وهذا ذكرناه آنفاً.

قال: ولا يلزم بتأخيره أي الحلق والتقصير لا يلزم بتأخيره عن أيام منى دم، ولا بتقديمه على الرمي والنحر. فإذا أخرهما عن أيام منى عن أيام التشريق فلا بأس بذلك، لا بأس لذلك، يأتي به متى شاء، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] فبين أول وقته ولم يبين آخره، فمتى أتى به أجزأه.

ولا بتقديم الرمي والنحر ولا أن المحرم طاف قبل رميه ولو عالماً، لما روى سعيد عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قدم شيئاً قبل شيء فلا حرج». وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم سئل، فقال له رجل: حلقت قبل أن أذبحه؟ قال: «اذبح ولا حرج». ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: «ارم ولا حرج». فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعلوا ذلك ولا حرج». وقوله هنا: ولإن نحر أو طاف قبل رميه ولو عالماً هذا فيه إشارة خلاف، أن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: إذا كان عالماً يعني قدم نسكاً على نسك عالماً فإنه عليه دم في عدم الترتيب. لكن مشروع المذهب أنه يجزئ عدم الترتيب، لكن مع الكراهة، قالوا لإطلاق حديث ابن عباس.

سُئل الحلق قبل الذبح والنحر، وفي بعض الروايات: ما شعرتُ فحلقتُ؟ معروفةٌ هذه الرواية، نأخذها على إطلاقها. وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر قال لمن فعل ذلك: «لا حرج»، وهذا يدل على أنه لا يُفْتَدَى فيه ولا دمَ؛ لأن بعض الفقهاء يقولون: إن كان لا حرج في الدم، فإنه لا يلزمه أيضاً دمٌ.

ثم ذكر أنه يحصل التحلل الأول باثنين من: حلق، ورمي، وطواف، والتحلل الثاني بالباقي مع السعي، وهذا هو مستند المذهب وأكثر الأصحاب. كون السعي له علاقة بالتحلل الثاني، هذا ذكره البهوتي هنا، والمرداوي في الإنصاف ذكر أن ظاهر كلام أكثر الأصحاب أنه يحل قبل السعي لإطلاقهم الإحلال بعد الطواف، وذكر في التصحيح أن هذا هو ظاهر من قطع به، أما ابن حمدان في الرعاية الكبرى قال: ثم يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبةً يفتتحها بالتكبير، يعلمهم فيها النحر والاضحية والإفاضة والرمي. وهذا لفعله صلى الله عليه وسلم أنه خاطب يوم النحر بمنى وعلمهم شيئاً من شعائر الإسلام. وقوله يعلمهم في النحر، وهذا لشدة حاجتهم إلى ذلك. وقوله افتتح بالتكبير، هذا ذكره ابن حمدان رحمه الله في الرعاية الكبرى، ولعله قياساً على ما يذكرونه في خطبة العيد ونحوها.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: فصل. ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفرضية طواف الزيارة، ويقال طواف الإفاضة، فيعيناه بالنية وهو ركن لا يتم الحج إلا به. وظاهره أنهما لا يطوفان للقدوم ولو لم يكونا دخلا مكة قبل، وكان المتمتع يطوف بالزيارة فقط، كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد. واختاروا الموفق والشيخ تقييم الدين -ابن تيمية- وابن رجب. ونص الإام واختاره الأكثر أن القارن والمفرد إن لم يكنا دخلاها قبل يطوفان للقدوم برمل ثم للزيارة، وأن المتمتع يطوف للقدوم ثم للزيارة بلا رمل.

وأول وقته، أي وقت طواف الزيارة، بعد نصف ليلة النحر لمن وقف قبل ذلك بعرفات وإلا فبعد الوقوف. يُسن فعله في يومه لقول ابن عمر رضي الله عنهما: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، متفق عليه. ويستحب أن يدخل البيت فيكبر في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين بين العمودين تلقاء وجهه، ويدعو الله عز وجل، وله تأخيره، أي تأخير الطواف عن أيام منى؛ لأن آخر وقته غير محدود كالسعي، ثم يسعى.

هنا صفة الحج: فإذا انتهى من النحر أولاً، أول رمي ثم النحر ثم الحلق، هنا يفيض إلى مكة ويطوف المفرد بنية الفريضة طواف الزيارة، ويقال طواف الإفاضة فقط، وهو ركن لا يتم الحج إلا به، والظاهر أنه لا يطوف للقدوم إلى آخره.

