دخولتسجيل الدخول

05 المحاضرة الخامسة السيرة النبوية العهد المكي م أيمن عبد الرحيم شيخ العمود

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. صلى الله وسلم على خير معلم الناس الخير محمد، وبعد:

فكنا توقفنا عند إدراك قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم لو استمر على هذا الوضع الذي هو فيه، حتى مع التضييق، فسوف تتمدد الدعوة إلى خارج قريش، وقد بدأت بشائر هذا؛ أناس من خارج قريش يتعرفون على دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ويدخلون في دينه. فقرروا قراراً عاماً بأن يقاطعوا النبي صلى الله عليه وسلم ومن رضي بأمره، سواء كان مسلماً أو ما زال على الكفر من بني هاشم وبني عبد المطلب، وهم الذين انتصروا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ مسلمهم وكافرهم.

اللي كان مسلماً دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، واللي ما كانش مسلماً برضه دخلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الشعب ثلاث سنوات؛ هم بنو هاشم وبني عبد المطلب. حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لما قسمت أحكام الفيء والغنائم والأسهم، فكان لبني هاشم وبني عبد المطلب من دون الناس من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم جزء في الخمس ثابت. فحتى لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا له: يا رسول الله، نحن لنا من القرابة ما لهم من النبي صلى الله عليه وسلم، فلم خصصت بني هاشم وبني عبد المطلب؟ فقال: هم دخلوا معي في الشعب أو تحملوا، يعني مسلمهم وكافرهم.

خلاص، الحصار ده ظل مدة ثلاث سنوات، النبي صلى الله عليه وسلم ومن دخل معه الشعب، قطعوهم في الأنكحة وفي البيوع وفي كل شيء، حتى إنها تعتبر عزلة مكانية، وكان لا يدخل لهم طعام ولا مؤونة إلا بالاحتيال، أو رجل يخشاه الناس فيدخل كميات بسيطة، لكن كان عدداً ضخماً جداً من الناس ظلوا على هذا الحصار ثلاث سنوات، فالوضع ساء. النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل ذلك يكذبونه وهم على ما هم عليه من التكذيب وصرف الناس عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقى الناس في موسم الحج ويكلمهم، لكن في الحصار النبي صلى الله عليه وسلم حُصر مكانياً لا يستطيع أن يلقى الناس ولا يدعو أحداً جديداً خارج قريش.

الأمر ظل على هذه الحالة، حتى في آخر الثلاث سنوات، بعض عقلاء القوم وهم على غير الإسلام قالوا: حتى متى نظل نأكل ونشرب وبنو القرابة من بني هاشم وبني عبد المطلب فيه ما هم فيه من المقاطعة والجوع والحصار؟ القصة بدأت أن واحداً من أشراف الناس بدأ يكلم أحداً من أشراف الناس، يقول: أنا على رأيك، ولكن ليس معنا أحد. فيقول: قد وجدت ثانياً، فابتغوا لنا ثالثاً، أنا معاك، أنا برضه موافقك على هذا الرفض. فظل على هذا المنوال بشكل متوالٍ، تسلسل، كل واحد فيهم يكلم واحداً ثالثاً يقول له: حتى متى نظل نأكل ونشرب وبنو هاشم في كذا؟ فيقول له: طيب وأنا أعمل إيه وأنا رجل وحدي؟ فيقول: قد وجدت اثنان فابتغوا لنا رابعاً.

قعدوا كده لغاية فاجتمعوا في أحد مجالس قريش التي كانوا يجلسون فيها يتبادلون فيها الرأي، وكان حاضراً أبو جهل وهو كان زعيم القوم في المقاطعة، فتكلم الناس على الترتيب، يبدو للناس أنه أمر غير متفق عليه، يعني واحد يتكلم يقول: حتى متى بنو هاشم في كذا؟ فيصدقه رجل آخر، هم تمالأوا على ذلك. فأبو جهل -وكان ذو رأي- فقال: والله إن هذا أمر قد دبر بليل، الناس دي ما بتتكلمش كده، هذا أمر اتفقوا عليه. هم لسه في هذا الكلام، وقالوا: لا والله، نحن نمزق الوثيقة الظالمة التي منع بها بنو هاشم الأكل والشرب وقطعهم الناس.

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عمه -عم النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم لآخر حياته ولكن دخل معه الشعب- وقد أحلنا في آخر المحاضرة الماضية على لامية أبي طالب، وهي من عيون الشعر، قد مدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم مدحاً عظيماً وعاتب البطون والبيوت من قريش على ما فعلوا في بني هاشم وبني عبد المطلب، فأخبره أن الله عز وجل قد كفاهم ذلك، فقال له: اذهب فانظر إلى الوثيقة التي علقوها، ستجد أن الله عز وجل سلط عليها دابة الأرض فأكلتها إلا ما ذكر فيها اسم الله.

فذهبوا فوجدوا الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أن الوثيقة قد سلط الله عز وجل عليها دابة الأرض فأكلتها، أكلت كل مواضع ما فيها من ظلم وحيف إلا ما ذكر فيها، وهم كانوا يذكرون الله عز وجل، أو حتى إذا بدأوا كتابة العهود والمواثيق كتبوا: باسمك اللهم؛ كانوا لا يكتبون لا بسم الله ولا بسم الله الرحمن الرحيم. حتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في صلح الحديبية لما أراد أن يكتب بينهم وبين عهد، فقال لعلي بن أبي طالب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: لا، لا نعرف من الرحمن ومن الرحيم، اكتب باسمك اللهم. فكانوا كما أخبر عنهم القرآن: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]. فهم عندهم تصور ما عن وجود إله خالق صانع، ولكن عندهم تشوه في هذا التصور، الإله ده إما متعدد أو في وسائط آلهة صغيرة بينه وبين الناس، وشرائع ضالة لم يأمر بها الله عز وجل.

فالله عز وجل لم يأمر الناس بالفاحشة، فهذه الخلطة كانت موجودة في أذهان العرب عن التصور الإلهي، فالأرض أكلت جميع الكتاب إلا ما ذكر فيه اسم الله عز وجل. النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما خرج من الشعب، تقريباً على رأس السنة العاشرة، قد أيقن في داخله أن قريشاً قد بذلت أقصاها، اللي أسلموا معه خلاص، أكثر عدد ممكن يسلم، وقريش ستظل على المنع والاستهزاء والكفر، فالنبي صلى الله عليه وسلم تطلع إلى أن يخرج بالدعوة خارج قريش.

النبي صلى الله عليه وسلم أقرب شيء له ناس لهم وجه وحصون ومنعة كان أهل الطائف، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج ماشياً مع سيدنا زيد إلى أهل الطائف يدعوهم. طبعاً هم أجابوه بأسوأ مما أجابه أهل قريش، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الإسلام وبعد الهجرة وبعد أن نصره الله عز وجل وأظهره على الناس، قال لعائشة: أشَدُّ شيء لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم من الناس ما أجابه به ابن عبد يليل، اللي هم وجوه الناس في الطائف. واحد فيهم قال له: لو أنت نبي تبقى أنت أعظم من أن أنا أكلمك، ولو أنت كذاب تبقى أنت أحقر من أن أنا أكلمك، وواحد ثاني قال له: أنا مش عايز أسمع حاجة. فأجابوا على النبي صلى الله عليه وسلم إجابة سيئة جداً.

القرشيون كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم وبينه وبينهم قرابة، فكان ردهم على ما فعله بالنبي صلى الله عليه وسلم في العشر سنوات السابقة أخف وطأة على النبي صلى الله عليه وسلم مما فعله أهل الطائف. ودائماً لو واحد مثل النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وله رفعة في قومه، يشق عليه أن يلقى من السفاهة ما لقي من أهل الطائف، وقد سلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم صبيانهم وسفهائهم يضربونه بالحجارة حتى أدموا قدم النبي صلى الله عليه وسلم.

الرواية تقول عائشة رضي الله عنها في الحديث في البخاري ومسلم: قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ يوم أحد قد قتل فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل عمه، ومثل به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل، وقتل ناس من خيار الصحابة. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي. الرواية دي شديدة جداً.

