دخولتسجيل الدخول

نستكمل الأحاديث المتعلقة بالباب الخامس، وهو باب في أن الدين على مراتب متفاوتة في الأمر والنهي والخبر، وأن الفقه في الدين والدعوة تبع لإدراك هذه المراتب. الحديث الذي سنعالجه اليوم، بإذن الله عز وجل، هو حديث أبي هريرة في السبع الموبقات. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». أخرجه البخاري ومسلم.

في مبتدأ هذا الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اجتنبوا». ومعنى اجتنبوا أي ابتعدوا عنه، وهو أبلغ من لفظة «اتركوا»؛ فالاجتناب أبلغ من الترك. والسبع الموبقات، مثل ما ذكرنا فيما سبق، أن على الصحيح أن الكبائر لا تنحصر في مجرد سبع كبائر؛ ولذا الأثر نقل عن ابن عباس رضي الله عنه عندما سئل: أسبع هي يعني الكبائر؟ قال: هي إلى السبعين، وفي رواية إلى السبعمئة أقرب.

وبحثنا عما يتعلق بطبيعة هذا، ما معنى قول العلماء؟ طبعا بحثوا: إذا كانت الكبائر غير محصورة في السبع، فما موجب أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وخص بالذكر في هذا الحديث سبعاً من الكبائر؟ يقول الإمام القرطبي رحمه الله في المفهم: فاقتصاره عليه الصلاة والسلام على هذه السبع في هذا الحديث يحتمل -بيذكر الحين عدة احتمالات- أن تكون لأن هي التي أعلم بها في ذلك الوقت بالوحي، ثم بعد ذلك أعلم بغيرها. الاحتمال الأول: احتمال النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه أن هنالك سبعاً من الكبائر فحدث بها، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بكبائر أخرى. قال: ويحتمل أن يكون ذلك لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت أو التي سئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كل حديث خص عدداً من الكبائر، والله تعالى أعلم. والأظهر الموجب أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد التنبيه إلى أكبر الكبائر، وإلى أخطر الكبائر، فنبه إلى سبع منها.

قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات»، ما معنى الموبقات؟ المهلكات، الموبقات معناها المهلكات. فهي كل الكبائر مهلكة، لكن خص النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر، وجعل من وصف هذه الكبائر أنها توبق الإنسان، فلا شك أن فيها دلالة على معنى يتعلق بهذه الكبائر. لما أقول هي المهلكات، الإهلاك ما طبيعته؟ ممكن يكون إهلاكاً في الدنيا بالمعاقبة، أو إهلاكاً في الآخرة بالعذاب.

سئل النبي صلى الله عليه وسلم عندما قيل له: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ يعني يسألون ما هن تلك السبع الموبقات. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الشرك بالله». الحين سؤال: الشرك ولا الشرك بالله؟ الشرك بالله، صح ولا لا؟ إذا جعلناه الشرك بالله يصير الإعراب: الشرك خبر لمبتدأ مقدر، أي: هي الشرك بالله، صح ولا لا؟ ويجوز على الصحيح أن تكون الشرك بالله على النصب، إذا قيل على النصب تكون بدل من السبع الموبقات، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله، فتصير منصوبة.

الشرك بالله هي أولى الموبقات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وليستعرض النصوص الشرعية فيما يتعلق بأجناس الذنوب وأجناس المعاصي، فهو يعلم على سبيل القطع واليقين بأن أعظم ما عُصي الله تبارك وتعالى به هو الشرك بالله، الشرك به سبحانه وتعالى. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: 17]. والنصوص القرآنية فيما يتعلق بهذا المجال، والنصوص النبوية، بل بعثة الأنبياء والرسل أتت أصالةً من أجل انتشال العباد من وحل الشرك إلى نور وهداية التوحيد.

من الإشكالات التي قد ترد على بعض هذا: لأن في اعتبار اصطلاحي أحياناً لما يتحدث الإنسان عن أجناس المعاصي، فعندك أجناس؛ فعندك مثلاً الصغائر، عندك الكبائر، عندك البدعة، البدعة في نهاية المطاف هو في حقيقته وفي لبه ذنب ومعصية. فبعض الناس لما يلحق الشرك بالله سبحانه وتعالى في إطار الذنوب والمعاصي والكبائر يقع عنده قدر من الاستشكال. وينبغي أن يستشكل هذا الأمر؛ يعني في نهاية المطاف هنالك معاصٍ، والتبويب أصلاً يخدمنا فيما يتعلق بهذا الباب، بمعنى أن هنالك تفاوتاً في طبيعة تلك الذنوب وتلك المعاصي، فالذي يقف على رأس تلك الذنوب والمعاصي من جهة الخطورة، من جهة الكبيرة، هو الشرك بالله سبحانه وتعالى. ولذا عبر عن الشرك بالله سبحانه وتعالى في لسان الشريعة بما يدل على أنه داخل في هذا الإطار، داخل في مفهوم الذنب ومفهوم المعصية. لذا مثلاً في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه متفق عليه، سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك». وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أشياء، مثلاً من الألقاب التي أُصيغت على الشرك بالله سبحانه وتعالى الظلم، في قصة لقمان الحكيم لما قال: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].