هنا القارن المفرد إذا لم يكونا قدما مكة من قبل، يعني أول ما قدموا إلي... نعم القارئ المفرد إذا ما كانوا... أول من قدم إلى مكة لم يطوفوا للقدوم، وكذا المتمتع. متمتع الآن عليه طواف آخر. المؤلف رحمه الله تعالى ذكر قولين في هذه المسألة، أو نقول: هل يلزم القارن والمفرد وكذا المتمتع يلزمهما؟ أو نقول: هل يشرع في حقهما طوافان أو طواف واحد؟ يعني طواف القدوم ثم طواف الإفاضة، أو يكتفون بطواف الإفاضة فقط؟ ظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنهما يكتفون بطواف واحد فقط، يدخل القدوم في الإفاضة.

اه، هناك قول آخر للمذهب، وهو المعتمد من المذهب، وعليه نص الإمام أحمد رحمه الله، أنه يستحب أن يطوف للقدوم أولاً قارناً أو مفرداً ولم يكن مقدماً مكة من قبل -يعني قدم البيت الحرام من قبل- أو كان متمتعاً، فانه يشرع أن يطوف أولاً طواف القدوم ثم بعده يطوف طواف الإفاضة. طبعا المؤلف رحمه الله تعالى يحتج له القياس على... أو نقول قاعدة عامة، وهي التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في القاعدة الثامنة عشرة: إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد، ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا عن الطريقة التبعية للأخرى في الوقت، تداخل فعلهما واكتفي فيهما بفعل واحد. ثم ذكر أنه على ضربين: إما أن يحصل بالفعل الواحد جميعاً، والثاني أن يحصل له إحدى العبادتين بنيته تسقط عنه الأخرى. وذكر من أمثلة الثاني: إذا قدم المتمتع، نعم إذا قدم المعتمر مكة، أنه يبدأ بطواف العمرة ويسقط عنه طواف القدوم. قال: وقياسه إذا أحرم بالحج من مكة ثم قدم يوم النحر، أنه يجزئ طواف الزيارة عنه، والمنصوص ها هنا أنه يطوف قبله للقدوم، وهذا هو الذي ذكرناه لكم. القول الثاني في المذهب، وحكى فيه صاحب المغني وهو الأصح، الموفق ذكر أنه لا يشرع إلا طواف واحد، الأصح وأيضاً اختاره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وهنا الأصح إذاً أنه يكفي طواف واحد على القاعدة.

طبعاً المتمتع قالوا: يطوف ويكون ثمن الزيارة رملاً؛ لأنه سبق أن رَمَلَ طواف العمرة. قال: وأول وقته، يعني أول وقت طواف الإفاضة، من نصف ليلة أو بعد نصف ليلة النحر لمن وقف قبل ذلك بعرفات وإلا فبعد الوقوف. وهذا هو وقت -يعني نصف الليل في النحر- هذا هو وقت الدفع الجائز لمزدلفة، فإذا جاز الدفع مزدلفة بدأ وقت الرمي ووقت الحلق ووقت الطواف. أما نحن فسيأتي إن شاء الله متى يبدأ وقته. كونه والا بعد الوقوف، بعد الوقوف يعني لابد أن يسبقه الوقوف، فإذا كان طواف الإفاضة قبل عرفة فنقول: لا يجزئه ذلك على المذهب وعليه الأصحاب.

قال: ويسن فعله في يومه، طواف الإفاضة يوم النحر لفعله صلى الله عليه وسلم، أنه لم يطف إلا يوم النحر ضحىً. قالوا: يستحب أن يدخل البيت فيكبر في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين لفعله صلى الله عليه وسلم، ومن دخل الحجر وصلى فيه فكأنما دخل بيته. الآن قد يقول لشخص -يعني-: يصعب جداً أن ندخل داخل باب الكعبة، نقول: بالإمكان أن تدخل داخل الحجر وتصلي فيه، فإذا صليت فيه فإنك تعتبر طبقت السنة في هذا. ويكبر في نواحيه لفعله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أسامة عند أحمد والنسائي، قال: يصلي فيه ركعتين بين العمودين تلقاء وجهه، ويدعو الله عز وجل لفعله صلى الله عليه وسلم فيما نقله عنه بلال.

لتأخير الطواف عن أيام منى؛ لأن آخر وقته غير محدود كالسعي في الطواف، السعي، الحلق والتقصير، لهم لها اوقات في أولها وليس لها اوقات في آخرها، فيأتي بها في أول وقت لكن ينتبه إلى أنه إذا لم يتمها فإنه يعتبر لم يتحلل الثانية حتى الآن، لا تقربه زوجته أو أي شيء مما يتعلق بأمور النساء؛ لأن آخر وقته غير محدود كالسعي، فالسعي مثله في ذلك.

قال رحمه الله: ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً، فإن كان سعيه أولاً كان للعمرة فيجب أن يسعى للحج، أو كان غيره، أي غير متمتع بأن كان قارناً أو مفرداً لم يكن سعى مع طواف القدوم. فإن كان سعى بعده لم يعده؛ لأنه لا يستحب التطوع بالسعي كسائر المناسك، نظير الطواف؛ لأنه صلاة. ثم قد حل له كل شيء حتى النساء، وهذا هو التحلل الثاني. ثم يشرب من ماء زمزم لمن أحب، ويتضلع منه، ويرش على بدنه وثوبه، ويستقبل القبلة، ويتنفس ثلاثاً، ويدعو بما ورد، فيقول: بسم الله، اللهم اجعلْه لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشِبعاً، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي واملأه من خشيتك.

أحسنتم. ثم تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن السعي، وأن الحاج إما أن يكون متمتعاً يلزمه سعي آخر، أو يكون قارناً أو مفرداً ولم يكن سعى مع طواف القدوم فإنه يسعى بعد طواف الإفاضة. وكون المتمتع عليه سعياً هذا هو المشهور عند الحنابلة رحمه الله تعالى، فهو المذهب على الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ويستدلون على ذلك بحديث عائشة: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلقوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، قال طواف طواف، يعني هذا السعي بين الصفا والمروة. أما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً، يعني في السعي. المقصود بالطواف هنا السعي كما كرره ابن القيم رحمه الله تعالى.

نعم، قال: القارن المفرد قالوا لم يكن سعى مع طواف القدوم، فإن كان سعى بعده لم يعده؛ لأنه لا يستحب التطوع بالسعي كسائر المناسك غير الطواف، لأنه صلاة، فالسعي لا يتطوع به. ثم قد حل له كل شيء حتى النساء، وهذا هو التحلل الثاني. ثم بعد ذلك يشرب ماء زمزم لما أحب ويتضلع منه، وهذا استحبابه بلا نزاع. ويرش على بدنه وثوبه، أما الشرب بعد الطواف فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر في صفة حجة صلى الله عليه وسلم، أنه صلى الله عليه وسلم شرب من ماء زمزم وقال: «لولا أن يغلبكم» -قال لابن عباس-: «ثم نزعته معكم». وتضلع في الحديث: ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم. واما الرش على البدن والثوب هذا ذكره بعض الأصحاب كالحلواني في التبصرة، وروي مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما شرب ماء زمزم مسح به رأسه صلى الله عليه وسلم، وروي بمعناه عن بعض السلف رحمهم الله تعالى.