النبي صلى الله عليه وسلم لما أجابوه هذه الإجابة، وخرج من الطائف وهو مهموم على وجهه، فلم يستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، ده ميقات أهل نجد. يعني هو مشى من الطائف لغاية ميقات بقرب الحل وهو مهموم لا يدري مما نزل به من الهم، لم يستفق. تخيلوا واحداً ماشياً في صحراء ومن الهم لا يدرك عشرات الكيلومترات التي قطعها ماشياً على قدميه من الهم الذي نزل به، صلى الله على محمد. فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.

فناداني ملك الجبال فسلم عليه ثم قال: يا محمد، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين -يعني الجبال التي حول مكة- فلو أمرتني فعلت، يهلك جميع أهل مكة بكل الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً. وقد فعل.

يعني النبي صلى الله عليه وسلم لما صبر عليهم، أنتم عارفين الحتة دي؟ إحنا بنقولها كده رواية واقعة، دي عايزة من الرحمة وامتلاء الصدر بالشفقة على الخلق لا يصحه إلا قلب محمد. ناس لسه مكذبين وضربوه وحاصروه وأجبروه أن يهاجر، وتخيلوا النبي صلى الله عليه وسلم ما شافش بنته لسنوات لما هاجر عثمان بن عفان، وضع شديد جداً، وضربوه وسبوه وصرفوا عليه السفهاء وأشاعوا بين الناس أنه مجنون وأنه كاهن، وهو يملك عشر سنوات تكذيب، وهو يستطيع أن يهلكهم جميعاً إذا أمر الملك، ثم قال: لا، بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم، وقد فعل.

لما قتلهم لما قتلهم، حتى شهدوا أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، دخلوا في دين الله أفواجاً. عشان كده إحنا دايماً كان يقول الحكيم الترمذي -وده الحكيم الترمذي مش الترمذي صاحب السنن- الحكيم الترمذي صوفي كبير، اختلف فيه الناس، شخصيات قلقة في الإسلام، في منهم من كفره، ومنهم من رفعه إلى درجة الولاية، والرجل له كلام عليه نور، كلام صالح، لكن له بعض الكلام قد لا يفهمه الناس. فالحكيم الترمذي كان له من المقولات: إن الله عز وجل في حال أمة محمد قد رفع عنهم العذاب العام، إحنا مش أمة نوح، إحنا ننتظر الفرج.

فأمة نوح هي التي دعي عليها، فجاءت الطوفان فأخذتهم كلهم وهو يمشي مع المؤمنين. أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد رفع منها العذاب العام ووضع السيف: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: 14]. هي دي الفكرة، أن الناس المسلمين على الأرض هم عذاب الله عز وجل ورحمته. يعني هم المسلمون لو جاهدوا في الله حق جهاده، كانوا رحمة الله عز وجل للعالمين، لأن قد يدخل الناس الجنة في السلاسل، حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن في ناس بتدخل الجنة بسبب الأسر؛ أنه يقاتل المسلمين وهو كافر، فيأسره المسلمون، فإذا نظر إلى الإسلام دخل الجنة.

الإسلام وجده أنه دين حق، فيدخل الجنة. وفي الحديث: «يضحك الله عز وجل لقوم، أو يعجب الله عز وجل لقوم يدخلون الجنة في السلاسل». سبب دخولهم الإسلام الأسر، والجهاد؛ فالجهاد يمنع الكافر من أن ينشر الكفر في الأرض، ويحمي بيضة الإسلام، وأراضي المسلمين، وأرواحهم، وأعراضهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم رفع عنهم العذاب العام -يعني إن شاء أهلكهم بأن يأمر الملك- فرفع عنهم ذلك، واختار أن يجاهد بالقرآن، وأن يجاهد بالدعوة، وأن يجاهد بالسيف، وقد فعل صلى الله على محمد.

كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد الخروج من الطائف كثير اللهج بهذا؛ يريد أن يبحث عن أقوام يحملونه أو يمنعونه، فقد منعته قريش من أن يبلغ كلام الله عز وجل. فالحديث في السنن عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموقف؛ يعني أول ما خرج من الشعب، عاد النبي صلى الله عليه وسلم لعادته أن يكلم الناس في الموقف، مثل هذه الأيام الشريفة في أيام الحج. وكانت العرب تحج في الجاهلية، ولكن على جهل؛ فكانت تعبد الأصنام، وتطوف حول البيت، وتسعى بين الصفا والمروة، وتذبح الهدي، وتعبد الأصنام من دون الله عز وجل.

كانت القبائل تحج في الجاهلية، والناس ما كانت تبقى عارفة هم بيقولوا إيه، مثل قولهم: "نحن غرابا عك"، وعك هذه قبيلة، والغراب عند العرب الرجل الأسود العبد. فكانت عك -كل القبائل إذا أرادت أن تقصد البيت في الموسم في الجاهلية- كانت ترسل رايات وألوية بحيث الناس تبقى عارفة أن عك داخلين، يعني جايين يطوفوا. عارفين حتى الآن لو واحد اعتمر أو حج -رزقنا الله عز وجل وإياكم العمرة والحج- تلاقي الإندونيسيين بيتحركوا مع بعض، والماليزيين بيتحركوا مع بعض، والمصريين لوحدهم؛ يعني كل قبيلة أو كل عرق لهم هيئتهم. فعك كانت ترسل عبدين أسودين يحملان راية عك، فيقول العبدان: "نحن غرابا عك، عك إليك عانية"؛ أي خاضعة، وتتمة الكلام معروفة. العرب كانت لها معاني، لكن الأفلام طبعاً تبوظ المعاني على الناس.

عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموقف فقال: «ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي». هنا الفكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استشعر منهم المنع، فكان يبحث عن أقوام لهم منعة، ولهم علم بالحرب والسلاح، يحملون النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذونه معهم، فيحمونه حتى يعرض كلام الله عز وجل على الناس. وفي رواية عند الإمام أحمد في المسند: فأتاه رجل من بني همدان في الموسم، فقال: ممن أنت؟ فقال الرجل: من همدان. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «هل عند قومك من منعة؟»، يعني ناس معهم سلاح وقوة. وهذه حاجة مهمة جداً؛ ما من أحد يفكر في التاريخ المعاصر أن يعمل أي شيء يتغيا به أو يسير به على هدي النبي صلى الله عليه وسلم بلا منعة فهو واهم.

زمن الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يأوون إلى ركن شديد، كانوا يأوون إلى الله؛ فالله عز وجل أخذ عهداً على هؤلاء الأنبياء يدعون الناس، فإن كذبوهم أهلكهم، كما فعل الله عز وجل في عاد وثمود، أهلك جميع المكذبين. أما في أمة محمد، فسؤال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل من منعة؟»؛ يجب أن يجد منعة، وإلا سيكون من السهل جداً أن ينتشر الباطل، وإلا لم يكن ليُشرع الجهاد. حتى في العصر الحديث، هتلر أو اليابان أو موسوليني، هل منعهم وكفّهم عن العالم إلا الجهاد؟ فالقتل يمنع القتل، وجاء في القرآن مصداقاً لكلام العرب: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، إذا علم الرجل أنه يُقتل إذا قتل كف.

فقال الرجل من همدان للنبي صلى الله عليه وسلم: هل عند قومك من منعة؟ قال: نعم، ثم إن الرجل خشي أن يحقره قومه؛ خشي أن يأخذ النبي معه ويروح لهم فيقولوا له: ما الذي جئتنا به؟ وهاتوا وطناً وما هنحارب، ويرجعوه. فأراد أن يذهب أولاً فيخبرهم، ثم يرجع للنبي من عام قابل، فقال له النبي: «نعم». فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب، وهنا الأقدار؛ الرجل قال له سأجيء السنة القادمة، ووفد الأنصار جاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم في رجب، فكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم فاستبشر بهم وصدقوه، وقد حملوا دين الله عز وجل.

عند الإمام أحمد في المسند عن محمود بن لبيد، أخي بني عبد الأشهل -بني عبد الأشهل من البيوت الكبيرة في الأنصار- قال: فلما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة في الموسم، ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج؛ فقد وقع بين الأوس والخزرج مقتلة شديدة جداً، فتفنى فيها كبار القوم، كل رؤوس الناس الكبار ماتوا، الذين كانوا يكذبون النبي. ولذلك يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: «كذبتني الشيوخ ونصرني الشباب». فالناس الكبار صعب جداً أن يغيروا أفكارهم، أما الشاب ففطرته جديدة، أي شيء إذا عُرضت عليه تحملها. ومن رحمات الله ومن ترتيب الأقدار أنه وقعت مقتلة شديدة بين الأوس والخزرج في المدينة، فتفنى فيها رؤوس الناس، وبقي شباب الأنصار فحملوا النبي صلى الله عليه وسلم.

