دخولتسجيل الدخول

الدرس 17 - تفاوت مراتب الدين 5

عبدالله بن صالح العجيريالشيخ عبدالله بن صالح العجيري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نستكمل الأحاديث المتعلقة بالباب الخامس، وهو باب في أن الدين على مراتب متفاوتة في الأمر والنهي والخبر، وأن الفقه في الدين والدعوة تبع لإدراك هذه المراتب. الحديث الأخير في هذا الباب هو حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، فقال له: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث من مسند ابن عباس رضي الله عنهما، لكن ورد في صحيح مسلم رواية فيها عن ابن عباس عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم. على هذه الرواية يكون الحديث من مسند معاذ بن جبل، وبحسب تصحيح هذه الرواية، يدل على أن ابن عباس قد تلقى هذا الخبر عن معاذ بن جبل، فتكون الروايات التي فيها إسقاط معاذ بن جبل من قبيل مراسيل الصحابة، وهي مقبولة لأن الصحابي لا يرسل إلا عن صحابي. وإن لم تثبت هذه الرواية فيظل من مسند ابن عباس، ويحتمل أن يكون من مرسله، ولأن هذه الواقعة وقعت في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن عباس يعقل وقتها، فيمكن أنه شهد هذا المشهد فرواه.

قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب»، وفي رواية: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب». من الأشياء الجميلة والمفيدة فيما يتعلق بحياة الداعية أن النبي صلى الله عليه وسلم يوطئ لوصيته بالتنبيه إلى معنى يتعلق بذلك المجتمع الذي سيقبل عليه معاذ ليمارس فعله الدعوي فيهم. النبي صلى الله عليه وسلم يرشد إلى قضية معينة من أجل أن يتخذ معهم الأسلوب الأفضل، فإذا كان طبيعة القوم الذين سيقدم عليهم وثنيين، فستختلف منهجيته الدعوية عن قوم هم أهل كتاب.

ما هو أبرز فرق موجود بين الطرفين؟ هو أن أهل الكتاب لديهم نظام علمي، بمعنى أن عندهم من العلم ما يستدعي أن تتجهز لهذه القضية. فمن المشكلات التي تقع لبعض الدعاة الدخول في المناظرات دون تجهيز لائق، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما نبه معاذاً بهذا التنبيه، أشار له أن هؤلاء القوم عندهم كتاب، عندهم سابق علم ومعرفة، عندهم مرجعيات علمائية لها تصوراتها واعتقاداتها، فكان لزاماً على معاذ أن يتهيأ لهذه القضية. يقول القرطبي: وإنما نبهه على هذا ليتهيأ لمناظرتهم ويعد الأدلة لإفحامهم لأنهم أهل علم سابق بخلاف المشركين وعبدة الأوثان.

من الإشكالات التي أوردها أهل العلم: أن معاذ بن جبل أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وهل المجتمع اليمني في تلك الحقبة كان كله من أهل الكتاب؟ فلماذا خص النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر أهل الكتاب؟ المعنى الأول: أن أراد أن يدخل في دائرة وعي معاذ نظاماً دعوياً جديداً يستدعي مراعاة طبيعة اجتماعية ودينية مختلفة عما اعتاده. المعنى الثاني: أنه كان هناك أغلبية من أهل الكتاب، أو لأنه أراد أن يراعي الأفضلية في لسان الشريعة لموقع أهل الكتاب مقارنة بأهل الأوثان.

قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا جئتهم»؛ قيل عبر بلفظ «إذا» تفاؤلاً بحصول الوصول إليهم. ثم أرشده إلى أولويات الخطاب الدعوي بقوله: «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». ذكرت الشهادة في رواية الشيخين، وفي روايات أخرى في البخاري: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله»، أو «أن يوحدوا الله»، وهذه التعبيرات ليست متعارضة؛ لأن عبادة الله عز وجل إنما تقوم على ركن توحيده سبحانه وتعالى، والتوحيد إنما هو بالإعلان عن حالة الشهادة. لماذا ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بهاتين الشهادتين؟ لأنها الخطوة الأولى لأي إنسان خارج الإسلام؛ فإذا أراد أن يدعو وثنياً واقعاً في الاختلال، كانت الشهادة هي الأساس.

المتعلق بالشهادتين، الشهادة لله عز وجل بالوحدانية، والشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة؛ فالواجب على ذلك أن يستجيب فيوحد الله عز وجل بالعبادة، وأن يعترف للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة. إذا كان الاختلال ليس اختلالاً في ماذا؟ إذا كان أهل الكتاب، أين الاختلال الموجود عندهم الحين في النبوة؟

لنلاحظ الحين ونرتبها؛ الوثنيون وضعهم واضح، عندهم مشكلة في القضيتين جميعاً. وأهل الكتاب؟ أيوه، الاثنان موجود عندهم. متصور أن يكون عند أهل الكتاب كذلك اختلال في الركنين جميعاً، واحتمال أن يكون من أهل الكتاب من عنده اختلال في واحد، لكن يكون عنده اختلال في اثنين وهي قضية النبوة، لأنهم طوائف واتجاهات. فمتصور أنه يكون من طوائف النصارى بتلك الحقبة الزمنية من يعترف لله عز وجل بالوحدانية حتى لا يعتقد التثليث، هذا موجود في طوائف، لكن هؤلاء تصير مشكلاتهم في قضية النبوة.