يستقبل القبلة لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا شربت منها تستقبل القبلة واذكر اسم الله. ولأنه سيدعو أيضاً عند شرب زمزم، ويندب في الدعاء استقبال القبلة. قالوا: يتنفس ثلاثاً؛ لأنه أهنأ وأمرأ وأروا. وفي تتمة أثر ابن عباس السابق: ويتنفس، أول تنفس أنعم وتنفس وتضلع منه، فإذا فرغت فاحمد الله عز وجل. قوله: لما ورد، فيقول: بسم الله، اللهم اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشِبعاً، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي واملأه من خشيتك، ويدعو بما أحب. والدعاء عند شرب زمزم في قول اللهم، عن ابن عباس. ويستشفى بماء زمزم فهو ماء مبارك، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنه مبارك، إنه طعام طعم وشفاء سقم». ووردت قصص كبيرة في الاستشفاء بماء زمزم، لكن ينبغي للإنسان إذا شربه ودعا الله عز وجل عند شربه أن يدعوه بحضور قلب ويقين، ولا يقول سأفعل ذلك بالتجربة، بل في الدعاء عموماً ليحضر العبادة والتضرع إلى الله عز وجل. يستحضر أن الله على كل شيء قدير، ويستحضر ضعفه وذله وهو أنه بين يدي الله عز وجل، ويستحضر أنه ضيف من ضيوف الرحمن، والله عز وجل أكرم من أن يرد أضيافه سبحانه وبحمده.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ثم يرجع من مكة بعد الطواف والسعي، يصلي ظهر يوم النحر بمنى، ويبيت بمنى ثلاث ليالٍ لمن لم يتعجل وليلتين إن تعجل في يومين، ويرمي الجمرات أيام التشريق، فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف سبع حصيات متعاقبات يفعل كما تقدم في جمرة العقبة، ويجعلها، أي الجمرة، عن يساره ويتأخر قليلاً بحيث لا يصيبه الحصى، ويدعو طويلاً رافعاً يديه. ثم يرمي الوسطى مثلها سبع حصيات، ويتأخر قليلاً ويدعو طويلاً، لكن يجعلها عن يمينه. ثم يرمي جمرة العقبة بسبع كذلك، ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي، وهو لا يقف عندها. يفعل هذا الرمي بالجمرات الثلاث على الترتيب والكيفية المذكورين في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، فلا يجزئ قبله ولا ليلاً بغير سقاة ورعاة، والأفضل الرمي قبل صلاة الظهر، ويكون مستقبل القبلة في الكل مرتباً، أي يجب ترتيب الجمرات الثلاث على ما تقدم.

وكل هنا المؤلف رحمه الله تعالى تكلم في هذا إلى الرجوع إلى منى، الآن طاف إفاضة وسعى سعي الحج، الآن يرجع إلى منى، يصلي الظهر يوم النحر في منى بفعله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النحر بمنى. وجاء في حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة، واختلف العلماء في الجمع بينهما، كلٌّ جاء في الصحيح، فمنهم من قدم حديث ابن عمر؛ حيث اتفق على روايته وممن ذهب إلى ذلك الحافظ ابن القيم في زاد المعاد، ومنهم من جمع بينهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمكة ثم ذهب إلى منى فوجد أصحابه ينتظرونه فطلبوا منه أن يصلي بهم فصلى بهم ثانيا، فكل روى ما رأى. وهذا الجمع ذكره الإام النووي رحمه الله تعالى.

في منى ثلاث ليالٍ، هذا لمن لم يتعجل وليلتين لمن تعجل في يومين، ويرمي الجمرات أيام التشريق، كل جمرة بسبع حصيات، يرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف حصيات متعاقبات، يفعل كما تقدم في جمرة العقبة واحدة بعد واحدة، ويجعلها عن يساره ويتأخر قليلاً بحيث لا يصيبه الحصى ويدعو طويلاً. يجعلها عن يساره مثل ما قلنا في جمرة العقبة، جمرة العقبة يجعلها منى، يستقبل القبلة، قالوا: لا، هذه يجعلها عن يساره، يرمي على حاجبه الأيسر لا يرمي تلقاء وجهه، وجاء في حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم تقدم أمامها ورمى مستقبلها. قالوا: متى؟ يتأخر قليلاً بحيث لا يصيب الحصى ويدعو طويلاً رافعاً يديه، وهذا من فعله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد تحديدا فيما يدعى به، لكن يدعو بما أحب.

قال: ثم يرمي الوسطى مثلها بسبع حصيات.

ويتأخر قيام يدعو طويلاً، لكن يجعلها عن يمينه، ويقال فيه: مغفرتي سابقاً. ثم يرمي جمرة العقبة بسبع كذلك يجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي ولا يقف عندها، وهذا كله تقدم الكلام عليه.

يفعل هذا الرمي يا جماعة الثلاثة على الترتيب والكيفية المذكورين، لابد أن يبدأ بالأولى ثم الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها كذلك، وقالت: «لتأخذوا عني مناسككم». سبب ترتيب في الرمي، هذا المذهب عليه الأصحاب. ثم ذكر أنه جمرة كل يوم بعد الزوال؛ كل يوم بعد الزوال فلا يجزئ قبله؛ لفعله صلى الله عليه وسلم حيث رمى الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك في أيام التشريق بعد زوال الشمس، وهذا في صحيح مسلم.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا مناسككم». وقال ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا. وهذا عند البخاري معلقاً، وصله أبو داود وغيره. والنبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فلو كان الرمي قبل زوال الشمس جائزاً، لما تأخر النبي صلى الله عليه وسلم حتى زالت الشمس.

قال: فلا يجزئ قبله ولا ليلاً. لا يجزئ الرمي في الليل، وهذا المذهب والعمل الآن والفتيا عند مشايخنا على جواز الرمي في الليل، قال: لغير سقاة ورعاة. أما السقاة والرعاة فيجوز لهم الرمي ليلاً ونهاراً كما ذكر المرداوي رحمه الله، ويستدلون على ذلك بحديث للرعاة أن يبيتوا؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لرعاة الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمع رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما، ثم يرمون يوم النفر. رخص السلام في الجمر للتوسعة حالياً. فالمقصود برميهم نهاراً رمي القضاء؛ فمثلاً يوم الحادي عشر لو كانوا لم يرموا جمرة العقبة يوم النحر فله أن يرموها ضحى يوم الحادي عشر، لم يرموها حتى غربت الشمس، أو لمن يرموها في الليل، لمن يرموها من الغد، فرميهم في النهار يكون لما مضى لا لما يستقبل، على ظاهر كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى.

الفضل الرمي قبل صلاة الظهر، وهذا لفعله صلى الله عليه وسلم حيث يبادر برمي الجمار من حين تزول الشمس، ويكون مستقبل القبلة في الكل؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله هو، طبعا ليس عنده فكان عنده فادي عموماً. الفقهاء رحمهم الله تعالى يذكرون أن استقبال القبلة مشروع في كل عبادة إلا ما استثني.

قال رحمه الله: رماه كله، أي رمى حصى الجمار السبعين كله في اليوم الثالث من أيام التشريق، أجزأه الرمي أداءً؛ لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، ويرتبه بنيته، فيرمي لليوم الأول بنيته، ثم للثاني مرتباً، وهلم جراً، كالفوائت من الصلوات. فإن أخره، أي الرمي عنه، أي عن ثالث أيام التشريق، فعليه دم، أو لم يبت بها، أي بمنى، فعليه دم؛ لأنه ترك نسكاً واجباً. ولا مبيت على سقاة ورعاة.

يذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا رمى حصى الجمار في آخر يوم، قال: أنا لن أذهب لا نتردد على الجمرة كل يوم، مكان بعيد خلاص بروح مرة وحدة إذا كنت سارمي لليوم الاخير، نقول: لا بأس بذلك، حصى الجمار السبعين كله في اليوم الثالث، أجزأه الرمي أداءً. أما إجزاؤه في المذهب لعذر أو لغير عذر؛ فمثلاً شخص لم يرمِ جمرة العقبة يوم النحر كان مجهداً حتى غربت الشمس، المذهب لا يجزيه الرمي اليوم، يرمي من الغد، هنا آخر لعذر. قال: لن يتردد، سيقولون: يجزئه، يكون أداءً أيضاً عن الصحيح من المذهب، قالوا بأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، فهو فعل العبادة في وقتها ولم يفعله بعد انتهاء وقتها، فقالوا إنه يكون أداءً.

قال: ويرتبه بنيته. يعني الآن آخر أيام، آخر ضمير الأيام، ليوم العيد والأيام الثلاثة، قال: يرتب بالنية، يبدأ، يذهب إلى جمرة العقبة يرميها بسبع حصيات هذه هذه، ثم يذهب للصغرى يرميها سبع حصيات اليوم الأول، اليوم أحد عشر، ثم الوسطى سبع حصيات، ثم أحد عشر، ثم الكبرى عقبة سبعة، ثم أحد عشر، ثم يرجع للصغرى اثنا عشر، ثم الوسطى، ثم العقبة كذلك، ثم يرجع للصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى يرميها اليوم الثالث عشر. فيرتبه بنيته، قالوا: كالفوائت من الصلاة. الفوائت من الصلاة ترتب بالنية؛ فمثلاً فاتته صلوات يومين كاملين، فيبدأ بفجر اليوم الأول، ثم ظهر اليوم الأول، ثم عصر اليوم الأول، ثم مغرب اليوم الأول، ثم عشاء اليوم الأول، ثم فجر اليوم الثاني، اليوم الثاني، وهكذا. الرمي مثله، الرمي مثله.