لما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاهم فجلس إليهم فقال لهم: «هل لكم إلى خير مما جئتم إليه؟»، أعرض عليكم حاجة أحسن من اللي أنتم جئتم تعملوها. قالوا: وما ذاك؟ قال: «أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئاً، وأنزل علي كتاباً». ثم ذكر الإسلام وتلا عليهم القران، فقال إياس بن معاذ، وكان غلاماً حدثاً: أي قومي، هذا والله خير مما جئتم له. فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال له، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه.

انصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، أول ما رجعوا حصلت مقتلة ثانية، فقتل فيها رؤوس الناس منهم، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، مات الشاب الصغير. قال محمود بن لبيد الراوي: فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات. هو هذا الشاب لما لقي النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الله عز وجل في قلوب خلقها للجنة؛ حديث آدم الذي سيمر علينا في الإسراء والمعراج: أن الله عز وجل لما خلق آدم أخذ من ظهره ذريته فقال: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي»، وأخذ من ظهره في ناحية الشمال فقال: «هؤلاء في النار ولا أبالي». ففي قلوب فعلاً خلقت من قلوب أهل الجنة، وضع فيها الإيمان والرقة والتصديق والاستجابة للفطرة، فالرجل أول ما النبي كلمه وتلا عليه القرآن وأخبره بخبر الإسلام، وقع الإسلام في قلبه بمكان، فكانوا لا يشكون أنه قد مات مسلماً؛ فقد استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع.

في عام 11 و12 هجرية سيبدأ يرى وفوداً من الأنصار يكلمهم، وسيكونون شباباً لأن رؤوس القوم الكبار ماتوا. كلمة أنصار كبيرة جداً، حتى النبي صلى الله عليه وسلم لما عتبوا عليه بعد ذلك في غزوة حنين قال: «والله لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار». هم أنصار الله ورسوله، هم الذين نصروا الدين وحملوا الناس بالسيف حتى أذعنوا لقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومنهم أهل النبي صلى الله عليه وسلم؛ هم الذين فتحوا مكة وعبدوا الناس لطاعة الله عز وجل. ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم حب الأنصار من الإيمان، ولا يستطيع الإنسان في العصور المتأخرة أن يحقق ذلك إلا إذا قرأ السيرة وعرف أخبار الأنصار وتراجم الصحابة كيف بذلوا.

والغريب أن الأنصار -وكأن الله عز وجل محضهم لدينه- لما نصروه وحملوه، قال لهم: «اصبروا، فإنكم ستجدون بعدي أثرة»؛ قال لهم حتى بعد ما أموت لن تأخذوا من الدنيا ولا مناصب، ولكن أعدكم الحوض. أنتم تفعلون هذا من أجل الجنة فقط؛ في البيعة لما بايعوه قالوا: يا رسول الله، فإن حملناك وقتلنا معك فما لنا؟ وكل كتب السير تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم كلمة واحدة: «الجنة»، إن فعلتم ذلك دخلتم الجنة. لا فلوس ولا مناصب ولا ستفتح عليكم الدنيا بعدي؛ ومع ذلك بايعوه.

إذ ذاك كان واحد من الأنصار أيام خلافة عمر بن الخطاب، وقد كان يتم توزيع البرد، وهي العباءات، فقسمت على ذلك الرجل الأنصاري بردة. والناس كانوا تجاراً يعرفون أنواع الأقمشة، فإذا بشاب حديث السن، ليس له بَذْلٌ في الإسلام ولا تاريخ، يلبس بردة غالية جداً. فأخذها عمر بن الخطاب منه وقال له: من أين لك هذا؟ فنظر إليه سيدنا عمر وقال: اسألني أنا؟ لا، اسأله هو من أين جاء بها. فقال الرجل: كنت أوزع البرد، ووجدت واحداً من وجوه الناس، ممن له سبق في الإسلام، وزعت عليه هذه البردة، فسَوَّمته عليها فاشتريتها فلبستها. فقال له عمر بن الخطاب: ظننت أننا قد أُخبرنا من النبي صلى الله عليه وسلم أننا سنجد بعده أثرة، فقال له: لا، ليس في أيامي، ولست أنا من سأفعل ذلك، بل بعدي. وقد فعلوا ذلك، وقد قتلهم الناس.

أما النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اجتمعت عليه الأحزان على رأس العام العاشر، إذ لم يجد من يحميه، ثم توفي عمه. وكان عم النبي صلى الله عليه وسلم يحميه، وكان له من الوجاهة والمكانة ما جعل العرب تُقَدِّره، خاصة قريش، فقد كان له من المهام المتعلقة بالبيت السقاية والرفادة والحجابة واللواء. فلما مات، اجترأ عليه الناس بما لم يكونوا يجترئون عليه في حياته، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم. ثم توفيت خديجة، وهو ما نسميه في السيرة عام الحزن؛ فقد النبي صلى الله عليه وسلم من يعينه خارج البيت، وهو عمه الذي كان يحميه وينصره، وفقد من يحوطه إحاطة قلبية، فهي الوحيدة على وجه الأرض التي قالت له حين خاف: لا والله لا يُخزيك الله. فتخيلوا أن يفقد خديجة وعمه، وما زال الناس على أشد التكذيب، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم.

دائماً كان الله عز وجل يطيب خاطر نبيه كلما اشتد عليه التكذيب أو الإيذاء. وقد ذُكر في بعض المحاضرات أن أهل مكة ضربوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى سال الدم على وجهه الشريف، فجاءه جبريل وقال: مالك؟ فقال: ضربني أهل مكة. فقال له: ألا أريك آية لكي يطمئن؟ فقال: نعم. فأشار إلى شجرة فجاءت تسعى حتى مَثُلت أمام النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، ثم عادت. قال: أيرضيك؟ قال: نعم. كان النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما يؤذى، بقدر ما يطيب الله عز وجل خاطره. وحتى وهو عائد من الطائف، لما شق عليه الأمر، أرسل الله عز وجل إليه نَسَمَةً مُسْلِمة، وهو عداس غلام عتبة أو شيبة؛ فأسلم، وكان ذلك من أهم الأمور عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان يستشعر التكذيب بصعوبة بالغة؛ فهو يعلم أنه نبي وخاتم الأنبياء والمرسلين، ثم يكذبه الناس، فكان إسلام شخص واحد يطيب خاطر النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أرسل إليه ملك الجبال، وكأنه يقول له: إنك لست وحدك، وإن شاء الله عز وجل يُمكّنك من قوة تُزيح كل خصومك، ولكن الله عز وجل يختار لك طريق الرسل، طريق الدعوة والصبر والجهاد، وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم هذا الطريق. فكان العام العاشر من أشق الأعوام على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه كان يقول لعائشة بعد ذلك: «ما نالت مني قريش ما أكره إلا بعد وفاة أبي طالب».

ومما شق على النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا طالب لما مات، عرض عليه النبي الإسلام فلم يسلم. وفي الحديث المشهور عند البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: «أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدان عليه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك». فظل النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر له حتى نزل قول الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113]، ونزل في أبي طالب قول الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم هل يُغني عن أبي طالب شيئاً، وقد حماه وآواه ونصره، فقال: «نعم، وجدته في غمرة من النار، فجعلته في ضحضاح من النار».

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك عن أبي ذر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فُرِج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا. فلما جئت إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد صلى الله عليه وسلم. قال: أأُرْسِل إليه؟ قال: نعم. فلما فُتح علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة؛ إذا نظر قِبَل يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَل يساره بكى. فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي على شماله أهل النار».

حتى عُرِج بي إلى السماء الثانية، فقال لي خازنها: افتح، فقال له خازنها مثلما قال الأول، ففتح لهما. قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم صلوات الله عليهم. قال أنس: فلما مر جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس. ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى. ثم مررت بعيسى فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى. ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم صلى الله عليه وسلم. قال ابن شهاب الزهري: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وابن حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم عُرِج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام».

قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ فقلت: فرض خمسين صلاة. قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك». فراجع ربه فوضع شطرها، فراجعت موسى فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق. فرجعت فوضع شطراً، وهكذا حتى قلت: استحييت من ربي. ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أُدخلت الجنة، فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك.

الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة رأى أنبياء الله عز وجل، وكلمه الله عز وجل، فهانت عليه كل مشاكل الدنيا. وفي هذا الجزء المتعلق بفرض الصلاة، الصلاة كانت حينئذ على هيئة ركعتين في كل صلاة، والصلاة صارت على هيئتها التي نعرفها الآن بعد العام الثاني من الهجرة، أي بعد خمس عشرة سنة من البعثة. والقول بأن الأعداد لها حكمة كالمغناطيس أو الطاقة السلبية غير صحيح، فالتكليفات في العبادات تعبدية محضة؛ ومثلها القبيلة، فقد صلينا خمس عشرة سنة نحو بيت المقدس، والأمر فيها تعبدي وطاعة، وذلك يوفر على الإنسان الكثير. وفي هذه الرحلة أيضاً، اطلع النبي صلى الله عليه وسلم على بعض العذاب لأهل المعاصي والذنوب، ووصايا الأنبياء للنبي صلى الله عليه وسلم.

دائمًا ما تجد الموضوع متعلقًا بالصلاة، الرحلة كلها متعلقة بالصلاة، وصف الذنوب وعقابها، ووصايا الأنبياء. سيدنا إبراهيم يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». دائماً ما نقول إننا أحياناً نتعب أنفسنا في حاجات كثيرة جداً، وتكون مداخل الجنة سهلة ميسرة. حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار كذلك». يعني أقرب إليكم من النعل؛ فالجنة من أطاع الله. حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». فالمسألة مسألة سهلة. لما تشوف تركيز الأنبياء، النبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمع الأنبياء صلوا مع بعض، وبعد كده لما عرج به للسماء، كانت وصايا سيدنا موسى متعلقة بالصلوات، وسيدنا إبراهيم بالأذكار وهكذا. فالدخول على الله عز وجل له طريق معروف ومؤثر، والناس أحياناً تحرق أعصابها في حاجات يكون الموضوع بعدها أبسط بكثير من ذلك.

أيضاً مما يتعلق بالرحلة، تلقي الناس للأخبار التي تشق على العقل. سيدنا أبو بكر الصديق -رجل في كل المواضع الرد واحد- قالوا له: ده على فكرة النبي صلى الله عليه وسلم يقول إنه راح البيت الحرام في ليلة واحدة -ما قال لهمش المعراج لسه- خلاص هم مش مصدقينه، يقولون: نحن نروح في شهر، وأنت تقول رحت في ليلة؟ فسيدنا أبو بكر الصديق أسألهم: "أنحن نصدقه في خبر السماء ألا نصدقه في أمر كهذا؟". يعني هو النبي يقول: إن وحياً يأتيني، وأنا مصدقه في ذلك، فهل لا أصدقه في شيء آخر؟ عشان كده في ناس كثيرة جداً تتعامل مع النصوص الشرعية وكأنها فيزياء أو كيمياء، أو يقول لك الكلام لازم يكون منطقياً وعقلياً. المنطق ده ريش على النصوص الشرعية، منها الإسراء والمعراج والمعجزات الحسية للنبي صلى الله عليه وسلم. التعامل مع تكليف الديانة يكون بشرط واحد، أن نوثق أنه قد قاله الله عز وجل وقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وده مراده الذي يبحث في الفقه، لو ده مراده خلاص، العلماء مجمعون على كده، يبقى خلاص الأمة مجمعة على ده، الصحابة عملوا كده والتابعين عملوا كده؛ فهم كانوا أهدى منك قلباً وعقلاً وأرشد منك، فنحن على مثل ما كانوا عليه. فكرة شكله غريب، الحديث شكله مش منطقي، أصل الطب الحديث، أصل مش مجدي قوي؛ عشان كده سيدنا أبو بكر الصديق كانت إجابته سهلة، قالوا له: أنت مصدق أنه يقطع المسافة في يوم وهي تُقطع في شهر؟ فقال لهم: أنا أصدقه في أمر السماء، هو يقول لي في ملك يجيء. وبالفعل، لما النبي صلى الله عليه وسلم بعد كده سيتكلم في شيء، سيتكلم في شيء أصعب بكثير، هم مش مصدقين أنه عرج به للسابع ونزل وفراشه لسه دافئ. وأنت أصلاً متصور يعني إيه ملائكة؟ عندك تصور عن ذات الله عز وجل عشان تتصور إيه اللي ممكن ولا مش ممكن ولا صعب ولا سهل؟

عند الإمام أحمد في المسند عن أنس بن مالك: هذه مشاهدات النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الرحلة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار». قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون. وعن ابن عباس قال: ليلة أسري بنبي الله صلى الله عليه وسلم دخل الجنة، فسمع من جانبها وجساً، قال: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا بلال المؤذن. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم حين جاء إلى الناس: «قد أفلح بلال، رأيت له كذا وكذا». قال: فلقيه موسى فرحب به وقال: مرحباً بالنبي الأمي. قال: وهو رجل آدم، طوال، شعر رأسه مع أذنيه أو فوقهما. قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى. قال: فمضى فلقيه عيسى فرحب به.

قال: فنظر في النار -في المشاهدات التي أراها النبي صلى الله عليه وسلم- فإذا قوم يأكلون الجيف، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، يعني الغيبة. ورأى رجلاً أحمر، أزرق، جعداً، شعثاً، إذا رأيته -واحد شكله كده أصلاً وده من أهل النار، هو رآه في النار- قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عاقر الناقة، ناقة صالح، ويقولون أشقى الأولين قدار عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتل علي بن أبي طالب عليه رضوان الله.

وبرضوا من الحاجات المهمة جداً في الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم عُرض عليه قدح من فيه خمر وقدح فيه لبن، فالنبي صلى الله عليه وسلم اختار اللبن وشربه. فسيدنا جبريل قال له: اخترت الفطرة. فأمة محمد صلى الله عليه وسلم بعيدة عن التكلف، مأمورة بأيسر شيء وأسهل شيء من غير تعقيدات. حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع جبريل يوماً، فنزل ملك من السماء، فنظر جبريل إلى السماء فقال: هذا الملك لم ينزل إلى الأرض منذ أن خُلق؛ ده أول مرة ينزل الأرض، فنازل لحاجة كبيرة. فلما أتاه، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله عز وجل يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون ملكاً نبياً أم عبداً نبياً. في عندنا سيدنا سليمان وسيدنا داوود، هؤلاء ملوك. سيدنا سليمان لما حب يبعث للنبي صلى الله عليه وسلم، عمال يكلم بتاعة الطائف ويكلم الوليد بن المغيرة ومعاه عبيد، يسلمه ومستخفياً، سيدنا سليمان أول ما حب يبعث لأحد قال لهم: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. هيبعث لكم عفاريت؛ هو مش هيقعد يتكلم معاهم، فده ملك. أما النبي صلى الله عليه وسلم فعبد نبي؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى جبريل كأنه يستشيره، فقال: ضع نفسك لربك تواضعاً، فقال: بل عبداً نبياً.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم من رآه من الناس علم أنه ليس ملكاً، كان يقف لمن رآه لحاجتها، تسأله عن الشيء، وكانت الجارية أو الصبية دون البلوغ تأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم مش عايزة تروح مشوار تشتري حاجة، فكان يسير مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحتفي، أحياناً يمشي حافياً، وكان يرقّع ثوبه ويخصف نعله ويقم البيت، يكنس البيت لو مع أهله يساعدهم. فكانت عائشة رضي الله عنها إذا وضعت الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان متكئاً، فإذا وضعت له الطعام قام في الجلسة، فكانت تقول: كل متكئاً بأبي أنت وأمي؛ ما على النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل متكئاً؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا، بل أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». ده جزء من المحيط بالرحلة، هيئة النبي صلى الله عليه وسلم وهيئة هذه الأمة التي هي فكرة الضعة. عشان كده سيدنا عمر بن الخطاب لما رآه الناس الذين كانوا عندهم علم بالكتب القديمة، مثل الهرمزان قائد الفرس، لما رأى عمر بن الخطاب هدومه مقطعة ونائماً في المسجد، فقال: إذاً هو نبي. الحالة دي حالة، عشان كده نحن نقول خليفة، أنه يفعل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له المغيرة بن شعبة: لا، ليس نبياً، إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أنه يفعل فعل الأنبياء. عمر بن الخطاب هي دي الفكرة، أن حالة الأمة حالة متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. لو واحد ادعى أنه يتبع النبي صلى الله عليه وسلم على غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم كذب. النبي صلى الله عليه وسلم وصفه معروف، تلتزم بهديه، هكذا نقدر نقول أنك من هذه الأمة، كانت عبداً نبياً وليس ملكاً نبياً، وكانت على الفطرة، الأمور بسيطة.

ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج ماشطة بنت فرعون. النبي صلى الله عليه وسلم شم رائحة حسنة، فسأل جبريل: ما هذه الرائحة؟ فقال: ماشطة بنت فرعون التي قتلت هي وأولادها. دائماً الأخبار دي تجعل الناس تتيقن أن هذا الأمر ليست آخر الأمر، الدنيا ليست آخر شيء، فمن صبر وقتل وكذا، أين فرعون؟ في النار، هو ومن معه.

ومشطة بنت فرعون، وبلال بن رباح، النبي صلى الله عليه وسلم رآه عدة مرات، منها في الإسراء والمعراج. هو في الجنة، شيء كبير جداً أنه في الدنيا يعلم أنه من أهل الجنة، عشان كده الصحابة لما كان يبقى في موقف حسن الظن بالله، مثل سيدنا سعد بن أبي وقاص لما كان يموت، فابنه استعبر أو بكى عليه، فقال: لا تبك، فإني والله في الجنة. هو يعلم بسبب الخبر الصادق، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنه في الجنة. وكذا بلال بن رباح رضي الله عنه، كان وهو في موته يقول: غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه، هو يعلم أنه يلقى النبي صلى الله عليه وسلم.

يحمل هذه الرسالة هو والمنع والمقاطعة والأنصار، إلى حديث عن البخاري رضي الله عنهما، العقبة، يعني الاثنين شاهدوا، هو معهم وهم معهم، بس كان صغيراً، بايع في العقبة الأولى. قال أبو عبد الله: قال ابن عيينة، أحد خلانه، يعني سيدنا البراء بن معرور شهد البيعة الأولى عن جابر الأنصاري. يقول حديث في المسند عن الإمام أحمد: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم -وهي الأسواق الكبرى- يكلم الناس ويدعوهم للإسلام، ولا يستجيب أحد، إلا أعداد، يقول: من يأويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي؟

حتى أن الرجل ليخرج من اليمن أو من مُضر كذا، فيأتيه قومه فيقولون: أي رايح يتحرك للموسم أو أحد من الأسواق، لا يفتنك، ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب.

فقلنا: حتى كذا والمنع. خلاص، شغاله، قتلت لها واحداً بعمود خيمة ورجعت صاحباتها، في القتال وأهل رأي وكذا، لا، مش دول. حتى الإسلام عموماً يا إخواننا، الإسلام في المساحة دي ما لوش دعوة برجل أو امرأة إلا في التكاليف، حتى هذه البيعة أصلاً كانوا يسمونها بيعة النساء. ليه بيعة النساء؟ لأن قد بايع الرجال فيها على ما استقر في أمر النساء بلا جهاد، لأن البيعة دي ما كانش فيها أمر بالجهاد، فكان فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فده كانوا يسمونها بيعة النساء، الرجال يقولون: بايعنا بيعة النساء التي ليس فيها جهاد. والجهاد ليس على النساء، حاشا أن يكون جهاد دفع؛ يعني إذا هاجم الكفار ديار المسلمين، فخلاص يتعين على الجميع؛ النساء والأطفال، والدائن يخرج بدون إذن المدين، والطفل الشاب بدون إذن الأب والأم، في جهاد الدفع. لكن هذه البيعة يسمونها بيعة النساء، فإيمان العمل القلبي ده ما فيهوش فرق بين الرجال والنساء، عشان ست مسلمة غير مقتنعة، خلاص، بل إيه اللي يخلي؟ والله من أخرجهم فهو رجل خير، يعني شوف واحد رجلاً يهاجر، ممكن يروح لوحده ويقول لمراتي خليها، حتى يخشى عليها، وده برضه أمر حسن، لا ده هو أخذها معه، أكيد امرأة واحد منهم، الاثنين دول جايبها تحضر، ودي تخيل يعني لها شرف الدنيا والآخرة، يعني حاجة زي كده في ميزان الله عز وجل لها أثقل من أي شيء.

قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغره، من أصغر الأنصار، قال: رويداً يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، بيقول لهم بس بالراحة كده، وأصلهم كلهم هيبايعوا وبتاع، قال لهم: استنوا، إحنا عارفين واحنا جايين من المدينة أننا جايين ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإخراجه إحنا العرب هنا بقى.

إخواننا، هذه مهمة جداً؛ التقسيمة القبلية مهمة جداً؛ أن الواحد يبقى عارف علم اجتماع المجتمع الذي يعيش فيه؛ مركز القوة أين، الناس تغضب على ماذا، حاجات مهمة جداً. أقول لهم: أنتم عارفين إحنا هنعمل إيه؟ إحنا هنطلع واحداً من قبيلته وننويه قبيلة ثانية ونقاتل به الناس؛ عارفين أننا هنعمل كذا ولا مش عارفين أننا هنعمل كذا؟ فهو هنا بقى فاهم هذه المسألة القبلية؛ المسألة القبلية حاضرة بشكل قوي جداً. هم يبيعونه، شايفينه من؟ شايفينه النبي، وشايفينه قرشياً، وهم أنصار وهم من المدينة، فهم شايفينه أن الإيمان هو الذي وزن مسألة العصبية للأقوام هذه، عشان كذا سيقول سيدنا أسعد: وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم؛ أنتم خيار قبائل ستُقتل ذوداً عن هذا النبي صلى الله عليه وسلم، وإن تعضكم السيوف؛ فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبناً، فبينوا ذلك. يعني يا إما تصبروا والسيوف تعضكم ويُقتل خياركم وكذا، فأنتم تصبروا على هذا وأنتم عارفين أنكم ستعملون ذلك من دلوقتي، ما تقعدوا بقى تغرروا بالنبي صلى الله عليه وسلم أو تقولوا أشياء لا تقدرون على فعلها وتعلمون منكم جبناً؛ لو هيجبن عن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والذود عنه فبينوا من الآن. فبينوا ذلك، فهو عذر لكم عند الله، تقولوا والله إحنا كنا ودنا بس خفنا وبتاع، زي الرجل بتاع "مدام خاشية"؛ ففاته خير الدنيا، خلاص فهو عذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا أسعد، فسح كده، فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً ولا نسلب أبداً؛ هم ناس عارفين هم فين. فقال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة؛ يعني اشترط عليهم شروطاً، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا تأخذكم في الله لومة لائم وكذا، كل ده وشرط لهم الجنة.

في رواية لطيفة جداً؛ طبعاً الكلام ده في مثل هذه الأوقات يا إخواننا، بالضبط في الأوقات دي؛ أيام التشريق وكذا، الأيام القادمة في أيام العيد لقي النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار. طبعاً كان بعض الروايات الثانية فيها بعض التفصيل يلزمنا؛ لأنه قد خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ليس على دينه، العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم خشية على ابن أخيه؛ يعني هو مش لسه يسلم بعد، ولكن خايف ابن أخوه، خايف عليه، عايز يطمئن، يشوف هم هيخذلونه ولا هم أهل منعة فعلاً وأهل حرب. الرواية يقول الراوي: ثم بعد ما أن قدم أشياء، قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، هم جايين مع بعض أقوامهم من الكفار حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني هم مجموعة أهل المدينة كلهم جايين في الموسم كفار ومسلمون، المسلمون جايون مع الكفار والكفار مش عارفين المسلمين جايون ليه، الكفار مش عارفين أن المسلمين جايون يبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فلما مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا مدين له ميعاد بعد ثلث الليل، نتسلل مستخفين، نتسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائهم؛ نسيبة بنت كعب "أم عمارة" إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن ثابت إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع. قال: فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، لم يسلم إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه وتوثق له؛ هو خايف عليه لسه لم يؤمن بس خايف عليه.

فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول متكلم، فقال: يا معشر الخزرج، وكانت العرب من دون الأنصار تسمي الأوس والخزرج خزرج، الاثنين، فقال: يا معشر الخزرج، إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عز من قومه ومنعة في بلده. قال: فقلنا قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت؛ يعني إحنا خلاص سمعنا خلي النبي بقى يتكلم. قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا ودعا إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام، قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم». ودي برضو حاجة كويسة جداً في حق العرب؛ النبي صلى الله عليه وسلم لما حب يقول لهم أنتم ستمنعوني من إيه، فقال لهم عارفين الحاجات اللي لا تقبلوها في أبنائكم ونسائكم؟ أه، أنا عايزكم تمنعوني مما تمنعون منه أهليكم، وكان العربي رجل يحمي؛ كلمة الحقيقة عند العربي يعني ما يحق عليه حمايتهم من النساء والأعراض وكذا. قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا؛ يعني النساء؛ فبايعناه، خذنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر؛ يعني ما تقلقش إحنا معانا سلاح ونمنعك.

قال: فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان، حليف بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها؛ يعني العهود؛ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهر الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ سؤال واضح، سؤال قبلي؛ أن ترجع إلى قومك وتدعنا. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بل الدم الدم، الهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم». وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما النبي صلى الله عليه وسلم فلما عاد مكة صلى فيها قصراً، ثم عاد بعد ذلك إلى المدينة فمات ودفن؛ يعني هو دخل مكة وهي أحب بلاد الله عز وجل إليه، فلما دخل مكة تركها وصلى قصراً؛ لأنه قد عاهدهم في أول الأمر قالوا له: يا رسول الله إن أظهر الله تدعنا وترجع إلى قومك؟ فقال: «لا، بل الدم الدم، الهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم».

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم»، النقيب ده واحد بيبقى مسؤول عن مجموعة تحته، قومه، بيته وكذا، حتى إذا أراد أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم الناس كلم النقباء، فكلم النقباء الناس فيبلغ خبر النبي صلى الله عليه وسلم الناس؛ فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، دائماً ميزان الخزرج كان أكثر. وأما معبد بن كعب فحدثني في حديثه عن أخيه عن أبيه كعب بن مالك قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني بايع، صفقة الرجال يداً بيد، أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم تتابع القوم. فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان، تتمة الرواية أن الشيطان لما علم أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم فصرخ في الوادي بالليل حتى ينتبه الكفار لما يحاك لهم، فانصرف المسلمون ودخلوا في الرحال. ثم تسامع بعض كفار مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتاه بعض الأنصار ينصرونه وياخذونه ويمنعونهم؛ فخشوا على أنفسهم، فأتوا فكلموا رؤوس الناس من الأنصار؛ قالوا لهم: أنتم أكثر حي نكره أن تكون بيننا وبينكم حروب، وقد سمعنا أنكم أتيتم لتأخذوا محمداً فتقاتلوا به؟ قالوا: لا والله ما حدث. دول رؤوس القوم من الكفار، هم مش عارفين إيه اللي حصل، فيقول والمسلمون يقولون ونحن نسمع ونسكت. يعني هم قاعدين والتانيون صدقوهم؛ خلاص بعدين رواية طويلة، قد بعد ما غادر وفد الأنصار أدرك القرشيون أنه قد حدث، بعض الأنصار لقوا النبي صلى الله عليه وسلم وعاهدوه وكذا، فتتبعوا فأخذوا منهم أسيرين ولكن بعد ذلك منعهم الجوار؛ كانوا يجيرون تجارة قريش إذا دخلت المدينة، فمنعوهم؛ يعني الأحلاف القديمة وأخلاق العرب.

طيب دي البيعة الأولى؛ نحن تقريباً كده في عام 11 أو 12 في الهجرة، تتابعت البيعات قلنا على حسب العدد، في بيعة أولى اللي هي 6 نفر، بعد كده 70، بعد كده زاد العدد، فبدأوا يعدون الأمر لتلقي استقبال النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة. هنا مسألة متعلقة بالقبلية؛ يعني العصبية، الناس يقولون إذا استدلوا بحب الأوطان، وحب الوطن من الدين وكذا، ويريدون إسقاطه على الدول المعاصرة، فيقولون النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخرج من مكة يقول: «إنك أحب بقاع الأرض إلى الله وأحب بقاع الأرض إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت». حلو الكلام ده قوي؛ فإحنا بنقول حب الأوطان من الفطرة، الإنسان مقبول أنه بيحب بيته؛ مش عشان بيته حلو ولا مريح ولا لا، أن هو ده المكان الذي فيه الذكريات وأمه وطفولته وبتاع؛ فحب الأوطان من الفطرة، وكمان لو في وضع زي وضع النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كمان في جزء متعلق بالديانة، يعني ده تفضيل إلهي أن هذه البقعة أطهر البقاع في الأرض وكذا.

لكن هنا المهم جداً أنه طيب نكمل القصة بقى للآخر؛ النبي صلى الله عليه وسلم يحب مكة، لما رجع مكة، قعد في مكة؟ إحنا بنقول أن الانتماء هو الانتماء لدين الله عز وجل، يعني النبي صلى الله عليه وسلم انتمى للبقعة التي نصرت دين الله عز وجل، قل لي هم الأنصار، مش النبي بس، سيدنا أبو بكر الصديق منين؟ من مكة، وهو مهاجر، هاجر لا يترك دار الإسلام التي هاجر إليها، فقد صارت مكة دار إسلام وهي موضع الحج والبيت الحرام وكذا، عاش ومات واستُخلف في المدينة. طب عمر؟ عاش ومات واستُخلف في المدينة وهو مكي. طب عثمان؟ وهو مكي عاش ومات ودُفن في المدينة. علي بن أبي طالب؟ الراجح الصحيح أنه دُفن في المدينة؛ فالشاهد أنها مسألة فعلاً مفاصلة، مسألة مفاصلة متعلقة بدين الله عز وجل؛ من ينصر هذا الدين. عشان كذا دائماً القرآن مليء بهذا الأمر؛ ودي من الآيات الشديدة جداً في آيات الهجرة، أن الإنسان مش مأمور أن الله عز وجل يتعبد الإنسان في مكان معين، بل تعبده في المكان والزمان، روح في المكان الذي يصلح فيه دينك؛ لو قادر تقيم دينك، مش قادر تقيم دينك في موضع سيبه، حتى لو مكة، فقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ يعني مكة قال له مش قادر تقوم فيها دينك، ارحل، هاجر، بل أن الله عز وجل اعتبر من لم يهاجر أدخله في نطاق الكفر أو التعذيب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]. هي دي الفكرة، أن المكان الذي لا يستطيع الإنسان أن يظهر شعائر دينه ولا يأمن فيه، يهاجر؛ واحد يقول لك: طب وأم الدنيا، والذكريات؟

إن لم تستطع أن تقيم دينك وتحمي دين أولادك في هذا المكان؛ فغدر خلاص. طيب، أروح مكان فين تاني؟ المكان الذي تقدر تقيم فيه دينك؛ مش تروح هنا وبعد كده تروح في مكان تفقد فيه دينك ودين عيالك. واحد يقول لك: أنا هروح الدنمارك، والله طب في مسلمين هناك؟ لا، والناس هناك لابسة هدوم؟ لا، الناس هناك مؤمنة بحاجة؟ لا. طب وأنت هتطلع إيه؟ كافر يا فندم. فكرة إحنا بنقول النبي صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة راح للمدينة يعني دار تنصر الإسلام وفيها جهاد ومنعة، مش بنقول لك روح فينا ولا روح اتفسح، لا إحنا بنقول لك: المكان الذي يضيق عليك فيه دينك ولا تقدر تقيم فيه شعائرك، هو ده المكان الذي تسيبه.

في رواية تلزمنا، النبي صلى الله عليه وسلم طبعاً هو مش قادر يروح المدينة في الفترة التي قبل ما يروح المدينة، بعث سيدنا مصعب. سيدنا مصعب رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل من رأى مصعب وكأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم. وسيدنا مصعب كان من أغنى الناس، كان بيت فري جداً في مكة وعز وضرب، وهاجر. حتى إن سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وهو ثاني من أسلم من الرجال، ورجل من اثنين فقط، أبو بكر الصديق، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلفه، فالنبي كان مأموماً وهو إمام، عبد الرحمن بن عوف صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم وهم في تبوك، وأبو بكر صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل موته.