من المسائل التي يذكرونها العلماء وهي قضية مهمة دعوياً: هل يشترط لمن كان عنده حمولة عقدية مسبقة أن يتبرأ من تلك الحمولة العقدية المسبقة، يتبرأ من الكفر المخصوص عند لحظة الدخول في الإسلام؟ فتلاحظ من التعبيرات المستخدمة، مثلاً لما يُدعى نصراني للدخول في الإسلام فيسلم، فماذا يقال له؟ هل يشترط هذا ولا لا يشترط؟ يعني هل يطلب منه أن يقول أشهد أن الله وأشهد رسول الله وأشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته؟ هذا البحث، نحن لا نتكلم الحين هل هو محرم أو لا يجوز، بل هل يشترط أن يتبرأ من صنوف الكفر التي واقع فيها ولا لا يشترط هذا؟

بناء على أنه إذا اعتبرنا أن لازم الشهادة هو البراءة، فهل يشترط ولا لا يشترط؟ إذا كان لازماً فيشترط. ما معنى لازم الشهادة؟ يعني مثلاً كلمة التوحيد نقول: أشهد أن لا إله إلا الله. واليهود يقولون: عزير ابن الله. فاحتمال أن لا تكفي هذه الكلمة في التبري، فيحتاج يحدث ذلك التبري. الأخ الكريم أورد احتمالاً وقال: أشهد أن لا إله إلا الله من لازمها الضروري التبري. فإذا كان من لازمها التبري، هل لابد يعلن حالة التبري ولا لا يشترط لأن لازمها كذلك؟ وليؤكد هذا المعنى -طبعاً معنيين- المعنى الأول هو الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تقدم على قوم من أهل الكتاب»، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تدعوهم إلى شهادة»، وما نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى لزوم شيء آخر، ما قال: لابد تستدعي منه تبرياً من القضية الفلانية.

يؤكد هذا المعنى قضية لحظة الدخول في الإسلام: هل المقصود مجرد إجرائه هذه اللفظة على اللسان، ولا أن هنالك قدراً من المعرفة والعلم متعلق بهذه اللفظة؟ بمعنى، افترض أن إنساناً استغفل ناطقاً باللغة الإنجليزية فقل له: هذه ورقة اقرأها، مكتوبة بالحروف اللاتينية "أشهد أن لا إله"، فقرأها، فهل تقدر تقول له خلاص، صار مسلماً؟ فهنالك قدر من الوعي، قدر من المعرفة، قدر من الفهم للكلام الذي يقوله، هو جالس يشهد بمدلول، حتى لفظة الشهادة دلالة على أنه مدرك للمعنى الذي جالس يشهد عليه. فاحنا الحين لما نطلب منه هذا المعنى، فهو لابد أن يدرك أن من المعاني المدرجة تحت مدلولي أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وقوع التبري، فما يشترط على الصحيح.

من المسائل كذلك التي يبحثها العلماء: هل الدخول في دين الإسلام معلق بالقضيتين جميعاً ولا بالقضية الأولى؟ بمعنى إذا واحد قال: أشهد أن لا إله إلا الله، هل يكون بذلك مسلماً ولا لابد يقول: وأشهد أن محمداً رسول الله؟ الجمهور يقولون: إن الدخول في الإسلام ما يتحقق إلا بالإعلان عن القضيتين، ومن أهل العلم من يقول: إنه معلق بالقضية الأولى. هل هنالك أثر لهذا الخلاف الموجود بين الطرفين ولا ما له أثر؟

أحياناً في خلافات تقع بين أهل العلم فيعبر العلماء أنه خلاف لفظي، ويصير موجب الخلاف اللفظي أنه ما في ترتب أثر حقيقي عليه. إذا حققنا المسائل فدائماً نصل لنفس النتيجة مع وجود هذا الخلاف، فما في كبير أثر. وأحياناً لا، الخلاف يكون له أثر. مثلاً، إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وما قال: محمداً رسول الله، أصحاب القول الثاني الذين قالوا بمجرد قوله أشهد أن لا إله إلا الله يكون مسلماً، ما حكمه؟ هو كافر عند الكل، لكن عند هؤلاء ما حكمه؟

القول الأول يقولون: إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله، فيقولون: قل أشهد أن محمداً رسول الله. فافترض امتنع من قول أشهد أن محمداً رسول الله، العالم الأول جمهور العلماء يقولون: هذا الرجل حكمه أنه كافر. والرجل الثاني يقول: هو مسلم. الجمهور يقولون: أنت داخل في مشروع الإسلام، بس الحين ما كملت الطريق، ما وصلت نهاية المشوار؛ قل أشهد أن محمداً رسول الله. فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، العالم الأول والثاني يحكمون له بالإسلام. أما إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله، وامتنع عن الثانية، فالعالم الأول يقول: كافر مرتد؛ لأنك دخلت في الإسلام لما قلت أشهد أن لا إله إلا الله، ولازم تكمل، فإذا ما أكملت أحكم عليك بالردة، وجمهور العلماء في هذه الحالة يعتبرون أنه لازال كافراً أصلياً ولم يرتد.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: «فإن هم أطاعوا لك بذلك»، وجاء في رواية أخرى للبخاري: «فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك»، وفي رواية أخرى: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله». ما معنى: «فإن هم أطاعوا لك بذلك»؟ يعني ما صورة الطاعة في هذه الحالة؟ أنه يشهد، النطق بالشهادة والانقياد لهذه الشهادة. وجاء في رواية ابن خزيمة: «فإن هم أجابوا لذلك».

نرجع لموضوع حروف الجر لما قال: «فإن هم أطاعوا لك بذلك»، الأصل في التعبير: فإن هم أطاعوك، فلماذا قال: «أطاعوا لك بذلك»؟ هو مشرب ومضمن معنى الانقياد، فهي مشربة معنى الانقياد؛ فانقادوا لك. فإذا أطاعوك وانقادوا لك، كذا.

من المسائل التي ذكرها العلماء المتعلقة بهذه القضية: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ هذه مسألة لن أدخل في تفاصيلها، بس أشير إلى أن بعض العلماء استدل بهذا الحديث على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وبعضهم قال ليسوا مخاطبين. وجه الدلالة على عدم المخاطبة ذكروا وجهين: الشرط والترتيب. الشرط، والترتيب؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول له: لا تخاطبهم بالصلاة والزكاة حتى تنزع منهم الشرك، أي لا تنتقل معهم إلا بعد تحقق الشرط. الاستدلال هذا فيه ضعف لسبب؛ أن دلالة ومفهوم الشرط في الاحتجاج به ضعف عند العلماء. والجانب الثاني أن الاستدلال بالترتيب مشكل؛ لأنه لا يدل على أنهم ليسوا مخاطبين، ولكن أن هناك أولوية.

في الحديث نفسه، لو لم يكن مخاطباً بفروع الشريعة، لكان الواجب على معاذ بن جبل رضي الله عنه أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإبلاغهم فروع الشريعة لأن الحكم الشرعي متعلق بها، لكن الترتيب لا يلزم منه بالضرورة الإشارة إلى الأحكام التكليفية المتعلقة بذلك الشيء المرتب. فهناك فرق بين الترتيب الدعوي والتكليف الديني الشرعي؛ فإذا دخل الإنسان أول دخوله في دين الإسلام، لا يؤمر شرعاً بكل التكاليف الشرعية دفعة واحدة؛ لأن هذا ليس مقدوراً عليه. مراعاة الداعية للتراتبية الدعوية المناسبة لهذا الإنسان المدعو، لا يلغي التكاليف الشرعية المتعلقة بهذا المدعو. فإذا كان الإنسان تاركاً للصلاة ومدخناً، فما الأولوية الدعوية؟ الصلاة. فكوني أدعوه إلى إقامة الصلاة، هل يعني هذا أنه ليس مكلفاً بترك التدخين؟ لا علاقة له، أنا فقط أراعي ترتيب الأولويات، والحديث المقصود به ذات الإشارة وذات الملمح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات».

في كل يوم وليلة، هذا طبعاً من الأحاديث التي يستدل بها على عدم وجوب صلاة الوتر؛ لأن صلاة الوتر من صلوات اليوم والليلة، فظاهر هذا الحديث يدل على أن الذي يلزم الإنسان المسلم في يومه وليله خمس صلوات. الواجب عليه في اليوم والليلة، وهذا الحديث وحديث ذاك الرجل: «أالله أمرك بخمس صلوات؟» قال: «الله»، فيدل على نفس المعنى، أن الصلوات التي تتكرر في اليوم والليلة تدل هذه الأحاديث على عدم لزومه ووجوبه، لكن صلوات المواسم، لا يقدر الإنسان مثلاً أن يستدل بهذا الحديث على إلغاء فرضية يوم الجمعة؛ لأن صلاة الجمعة ليست من صلوات اليوم والليلة، صلاة العيد مثلاً تصير بحثاً. أنا قصدي أنك تبحث، فبعض العلوم ممكن يستدل بهذا الحديث، فأنا أقول لا، بس هذا الحديث ظاهره يدل على الصلوات التي تتكرر بتكرر اليوم والليلة، أما الصلوات الموسمية التي تتكرر بتكرر السنة قد يكون لها حكمها الشرعي الديني الذي تختلف فيه عن صلاة اليوم والليلة، بدليل أن صلاة الجمعة فرض، بل فرضيتها آكد من الصلوات الخمس المحدودة في اليوم والليلة، ومع ذلك لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على عدمها.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن هم أطاعوا لك بذلك». الآن الأمر الأول هو الشهادة، فالمطلوب منهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويشهدوا عن رسول الله. الآن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك». كيف يحصل الطاعة بذلك؟ وما معنى إقامة الصلاة؟ هل إقامتها أن يلتزموا بالإقامة، ولا بالإقامة الفعلية لها؟ لاحظتم الفكرة؟ «فإن هم أطاعوا لك بذلك»، ابن دقيق العيد قال: وأما طاعتهم في الصلاة فيحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها أو فرضيتها عليهم والتزامهم لها، بمجرد انتزاع الإقرار أننا عرفنا أن الله عز وجل فرض علينا، ونحن قابلون نصلي لله عز وجل الصلوات التي ألزمنا الله سبحانه وتعالى بها.

هذا المعنى الأول، قال: والثاني أن يكون المراد الطاعة بالفعل وأداء الصلاة، فإن هم أطاعوا لك، لأن حتى تتحقق أنهم بدؤوا يصلون، لأن هذا له أثر من جهة طبيعة الخطاب الدعوي، فالنبي صلى الله عليه وسلم قاعد يتدرج بهم دعوياً، فيقول له: لا تنتقل معهم إلى الزكاة حتى يطيعوك في موضوع الصلاة. الحين كيف تتجلى طاعتهم في موضوع الصلاة؟ في فقه يقول لك بمجرد إقرارهم؛ فإذا أقروا فتقول لهم. وبالمناسبة النبي صلى الله عليه وسلم الاتجاه الثاني لا أن في نوع من أنواع التأخير، يعني بمعنى أن يتحقق منهم الإقامة، فإذا تحققت الإقامة ننتقل للخطوة التي بعدها.

يقول ابن دقيق العيد وقد رجح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفريضة، فيقول لك الذي يقابل قضية الإخبار هو الإقرار، قال: فتعود الإشارة بذلك إليها، ويترجح الثاني بأنهم لو أخبروا بالوجوب فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى ولم يشترط تلفظهم بالإقرار بالوجوب. لاحظت أن يرجح طيب لو صلوا فيكتفى بالفعل عن الإقرار، فيدل على أنه ليس مطلوباً الإقرار، بل مطلوب الفعل، قال: وكذلك نقول في الزكاة لو امتثلوا بأدائها من غير تلفظ بالإقرار لكفى، فالشرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب لا التلفظ بالإقرار. قال ابن حجر: ولذا يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه، أو بهما فأولى. وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء عند البخاري بعد ذكر الصلاة: «فإذا صلوا»، وبعد ذكر الزكاة: «فإذا أقروا بذلك فخذ».

فتلاحظ الحين روايات «فإذا صلوا» تؤكد على الفعل، وإن كان يقول الحافظ ابن حجر أن يتحقق الأمر بالقدر المشترك بين الأمرين، يعني سواء وقع الإقرار أو وقع الامتثال بالفعل أو وقع معاً من باب أولى. يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: «فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة»، وفي رواية عند البخاري: «فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم»، وفي رواية أخرى في البخاري: «فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم». فتلاحظ أصلاً في لسان الشريعة في كثير من السياقات يعبر عن الزكاة بالصدقة. فأخبر الحين النبي صلى الله عليه وسلم أن إذا أقروا بالتوحيد لله سبحانه وتعالى وللنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ثم الصلاة، فننتقل بهم إلى الركن الثالث من أركان الإسلام وهو الزكاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، وجاء في رواية: «فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم»، وفي رواية: «تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم».

قال ابن حجر: وقيل الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يقر بالتوحيد ويجحد الصلاة يكفر بذلك فيصير ماله فيئاً فلا تنفعه الزكاة. وأما قول الخطابي إن ذكر الصدقة أخر عن ذكر الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وأنها لا تتكرر تكرار الصلاة فهو حسن. بعض العلماء يقول: الحين إذا أقر بالتوحيد دخل في الإسلام، فإذا دخل في الإسلام لزمته الصلاة، فيقال له: صلِّ، فإذا لم يقبل الصلاة وجحدها، ما الحكم؟ يعتبر ارتد. فإذا ارتد ما في مناسبة أن يذكر له حكم الزكاة؛ لأن المال أصلاً إذا ارتد يكون فيئاً للمسلمين. هذا الحين تخريج الحافظ ابن حجر في سبب التراتبية.

أما قول الخطابي إن ذكر الصدقة أخر عن ذكر الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وأنها لا تتكرر كتكرار الصلاة؛ فبعض العلماء يقول: فالصلاة تجب على كل مسلم بخلاف الزكاة التي تجب على من بلغ ماله نصاباً، وبالتالي لا يتعلق هذا الحكم بكثير من المسلمين، وأن الزكاة لا تتكرر كتكرار الصلاة؛ لأن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة، والزكاة تتكرر بشكل حولي أو بحسب الأحكام المتعلقة بها. قال: وتمامه أن يقال بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من الترتيب في الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة. هذا ملحظ مهم جداً، ويحتاج إلى إدراك نوع من أنواع الحكمة الدعوية الكبيرة جداً من الداعية. وذكرت لكم إشارة إلى رسالة الإمام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى عليه في هذا الباب، رسالة مهمة وضافية وجميلة جداً، وهي قاعدة في الحسنات والسيئات، وفيها تعليق مهم للدعاة بالذات الذين يعيشون في المجتمعات الغربية في دعوة غير المسلمين.

قد نقول إن الصلاة أيضاً تثبت معاني العقيدة، فلذلك لها أولوية على الصدقة. المداومة على الصلاة ترفع الحالة الإيمانية للإنسان، فإذا ارتفعت الحالة الإيمانية عنده سهل عليه بعد ذلك الالتزام بالتكليف الشرعي المتعلق بالزكاة، فهذا محتمل. وهذا ليش الإمام ابن تيمية ذكر عدة جوانب في هذا الباب؛ كان يتكلم على قضية أن مناطق التكليف الشرعي العلم والقدرة، فما لم يعلمه الإنسان لا يكلف به، وما لم يكن قادراً على تأديته لا يكون مكلفاً به، فينبني عليه سؤال: هل يستطيع الإنسان أن يتعلم أحكام الإسلام جملة واحدة؟ هل يتصور هذا؟ أن إنساناً مثلاً أسلم الحين، وقال أشهد أن لا إله إلا الله، دخلته في غرفة في مختصر، وطلعت كتاب الكبائر للإمام الذهبي، يعرف قائمة المحرمات في الإسلام لأنه مكلف بها شرعاً؟

من الناحية الموضوعية، بغض النظر عن علمه أو جهله أو قدرته أو عدم قدرته، هو الحين مسلم. فإذا كان مسلماً، ما حكم شرب الخمر بالنسبة له؟ ما حكم كذا؟ ما حكم كذا؟ لها أحكام تكليفية كثيرة جداً. فالحين السؤال: هل يقدر على تعلم هذه الأحكام الشرعية كلها دفعة واحدة؟ لا يستطيع. فيصير في الحديث إشارة إلى ضرورة أن ترتب، ويكون عندنا معيار فيما يتعلق بقضية الترتيب، أنه يقدم الأهم منها فالأهم. أحد الملحوظات التي أشار لها كذلك ابن تيمية لقضية القدرة، أن أحياناً يدرك الداعية أن الطرف المقابل ليس على الحالة الإيمانية التي تؤهله للالتزام بهذا الحكم الشرعي إذا كلف به، فإذا لم يكن قادراً على تأديته بهذا الاعتبار فلا يكون مكلفاً به، وإذا لم يكن مكلفاً به فلا يكون الداعي مكلفاً بتبليغه.

وهي رسالة حقيقة مهمة وفيها معاني لطيفة، والأئمة عموماً يناقشون بعض المسائل التي يؤخذ منها التقاطات وإشارات. مثلاً الإشارات الظريفة التي ذكرها أبو حامد الغزالي في الإحياء، لما تكلم في مباحث عن قضية العلم النافع والعلم غير النافع؛ من الأشياء التي أشار لها قضية الملابسة لذنب ومعصية. الحين ناخذ مثالاً، افترض أنه لابس ذهباً، فالأصل لما يتكلم الإنسان عن المحرمات أن ينكر عليه هذا، وأن ينبه إلى حرمته، لكن أنبه إلى حرمته مع ملاحظة ما قرره ابن تيمية رحمه الله. فإذا قدر أن هذا الإنسان سيلتزم بالحكم الشرعي، يعني مثلاً جاءك مقبل، فقال: هل في ملابس معينة؟ هل في شيء معين؟ وتعرف مثلاً صدقه في الإقبال وكذا، فيصير ينبه إلى هذا المعنى.

فيصير من الأشياء التي نبه لها أبو حامد الغزالي قضية الملابسة أو قرب المباشرة؛ يعني إذا كان يدرك الإنسان أن هذا عن قرب سيلابس ذلك المنكر، فيصير ينبه، لأننا نحتاج إلى إقامة بعض المعايير التي ندرك من خلالها ما الذي يقدم وما الذي يؤخر بطبيعة الخطاب الدعوي. وكلامه كذلك يفيد لهذا الخطاب، والذي يؤكد على هذه المعاني حديث معاذ بن جبل، وحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا من ثقيف، فقبل منه، بس ذكر ذاك الثقفي أني ما أستطيع أن ألتزم بخمس صلوات في يوم وليلة، لكن بايع النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاث صلوات في اليوم والليلة، فقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. طبعاً القبول منه هل يعني ذلك أن انتقل تكليفه إلى ثلاث صلوات؟ لا، لكن المقصود به نوع من أنواع تأليف قلوب الداخل الجديد في الإسلام، أن يقبل منه ما يستطيع أن يبذله، لأن كثير من الناس قد لا يتعقل إمكانية أن يكون مسلماً مذنباً.

كثير من الناس يكون عقليته بطريقة أنه إذا دخلت في دين من الأديان، يا أستوفي بالواجبات الدينية الشرعية المتعلقة بهذا الدين أو لا، يتعامل مع موضوع معادلة صفرية. في أحياناً نوعية من العقلية الطفولية في التعاطي مع هذه القضايا، دين الإسلام الذي ذكرناه أن على مراتب، وفي قضايا تحت الأولوية، وأن يدخل الإنسان في الإسلام فيصير مسلماً حتى مع بقائه على جملة من الذنوب والمعاصي خير له من عدم الدخول في الإسلام. وكما ذكرت حتى تعبير الفكرة الطفولية، أنا أذكر مثلاً من الأشياء والمواقف التي تحصل للأطفال أحياناً، أنه يرى مشهداً غير إسلامي، يرى مثلاً امرأة غير محجبة، فيصفها بالكفر؛ لأنه لا يستطيع استيعاب أن هناك منطقة وسطى موجودة، أنه ممكن يكون الإنسان مسلماً ويكون عاصياً، وما يكون بمجرد معصية كافراً.

سأل سائل: شيخنا إذا كان هذا الرجل دخل في الإسلام وأدرك أنه في شيء محرم وكذا فهل هو مكلف به حتى ولو لم يدر؟ فيصير مذنباً، بس الفكرة الحين لا، هو التكاليف الشرعية تتعلق به، بس الفكرة الحين البحث في قضية الداعية: ما الذي يجب عليه الداعي؟ أول شيء، الداعي لا يلزمه شرعاً وليس مكلفاً دينياً وشرعاً أنه يبلغه كل أحكام الإسلام، بل الواجب عليه أن يراعي مقام الحكمة في هذا، فيرتب الأولويات المتعلقة بالخطاب الدعوي، في معايير نستطيع أن نتناقش فيها. هذا رقم واحد. يجي سيناريو معين، افترض أن ذلك الرجل جاء وقال لك: أنا سمعت أن الخمر حرام، أنا سمعت أنه... فهل صحيح؟ فيصير جزءاً من التقييم للداعي للحالة الإيمانية الموجودة عند هذا الإنسان، فإذا قيم الإنسان هذه الحالة الإيمانية الموجودة عنده، أو أنها قادرة أو كذا، فالأصل الشرعي...

إنه يلزم بالأحكام الدينية الشرعية، لكن إذا قدّر الإنسان أنه قد يغلب على ظنه أنه قد ينفر. افترض الحين مثلاً، افترض دخل الإنسان في الإسلام، فتخيل الداعي يقول له: أول واجب ديني شرعي تكلّف به الآن لما ترجع إلى شقتك إذا كان لديك صديقة يجب أن تعتزلها، يجب أن تنفصل عنها. هل تعتقد في الحالة المتوسطة لو كُلِّف المسلم الجديد بهذا الخطاب، هل يكون هذا معامل جذب أو حيادي أو نفور من الدخول في الإسلام؟ ممكن يكون فعلاً ابتلاء، ممكن يكون فتنة، وليس مؤهلاً في لحظة دخوله في الإسلام أن يتعرّض لهذه الفتنة وهذا البلاء.

فممكن يؤخّر الداعي ما يتعلّق بهذه القضية إلى ما يستحكم الإيمان في قلبه، ثم ينتقل الداعي للنقطة بعدها. افترض جدلاً أنه طُرِح عليك الموضوع هذا، فقلنا احتمال أنه لما طرح السؤال أنت تتلمس منه الصدقية، يريد أن يعرف الحق، يريد أن يلتزم بالحكم الديني الشرعي، فالأصل أن تبذل له ذلك. افترض لا، طُرِح السؤال بس أنت قلق من تقديم الجواب، فما الذي تفعل في هذه الحالة؟ تخبره بالحكم ولكن تقول له إنك لست ملزماً بهذا الآن. فتصير السيناريوهات مفتوحة، بمعنى أن طبيعة الحال أن يراعي الإنسان بخطابه القالب أو السياق الأمثل والأفضل للطرف المقابل.

بمعنى شباب، بوضع مثالين حتى تتضح، عندنا حالة إنسان مثلاً طرح السؤال والسؤال يعبّر عن حالة جهل، بمعنى هو لا يعرف شيئاً. فالقاعدة التي تضبط هذا الباب، سواء في الصورة الأولى أو الثانية، أن ما يصح من الإنسان المسلم أن يحرّف شرع الله عز وجل، لا يصح للإنسان أن يحرّف العقائد الدينية الشرعية. ما يصح للإنسان أن يقول له: لا، من قال لك أصلاً أنه حرام؟ في الإسلام فيه سعة، ما تقدر تقول هذا الكلام. يستطيع الإنسان أن يسكت عن شيء من الحق، لكن لا يجوز له أن ينطق بكلمة باطل. واضح هذه القاعدة؟ فتستطيع عبر حكمة دعوية معينة أن تحيّد ما يتعلّق بمجال البحث، مثلاً لا تركّز على الموضوعات هذه الحين، هذه تأتي لحظة مستقبلية تناقش فيها، ركّز الحين على قضية الصلاة والاهتمام بالصلاة، تقدر تحرّف مسار النقاش إلى المنطقة التي تراها أنسب.

هذا احتمال؛ لا، احتمال الطرف المقابل يرى أنه يعرف بعض الحقائق، فلما سألك على الموضوع هذا يبغى نوعاً من أنواع الرخصة، وعندك أنت قلق على حالته الإيمانية، بس ما تقدر تستغفله، عرفت قصدي؟ ما تقدر تستغفله. فأحياناً يصير من مقتضى الحكمة أن تقول له: نعم، هذا محرّم، بس هذا لا يعني بالضرورة، فتحاول أن تعالج الموضوع بطريقة معينة حتى لو كان هنالك نوع من أنواع التنازل عن الالتزام به من ناحية الأداء والفعل، مثل ما قبل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الرجل، من ذلك الصحابي، أنه لا يلتزم تأدية الصلاتين مع معرفته بوجوبها. جاء يبايع رجل النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاث صلوات يؤديها، ذكر عدّة، جاء ليسلم، فقال لك إن فيه أحكاماً عندك في الإسلام ما تستطيع الالتزام بها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل منه. فيُبنى الحديث هذا أصلاً في قبول إسلام المسلم الجديد حتى لو كان ذلك إسلاماً على قدر من النقص. افترض في إنسان مثلاً يقول لك: أنا مدمن خمر، أنا مدمن مخدرات، أنا ما أقدر أترك، فتقول له: يا ابن الحلال أسلم، قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن رسول الله، وهذه المسألة نقدر نناقش فيها مستقبلاً. فتصير ضرورة مراعاة هذه الأبعاد وهذه المصالح الدعوية.

من المسائل التي استدل بها أهل العلم من هذا الحديث قضية أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة، لأنه قال: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». لكن الصحيح والله أعلم أن ذلك يعتمد على طبيعة المال؛ العلماء والفقهاء يقولون الأموال على نوعين: أموال باطنة وأموال ظاهرة. الأموال الظاهرة هي الأموال التي الإمام والسلطة هي التي تأخذ هذه الأموال، والأموال الباطنة لا، هذه الأموال التي الأصل فيها أنها موكولة للأفراد أنهم يوزعون الزكوات المتعلقة بها. بعدين عاد يقع عند العلماء قدر من الاختلاف في طبيعة ما الذي يدخل هنا وما الذي يدخل هنا؛ مثلاً عندك الذهب والفضة وعروض التجارة؛ عروض التجارة هي من الأموال الظاهرة، لكن مثلاً عندك الزروع والمواشي هذه تعتبر من الأموال الظاهرة. فكان ضابط الأموال الباطنة هي الأموال التي يمكن إخفاؤها، والأموال الظاهرة هي الأموال التي لا يمكن إخفاؤها.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «على فقرائهم». طبعاً من أهم المسائل التي يناقشها الفقهاء من هذا الحديث، قضية مسألتين متعلقة بأحكام الزكاة؛ المسألة الأولى: هل يكفي أن يكون مصرف الزكاة واحداً ولا يلزم أن تتعدد مصارف الزكاة؟ الله عز وجل نبّه في القرآن الكريم على أن مصارف الزكاة متنوعة، عندنا الفقراء والمساكين والعاملين عليها وفي الرقاب، عندنا عدة مصارف. فالإمام مالك بن أنس استدل بهذا الحديث بأن هذا الحديث يدل على جواز أن يكون مصرف الزكاة واحداً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، فذكر مصرفاً واحداً من المصارف الزكوية. لكن ابن دقيق العيد أورد احتمالاً قال: وفيه بحث؛ لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك، والمطابقة بينهم وبين الأغنياء، احتمال الموجب لذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا أنه هو المصرف الغالب، وهو الواقع.

المسألة الثانية المتعلقة بأحكام الزكاة هي حكم نقل الزكاة، لأن ظاهر هذا الحديث يقول: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». فبحث الفقهاء مسألة: ما حكم أن تؤخذ الزكاة من قطر جغرافي معين فترد على قطر آخر؟ بما يكون معنى الكلام أنها تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراء في دولة أخرى وليس فقرائهم، فهل هذا مقصود وليس مقصوداً؟ ففي مواضع طبعاً اتفاق بين أهل العلم، وفي مواضع ليست محل اتفاق. من الاتفاق بين أهل العلم أن الأصل أن المال الزكوي يرد على أهل البلد، ومن المسائل المحكمة كذلك عندهم أنه إذا حصل استغناء عن الزكاة في رقعة جغرافية معينة، فبالاتفاق وبالإجماع أنه يجوز شرعاً أن تنقل إلى قطر جغرافي آخر، خلاص واضحة.

يبقى مسألة، بعض العلماء يدعي الإجماع على قضية الإجزاء وأننا لا ننقل، إلا عمر بن عبد العزيز؛ مثلاً يقول الملا علي قاري في شرح المشكاة، نقل عن الطيبي يقول: واتفقوا على أنه إذا نُقِلت وأُدّيت يسقط الفرض، إلا عمر بن عبد العزيز فإنه رد صدقة نُقِلت من خُراسان إلى الشام إلى مكانه. قال القاري: وفيه أن فعله هذا لا يدل على مخالفته للإجماع، بل فعله إظهار لكمال العدل وقطعاً للأطماع. فيقول إن حتى عمر ما يعني بالضرورة أنه خالف الإجماع في هذه المسألة، لكن احتمال أنه تحقيق مقام كمال العدل، ولا يدل على سبيل الإبطال. لكن الأظهر والله أعلم المسألة ليست مسألة إجماعية، إن فيها خلافاً بين العلماء، والاختلاف فيها على ثلاثة اتجاهات: الأول من رأى حرمة هذا الفعل مع عدم الإجزاء، الثاني من رأى حرمته مع الإجزاء، الثالث من رأى إباحته مع الإجزاء.

أصحاب القول الأول يقولون إن هذا الفعل حرام إذا نُقِلت الزكاة من قطر إلى قطر آخر، ففعله محرّم وإذا أُدّيت الزكاة فإنها لا تجزئ صاحبها، يجب علينا أن نخرج الزكاة في مكانه. الاتجاه الثاني يقولون إذا نُقِلت هو حرام، لكن إذا تمّت التادية فسقط عنه واجب الدين الشرعي. والثالث يقولون إنه جائز. يقول ابن دقيق العيد: وقد استُدِل بقوله عليه الصلاة والسلام: «أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» على عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال، وفيه عندي ضعف، هذا قال: لأن الأقرب أن المراد تؤخذ من أغنيائهم من حيث إنهم مسلمون، لا من حيث إنه من أهل اليمن، وكذلك الرد على فقرائهم فيصير الفقراء المسلمون. قال: وإن لم يكن هذا هو الأظهر فهو محتمل احتمالاً قوياً، ويقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تُعتبر، وقد وردت صيغة الأمر بخطابهم في الصلاة ولا يختص بهم قطعا عن الحكم وإن اختص بهم في خطاب المواجهة.

«فأعلمهم أن الله افترض عليهم»، هل تؤخذ المثل بهذه الحدية؟ افترض عليهم ولم يفترض على غيرهم؟ يقول لا، إذا عمّمت الحكم وجعلت مناط الحكم ليس باعتبار الأشخاص، أن مش باعتبار كونهم من أهل اليمن، فبيجري هذا الحكم حتى في موضوع الزكاة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم»، وفي رواية: «فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقّ كرائم أموال الناس»، وفي رواية: «فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوقّ كرائم أموال الناس».

الكرائم طبعاً المقصود بها جمع كريمة وهي الأمور النفيسة، يعني توقَّ نفائس أموالهم، الأمور النفيسة من أموالهم. ففيه ترك أخذ خيار المال، هذا من جهة الحكم أن يأخذ الإنسان من متوسط أمواله، لا يأخذ من الخسيس منها ولا يأخذ النفيس. يقول العلماء طبعاً لأن الشريعة فيما يتعلّق بهذه الأبواب تريد أن تخلق حالة من حالات الموازنة بين الطرفين، بين الغني وبين الفقير؛ بمعنى الشريعة لا تتشوّف إلى الإجحاف بمال الغني، لكن لا تريد كذلك الانتقاص من حظ الفقير، فتجعل المسألة في موضوع مثلاً مقدار الزكاة في النصاب، الزكاة في حلول الحول، في كل الأحكام قاعد توازن بين الطرفين. فيصير من الأحكام كذلك أن الشريعة لم تقصد الإجحاف بمال الغني بالأخذ النفيس منه، ولا بالخسيس؛ الخسيس مراعاة للفقير بحيث إنه يرفع المعدّل، لكن لا يرفع إلى نفائس الأموال. معيار العرف؛ أي مال من الأموال أهل العرف يستطيعون الإدراك أن هذا من أنفس الأموال، وهذا يعتبر المتوسط، وهذا يعني المال لا لو رغب الإنسان بتأدية الزكاة من نفيس ماله هذا خير، مثل ما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، أن تتعلق النفوس إلى المحبوب فالشارع يحث على قضية هذا، وأنه إذا حصل ذلك بطوعك واختيارك، لكنها لا على سبيل الإلزام، بمعنى ليس واجباً. والحديث يتعلّق بقضية الإمام لما يقول الحين تؤخذ من أغنيائهم، فيصير لاحظت أنه يريد تنبيه معاذ بن جبل لا تأخذ من أموالهم ما كان من قبيل الكريم منها أو الكرائم منها.

طبعاً ورد وعلى خلاف الأصل، طبعاً إحنا مثل ما ذكرنا أن إحنا نشرح من الحديث المقدار الذي يأتي به الشيخ، لكن من المعاني التي ذكرها التي وردت في الحديث ولها اتصال بالمعنى السابق ولطيف التنبيه إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، في تمام الحديث نفسه بعد هذا قال واتقِ دعوة المظلوم. فكيف يتم اتّقاء دعوة المظلوم؟ بعدم الوقوع في الظلم، اتقِ دعوة المظلوم المقصود أن تجنب أن تظلم فيدعو عليك. فبعض العلماء قالوا لنكتة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم واتقِ دعوة المظلوم، أي السبب ليش ذكر هذا المعنى في تمام الحديث؟ في احتمالين؛ الاحتمال الأول: في احتمال أنه مرتبط بالمسألة، النكتة متعلّقة بالمعنى السابق أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يؤكد عليه: لا تأخذ من نفائس أموالهم، لأن الأخذ من نفيس المال ظلم لهم، فإذا ظلمتهم دعوا عليك. والملاحظة الثانية: لماذا ذكر واتقِ دعوة المظلوم؟ ملاحظة عامة أنت ذاهب.

ذاهب ذاهب كذا، فلك سلطة عليهم فلا تظلمهم بموجب هذه السلطة فيصير، واتقِ؛ أي أن هناك اتصالاً بالمعنى السابق. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنه ليس بينه وبين الله حجاب»، أي بين المظلوم والداعي؛ فإنه ليس هنالك شيء يحجبه عن الله عز وجل، ليس شيء يصرفه عن القبول والرد.

طبعاً ورد هذا المعنى في أحاديث متعددة، منها حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم». وعن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السماوات، ويقول الرب عز وجل: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين». ومن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: «اتقوا دعوة المظلوم؛ فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة»، دلالة على سرعة صعودها. وعن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً، ففجوره على نفسه». حسنه المنذري والهيثمي وابن حجر والألباني، وأورده الإمام أحمد في المسند.

قال السندي رحمه الله: قوله "دعوة المظلوم" أي في حق الظالم، وأثر الاستجابة قد لا يظهر في الحال لكون المجيب تعالى حكيماً. السؤال هنا، وهذا معنى أشار إليه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، لكن للاختصار نذكر بس عبارة السندي فيها ملاحظتان جميلتان. الملاحظة الأولى قوله: "دعوة المظلوم أي في حق الظالم". لماذا قال في حق الظالم؟ ولماذا قيد؟ ليس أي دعاء للمظلوم إذا ظُلم؛ لأن عندنا الحديث يقول: «ودعوة المظلوم»، فقد يتوهم الإنسان أن دعوة المظلوم مطلقة مستجابة، يعني دام الإنسان وقع عليه ظلم، فخلاص صار هو مستجاب الدعوة.

لماذا لا يقال بهذا؟ وما المانع من كمال رحمة الله سبحانه وتعالى بهذا العبد المظلوم لما قهره القهر أن الله عز وجل يستجيب له أي دعوة؟ ما الذي حمل السندي وغيره من أهل العلم على التقييد، أن قالوا لا المقصود به في مظلمته، أن دعا على ظالمه؟ لو قال قائل: إن في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث دعوات مستجابات، ووصفه بالمظلوم ولم يكن الشخص الذي يظلم، فيقول لك: متى ما تحقق في الإنسان أنه ظلم فدعوته مستجابة.

هناك معنى في الحديث يظهر منه الأفضلية. أنا أطلب القرينة المذكورة في النص؛ لأن في الحديث ما يدل على هذا المعنى، ليس أن يتعمد الإنسان يظلم حتى تستجاب دعوته، بل استرداد الحق. هذا جانب، لكن قلنا إن السياق "واتق دعوة المظلوم" أن لا تقع في ظلمه، لأن في الغالب أن المظلوم سيفكر في الدعاء عليك. لكن هناك معنى في الحديث يدل على المعنى الذي أريد الإشارة إليه في الأحاديث التي ذكرتها، «فإنها تصعد»، «لأنصرنك ولو بعد حين». ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم وعزة الله وجلاله: «لأنصرنك ولو بعد حين» أنه يدل على أن الدعوة التي صعدت إليه سبحانه وتعالى دعوة في خصوص القضية، ليست دعوة مطلقة؛ فهذا الأظهر والله أعلم، وهذا معنى أشار إليه عدد من أهل العلم.

نختم بمسألة ذكرها الحافظ بن حجر رحمه الله، إذا نظر الإنسان في التراتبية التي ذكرها معاذ بن جبل أو ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته؛ فذكر الشهادتين، ثم الصلاة، ثم الزكاة، لكن مفروض يذكر الصوم والحج فما ذكر الصوم والحج. فما هو الموجب؟ قال ابن حجر تعقيباً: لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بعثة معاذ كما تقدم كانت في آخر الأمر. وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، فهو يقول إنه ذُكر ولكن وقع التقصير من بعض الرواة فلم يذكروه. هل هذا قول مقبول؟ غير مقبول؛ لأن ابن حجر عنده اعتراض قوي وقلق من هذه الكلمة؛ إذ قال: وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان. إذا فتحنا هذا الباب، فمجرد الاحتمال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولكن الرواة ما ذكروا، سيصير هذا تفتح باب إشكال، أن واحداً يجيء يدعي دعوى يقول لك والله عرفت أن هذا زيادة من الراوي وهذا نقص من الراوي.

وجاء الكرماني فقال: إن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، وتلاحظ هذا معنى حتى يقول ولهذا كرر في القرآن، فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهم ركن الإسلام. والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبتا على المكلف لا يسقطان عنه أصلاً، بخلاف الصوم فإنه يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضوب، ويحتمل أنه حينئذ لم يكن شُرع. قال شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء كحديث ابن عمر "بني الإسلام على خمس"، يقول إذا الشريعة تريد أن تبين أركان الإسلام فإنها لا تخل بها.

قال: فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام، لاحظوا هذا جميل الملحظ؛ فإنه فرق بين بيان الأحكام الدينيه الشرعية وبين الدعوة إلى تلك الأحكام، مقام الدعوة مختلف عن مقام البيان. إذا كان البيان يجب على الإنسان أن يبين الحق كما هو، إذا كان يدعو يجوز للإنسان أن يتدرج في الخطاب الدعوي، فيذكر ولا يذكر. قال اكتفي بالأركان الثلاثة: الشهادة والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج، كقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: 11] في موضعين من براءة مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعا، وحديث ابن عمر أيضاً: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة». وغير ذلك من الأحاديث، قال والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة اعتقادي وهو الشهادة، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة، اقتصر في الدعاء الإسلامي عليه لتفرع الآخرين عليه؛ يعني كأنه يقول إذا ذلت النفس وانقادت إلى تحقيق هذه العبودية الاعتقادية وتحقيق هذه العبودية البدنية وتحقيق هذه العبودية المالية، سهل عليه بعد ذلك أن تحقق العبودية البدنية بالصوم، وتحقق العبودية المشتركة بين العبودية البدنية والمالية الحج.

قال فإن الصوم بدني محض والحج بدني مالي، وأيضاً فكلمة الإسلام هي الأصل وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليه، والله أعلم. كلام الكرماني رحمه الله تبارك وتعالى عليه جميل في تقرير هذا المعنى. هذا ما تيسر ذكره فيما يتعلق بالباب الخامس، وبإذن الله سبحانه وتعالى بعد الفاصل نواصل ونشرع في الباب السادس، والله أعلم. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.