قال: فان أخره، أي الرمي عنه، أي عن ثالث أيام التشريق، فعليه دم. الآن الرمي لابد أن يكون في وقته أيام التشريق، فإذا أخر عنه، إذا غربت الشمس يوم الثالث عشر وهو لم يرمِ، سنقول الآن: عليك دم. ابن عباس: من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً. قال: أو لم يبت فيها، إن لم يبت في منى فعليه دم. إذا لم يبت في منى ترك بدون عذر، فإنه عليه دم. طبعا في الأوقات المتأخرة الآن منى تزدحم هنا تزدحم، يعني طبعا باستثناء يعني الظروف الجارية، لكن في الظروف العادية منى تزدحم فيضطر بعض الحجاج أن يبيت خارج منى، فيجوز له ذلك؛ لأن هذا واجب سقط بالعجز. وأين يبيت؟ هل يبيت عند آخر خيمة أو يبيت في أي مكان من مكة؟ خلاف بين أهل العلم المعاصرين.

ولا مبيت على سقاة ورعاة. فالسقاة والرعاة يسقط عنهم المبيت. أما السقاة ففي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس وكان يسقي، رخص لهم، رخص له في ترك المبيت بمنى ليالي منى، وأن يبيت بمكة. وأاما الرعاة ففي حديث العادي أنه صلى الله عليه وسلم رخص البيت، مفهوم أن غيرهم يجب عليهم المبيت، وهذا عليه أكثر الأصحاب بفعله صلى الله عليه وسلم، وترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء بخصوصهم دل على أن من عداهم على الوجوب على العزيمة.

ولا مبيت على سقاة ورعاة. ويخطب الإام ثاني أيام التشريق خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير والتوديع، فمن تعجل في يومين خرج قبل الغروب ولا إثم عليه، وسقط عنه رمي اليوم الثالث ويدفن حصاه، وإلا يخرجوا قبل الغروب لزمه المبيت والرمي من الغد بعد الزوال. قال ابن المنذر: وثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس.

فإذا أراد هنا، إذا الإمام يخطب ثاني أيام التشريق اللي هو يوم اثنا عشر، خطبة يعلمون فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم. ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه خطب ثاني يوم التشريق كما عند أبي داود رجلين من بني بكر، قال: رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلتنا. ولحاجة الناس هنا إلى بيان أحكام التعجيل والتأخير، وبيان أحكام طواف الوداع، ولعله يقوم مقام ذلك مقام فعله من الإمام أن يفعله الموجهون في، يعني لعلهم يقوم مقام ذلك يفعلهم وجهوا الحملات ومفتوهم، فيلقون على الناس في حملاتهم كلمات فيها بيان أحكام التعجل وأحكام التأخير ونحو ذلك.

ثم ذكر التعجيل، قال: من تعجل في يومين خرج قبل الغروب ولا إثم عليه، وسقط عنه رمي اليوم الثالث ويدفن حصى. يعني الآن من أراد أن يتعجل فلا بد أن يخرج من منى قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر، إذا غربت الشمس اليوم الثاني عشر وهو لا زال بمنى فانه يلزمه المبيت. هذا إذا لم يكن قد حبسه المسير، إذا كان قال: حبسه المسير، فالمفتى به عند علمائنا أنه يكمل ذاته، لكن إذا كان لا من الأصل قال: أنا لن أرميه إلا في الليل، خلاص إذا كان لن يرمي إلا في الليل، فمعنى ذلك أنه ستغرب عليه الشمس وهو في منى فيلزمه المبيت، يلزمه المبيت إذا قال: من أدركه الغروب فانه يلزمه المبيت والرمي من الغد حتى يرمي حتى ينفر مع الناس.

حسن الله إليكم، قال رحمه الله: فاذا أراد الخروج من مكة بعد عوده إليها لم يخرج حتى يطوف للوداع إذا فرغ من جميع أموره، لقول ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، متفق عليه، ويسمى طواف الصدر. فان أقام بعد طواف الوداع أو اتجر بعده أعاده، إنه إذا عزم على الخروج وفرغ من جميع أموره، ليكون آخر عهده بالبيت، كما جرت العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه، وإن تركه، أي طواف الوداع، خير حائل رجع إليه بلا إحرام إن لم يبعد من مكة، ويحرم بعمرة إن بعد عن مكة، فيطوف ويسعى للعمرة ثم للوداع. إن شق الرجوع على من بعد عن مكة دون مسافة قصر عن مسافة قصر فأكثر، فعليه دم. ولا يلزمه الرجوع إذا أو لم يرجع إلى الوداع فعليه دم لتركه نسكاً واجباً. فان أخر طواف الزيارة ونصه أو القدوم فطافه عند الخروج، أجزأ عند طواف الوداع؛ لأن المأمور به أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل، إنه بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة. ولا وداع على حائض ونفساء، إلا أن تطهر قبل مفارقة البنيان.

ويقف هنا بين والدك رحمه الله تعالى. طواف الوداع قال: إذا أراد الخروج من مكة بعد عوده إليه يعني الآن، الآن هو مكث في منى أيام التشريق، فإذا أراد الخروج من مكة الآن سيعود إلى مكة من منى، فانه يطوف بالوداع إن لم يخرج حتى يطوف للوداع إذا فرغ من جميع أموره، لحديث ابن عباس: كان الناس ينفرون في كل وجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحد حتى يكون آخر عهده للبيت. وفي الحديث الآخر: أن يكون آخر عهد بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحالة.

أنبه هنا إلى أنه تعليقا على قوله: فإذا أراد الخروج من مكة بعد عوده إلي، قال مفهومه: أنه لو سافر لبلده من منى ولم يأتِ مكة، لم يكن عليه وداع، لم يكن عليه وداع، وصرح به شيخ الاسلام وغيره. يعني مفهوم يقول: إن مفهوم هذه الجملة، إذا بعد الخروج من مكة بعد عودته، مفهومه أنه إذا لم يعد إلى خرج رمي جمرة العقبة الجمار يوم النحر، اليوم الثالث عشر أو الثاني عشر إذا كان متعجلاً، وخرج من منى مباشرة لم يأتي إلى مكة فانه لا وداع لي، أنه لا يضيع عليه، ونسبه لشيخ الإسلام.

الحقيقة أن طبعا ابن قاسم نقله من فيروز العنجري، وأصله لبن قايد، وصلوا هذا الكلام قائد رحمه الله تعالى في حاشية الأعلى، وذكر من قائل إنه صرح بذلك، صرح بذلك يعني نسبوه إلى شيخ الإسلام، صرح به في كشاف القناع وفي في بعض النسخ سبح به في الاقناع، يعني الحجاوي أنهم نسبوا ذلك إلى شيخ الإسلام، يعني ينسبون إلى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، يعني ابن قايد يقول: إن ترى الحجاوي أو البهوتي في الكشاف ينسبون إلى شيخ الإسلام رحمه الله أن الحاج لو تعجل من منى وخرج إلى بلده مباشرة من غير أن يطوف الوداع، فانه لا بأس عليه عند شيخ الإسلام.

وهذا النقل عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى والله أعلم فيه نظر. سبب هذا اللبس: شيخ الإسلام رحمه الله له قولان في حكم طواف الوداع، أحد القولين أنه خاص بالحاج، الحاج إذا فرغ من جميع أموره لابد أن يطوف للوداع. هذا القول، قول آخر: إنه لا ليس خاص بالحاج، بل هو عام في كل من خرج من مكة، سواء دخل مكة للنسك في حج أو عمرة أو دخل لغير يوسف، فيقول بأن لا عذابة له بالنسك، لا علاقة له بالنسف، فهو لكل من خرج من مكة، لكل من خرج من مكة. انظروا القيد: من مكة، يعني قديم مكة يقصد أنه ليس خاصاً بالنسك. في الحجة وفي الإقناع، والشيخ منصور في الكشاف نقلوا عن شيخ الإسلام قوله الثاني: أن طواف الوداع يلزم كل من خرج من مكة، أكان حاجا أم معتمراً أم حتى لو قدر مكن من النسك.

ففهم ابن قائد رحمه الله من كلام البهوتي ومن كلام الحجاوي أن شيخ الإسلام أنه يقصد أن ما يلزم الحاج إذا خرج من منى لمكة، فانه يلزمه طواف الوداع. أما إذا خرج من منى مباشرة فإنه لا يلزمه طواف الوداع، هذا ليس مراد شيخ الإسلام رحمه الله فيما يظهر والله أعلم. لذاك ابن جاسر لما نقل كلام ابن جايد ثم قاله، نعم قال: وقد راجعت الإقناع مراراً فلم أقف على هذا النقل إلا إذا كان قصده قوله ذلك ولدي نقلت لكم قبل قليل.

قالوا: يسمى طواف الصدر. يعني من أسماء طواف الوداع أنه يسمى طواف الصدر، وهذا بعضهم يسميه، بعضهم يسمي طواف الزيارة. إن أقام بعد طواف الوداع أو اتجر بعده أعاده، إذا عزمنا الخروج وفرغنا من جميع أموري. يعني أنه أنه إذا ودع ثم كم بعدهم، سنكون هذه الإقامة، هذه الإقامة إذا كانت يبيع ويشري، يبيع ويشري فهنا نقول: هذه الوداع، يعني لابد أن يعيد الوداعة بعدين أو أقام.

يعني لغير انتظار رفقة أو شد الراحة ونحو ذلك، إقامة مثلا طرف الوداع العصر بكرة وأفطرنا سنمشي من مكة. نقول لا ده جلس ونام ثم قام من الغد وأفطر فانه يلزمه إعادة الوداع مرة أخرى، لم يكن آخذا عندي بالبيت كما جرت العادة في توديع المسافر أنا وإخوانه.

ثم ذكر ما يترتب على ترك واجبات الحج إذا تركه الغير حائض رجع إليه، الحائض خفف عنها كما مر علينا قبل قليل. رجع إليك يا حرام إن لم يبعد عن مكة ويحرم بعمرة إن بعد عن مكة ويطوف ويسعى لعمرة. نقول من ترك طواف الوداع فلا يخلو من أمرين، إما أن يكون قريبا يعني دون مسافة قصر، أو بعيدا يعني فوق مسافة قصر.

فإذا كان قريبا إنه يلزمه الرجوع، ويرجع بلا إحرام ويطوف الوداع ثم يمشي ولا دم عليه. أما إذا كان بعيدا وإذا كان قريبا ولم يرجع سواء شق عليه الرجوع أو قال لن أرجع، فهذا يلزمه دم كما تقدم معنا في الفدية. أما إذا كان بعيدا وهو فوق مسافة قصر، فهذا يلزمه دم مطلقا، يلزم دما مطلقا سواء رجع أو لم يرجع، لأنه استقر الدم في ذمته.

وإن رجع بعيدا ثم قال خلاص سأرجع سأطوف للوداع فنقول: يرجع يحرم بعمرة ويطوف ويسعى ثم يطوف للوداع. شق الرجوع على من بعد عن مكة دون مسافة القصر، أو بعد عنها مسافة القصر فأكثر فعليه دم، ولا يلزم الرجوع أو لم يرجع إلى الوداع سواء كان بعيدا أو قريبا لتركه نسكا واجبا.

ثم ذكر تداخل نيتي الطواف، إن أخر طواف الزيارة لترك القدوم لأنها بعد قليل فطافوا عند خروج أجزأ عن طواف الوداع، لأن المأمور به أن يكون آخر عهد بالبيت، وقد يجتمع طواف الوداع مع طواف الزيارة، يعني طواف الزيارة إذا أخرته إلى الإفاضة أصلا يكون يوم العيد، قال لا أنا سأطوف يوم الثالث عشر مع الوداع. نقول: لا يخلو من ثلاث حالات، أما أن ينويهما معا أنوي الزيارة والوداع فيجزئه عنهما، أو ينوي الزيارة فقط يجزيه عنها وعن الوداع.

أما الأول لأنه نواهما بالنيات، وأما الثاني فيجزئه عنها ويسقط الوداع، لأنه اجتمعت عبادتان صغرى وكبرى فاكتفي بأحدهما. الثالث أنه نوى الوداع فقط، النوى من القاعدة السابقة إذا اجتمع الكبرى والصغرى، فينوي الكبرى وتجزئ عنه، تدخل الصغرى. الثالثة: إذا نوى الوداع فقط فانه لا يجزئه عن الزيارة، لأن الوداع أقل شأنا من طواف الزيارة.

ثم ذكر أنه لا وداع على حائض، الحديث السابق الحائض والنفساء في حكمها إلا أن تطهر قبل مفارقة البنيان، إذا طهرت قبل مفارقة البنيان فإنه يلزمها الرجوع والطواف، لأنها تعتبر في حكم المقيم بمكة.

نقف عند هذا الحد، ونسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.