سيدنا عبد الرحمن بن عوف مرة جالس أتي له بطعام وشراب ماء بارد وأكل وكذا، فنظر إلى الأكل ثم بكى واستعبر وقال: قد أدركت مصعباً وهو خير مني، وهم بكنه قتل في أحد مصعب بن عمير، يقول: إذا غطوا قدميه بانت رأسه، وإذا غطوا رأسه بانت قدميه، وقد نخشى أن يكون قدمت إلينا الحسنات في الدنيا وليس لنا نصيب في الآخرة. فهو لما أراد أن يضرب مثالاً بأحد أفنى نفسه في الإسلام ضرب المثال بمصعب بن عمير، ده راجل مترف ترك مكة وهاجر وأسلم على يديه معظم الناس. مصعب نقدر نقول كل من دخل الإسلام من الأنصار وهم سادة الناس، هم الذين حملوا النبي صلى الله عليه وسلم لما نصروا دينه، هو مصعب بن عمير.

لم يعش فلم يرَ انتصاراً ولا كذا، بل قُتل وهو يظن أن نبيه قُتل، هو سيدنا مصعب قُتل في أحد، لم يرَ شيئاً. هو انتصر في بدر، وظن وصول الخبر وصلاة الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل في أحد، فقاتل، وحتى رُئي وهو يضرب بالسيف ويقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]. والآية لم تنزل سماً، يعني لم يكن نزل قرآن بهذا المعنى، هو كان من فهمه للدين يعلم أنه ولو قتل النبي صلى الله عليه وسلم فيجب أن يقاتل الناس على ما قاتل عليه النبي. فهو قد قرأ عن كل الأنبياء الذين بعثوا قبل النبي، والراجل حافظ للقرآن، فالقرآن كان نزل معظمه.

إحنا دايماً ودي ملاحظة مهمة جداً يا إخواننا، مهمة جداً أن معظم القرآن نزل في مكة، القرآن 114 سورة، الخلاف بين علماء القرآن إما 86 سورة نزلت في مكة، أو 94 سورة نزلت في مكة، فيكاد يكون القرآن استوعب في مكة. فمصعب بن عمير من فهمه للقرآن وقصص السابقين وقصص الأنبياء وأخبار الأنبياء والأنبياء الذين قتلوا في سبيل الله والأنبياء الذين قتلهم بنو إسرائيل، فهو كان يضرب بسيفه وهو يخشى أن النبي قتل في أحد. فبعض الصحابة ترك السيف ولم يقاتل، يقول: فقد قتل النبي، ومنهم من قال: قوموا فقاتلوا فموتوا على ما مات عليه النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من ذاد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه حي، ومنهم من قاتل ويعلم أن النبي قد قتل، ومنهم من فر.

فسيدنا مصعب كان ممن قاتل حتى قُتل وهو يعلم أن النبي قُتل، ويقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، يعني وإن قُتل فهو ليس بدعة من الرسل، ليس شيئاً جديداً في دنيا الناس، فالأنبياء قد قُتلوا قبله، فلو كان قُتل فمحمد ليس هو الرسالة هو مبلغ الرسالة، أما الرسالة فمعنى، فقوموا فقاتلوا أو موتوا على ما مات عليه من فهمه وإدراكه للقرآن. وقد بكاه النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم فُجع في أصحابه.

الرواية التي نريد أن نجيبها، رواية إسلام رؤوس الأنصار على يد سيدنا مصعب بن عمير، رواية مشهورة جداً، بس هي رواية فيها من الحكمة في الدعوة ما فيها. لحظة، للأسف الرواية ليست عندي في الكتابين الموجودين قدامي، لكن إحنا ممكن إن شاء الله المرة الجاية نقولها بتمامها، لأن نصها رائع. لكن خلاصة القصة أن سيدنا مصعب بن عمير معه أحد الناس من الأنصار، الراجل ده مهاجري جاي من مكة ما يعرفش الناس، ومهم جداً الواحد يكون معه حد يعرف الناس، مين مراكز القوة، مين اللي معه فلوس، مين وجوه الناس، مين اللي له وجاهة في المجتمع وكده. فواحد فيهم من سيدنا أسيد بن حضير، رجل سامع بأن في واحد مكي عمال يدعو للناس والناس بتغير دينها وبتاع فهو راح عايز يمشيهم.

الرواية تقول إن لما شافوا أخونا الدليل الذي مع سيدنا مصعب، قال له: الراجل ده سيد قومه، إن أسلم كل الناس التي وراءها تسلم، فتكلمه. فالراجل وقف عليهم غرز الحربة وقال لهم: أنتم ضيوف وكذا بس أنتم بتغيروا دين الناس وبتقلبوا علينا العبيد وكذا، فلو كان لكم في نفسكم حاجة، أنتم عايزين تعيشوا امشوا. سيدنا مصعب قال له: اقعد واسمع، لو لقيت الكلام كويس قبلته، ولو لقيت أنكرت شيئاً فمنعت نفسك لو حاجة مش عاجبك قول واعمل اللي أنت عايزه. فقال له: قد أنصفت، يعني أنت هو يقول له: اسمع الذي سأقوله، لو طلع كلام وحش كان به، ما كلامش، بص الكلام هو الثاني، الراجل يقول له الكلام الداخلة التي هو داخلها دي أن هو داخل وكأنه يهدد سيدنا مصعب، الثاني قال له: يا سيدي ما فيش مشاكل، اسمع الذي أقوله، لو كان كلام غلط ماشي امشي، لو كان كلام كويس اقبله.

فالراجل سمع من سيدنا مصعب فدعاه للإسلام وقرأ عليه القرآن، فالراجل الذي مع سيدنا مصعب يقول: فوجدنا تهلل وجهه وتغير أول ما سمع. فقال له: فما تفعلون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الأمر؟ الدين ده بيدخل فيه إزاي؟ قال له: تقوم تغتسل، تيجي تصلي ركعتين، تشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقام فاغتسل، فقال له: استنى أروح أجيب لك الثاني، هو كان قاعد واحد من سادات الأنصار، هما الاثنين، ده لو أسلم أو ده أسلم الناس كلها تسلم. فراح له الدليل الذي مع سيدنا مصعب، قريب الراجل الثاني، راح له قال له على فكرة الناس كانوا هيقوموا يضربوا سيدنا مصعب أو حاجة زي كده، وما قاموا عشان هو غريب ولا مش عاجبهم كلامه ده، هم عشان قريبك قاصدين قريبك، فاستخفافاً بحقي.

فالراجل قال لك: لا، الولد ضرب وقريبي وكده، راح هو عاملين كذا عشان بس يروح يسمع سيدنا مصعب لأنه عارف إنه لما يسمع هو من العقل ومن المكانة أنه سيؤمن. فالراجل أول ما راح لقي الراجل قاعد جنب سيدنا مصعب ما فيش حد ولا بيضرب ولا بيروح، فعلم أن مراد سيدنا أسيد هو أن يسمع من سيدنا مصعب، فقال له نفس الكلام، فسيدنا مصعب قال له: اسمع، لو وجدت خيراً قبلته وإن وجدت سوءاً دفعت عن نفسك، فقال له: أنصفت. قول سيدنا مصعب أيضاً كلمة وعرض عليه الإسلام وتلا عليه القرآن، فتهلل وجهه فعلمنا أنه يسلم، فكلمه، قال له: ما تفعلون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا؟ قال له: تقوم تغتسل، تصلي ركعتين، تشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.

فقام الرجل فوقف على بني عبد الأشهل، فقال: من فيكم أنا أو كذا؟ فقالوا: أنت مطاع سيد. وقال: كلامكم قبل رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله محمد رسول الله. فما بقي بيت من بيوت الأنصار إلا وقد دخله الإسلام. الرواية دي إحنا إن يمكن مرة نقولها المرة الجاية بتمامها، نقولها من أحد كتب السير لأن الرواية مش في كتب السنن، في السير مش مشهورة في كتب التسعة، يعني حكمة الطرفين، حكمة سيدنا مصعب، حكمة أخونا الدليل ده، وحكمة سادة الأنصار دول لما أسلموا، يعني الأولاني ده أسلم عايز الثاني يسمع نفس الكلام.