والبحث الحقيقة فيما يتعلق بقضية الشرك بالله سبحانه وتعالى وتفصيل الكلام فيه ونور وهداية التوحيد كلام طويل ولا يستطيع الإنسان استيعابه، والمقصود هنا مجرد الإشارة، إشارة خفيفة فيما يتعلق بهذه الكبائر، ولا كل كبيرة من هذه الكبائر أصلاً تستدعي بحثاً علمياً تفصيلياً. يقول الإمام النووي رحمه الله تبارك وتعالى: وأما قبح الكفر وكونه من أكبر الكبائر فكان معروفاً عندهم، ولا يتشكك في ذلك أحد من أهل القبلة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها لما قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «والسحر». السحر في اللغة العربية معناه هو كل أمر خفي ولطف سببه. مثلاً من التعريفات التي يستخدمونها في هذا الإطار أنه يتضمن معنى الصرف، بمعنى أن تصرف الشيء عن وجهه، والحقيقة أن صرف الشيء عن وجهه على وجه من أوجه اللطف والخفاء يشترك الموضوع. يقول ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحق، ويقال هو الخديعة. ولذا تلاحظ من المعاني التي تندرج في إطار السحر إطاراً واسعاً، ولذا في ضوء هذه الدلالة اللغوية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحراً»؛ يعني أن فيه تأثيراً فيما يتعلق بنفوس البشر كتأثير السحر، أن في نوعاً من الأنواع ممكن يستثمر البيان للخديعة، ممكن يصرف الشيء عن وجهه، هنالك تأثير فيه بفضل اللطف والخفاء، ففيها المعاني مدرجة. حتى مختلف العلماء أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحراً»، هل هذا يتضمن مدحاً للبيان ولا يتضمن ذماً للبيان؟ لأن بعض العلماء قال إن السحر مذموم من جهة الشارع، فالحديث إنما أتى لذم هذا البيان الذي يهادع الناس به، بعض العلماء يقولون لا، كأنما سياق الحديث يدل على الثناء عليه، أن هي أداة يمكن أن تستثمر من أجل إحداث هذا التأثير، فبحسب طبيعة هذا التأثير إذا كان إيجابياً يكون إيجابياً، وإذا كان سلبياً يكون سلبياً.

لكن المشكلة الحقيقية التي لا أستطيع أن أقدم لها معالجة، بس أنا ألف النظر فيما يتعلق بها، هو في طبيعة السحر من جهة تناول نصوص الشريعة لها، ما هو السحر الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً في هذا الحديث؟ لأن إذا رجع الإنسان إلى مدونات الفقهاء والعلماء يجد أن المسألة تحتاج إلى نوع من أنواع التحقيق وتحتاج لنوع من أنواع التحرير. ففي قدر لا يوجد هنالك تنازع على الأقل في دائرة أهل السنة والجماعة على دخوله في زمرة السحر المذموم ديناً وشرعاً وتعليق الأحكام المتعلقة بالسحر عليه، وهنالك مجال يحتاج إلى نوع من أنواع التأمل والمراجعة ومعرفة الاتجاهات العلمائية المتعلقة بهذا الباب. فمثلاً لما يأتي بعض العلماء يتكلم على قضية السحر فيقول لك هي عبارة عن رقى وعزائم يتم من خلالها استحضار الشياطين واستخدامهم، وغير ذلك، فهذا نمط من نمط السحر ليس مستشكلاً، أن الساحر يتلفظ برقى ويتخذ عزائم معينة وممكن ينفذ مثلاً في عقد معينة من أجل أن يستخدم الشياطين لمآربهم.

المجال الثاني، الذي خلنا نأخذ هذا مجالاً واضحاً أنه إدخال في زمرة السحر وهذا محل إشكال، وسنناقش بعض المسائل المتعلقة به. في المقابل أحياناً تجد مثلاً أن بعض العلماء يتكلم أن الساحر يستثمر الخواص الكيميائية للأشياء، بضرب مثال مثلاً، طبعاً في بحث يبحثه العلماء في قضية أن هل السحر حقيقة وليس له حقيقة؟ يعني بمعنى هل له تأثير حقيقي في العالم المادي العالم الحسي في أبدان الناس، ولا هو مجرد تخيل، مجرد نوع من أنواع خفة اليد إن صح التعبير، ولا الإيهام أو نوع من أنواع الخديعة؟ مثلاً المعتزلة لا يعتقدون بوجود شيء حقيقي للسحر، وإنما السحر في حقيقته مجرد إيحاء أو تخييل. ولذا ما يأتون مثلاً إلى سحرة فرعون فيقول لك إن القصار الذي وقع منهم أن عندهم حبالاً، والحبال هذه خلطوها بمواد كيميائية معينة، زئبق أشياء معينة، فمع الحرارة تبدأ تتمدد وتتقلص فتعطي نوعاً من أنواع الحركة، فيخلق هذا الإيحاء ويخلق هذا الإيماء. والسبب الموجب بالنسبة للمعتزلة هذا بالمناسبة ما هو -بعض الناس دائماً ينسب المعتزلة جانب العقلانية وكذا فيتصور أنه المحركات الجذرية المتعلقة حتى في مثل التبويبات أن المعتزلة عندهم إشكالية عميقة أصلاً في مبدأ الإيمان بالغيب وأن هذا هو مشكلتهم- في حين إذا رجع الإنسان التراث حتى المتعلق بالمعتزلة ليست هذه دواعيهم، وإنما هو مبحث متعلق ببحث عقدي آخر، وهو قضية المعجزة عن النبوة، المعتزلة عندهم مشكلة، يرون أن أي خرم لخوارق العادات يدخل دائرة من دوائر التلبيس فيما يتعلق بحقيقة المعجزة. يعني إذا كانت الحين النبوة تدرك من خلال المعجزة، فإذا فتحنا الباب لبين قوسين الكرامة، فتحنا الباب للسحر، فتحنا الباب لأي نوع من أنواع خوارق العادات، يقع التماس مع قضية المعجزة، فنحن نريد أن نحافظ على قضية المعجزة دلالة على النبوة، فننفي إمكانية وقوع خارق العادة خارج إطار المعجزة، هذا بحث آخر.

تلاحظون، لكن المشكلة على مستويات طبعاً في المناقشة أن ظواهر الوحي فيما يتعلق بقضية السحر تدل على أنه سحر حقيقة، يعني مثلاً لما تحدث الله سبحانه وتعالى عن سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102]. فالشاهد أن هذا يدل أنه يحدث أثراً حقيقياً بالتفريق على سبيل المثال. لما تأتي لقضية سحرة فرعون، إذا كان الأمر كذلك، يصعب أن يفهم الإنسان قول الله سبحانه وتعالى في حق أولئك السحرة: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116]. أنت فتخيل المشهد، إذا مجرد حبال وبتبدأ تتحرك بطريقة معينة، طيب ممكن يصير غريباً مألوفاً وكذا، بس بتسميه سحراً وتسترهبوهم، يعني أن الناس خافوا من المشهد هذا؟ وجاءوا بسحر عظيم، تشعر لا أن ترى أن في شيئاً حدث. لاحظ هي القضية ايش؟ أن ﴿أَلْقَوْا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 66]. ايش يعني الحبل بس يسعى، ولا المقصود لا أن كأنما رأوا حيات وثعابين، فهذا الأظهر. فحتى لما أتكلم على قضية التخييل بتحرير مذهب المعتزلة في إشكال، لأن المقصود الحين بالتخييل أن سحروا أعين الناس، بحيث الإنسان يرى شيئاً ليس هو في الحقيقة، هذا معناه أن أنت تقر بوجود تأثير حقيقي للسحر، ما تتكلم على مجرد سحر التخييل الذي هو من جنس خفة اليد أو استخدام الحيل وغيرها. لكن موطن الإشكال، لماذا استدعى البحث هذا كله الآن، هذا موضع إشكالي، بمعنى إذا كان عند الإنسان إدراك لما يتعلق بخواص الأشياء مثلاً.

الفيزيائية والكيميائية، فيستخدم هذه الخواص مثل مغناطيس أو شيء معين. قديماً وحديثاً ومع تطور العلوم الطبيعية التجريبية تحصل أشياء معينة على خلاف ما يتوقعه الإنسان مما يتعلق بهذا الإطار. من التجارب الطريفة التي ترى في اليوتيوب مثلاً، قضية قمع وتجيب كرة تنس الطاولة، فأنت تتوقع أنك إذا نفخت في القمع بعد أن تضع الكرة، فإن الهواء سيضغط عليها وتندفع؛ لأن الأصل هو الجاذبية، وإذا نفخت عليها فكأنك تدفعها زيادة. فالحين إذا نفخت عليها أكثر ماذا يحدث؟ يحدث اختلال في منطقة الضغط الموجود، فبالعكس تدخل داخل وتلصق.

الاستشكال الذي أريد إيراده هو: هل يلزم من بعض تقريرات الفقهاء فيما يتعلق بهذه الأبواب إدخال مثل هذه الأجناس والأنواع في إطار السحر المذموم ديناً وشرعاً؟ لا نتكلم على قضية السحر بالمعنى اللغوي العام الذي سمى فيه النبي صلى الله عليه وسلم البيان سحراً، فحينئذ لا يلزم أن تترتب أحكام السحرة عليه. فالمسألة تحتاج لنوع من أنواع التحقيق والتحرير العلمي. بعض الفقهاء لما يتكلم في هذه التبويبات يكون عينه على المفاسد المترتبة على هذا النوع من أنواع الاحتيال؛ أن الإنسان قد يحتال على الناس، قد يأخذ من أموالهم، قد يسلبهم شيئاً من حقوقهم، أو يسترهبهم بطريقة معينة.

يحصل مثلاً من القصص والأخبار ما نقل ظناً عن كولومبس لما ذهب إلى القارة الأمريكية؛ أن نقصت عليهم المؤونة بشكل كبير جداً ووقعوا في أزمة، فطلبوا من السكان الأصليين أن يساعدوهم في بعض الاحتياجات. المشكلة أن السكان الأصليين كان عندهم استعداد لفصل الشتاء، فعندهم مؤونة تكفيهم لمدة الشتاء فاعتذروا: ما نستطيع أن نخدمكم في شيء معين. فاحتال عليهم بأنه كان يدري عن طريق الحسابات الفلكية أن هنالك خسوفاً للقمر، وما يسمى بـ "ريد مون" أي أنه يصير اللون أحمر؛ فتوعدهم بأنه إذا لم تعطوني الاحتياج فإلهي سيفعل كذا، أي يترتب عليه عقوبة. فبحكم معرفته بالحسابات المتعلقة بهذا الباب وجهلهم بها، استثمر هذه القضية، وفعلاً لما جاء الوقت الفلاني حصل هذا، فخافوا وسلموه ما يريد.

يفهم الإنسان الحين أن هنالك مفاسد مترتبة على هذا النمط من أنماط الاحتيال، بحيث إنه يحرم. لكن محل الإشكال: هل هذا داخل في إطار السحر المذموم ديناً وشرعاً في حده أم لا؟ عندنا زي ما قلت طرفان؛ في قضية واضحة تماماً أنها داخلة في إطار السحر، وهو ما كان من جنس الرقى والعزائم واستخدام وتسخير الجن، هذه واضحة. ويقابلها ما يتعلق بمنطقة في الوسط -وجدت بعض العلماء يشير لها إشارة- وهو قضية: هل يتصور أن يكون هنالك نوع من أنواع الأوراد أو استخدام أشياء معينة، أو فعل شيء معين في وقت معين بحيث يؤثر تأثيراً وجودياً في العالم خارج الإطار السنني الطبيعي؟ هذه مسألة تحتاج إلى تحرير واضح.

عندنا القضية الأولى ما يتعلق بالاستعانة بالجن، وبعض الباحثين الذين بحثوا في قضية السحر لما يتكلمون على إمكانيات الساحر يقولون: ترى إمكانيات الساحر تتوقف عند إمكانيات الجن، ولا تتجاوز ما لا يقدر الجن على فعله. فهذا اتجاه معين. طيب في قضية أخرى تحتاج إلى نظر وملاحظة وإدراك: هل يلزم بالضرورة أن كل جنس من أجناس السحر الذي له حقيقة وتأثير يكون باستعانة بالجن؟ ولا يمكن أن الله سبحانه وتعالى جعل هنالك نظاماً مثل ما عندنا قوانين تحكم العالم الطبيعي بطريقة طبيعية؟ فكذلك هنالك نظام خفي يتعلمه السحرة، له اشتراطاته وملابساته وقضاياه المعينة بحيث تحدث أثراً، ولا يلزم أن يكون إحداث الأثر بواسطة الجن. أنا أقول لك هذه مسألة كذلك بعض العلماء يشير لها، ويحتمل أن تكون داخلة في إطار السحر.

لكن حين تحدث الإنسان عن أنماط السحر التي يتم فيها الاستعانة بأنماط النظام الطبيعي -أي السنن الإلهية التي جعلها في الطبيعة- مثل أشياء متعلقة بالجاذبية، طبيعة الكيمياء، طبيعة الفيزياء، حقائق علمية يكتشفها ويسبق إليها، مادة معينة فتؤثر؛ مثلاً يخلط القضية الفلانية بالقضية الفلانية فيحدث الأثر الفلاني، فنعم هذا في بعض البيئات الجاهلة قد يفسرونه بإطار متجاوز للفعل الطبيعي، لكنه في حقيقة الأمر قضية طبيعية، فالأحكام التي تترتب على هذا بحسب ما يترتب عليه من آثار. فإذا كانت الآثار محرمة ديناً وشرعاً فتكون محرمة، وإذا لم تكن محرمة ديناً وشرعاً فلا تكون محرمة، فهذه مسألة تحتاج نوعاً من أنواع التحقيق والتحرير.

يقول الإمام الخطابي ونذكر بعض العبارات: "السحر من عمل الشيطان يفعله في الإنسان بنفسه وهمزه ووسوسته، ويتولاه الساحر بتعليمه إياه ومعونته عليه، فإذا تلقاه عنه استعمله في غيره بالقول والنفس والعقدة". قال ابن قدامة: "فإن تعلم السحر وتعليمه حرام، لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم". طبعاً من المسائل المدرجة التي يبحثها العلماء عادةً: هل السحر يعتبر كفراً أم ليس بكفر؟ لأن ظاهر الدلالة القرآنية: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]. وظاهر الدلالة القرآنية أن هنالك نوعاً من أنواع الاقتران بين قضية الكفر وقضية السحر، فبعض العلماء يجعل السحر كفراً وبعض العلماء عنده تفصيل، والأظهر في هذه المسألة التفصيل، خصوصاً إذا لاحظ الإنسان المعاني التي ذكرناها سابقاً، ما هي المعاني التي تندرج تحت إطار السحر بمعنى المذموم شرعاً وديناً؟

فإذا اشتمل فعل السحر على ما هو من قبيل الكفر -مثل نوع من أنواع الاستعانة مثلاً، إهانة للمصحف، عبادة لغير الله عز وجل، ذبح لغير الله عز وجل- فيكون ذلك كفراً. وإذا لم يشتمل على ما هو من قبيل الكفر فلا يلزم أن يكون كفراً، وهذا تفصيل ذكره مثلاً من المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ ابن عثيمين وغيرهما من أهل العلم. ومن المسائل التي تنبني عليها قضية الحد؛ فيصير نفس الشيء في خلاف بين أهل العلم، فبعض العلماء يعمل بعموم قول النبي صلى الله عليه واله وسلم المنسوب إليه: «حد الساحر ضربة بالسيف»، فيتعامل مع الساحر هكذا، وبعض العلماء يقول لا، إن حد الساحر ضربة بالسيف هو الساحر الذي اشتمل سحره على ما هو من قبيل الكفر، أما الثاني فيعاقب ويعزر بحسب ما كان مناسباً.

وكما ذكرت أن البحث في قضية السحر وأنواعه والحديث فيه طويل، لكن من الكتابات القديمة التي اطلعت عليها وكانت كتابة لطيفة ومليئة بجانب قصصي وفيها حقائق علمية وعقدية، وهي أحد المؤلفات التي -سبحان الله- كما يقال لما أتكلم حتى على المستوى الشخصي تفتق وعي الإنسان في الأبحاث العقدية، كان عبر وساطة هذا المؤلف الشيخ عمر الأشقر في سلسلته المعروفة: سلسلة العقيدة في الله، ثم عالم الملائكة الأبرار، عالم الجن والشياطين، الرسل والرسالات، القضاء والقدر، واليوم الآخر بأقسامه الثلاثة. فمن المؤلفات التي ألفها كذلك: عالم السحر والسحرة، كتاب مفيد، واللي يعرف الشيخ يعرف أن مؤلفاته في هذا الباب تدرك فيها قرب مأخذها كما يقال، سهل أن تفهم وتستوعب، ولغته جميلة مع كونها مليئة بالآيات القرآنية والأثار الحديثية والنبوية.

ذكرنا الحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا باجتناب السبع الموبقات، فذكرنا ما يتعلق بالشرك بالله، ذكرنا السحر، ثم قال النبي صلى الله عليه واله وسلم بعدها: «وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق». فمن القواعد المقررة في ديننا وشرعنا: الأصل في دماء البشر هو الحرمة، ولا تستباح إلا بالحق. لا يستباح الدم إلا بخروج عن الأصل بموجب شرعي. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70].

لما يتكلم الإنسان عن أجناس الكبائر ما دون الشرك بالله سبحانه وتعالى، فمن أعظم ما يُعصى الله سبحانه وتعالى به انتهاك الدم الحرام. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. سواء الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية المتعلقة بحرمة الدماء، فقضية ذلك من البديهيات الواضحة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً». كان الحديث يقول لك إن الإنسان حتى لو وقع في ذنوب وقع في معاصٍ معينة، فما دام ما انتهك قدسية الدم الحرام فهو في فسحة في دينه، لا يزال في عفو الله سبحانه وتعالى. فموضوع الدماء قضية في غاية الخطورة.

ورد عن عبد الله بن مسعود ما يشير إلى ما نقول "إلا بالحق"، فورد في حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة».

يقول النبي صلى الله عليه واله وسلم بعده: «وأكل الربا». طيب ما معنى أكل الربا؟ أكل الربا المقصود به الكسب، المقصود به الأخذ. طيب ليش عبرت الشريعة عن "الأكل"؟ لاحظ هذه ملاحظة متعلقة بهذا المجال؛ لاحظ مثلاً يقول الله عز وجل في الحديث: «وأكل الربا»، «وأكل مال اليتيم». لما يقول مثلاً: ﴿وَأَكْلُهُمُ الرِّبَا﴾ [النساء: 161] مثلاً، لاحظ استخدام مفردة الأكل في التعبير عن أخذ المال الحرام. ما الموجب؟ ليش استخدمت الشريعة هذا الاستخدام؟ ليش ما قال النبي صلى الله عليه وسلم "وأخذ الربا"؟

لاحظ، دائماً يقال: "وأكل الربا"، "أكل مال اليتيم"، ذكرنا شرائط ممتعة كثيرة. في سبب آخر يستخدمونه باعتبار آخر، الشريعة ما عبرت عن التعبير المتوقع منها فيما يتعلق بهذا الباب وهو مثلاً الأخذ أو الكسب؛ لأن الأصل في الأموال أنها تكتسب، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يمكن أن يقول "وكسب الربا".

يذكر العلماء أنه لما ينظر الإنسان إلى موجبات حيازة المال، فمن أعظم موجبات حيازة المال أنه يحوز المال من أجل الأكل. إذا نظر الإنسان في واقع لماذا يتكسب الإنسان؟ هناك جملة من الأغراض، لكن قطعا يقف على رأس تلك الأغراض سد الجوع، فعبر عن "الأكل" لأنه هو المقصود الأعظم من حيازة المال.

الربا لغةً معناها الزيادة. طبعاً شرعاً بحسب القسمة المتعلقة بخارطة أحكام الربا، عندنا نوعان من أنواع الربا، ربا الديون وربا البيوع، ثم ربا البيوع ينقسم إلى ربا الفضل وربا النسيئة. وإذا نظر الإنسان، وأحد التنبيهات الجميلة التي أشار لها الإمام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى عليه في القواعد النورانية وغيره من كتبه، أن أصول المحرمات المتعلقة بباب المعاملات هي مردودة إلى أحد ثلاثة اعتبارات أساسية: الاعتبار الأول: اشتمال العقد على ما هو ربا، الاعتبار الثاني: احتمالية اشتمال العقد على ما هو غرر وجهالة، الاعتبار الثالث: أن يكون هنالك تحريم متعلق باعتبار الظلم، وإن كان ذاك الظلم الخاص مثلما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبيع بعضكم على بيع بعض».

فتجد الحين مثلاً في أجناس لما نهت الشريعة عن بيع العينة، ما هو المعنى الموجود في العينة التي لأجلها حرم بيع العينة؟ صورة بيع العينة أنني أشتري سلعة معينة بثمن مؤجل، وبعدين أروح أبيع السلعة مرة ثانية على ذات الشخص الذي اشتريت منه السلعة، مثلاً اشتريت من أحمد لاب توب بـ 1000 باوند.

على أنه أسدد الـ 1000 باوند بعد مدة زمنية، مثلاً مقسطة كل شهر بعطيه 100 باوند. ماشي، بعدين أروح أبيعه على أحمد مرة ثانية، بس أبيع عليه بكم الحين؟ لا، أيوه، أبيع عليه بسعر أقل، أبيعه بـ 900 باوند مثلاً، لأن هذا معتاد. يعني ليش 900 باوند؟ صح ولا لا؟ فيصير عملياً في يدي كم الحين؟ لا، عملياً في يدي الحين لأني بعت اللاب توب بـ 900 فعندي أنا 900 باوند، صح ولا لا؟ بس في ذمتي لأحمد كم؟ 1000، صح ولا لا؟ طيب هذه تشبه شيء ولا ما تشبه شيء؟

تشبه الربا، صح ولا لا؟ كأني اقترضت منه 900 على أن أسدده 1000، هي ماشي. فطبعاً، ما بحث الحين بس أنا قصدي المعنى الموجود في العينة التي أجريها، العينة التي هو اشتماله على معنى الربا. تلاحظ إذا نظر الإنسان في بعض العقود سيجد هذا المعنى موجوداً فيها. طيب، ننتقل مثلاً لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة مثلاً، أو بيع الملامسة، أو بيع المنابذة، زين، أو بيع مثلاً يتكلم الفقهاء بيع السمك، في إيش المشكلة هنا؟ مشكلة الغرر، مشكلة الجهالة. يعني بيع الحصاة، يكون عندك مسجر ولا شيء معين يعطيك البائع حصاة ويقول لك: أي شيء ترميه، يعني أي بضاعة تمسها هذه الحصى فهي لك بكذا، فإيش المشكلة طيب في هذا العقد؟

لا تستطيع إلا أنك ما... لأن مثلاً ما يعني طرفي المعاقدة الحين وقعت المبايعة على شيء مجهول، يعني بمعنى أنه ممكن يلقي الحصاة على شيء مكلف وغالي أكثر من السعر المطلوب، ممكن يكون أقل، فيفتح باب المنازعة باب المخاصمة، وكذلك ذكرنا النوع الثالث. طيب أدلة تحريم الربا في الشريعة متعددة كثيرة جداً، ومن الكبائر بل من أكبر الكبائر. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 275-281].

فتلاحظ ليش أنا سردت الآيات؟ حتى يعرف الإنسان كما يقال هول الموقف الشرعي المتعلق بالربا؛ لأنه ما اختصر الله عز وجل مجرد ذكر آية، لا ذكر مشاهد أخروية متعلقة بمثله، ذكر بعض اللقطات والمشاهد الدنيوية، آذن الله عز وجل آكل الربا بحرب منه سبحانه وتعالى وحرب الرسول صلى الله عليه وسلم، فالقضية كما يقال في غاية الخطورة. ورد في حديث مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء». هذا يدل على خطورة الاشتباك فيما يتعلق بهذه القضية، خصوصاً إذا أدرك الإنسان حجم تمدد الربا في الحياة المعاشة والمعاصرة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها في ذكر الموبقة التالية قال: «وأكل مال اليتيم». أكل مال اليتيم، من هو اليتيم؟ فعندنا بحسب الجنس الذي يتعلق به معنى اليتم، فيقول العلماء: اليتم في الناس هو فقد الأب، وفي غير الناس من قبل الأم، فإن مات الأبوان فالصغير يسمونه العرب لطيم، فاللطيم إذا مات الأب والأم يسمون لطيم، فحالته أسوأ من حالة اليتيم، وإن ماتت أمه فقط فهو عجي، فهذا من سعة اللهجات العربية أن عندهم مصطلحاً يتعلق بكل حالة، فاليتم هي حالة متعلقة بموت الأب.

معنى أكل مال اليتيم يعتبر أخذه، يعني يعتبر إتلاف مال اليتيم عليه بأن يأخذه الإنسان، وذكرنا نفس المعنى والملحظ الذي في موضوع أكل الربا، أن أعظم مقصود المال هو قضية الأكل، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]، وقال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: 2]. والأحكام طبعاً المتعلقة في تصرف الولي في مال اليتيم لها أحكام تفصيلية متعلقة بهذا المثل، ما نستطيع استعراضها الآن.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: «والتولي يوم الزحف». التولي يوم الزحف، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15-16]. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]. فالمسلم مأمور شرعاً وديناً في حالة القتال في حالة الجهاد بأن يثبت، وأحد المظاهر المخالفة لقضية الثبات في المعركة قضية الفرار يوم الزحف.

فقول النبي صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف معناه الفرار من الجهاد المتعين الواجب عند لقاء العدو. والتولي يوم الزحف، إيش معنى الزحف؟ يقول ابن الأثير: والزحف الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون، يقال زحف إليه زحفاً إذا مشى نحوه، طيب ليش يعبر بهذا التعبير؟ يعني نحن في الحين لاحظ لما قال ابن الأثير قال: والزحف الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون، هل تعبير يمشون في التعبير عن قضية الزحف تعبير دقيق؟ أيوه، اللي هو مثلاً في عبارة الإمام القرطبي أن الزحف هو المشي المتثاقل، مش هو مجرد مشي، فليش استعارت العربية هذا في وصف طبيعة الجيش؟ أيوه، أن الجيش لما يتحرك كأنما هو قاعد يزحف، كأنما هو يزحف.

من الكبائر ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم قضية التولي يوم الزحف. يقول الإمام النووي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: وأما عده صلى الله عليه وسلم تولي يوم الزحف من الكبائر، فدليل صريح لمذهب العلماء كافة في كونه كبيرة، إلا ما حُكي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: ليس هو من الكبائر، وقال: والآية الكريمة في ذلك في أهل بدر خاصة. والصواب ما قاله الجماهير أنه باق. يقول النووي يرتب الموضوع، يقول لك أن كأنما العلماء مطبقون على أن التولي يوم الزحف من الكبائر، ورد المخالفة من الحسن البصري، وموجب المخالفة التي وقع من الحسن البصري أن الآية القرآنية المتعلقة بتحريم التولي يوم الزحف هو قيدها بأهل بدر، لكن يقول النووي أن هذا الحديث يدل على أن هذا المعنى باق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال السبع الموبقات وتكلم على التولي يوم الزحف. الكلام في هذه المسألة كثير.

ورد الاستثناء، الأصل في الإنسان المسلم أن يتعين عليه أن يثبت في حال القتال، ويجوز له التولي في ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ﴾. إيش معنى متحرفاً لقتال؟ أن يصيب جزءاً من الخطة العسكرية، أنه يحصل نوع من أنواع التولي من أجل الكر، يعني نوع من الفرار من أجل الكر، فيتصور هذا أنه يصير، فيجوز للإنسان يتحرف لقتال، فما يعتبر، لما يقول الله عز وجل: ومن يولهم يومئذ دبره، فالمقصود الاستثناء أن ليس كل تولي للأدبار يعتبر مذموماً شرعاً.

متحيزاً إلى فئة، أي ينضم إلى فئة أخرى. طبعاً كلتا الصورتين نتكلم عنها فيها ملاحظتان؛ الملاحظة الأولى أن لا بد أن يكون ذلك الأمر ناشئاً عن نصرة تحقيق المصلحة الدينية الشرعية المتعلقة بفعل الجهاد، هذا رقم واحد. القضية الثانية، وهذا يؤكد ما يتعلق بالقضية الأولى، لكن خلينا نذكر عبارة الإمام السعدي لأن عبارة مهمة صراحة، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي قال: فإن كانت الفئة في العسكر فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محل المعركة، بيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: إذا كان الفئة المتكلم عنها هي فئة في العسكر، يعني بمعنى أنه افترض أنه حصل الارتطام بين الجيشين فحصل نوع من أنواع الهزيمة في الجناح الأيمن، فهل يجوز للإنسان في هذه الحالة يفر إلى جناح آخر؟ فنقول نعم إذا كانت الفئة نفسها موجودة في العسكر.

الحالة الثانية قالوا: وإن كانت الفئة في غير محل المعركة، لأنه محتمل والنبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا فئة لكل مسلم، فقال: وإن كانت الفئة في غير محل المعركة كنهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز. بعدين قال وهذه تعليق مهم: ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أهون عاقبة وأبقى عليهم، أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم فيبعد في هذه الحال أن تكون من الأحوال المرخص فيها؛ لأنه على هذا لا يتصور الفرار المنهي عنه، وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييده بالعدد.

إيش الملحظة التي بدأت أقولها؟ نحن لو فتحنا لما يجي واحد يقول لك: إلا متحرفاً لقتال ومتحيزاً للفئة، فواحد، يعني حتى لو كاننا بننتصر على الكفار، أنت فتحت الباب لجواز أني أروح أهرب إلى فئة من فئات المسلمين في مدينة أخرى. فالشيخ عبد الرحمن الحين بيستشكل، يقول إذا ما قيدنا المعنى سنفتح الباب لتجويز كل أنواع الفرار، أن كل واحد سيدعي أن أنا فررت من المعركة متحيزاً إلى فئة، في حين هذا لا يتصور أن يكون مقصود الآية القرآنية الكريمة.

ذكرنا الحالتين الحين، إلا متحرفاً للقتال، متحيزاً للفئة، الحالة الثالثة: أن يزيد عدد الكفار على الضعف. ورد في أول الإسلام الإلزام بأنه يجب على المسلم أن يثبت في مقابل عشرة، ثم خفف الله عز وجل عن هذه الأمة، فجعل قال: إذا كان جيش الكفار أكثر من ضعف جيش المسلمين، جاز لهم في هذه الحالات أن يفروا، وفيها تفاصيل، المسألة هذه كما ذكرنا كل المسائل فيها تفاصيل، لكن ليس هذا بصدد ذكر شيخ، هذا مشتمل على كلا نوعي الجهاد الدفع والطلب. هي إحدى المسائل المتعلقة بقضية الجهاد، أنه إذا شهد الإنسان المعركة فيتعين عليه شرعاً البقاء في هذه الحالة، يعني يتعين عليه الجهاد في هذه الحال حتى لو قدر أن كان الجهاد في ابتدائه مستحباً في حقه، لكن في هذه الحالة لا ينتقل الاستحباب إلى قضية الوجوب، يصير، أن ممكن يدخل الإنسان في إطار أن ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، بمعنى إذا شرع الإنسان في العبادة حتى المستحبة في الأصل، أنه لا يقطعها إلا إذا ورد الدليل بالاستثناء والرخصة في قضية القطع.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: «وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». والمقصود بقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، اللي هو الرمي بالزنا، لأن القذف عندنا نوعان من القذف: عندنا القذف بالزنا وتتعلق بأحكام شرعية، وعندنا القذف بما دون الزنا فيعتبر مثلاً اتهام إنسان بالسرقة، اتهام الإنسان بفعل محرم يعتبر نوعاً من أنواع القذف، لكن يعبر الفقهاء أن هذا قذف بما دون الزنا، وتتعلق بأحكام مختلفة، لكن ظاهر سياق الحديث وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات يدل على أن المقصود هو الرمي بالزنا.

إيش معنى المحصنات؟ الإحصان، طبعاً بذكر أنا فائدة من كلام النووي أن الإحصان في لسان الشريعة، بس هنا في هذا التركيب أن قذف المحصنات المؤمنات الغافلات، يعني غير البغي. أي تعرف عنها العفة، العفة، اللي هو قضية أنهن عفيفات. ماشي، طيب، والغافلات، أي غافلة عن هذه التهمة، ماشي، فيدل على كمال البراءة، يعني هي عفيفة محصنة وكذلك غافلة عما يدور من وراء ظهرها. طبعاً ورد قول الله سبحانه وتعالى، يقول إنه قال: واما المحصنات الغافلات فبكسر الصاد وفتحها، المحصنات والمُحصنات قراءتان في السبعة، قرأ الكسائي بالكسر والباقون بالفتح، والمراد بالمحصنات هن العفائف، وبالغافلات الغافلات عن الفواحش وما قذفن به. ذكر الإمام النووي رحمه الله تبارك وتعالى عليه في تهذيب الأسماء واللغات المعنى الآتي، قال: الإحصان في الشرع خمسة أقسام، الإحصان في الشرع خمسة أقسام، يعني هذا الإطلاق إذا ورد في لسان...

الشريعة فيحتمل خمسة احتمالات: أحدها الإحصان في الزنا الذي يوجب الرجم على الزاني وهو الموطوء بنكاح، الثاني الإحصان في المقذوف وهو العفة، وهو الذي يوجب على قاذفه ثمانين جلدة، وهو السياق الذي نتكلم عنه، الثالث الإحصان بمعنى الحرية، الرابع الإحصان بمعنى التزويج، الخامس الإحصان بمعنى الإسلام. فهذا ما يتعلق بحديث السبع من الموبقات.

ما مناسبة هذا الحديث للباب؟ أن هذه الذنوب والمعاصي من أعظم الذنوب والمعاصي، ومن أعظم أمر الشرع تجنبه. فالنبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا الحديث يدل على وجود كبائر، فتحتاج إلى الجزء المسكوت عنه في الكلام، والمفهوم من هذا الكلام أن إذا كان هنالك كبائر فهنالك ما هو دونها من الذنوب والمعاصي، فيكون يدل على أن الدين على مراتب، وأن النهي على مراتب.

وبالتالي يؤثر هذا في الحياة الدعوية أن مثل هذه المحكمات الدينية الشرعية من أولى أولويات الخطاب الدعوي الذي ينبه الناس إليه، وهذه قضية في غاية الخطورة وفي غاية الأهمية. والذي ينظر في واقع الحياة الدعوية اليوم يجد أن هنالك قدراً من التقصير في تنبيه الناس وتذكيرهم بمثل هذه المحكمات الدينية الشرعية الأساسية مثل هذا الحديث السبع الموبقات وغيره.

يقول الحديث الذي بعده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه». قيل يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه».

يشرح الحديث النبي صلى الله عليه وسلم في مبتدأ هذا الحديث أن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، فيدل كذلك أن الكبائر على مراتب، وأن من أكبر الكبائر هو الوقوع في هذه الجريمة. جاء في رواية عند أحمد ومسلم والترمذي: «من الكبائر يشتم الرجل لوالديه»، وفي رواية البخاري: «إن من أكبر الكبائر». قال العيني رحمه الله تبارك وتعالى: وهذا يقتضي أن سب الرجل لوالديه كبيرة، ورواية البخاري تقتضي أنه من أكبر الكبائر، وبينهما فرق من حيث إن الكبائر تتفاوت وبعضها أكبر من بعض، وهو قول العلماء. يقول القرطبي في المفهم: من أكبر الكبائر لأن شتم المسلم الذي ليس بأب كبيرة، فشتم الآباء أكبر منه.

هنا جملة من المسائل تحتاج إلى نوع من أنواع التحرير. الوقفة الأولى هي قضية تحرير مدلول كلمة الشتم؛ الآن لما يقول القرطبي: إن من أكبر الكبائر لأن شتم المسلم الذي ليس بأب كبيرة، هل مطلق شتم المسلم لأخيه المسلم يعتبر كبيرة؟ الشتم باب واسع، هل يعتبر من الشتم أن واحداً يقول للآخر يا غبي؟ نعم، يعتبر شتماً، هل يعتبر هذا كبيرة من كبائر الذنوب؟ هذا مشكل. واضح الإشكال، لكن يرد في لسان الشريعة ولسان العلماء أحياناً التعبير عن اللعن بالشتم. ولذا سياق الحديث أن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، تلاحظ انتقل الحديث من ذكر اللعن إلى قضية السب، قال قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه». فكان ظاهر الحديث أنه يلعن، فلعن المسلم لأخيه المسلم سب وكبيرة.

ولذا ورد عن الإمام الذهبي في كتاب الكبائر قال: الكبيرة الرابعة والأربعون اللعان، وأورد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، ولاحظ أورد حديث سباب المسلم في سوق تحت كبيرة اللعن. فتلاحظ الارتباط، أحياناً قد يعبر عن هذا بهذا. ثم أورد حديثاً متعدياً في حكم اللعان مثل: «لعن المؤمن كقتله»، «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة».

يقول ابن هبيرة: سباب المسلم من أجل أنه مسلم فسوق، وقتال المسلم من أجل أنه مسلم كفر، وأما غير هذا الوجه فلكل مقام فيه مقال. خاتمة العبارة مهمة ومفيدة تقرر المعنى الذي أشرت له، أن لكل مقام مقالاً، وأننا لا نستطيع تعميم حكم الكفر. فابن هبيرة يحاول وضع معيار من خلاله تدرك أن السب الذي هو كبيرة هو الذي يسب فيه المسلم أخاه المسلم من أجل كونه مسلماً، فيقول لك هذا فسوق. فإذا تجاوز الأمر إطار السب إلى قضية القتال، دخل الإنسان في إطار الكفر.

فإن قيل: قتال المسلم من أجل أنه مسلم كفر أصغر ولا أكبر؟ قتال المسلم لأخيه المسلم من أجل أنه مسلم هذا كفر بالاتفاق لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». وحمل جمهور العلماء هذا الحديث على أنه مقصود به الكفر الأصغر، والدليل على أنه لا يخرج الإنسان من الملة بقتال المسلمين: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9]، فسمى الله عز وجل الطائفتين مؤمنتين، وقال الله عز وجل بعد تمام الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.

فليظهر الله أعلم أنه إذا رتبت المسألة بهذه الطريقة أن السب المقصود به اللعن، وأن إذا كان لعن المسلم للمسلم من قبيل الكبائر، فلعن المسلم لوالديه يكون من أكبر الكبائر، يصير التراتبية ويستقيم كلام الإمام القرطبي. وإذا بعض العلماء تعقب كلام القرطبي بالآتي، قال: إنه لم يقصد أن والده شتم والديه، بل هو لم يباشر، والصواب كونه كبيرة كما جعله في الحديث، فيرجحون الرواية الأخرى أنه من الكبائر، مش أنه من أكبر الكبائر، لكن حديث البخاري يدل على المعنى الذي ذكره القرطبي، لأن الشريعة نزلت المتسبب في هذه الحالة منزلة المباشر.

نرجع ونشير إشارة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه». أحد الاعتبارات التي تؤكد هذا المعنى أن من الكبائر، بل من أعظم الكبائر في الدين، عقوق الوالدين، وأن أحد الأجناس الداخلة في إطار عقوق الوالدين الوقوع في الشتم، أو الوقوع في التسبب بجر اللعنة أو السب للوالدين. ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وشهادة الزور»، ثلاثاً، أو قول الزور، فما زال يكررها.

قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ موجب هذا السؤال هو قضية الاستبعاد؛ لأن الله عز وجل قد فطر الوالدين على محبة الولد كما فطر الولد على محبة والديه، هذا المقتضى والأصل في الحياة البشرية الإنسانية. فاستبعدوا؛ لأنهم يعرفون من طبيعة الناس وطبيعة البشر، بالذات عند العرب، أن لو تجرأ إنسان على مقام والد رجل آخر، فلا يرضى، فكيف يتصور الذي تحمله الحمية على المدافع عن والديه أن يقع هو في لعن الوالد؟ فاستبعدوا فقالوا: كيف يلعن الرجل والديه؟

فبين النبي صلى الله عليه وسلم الجواب قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه». فالعلماء يقولون: هل كل متسبب في الشريعة حكمه حكم المباشر؟ لا، لكن لماذا هنا الشريعة جعلت المتسبب كالمباشر؟ لأن غالباً سيقع هذا عرفاً، في فرق بين مطلق التسبب، وبين حالة لا يغلب أن يحصل فيها هذا، فترتب عليه الأثر، فنقول في الحالة هذه أن التسبب لا يكون حكمه كحكم المباشر. لكن في هذه الصورة التي نتكلم فيها، ما الذي تتوقعه إذا شتمت أنت أبا رجل ولا لعنته؟ أول شيء سيقفز للذهن أنه سيرد عليك في والدك، ففي الحالة هذه أنت الذي تسببت في إيقاع تلك اللعنة على والدك، فيكون حكمك في هذه الحالة حكم المباشر.

يقول العيني في كلمة عجيبة ومؤلمة ومؤثرة وهي موجودة سبحان الله في كل زمان ومكان: في هذا الزمان من الناس أطغام من يسب والديه، بل يضربهما، ولقد شاهد جماعة ذلك من العققة الفجرة، ربما ذبح والده، أخبرني بذلك جماعة، وكثرت هذه المصيبة في الديار المصرية، نسأل الله العفو والعافية.

من فوائد هذا الحديث يقول القرطبي رحمه الله تبارك وتعالى في كتابه المفهم: دليل على أن سبب الشيء قد ينزله الشرع منزلة الشيء في المنع، فيكون حجة. لما يقول أن في الحديث هذا دليل على أن سبب الشيء قد ينزله الشارع منزلة الشيء في المنع، القاعدة الأصولية التي يخدمنا تساندها هذه العبارة هي سد الذرائع.

سد الذريعة حقيقة؛ سد الذريعة أن الشريعة تتحفظ على السبب الذي يفضي إلى الشيء وتحرمه كحرمة الشيء نفسه. فيقول القرطبي: فيكون حجة لمن منع بيع العنب ممن يعصره خمراً، ويمنع من بيع ثياب الخز ممن يلبسه وهي لا تحل له، وهو أحد القولين لنا، وفيه حجة لمالك على القول بسد الذرائع، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].

والذريعة هي الامتناع مما ليس ممنوعاً في نفسه مخافة الوقوع في المحظور على ما بيناه في الأصول. قال ابن بطال: هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 108].

من الفوائد كذلك قضية العمل بالغالب، فإن من القضايا المعتبرة ديناً وشرعاً العمل بالغالب.

ومن الفوائد التي يذكرها العلماء مراجعة الطالب لشيخه فيما يستشكله، لأنه طرح النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة أن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، فوقع الاستشكال من الصحابة: كيف يلعن الرجل والديه؟ فيدل على مشروعية السؤال على نبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.