الحيلة، يعني هو الراجل قال له إيه، فكرة ده هم عايزين الحيلة دي، كل الموقف ده الواحد لو واحد بيدعو لدين الله عايز قدراً كبيراً جداً من الرفق والألفة وكذا، مش يروح للهدف بتاعه مباشرة. أنا فاكر حد من أصدقائي زمان شاب كان سكن معايا كان مدخن، وأخوه الكبير صديقي وأنا زمان كنت بدخن، فلو شفت واحد بيدخن أعرفه، شاب صغير ما دخن قدامي، لو سلم عليا قعد معايا دقيقتين أعرفه، شفايفه طبعاً، فأي حد بيمارس حاجة فترة بيبقى عارف علاماتها، عينيه، شفايفه، صوابعه لون صوابعه بتبقى معروفة. فأنا أول ما قعد مع أول ما شفته على طول عرفت إنه بيدخن، بس ما دخنش قدامي لأني كنت أكبر منه بالسن ثمان سنين أو تسع سنين وأنا أخوه صديق أخوه الكبير وهو ساكن معايا.

فهو عارف، ظن كذلك في الأمر أن أنا لو شفته أقول لأخوه وأقول لأبوه لأني أعرف أبوه. فهو مرة بنتكلم وبتاع فبقوله يعني عرض الكلام فبقوله السجاير تستهلك فلوسك أو حاجة زي كده، قال لي: سجاير، سجاير إيه أنا ما بدخنش. فقلت له: لا أن أنت تكون بتدخن دي حاجة مش كويسة، آه بس يعني الكذب أوحش منها، فإن أنت بتدخن قول أنا بدخن، خليك راجل. فقال لي: طب أنت شفتني بدخن؟ قلت له: لا، ما أنا كنت بدخن زمان فعارف شكل الناس التي بتدخن فإنت بتدخن. فهو أسقط في يده، قال لي: طب أنت هتقول لأخويا؟ قلت له: لا طبعاً ده حرام. فهو بص لي قال لي: هو إيه اللي حرام؟ قلت له: لا، أن أنا أفضحك ده مش كويس، وأن النميمة والغيبة دي مش حاجة مش كويسة.

فهو شُد جداً فكرة أنا بعمل هو بيعمل حاجة غلط بس أنا عندي شيء من الشريعة يمنعني أقول له لا، ليه؟ قلت له: أنا لو عايزك تبطل، لو قلت لأبوك هيعمل إيه؟ قال لي: ده هيسود عيشتي ويقطع عني المصروف. قلت له: طيب فإحنا هنجيب منكراً أنكر من الذي إحنا عايزين ننكره، الدخان ده ممكن تبطله، لكن الذي أنا هعمله لك مشاكل تتجاوز مجرد أن أنت بتعمل حاجة غلط. هو بيقول لي بعدين بسنين يقول لي أنا أكتر حاجة أثرت في فكرة أن أنت كنت لين معايا في الكلام.

يعني مثلاً أنا شايفه ما بيصليش، في 100 طريقة يتقالوا بها الكلام ده، زي سيدنا مصعب كان 100 رد ينفع يقول له لا ده أنا من مكة وتربها على دماغك ودماغي التي خلفوك، كلام يأخذوا حتى، رب العزة لما قال لسيدنا موسى وسيدنا هارون، ده كليم الله عز وجل ده أخو كليم الله عز وجل، بعتهم لطغاة الأرض، وبعلم الله السابق يعلم أن فرعون لن يؤمن، ده مسألة محسومة الله عز وجل كتب أقدار العباد قبل أن يخلقهم بـ 500 ألف سنة، فقال له: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. لينا ليه؟ فأنا أخونا ده بعد سنين بقي شيخ، بعد كده هو أخونا ده بقي شيخ، يعني أنا أظن أن مكتبته الشخصية أكبر من مكتبتي حالياً، لما في حاجات عايز أسأله فيها أقول له: اعمل لي قائمة قراءة لو ده أحسن كتاب، إيه بتاع، مش حد يعني هو كان يقول لي يقول لي: أنت بتتكلم كنت بالراحة.

قلت له: أنا ربنا خلق الدنيا في ست أيام، ست أيام، أنا عايز واحد عايز واحد يصلي، عايز يقول له: ما تصلي بقى، ما تصلي بقى، اللي هو إيه هيقوم يصلي دلوقتي. واحدة تقول: أنا حاسة هي حجابها مش مظبوط قوي، هي عايزاها تدوس.

ليس الأمر كما يتوهم البعض أن هناك من تنزل عليه الرحمة من السماء دون سعي منه، بل إن الإنسان قد يتعمد فعل شيء يظن أنه سيُحاسب عليه، وهو في قدر الله عز وجل يلزمه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة»، أي يظل معه طول عمره. ولكن المسلم إذا أذنب ذكر، وكما قيل: الإنسان خُلق نسيّاً، فإذا ذكر تاب. وفي المقابل، هناك من يظل على ذنب حتى يلقى الله عز وجل به، وقد يكون في قلبه من الإيمان ما يدخله الجنة.

ومما يُروى في ذلك حديث الرجل العابد من بني إسرائيل وأخيه الفاسق، كان العابد كلما رأى الفاسق في معصية قال له: أما آن لك أن تنتهي؟ أما آن لك أن تزجر؟ فيقول له: دعني وربي، أنت لست إلهاً عليّ، بل أنت عبد مثلي، فلك في حالك. فظل العابد ينهره حتى غلبه الغضب وقال له: والله لا يغفر الله لك أبداً. فلما وقفا أمام الله عز وجل يوم القيامة، قال الله للعابد: أكنت على ما في يدي قادراً؟ فقد غفرت له وأدخلتك النار. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: لقد قال كلمة أوبقت دنياه وآخرته. هذه تسمى التألي على الله، وهو أن يقطع الإنسان على ربه ويقول: هذا يُغفر له وهذا لا يُغفر له.

يجب علينا أن نلتزم بقول الله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: 44]، فهذا قانون ينبغي اتباعه عند دعوة الناس بالحسنى. وأذكر لكم قصة لأحد إخواننا في الدعوة، كان ينزل منطقة شعبية لدعوة الناس، وكان هناك رجل بلطجي حذره الجميع من الاقتراب منه أو محاولة نصحه، لكن أخانا كان يلقي عليه السلام يومياً ويسأل عن أحواله ويتحبب إليه، حتى سأله الرجل: أتعرفني؟ قال: نعم، ألسنا إخوة في الإسلام؟ فاستمال قلبه بهذا اللين. وحين دعاه للصلاة، قال الرجل: لا ينفع أن أدخل المسجد لأني فعلت الكثير من المعاصي، فقال له الداعية: بل يغفر الله لك، فلو جئت بقراب الأرض خطايا لقابلك الله بمثلها مغفرة، وقعد يرغبه في رحمة الله حتى دخل المسجد وتوضأ وصلى، وظل ساجداً يبكي طويلاً. إن دور الداعية هو الدلالة على الله، وتذكير الناس أن الله يغفر لمن يشاء ولا يملك أحد أن يحكم على مصير الآخرين.

وكذلك كان شأن عمرو بن العاص حين جاء يبايع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مد يده ليرجع، قال له النبي: «ما لك يا عمرو؟»، قال: أردت أن أشترط أن يغفر الله لي ما تقدم من ذنبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما قبله؟». فالعالم يرغب الناس في رحمة الله ولا يقنطهم منها، وفي نفس الوقت لا يجرئهم على معاصي الله. السلف الصالح كانوا يجمعون بين هذا وذاك؛ فكانوا يستغفرون ويتوبون، ومع ذلك يبكون خوفاً من علم الله السابق فيهم. فقد كان الحسن البصري إذا سُئل عن كثرة بكائه يقول: لعل الله اطلع عليّ في بعض ذنوبي فقال: اذهب فلا غفرت لك. وكان سفيان الثوري يقول لأصحابه: اجلسوا نبكي، فإذا سُئل عن سبب البكاء قال: نبكي على علم الله السابق فينا، فلا ندري ما كُتب لنا في القدر.

كل عام وأنتم بخير، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. نلتقي إن شاء الله في السبت بعد القادم، لنذكر بعض الروايات في قصة الهجرة حتى نقف على لحظة دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة.