بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
الباب الذي بعده هو الباب السادس في الكتاب، باب في مركزية التزكية في حياة المؤمن، وأهمية أعمال القلوب، وأن عليها مدار الفلاح. ما هي أهم المفردات الموجودة في العنوان؟ أول شيء التزكية، وهو مركزية التزكية، وثانياً مدار أهمية أعمال القلوب، وأن عليها مدار الفلاح. هذه ثلاثة معانٍ أساسية موجودة في العنوان، والقضيتان متداخلتان، بالذات ما يتعلق بقضية التزكية وأعمال القلوب؛ فإن الاهتمام بهذا هو فرع الاهتمام بهذا، وقضية أن عليه مدار الفلاح كذلك هو كالأثر والنتيجة المتعلقة بالاهتمام بهذا المجال.
لما نتكلم على قضية الاهتمام بالتزكية بأعمال القلوب وإدراك أنها مدار الفلاح، لا بد أن يراعي الإنسان قضيتين ومسارين أساسيين في بناء هويته كإنسان مسلم. القضية الأولى: الاهتمام بهذا المجال، مجال التزكية وأعمال القلوب، على مستوى الفهم والعلم والإدراك. المستوى الثاني: على مستوى السلوك والعمل. هذه قضيتان أساسيتان؛ لابد أن يكون هنالك نوع من أنواع الاهتمام الحقيقي بما يتعلق بهذا الباب على مستوى الفهم والعلم والإدراك، بحيث يعرف ما هي الأحكام الدينية الشرعية المتعلقة بمجال التزكية، وبمجال السلوك، وبمجال أعمال القلوب. وإذا أدرك الإنسان ما يتعلق بالتكاليف الشرعية المتعلقة بهذه الأبواب، ينتقل إلى جانب الفعل والعمل.
فليس المقصود بـ "باب في مركزية التزكية في حياة المؤمن" هو الاهتمام به على مستوى السلوك والعمل فقط، ولا على مستوى العلم والمعرفة فقط، لابد من القضيتين. على تعبير الإمام البخاري: "الباب العلم قبل القول والعمل"، بمعنى أن لابد أن يكون الإنسان ينطلق فيما يتعلق بتزكية نفسه باعتنائه بأعمال قلبه من معرفة وعلم، لكن لا يصح للإنسان أن يقتصر على باب المعرفة والعلم دون أن يحول تلك المعرفة والعلم إلى قضية سلوكية.
من الأحاديث التي ذكرناها سابقاً، ونؤكد على ذكرها، حديث جندب رضي الله عنه وأرضاه، كنا عند النبي ﷺ فقال: «غُلا فِتْيَانُ الحَزَاوِرَةِ فَتَعَلَّمْنَا الإِيمَانَ». هذا ما أشرنا إليه، وهي قضية أن الإيمان قضية تتعلم. وهذا يجد الإنسان سبحان الله في عدد من الدلائل الشرعية؛ فالإيمان قضية تتعلم، والإيمان قضية تذاق. ولذا يقول النبي ﷺ: «ذاق طعم الإيمان»، له طعم وله ذوق، «وإن من طعم الإيمان من ذوقه أنه له حلاوة، ثلاث من كن فيه وجد به حلاوة الإيمان».
من التعبيرات التي دائماً أتوقف عندها فيما يتعلق بهذه القضية، تعبير ذكره الإمام ابن الجوزي رحمه الله تبارك وتعالى عندما قال: «وكنت إذا قرأ علي أحد شيوخي أحاديث الرقائق بكى، واتصل بكاؤه، فكان وأنا صغير السن حينئذ، يبعث بكاؤه في قلبي ويبني قواعد». لاحظ فكرة "ويبني قواعد"، في دلك على قضية متعلقة بموضوع السلوك وموضوع التزكية؛ أن هذا التتلمذ الذي وقع لابن الجوزي رحمه الله تبارك وتعالى عليه وهو صغير السن عند ذلك الشيخ، لما كان يسمع أحاديث الرقائق ويتأثر بها، كان المردود الإيماني على التلميذ عميقاً. وبحيث إنه يذكر في سياق سد المراتب حين ذكر هذه العبارة، أنه تتلمذ على كثيرين، لكن سيرتهم محت وذهبت، وما أتذكر منهم شيئاً إلا شيخين، وذكر هذه العبارة في سياق ذكره لأحد شيوخه؛ تأمل مثلاً، لكي يعرف الإنسان ويدرك أهمية الأعمال القلبية وأثرها ومردودها الإيماني على سلوك الإنسان.
تأملوا في حديث قاتل المائة، حديث طويل، لكن إحدى اللفتات أو إحدى القضايا اللافتة للنظر في آخر الحديث لما قال: «فناء بصدره». لاحظ، الإنسان المعين كُلف تكليفاً شرعياً معيناً بالهجرة من دار الذنب والمعصية إلى دار الطاعة والقربة، فلما أتاه ملك الموت وكان في النزع الأخير، لاحظ ماذا فعل؟ العجيب أن الحديث رصد الموضوع: «فناء بصدره»، أي أنه كان إلى آخر رمق يريد أن يبذل ما يستطيع أن يبذله في سبيل الوصول إلى تلك الدار وهو يدري.
لاحظ المشكلة؛ ما الذي يوجد الآن لما يفكر الإنسان فيها من ناحية منطقية عقلية محضة؟ "فناء بصدره"، هل لها أي قيمة؟ أنت الآن المطلوب منك، كأن الإنسان قد يتعامل مع هذا الملف تعاملاً صفرياً، المطلوب منك الانتقال من ألف إلى باء، فموضوع نفثك بصدرك في منتصف الطريق ترى أنه ليس له أي مردود إيجابي فيما يتعلق بالباء، ما بتوصل. ومع ذلك، لماذا فعل هذا الفعل؟ تجد أن هناك معنى إيمانياً اعتمل في صدره حمله على أن يفعل ذلك الفعل. والعجيب في الموضوع، أن ما فعله من ذلك الفعل هل كان له أثر عليه أم لا؟ لأن له أثراً، بعدما أرسل الله عز وجل الملائكة، فكان له أثر في صدره.
من المعاني التي دائماً أتأملها فيما يتعلق بآثار السلف، مثلاً قول السلف لما يتواصلون ويتجالسون مع بعضهم البعض: «هلم نؤمن ساعة». إلى هذه اللحظة، ترى ليس واعياً تماماً ما طبيعة هذه المجالس الإيمانية، وما طبيعة الحوار الثنائي الذي ينعقد بين الصحابي وأخيه الصحابي فيما يتعلق بهذه القضية. ولذا، من اللمحات التي تؤكد على أهمية هذه القضايا، وتؤكد أن فعلاً عندنا أزمة وجودية خانقة فيما يتعلق بالاهتمام بأعمال القلوب، بعلم السلوك، بعلم التزكية، أياً كان العنوان الذي يوضع لهذا الاهتمام.
لاحظوا تفاعل المسلمين؛ أذكر مجموعة من الزملاء في سنة من سنوات طلبوا مني أن أقدم موضوعاً في التقوى. فالمشكلة الموجودة في موضوع التقوى، أنه من المواضيع التي إلى حد ما فيها قدر من الاستهلاك في نفس المتلقي ونفس السامع، لكن بدأت أتأمل في الموضوع وأقرأ وأطالع، فأحد القضايا التي لفتت نظري فيما يتعلق بهذا الموضوع، هو أن الأثر العميق الذي كان يحدثه التذكير بتقوى الله سبحانه وتعالى في نفوس الصحابة ونفوس التابعين وتابعي التابعين وعلماء الأمة، كان له أثر عميق، ما كانت القضية قضية سطحية تُتعامل معها هكذا.
مثلاً، من الآثار العجيبة التي وقفت عليها، أثر أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، أن أبا بكر رضي الله عنه قام وخطب فذكر وأمر بتقوى الله. الحديث تحس، نحن دائماً نستخدم "اتقوا الله" كتوطئة كتمهيد للخطبة، وليست هي الخطبة، ولذا حتى وصلنا إلى حالة لأسف، أن لو واحد قال لأخيه: "أوصني"، فقال له: "أوصيك بتقوى الله"، تحس كأنه...
قاعد يسلك لك كأنه ما عندي شيء في هذا، يعني على قولتهم بالـ "كليشيه"، بس "كليشيه" منser زين، وإن جواب كذا زين. في حين أن المسألة ما ينبغي أن تُعاطى معها بهذه الطريقة. من أعظم الوصايا الدينية الشرعية الوصية بتقوى الله عز وجل، إذًا ما الذي خلق هذه الحالة؟ ليش النفوس التي كانت موجودة فيما تقدم كانت تتقبل هذه الوصايا بطريقة مختلفة جذريًا عن تقبل هذه الوصايا أو تأثير هذه الوصايا وعمدا في نفسها؟
طبعًا لما أتكلم عن الموضوع هذا، أنا كتاكيد لا أتحدث عن قضية الوعظ والتذكير، ولا أتكلم فقط عن... وهذا أحد الإشكاليات التي تنشأ أحيانًا في نفوس بعض الشباب، لما يتوهم أن عندما يكون هنالك قدر من الاهتمام بالقضايا الإيمانية والموضوعات الإيمانية، ينصرف ذهنه مباشرة لما يتعلق بالقضايا الوعظية التذكيرية. قضايا الوعظ وقضايا التذكير هي من القضايا المهمة الموجودة في حياة الإنسان المسلم، ليس القصد من هذا الحديث هو التقليل من هذه القضية، بل يؤكد على محورية الوعظ أصلا ومحورية التذكير.
حجم الحضور لهذه القضية سواء في القرآن الكريم أو في شخص النبي ﷺ؛ تجد القرآن الكريم مثلاً يعظكم، الله موجودة مواعظ القرآن أصلا، وصف أنه مواعظ. والنبي ﷺ في أحاديث متعددة وعظنا؛ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا». فشاهد أنه هو مقام ديني رفيع.
فما هو المقصود؟ طبعا التقليل والتزيد منه هي إحدى الأدوات الموجودة في يد الداعي التي استخدمها لتقريب الناس وتذليل قلوبهم لله سبحانه وتعالى. لكن هنالك فارق موضوعي بين الحديث عن علم السلوك وعلم التزكية وبين الحديث عن طائل الوعظ والتذكير الإيماني، في فارق موضوعي حقيقي.
لما يتكلم الإنسان عن قضية الوعظ وقضية التذكير، ترى هي بطبيعتها الموعظة مثلا ليست... خليني أذكر بعض الفوارق الموجودة حتى تتنبه؛ في قضية الموعظة هنالك مشترك معرفي بين الواعظ والموعوظ. في كثير من الأحيان أنت لما تعظ الطرف المقابل بموعظة معينة، ترى عمليا لما ينظر الإنسان في تفاصيلها على المستوى المعرفي العلمي ترى هي مدركة للطرف المقابل، يعني عارف مثلا؛ تذكره بالجنة والنار ليس بالضرورة تذكر له معنى جديدا ما كان خطر في باله ولا يعرفه حقيقة. ممكن في كثير من الأحيان كثير من المواعظ تتكئ على معطى معرفي مشترك.
أنا ما أنسى مثلا، يجيك أحد الدعاة مثلا أحضر له موعظة، كنا نحضر في ذلك المتن في رمضان، فكان أحد الأشياء التي تفعل خلال شهر رمضان بعد صلاة التراويح أنه يعظ، فسنويًا دائما أحد المواعظ لابد منه هو التذكير بحديث: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا». ويذكره بطريقة شجية، بطريقة مؤثرة، وكل مرة يتأثر المسجد وتجد يجيشوا الناس بالبكاء؛ ليس لأن الحديث لا نعرفه، بل لأنه يؤدى في سياق بتركيبة تنتزع هذه المادة.
فمثلا هذا أحد الأبعاد التي تتغاير؛ أن الموعظة بطبيعتها في كثير من الملابسات أحيان هي تمثل مشتركا معرفيا، بخلاف علم السلوك والتزكية، هو شيء من جنس القضايا العقدية، القضايا الفقهية، القضايا الحديث النبوي، هو علم وبالتالي يستزيد الإنسان مما يتعلق بهذا العلم.
وكذلك من الفوارق أن من طبيعة الموعظة -كما يستخدم تعبير السلف- أنها "سياط القلوب"، بمعنى أن عندك فسحة زمنية معينة في استخدام أداة الموعظة، لكن إذا أحدثت الموعظة التأثير المنشود منها في الطرف المقابل، تنزع، وبالتالي ما عندك في الغالب شيء اسمه موعظة لمدة ساعة أو ساعة ونصف.
ولذا هنالك فرق موضوعي في طريقة تربية النبي ﷺ لصحابتة؛ النبي ﷺ ماذا يقول عبد الله بن مسعود؟ قال: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا». فتلاحظ أنها في مقام معين، لكن لما ينظر الإنسان في طبيعة علاقته بالصحابة على مستوى الصنعة التعليمية، كانت سيرته ﷺ سير تعليمية للصحابة. في فرق بين "يتخول"؛ ما كان النبي ﷺ يتخول صحابته بالتعليم، كان يتخولهم بالموعظة، لكن كثير من الأدوار التي كان يؤديها النبي ﷺ الأصل فيها أن كانت داخلة في إطار التعليم.
حتى بس نؤكد على قضية أنه مع وجود الفوارق، الموعظة مهمة ولها موقع من الإعراب، ويحتاج الإنسان المسلم أن يتحرر من الأوهام المتعلقة بها. توهم أن الموعظة هي قضية مهمة في أوائل الطريق فقط، بمعنى أول ما يدخل الإنسان في سلك الالتزام، في سلك التدين، يبدأ مشروع الاهتداء، يدخل في هذا النظام، تجد أن أحد القضايا الأساسية التي يريد أن ينمي من خلالها إيمانه هي قضية الإقبال على الموعظة، وبعد ذلك -وهذا أحد التلبيسات التي تدخل على الإنسان، تلبيس إبليس على الإنسان- أنه يتوهم أنه تجاوز ما يتعلق بمرحلة الموعظة، خلاص ما عاد محتاج لهذه القضية، هذا وهم يحتاج الإنسان أن ينتزع نفسه منه.
وإذا أكدنا على هذا المعنى، فإن من الأدوار القرآنية الأساسية هي الوعظ وقضية التذكير، ومن الأدوار التي كان يقوم بها النبي ﷺ هذه القضية، وبالتالي يحتاج الإنسان بين فترة وأخرى أن يذكر نفسه بهذه القضية، يحتاج الإنسان أن يلين قلبه بموعظة، أن يصير عنده نوع من أنواع المشاريع الدورية المتعلقة بهذا الإطار.
لكن الذي يهمني هنا التأكيد عليه، أنه مع أهمية الموعظة -فأنا أتكلم عن قضية الموعظة- عندما أتكلم عن باب مركزية التزكية في حياة المؤمن وأهمية أعمال القلوب، فإنا كما ذكرت أن اهتمام المسلم بهاتين القضيتين: التزكية وأعمال القلوب، ينبثق من قضيتين أساسيتين، ليس الاهتمام والاعتناء بهما على مستوى العمل فقط ولا على مستوى العلم فقط، وإنما على المستويين جميعا؛ أن لابد الإنسان أن يستزيد علما ومعرفة بما يتعلق بهذا الباب، وأن يدرك الإنسان من خلال استزاده العلمية بهذا الباب أنه يستطيع أن يؤسس لقاعدة معرفية علمية يستطيع أن يؤسس عليها أفعاله وأعماله المتعلقة بهذه المسألة.
ولذا أمامي مجموعة من الشواهد، لكن ما أخفيكم أنه عندي حلقة هي حلقة "طب الأرواح"، حلقة "طب الأرواح" فيها إشارات متعددة فيما يتعلق بأهمية علم السلوك والتزكية، فيستطيع الإنسان العودة لبعض الأمثلة وبعض القضايا التي ذكرتها في تلك المحاضرة، لكن أنا بس أريد التأكيد والتنبيه على هذا المعنى.
بمعنى من أكثر المواد التي تنتزع هذه الحقائق الإيمانية من نفس الإنسان المسلم هو باب معرفة الله سبحانه وتعالى. لو أراد الإنسان أن يرسم لنفسه خارطة فيما يتعلق بعلم السلوك والتزكية، فإني أظن أنه يحتاج أن يراعي عدة مجالات.
المجال الأول ما يتعلق بمعرفة الله سبحانه وتعالى، ومعرفة الله تبارك وتعالى من القضايا التي يحتاج الإنسان كذلك أن يركز عليها. وما يتعلق بقضية أعمال القلوب، ومن القضايا كذلك التي يحتاج الإنسان أن يهتم بها ويعالجها مفسدات القلوب. وكذلك ما يتعلق بهذا الموضوع الذي هو أسرار العبادات.
لقد أشرت له في بعض المناسبات أنني لا أحصي عدد الدورات أو الدروس العلمية التي حضرت بحمد الله عز وجل، أو الكتب التي اطلعت عليها فيما يتعلق بشؤون التعبدات من ناحية هيئتها الظاهرة؛ يعني ما صفة صلاة النبي ﷺ في الهيئة الظاهرة؟ كيف كان النبي ﷺ يكبر في صلاته؟ أين يضع يديه بالضبط لما يركع النبي ﷺ؟ تعرف بعض التفاصيل المتعلقة بالهيئة، وهذه قضية مهمة جدا، والنبي ﷺ قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
لكن «كما رأيتموني أصلي» ليس حكماً متعلقاً بمجرد الاهتمام بهذه الشعيرة على مستوى الهيئة الظاهرة لها، وإنما يحتاج الإنسان كذلك أن يعتني بالمعاني الباطنة فيها. لماذا تُعقد دورات معينة؟ ليدرك الإنسان كيف كان النبي ﷺ يخشع في صلاته، كيف كان النبي ﷺ يبكي في صلاته، كيف كان النبي ﷺ يتأثر في صلاته؛ هذه كذلك مسألة مهمة جداً.
من القضايا كذلك التي يحتاج الإنسان التركيز عليها فيما يتعلق بعلم السلوك وعلم التزكية، ما يتعلق باليوم الآخر. ومن المجالات كذلك التي تحتاج إلى نوع من الحفاوة والاهتمام، إدراك مداخل الشيطان على النفس، وفي مؤلفات وكتب منتظمة في هذا الإطار.
سؤال: شيخ، كيف يتم تصنيف المجالات لهذا العلم مثلا؟ معرفة الله سبحانه وتعالى، هذه قد تندرج تحت أعمال القلوب؟ جواب: كيف لا؟ معرفة الله عز وجل مجال مختلف، ومعرفة الله سبحانه وتعالى لها أثر على أعمال القلوب، لكنها ليست موضوع أعمال القلوب. مثلاً، لنأخذ موضوعات معرفة الله سبحانه وتعالى؛ أن يعرف العبد كمال ربه تبارك وتعالى في ألوهيته، في ربوبيته، في أسمائه وصفاته.
هذه المعرفة كلما ازداد الإنسان بها، مثل ما قال النبي ﷺ: «إني لأعرفكم بالله وأشدكم خشية»، الحديث؛ الحين يكشف أن عندك قضيتين مفيدتين من هذا الحديث. القضية الأولى أن باب معرفة الله عز وجل هو باب يقبل التفاوت، ولذا النبي ﷺ يقول: «إني لأعرفكم بالله» أو «لأعلمكم بالله»، بمعنى "أعلم" على وزن أفعل التفضيل، يدل على وقوع المفاضلة ووقوع التفاوت في هذا الباب.
بل لما قال «وأشدكم خشية»، يعني كان النبي ﷺ يريد الإشارة إلى أن موجب وقوع الخشية من الله سبحانه وتعالى في القلب -وهو عمل قلبي ناشئ عن كمال معرفتي بالله سبحانه وتعالى- فبمقدار معرفة الإنسان بربه تبارك وتعالى، إذا طالع معاني الرحمة الإلهية ومعاني الود الإلهي، تبتعث في قلبه مادة المحبة والرجاء. وإذا علم أن الله سبحانه وتعالى شديد العقاب، تبتعث مادة أخرى، مادة الخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى.
لما يعرف العبد مثلاً أن ربه تبارك وتعالى سميع عليم، تبتعث في قلبه مادة المراقبة. ولما نتكلم عن قضية المراقبة، نحن نتكلم فقط عن مراقبة الجانب السلب، أن تراقب الله سبحانه وتعالى ألا تقع في معصية. أنت كذلك تراقب الله سبحانه وتعالى في تكميل جوانب العبودية له. أذكر هذا المعنى أنه أحياناً لما يُذكر السمع والبصر لله عز وجل، يُذكر دائماً: «فَلَا يَسْمَعُ مِنْكَ كَلِمَةً لَّا تَنْبَغِي»، أو أن الله لا يبصرك على موضع لا يرتضيه. لكن ما يخطر على بال الإنسان لما يقوم لربه تبارك وتعالى مصلياً أن الله عز وجل يراني، وبالتالي أنا مبتهج وفرح باللقاء به سبحانه وتعالى، ومبتهج وفرح وساعٍ إلى إحداث صلاة ترضي الله عز وجل عني.
الفكرة باختصار أن هناك نتيجة يراد الوصول إليها فيما يتعلق بعلم السلوك وعلم التزكية. سبيل الوصول إلى هذه القضية تمر عبر مسارات، كلما كمل الإنسان هذه المسارات تعاظم عنده النتيجة النهائية. فعندك أول مسار، وأهم مسار، لدرجة أن بعض علماء الإسلام فسر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، قال: ليعرفون؛ أن الله عز وجل خلق الخلق ليعرف فيعبد تبارك وتعالى. فعندي قضية معرفة الله سبحانه وتعالى؛ لاحظ أن معرفة الله عز وجل لها مردود إيماني على حياة الإنسان، ويستطيع الإنسان إيجاد هذه الواسطة.
مثلاً، عندي محاضرة «السر الأعظم»، كانت فكرتها الأساسية -لمن لا يعرف هذه المحاضرة- فكرتها باختصار شديد: بعض الناس يظن أن المقصد الأساس من هذه المحاضرة هو الحديث عن نص ابن القيم في أن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده المؤمن، ذلك الفرح العظيم الذي عبر عنه النبي ﷺ بذلك الحديث. القصد الأساس من تلك المحاضرة لم يكن هذا؛ بل كان إقامة نموذج علمائي -ابن القيم رحمه الله- كيف يتعاطى مع مثل هذه الملفات والقضايا.
المحاضرة أساساً كانت فكرتها أهمية معرفة الله سبحانه وتعالى، وقدمت بتوطئة متعلقة بالموضوع. من المعاني التي أحببت الإشارة إليها، أن نعم يستطيع الواحد منا أن يتعرف على ربه تبارك وتعالى بما يتسع له نطاقه العلمي، لكن في كثير من الأحيان يحتاج الإنسان إلى يد حانية من عالم ليرقيه إلى معرفة أرفع درجة مما يستطيع أن يتلقاها بنفسه.
هذا نموذج على هذه المسألة؛ نص مطول لابن القيم يتأمل فيه حديث فرح الله عز وجل بتوبة العبد المؤمن، يحلل هذه الظاهرة، فهو تحليل بديع وجميل ومهم من حيث هو، ولكن النتيجة التي كنت أريدها من خلاله هي إدراك هذا المعنى؛ أن هنالك بحاراً من المعاني يستطيع الإنسان الإفاضة إليها، إما إن كان قادراً بما عنده من المعرفة والعلم، أو بالاستعانة بالعلماء حتى يفضي إلى هذه المعاني.
القضية، فذكرنا معرفة الله سبحانه وتعالى، ذكرنا أعمال القلوب، تفسيدات القلوب، ما يتعلق باليوم الآخر، ما يتعلق بداخل الشيطان على النفس، وما يتعلق بأسرار العبادات؛ هذه القضايا. وإذا لما تنظر مثلا لكتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، فإنه كأنما الرجل يقدم عتبًا على فقهاء الإسلام: أنتم اهتممتم بصور العبادات بظواهر العبادات، فصارت الأحكام الدينية الشرعية متعلقة بمجرد رسومها، من غير أن يفضي الواحد منكم إلى إدراك أسرار هذه العبادة، وإلى الغوص في المعاني الباطنة فيها.
يقدم عتبًا لما يصير الاشتباك الفقهي بقضية مثلا: ما حكم الخشوع في الصلاة؟ لو أن إنسانًا صلى صلاة تامة كاملة وما خشع فيها لحظة، فيعتب يقول إن لسان الحال الفقهي يقول إن تصح منه صلاة وتكون مجزئة. فأبو حامد الغزالي يحاول يقدم معنى آخر؛ أنتم الآن اهتممتم بصورة الصلاة وتركتم أهم ما في الصلاة وهي قضية الخشوع.
وإذا أخذنا مثلاً عبارة أذكرها، يقول أبو حامد: «فدقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يراعي قلبه، فإن أعمال الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان وشماتة له لكثرة التعب وقلة النفع». يقول إن الاهتمام بمجرد هيئة وصول العبادات قد يكون تعبًا في حق الإنسان إذا لم يلاحظ الإنسان المعاني الباطنة المتعلقة بها. ومثل هذا العلم هو الذي يقال فيه إن تعلم مسألة واحدة منه أفضل من عبادة سنة.
ما السبب؟ قال: لأن بهذا العلم تحيا عبادة العمل، وبالجهل به تموت عبادة العمل كلها وتتعطل. يقول لك إن هنالك مردودًا في مسائل معينة من هذا العلم، علم السلوك، إذا تعلم الإنسان مردوده الإيماني عليه في إحياء هذه العبادة يكون مختلفًا جذريًا عن الجهل بهذه المسألة.
الكلام في الحقيقة طويل، وأقدر أحيل على المحاضرة. لو راينا العلوم الأخرى مثل أصول الفقه وكذا، المواضيع محددة وكل عالم إلى حد ما يسير على نفس الطريق، بس بالعلوم التزكية وكذا، كل شيخ وكل عالم يأخذ طريقه ومساره، فلبدو أنه لم يستقر هذا العلم. هو ليس أنه لم يستقر، لكن أحد المشكلات المتعلقة بهذا العلم، والمتعلقة به هي قضية، أنا أسميها الاختطاف؛ للاسف الشديد عزوف كثير من أبناء الحالة الأثرية السلفية عن الاهتمام بهذا العلم، كأنما هنالك انطباع أن هذا العلم محصور محتكر عند الإطار الصوفي، أنهم هم أصحاب علم الإحسان، هم أصحاب علم السلوك، هم أصحاب علم التزكية.
وإذا نظر الإنسان في واقع المشهد الصوفي سيجد أن هنالك نوعًا من أنواع التراتبية العلمية الحقيقية المتعلقة بهذا الباب. هذا الفارق، لي أحد الدعوات التي أرى ضرورة الاهتمام والعناية بها، أن لا بد أن يدخل علم السلوك والتزكية في ضمن التراتيب العلمية المقررة؛ مثل ما عند الإنسان درس في التفسير، وعنده درس في الحديث، عنده درس في الفقه، عنده درس في الاعتقاد وغيره، يكون كذلك هنالك دروس علمية يتدرج فيها طالب العلم فيما يتعلق بعلم السلوك والتزكية، يكون عندنا متون للمبتدئين، متون للمتوسطين، متون للنهائيين.
مثل ما حاصل في الإطار الصوفي، أنا قصدي هذا حاصل، يعني مثلاً من المتون المشهورة المتعلقة بهذا الإطار كتاب مشهور متداول حتى في الإطار السلفي بسبب شارحه، مدارج السالكين، شرح كتاب منازل السائرين للإمام أبي إسماعيل الهروي. أبو إسماعيل الهروي عنده كتاب منازل السائرين، وأنا شخصيًا عندي في البيت خمسة شروح للكتاب، غير شرح الإمام ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه «مدارج السالكين».
فهل هنالك شيء مقدم في هذا الباب؟ أقول لك إن في شيء مكتوب، نعم، وهل يقبل ما هو مطروح في هذا الباب؟ أقول لك لا، ما هو مقبول كله. ولذا لما يقرأ الإنسان في مدارج السالكين لابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه، سيجد أنه يوافق، إنه يخالف، إنه ينتقد، إنه يشتد في الخطاب، إنه يخفف الخطاب، إنه يحسن الظن؛ يعني يحمل العبارة على محمل مقبول، لأن أحيانًا تضيق العبارة ولا يستطيع أن يحملها على محمل مقبول فيخطئ، هذه كلها ممارسات تدل على أن كثيرًا مما هو موجود داخل هذا الإطار الصوفي ليس مقبولًا بالضرورة.
ولذا أحد المقاربات التي يمارسها ابن تيمية رحمه الله فيما يتعلق بعلم التصوف أو الصوفية بشكل عام، أن مقاربتها أنا أسميها مقاربة تفكيكية؛ بمعنى يقول إن هذا الإطار، لما أتكلم على الصوفية، الصوفية ليسوا شيئًا واحدًا، الصوفية على أجناس الناس وأنواع: في صوفية أهل الحديث والأثر، وفي صوفية أهل الكلام الذين يقع عندهم بدع وسطحية وكذا، وعندنا صوفية أهل الفلسفة والوحدة ووجود وحدة الوجود وغيرها. ففي شيء، وفي شيء. أحد الإشكاليات التي تدخل في بعض الأطر وبعض المجالات المعينة توهم أن الصوفية شيء واحد، وبالتالي كل ما يقول هذا الإطار لازمه أو هو بالضرورة شيء من الباطل، لكن المسألة ليست بهذه الطريقة.
حتى من أهم العمد التي تكئ عليها خطابة الصوف فيما يتعلق بعلم السلوك والتزكية كتاب أبي حامد الغزالي إحياء علوم الدين. لما تنظر في مقاربة ابن تيمية لما يتعلق بإحياء علوم الدين، ليست مقاربة رافضة، ليست المقاربة المعنونة لهذا الكتاب التي هي «ماتت علوم الدين»، وأن هذا الكتاب أصلًا من شر ما في تاريخ الإسلام وكذا. لا، ابن تيمية نظر لما يتعلق بهذا الكتاب نظرًا أكثر موضوعية وأكثر إنصافًا، فيقول لك إن غالب مادته جيدة، ولكن فيه شطح وبدع وحديث موضوع وكذا، لكن يرى أن هنالك مادة علمية وفيرة موجودة في هذا الكتاب جيدة.
ولذا حتى لو قدر الإنسان تحفظاته العلمية على كتاب إحياء علوم الدين، العلماء كانوا مدركين أهمية هذا الكتاب. مثلاً الإمام ابن الجوزي رحمه الله، يؤلف كتابًا اسمه «منهاج القاصدين» في اختصار إحياء علوم الدين، لأنهم يرون أن في مشكلة في مادة فاسدة دخلت في الكتاب. ولاحظ ابن الجوزي ليس متهمًا بالتعاطف أو المحبة المتصوفة، اقرأ مثلاً «تلبيس إبليس» التبويبات أصلاً في انتقاد الصوفية، اقرأ مثلاً في «سيد الخاطر»، ومع ذلك يرى أن هنالك مادة علمية مهمة موجودة في هذا الكتاب تحتاج إلى الاستثمار.
بعدين جاء مثلاً ابن قدامة، غير الإمام أبو محمد المقدسي صاحب «المغني» عمدة الفقه وغيره من الكتب، اختصر كتاب «منهاج القاصدين» باختصار، يعني تهذيب منهاج القاصدين. واختصر إحياء علوم الدين مثل الإمام جمال الدين القاسمي، شخص ليس مطعونًا في سلفيته، ومع ذلك في كتابه «تهذيب موعظة المؤمنين».
أو معذرة، المؤمنين في تهذيب أحوالهم بالدين له كتاب، كذلك فشاهد أن المهذبات المتعلقة بهذا الكتاب هي تعبر عن أهمية حورية هذا الكتاب، إن كتابًا مهمًا يسجل اعترافًا أن فيه مواد إشكالية حقيقية، لكن مواد الإشكالية القائمة الموجودة فيه لا تعني بالضرورة الصد عن هذا الكتاب بإطلاق.
ولذا حتى من الملحوظات المتعلقة بما حين ينظر الإنسان في طبيعة التأليف السلفي، فيما يتعلق بالعقائد بالذات، العقائد الأثرية المبكرة، سيجد الإنسان أنه من القضايا التي كانت محل اهتمام أن يذكروا بعض المعاني المتعلقة بعلم السلوك وبعض التزكية في الكتب العقدية. مثلاً أبو إسماعيل الصابوني، له كتاب مشهور في اعتقاد أهل الحديث، ففيه تبويبات متعلقة بهذه المسألة، ولعل الإنسان حتى في "الوسطية" سيجد أن فيها معاني متعلقة بهذا الباب.
لكن هل هنالك مشروع متكامل أو شبه متكامل، وحتى يقارب حاله التكامل فيما يتعلق بهذا الإطار على الأقل في طبيعة ما يدرسه داخل الحالة الأثرية؟ فأنا أظن أن هنالك قدرًا من التقصير والحفاوة والعناية بهذا الباب، وجزء من هذا التقصير عائد إلى انطلاء ما هو موجود عندي إلى ردة فعل سلبية زائدة عن حد المقبول من الإطار الصوفي، بحيث مثلاً خذ اللقطتين حتى يدرك الإنسان عما أتكلم.
مثلاً الشيخ محمد حامد الفقي، محقق كتاب "مدارج السالكين" لابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه، بحكم وجوده في حاضنة منطقة التماس الموجودة مع الإطار الصوفي، يصير في نوع من الاعتداد والزيادة. فلما أتى إلى تحقيق هذا الكتاب، من المعاني التي أشار لها في مقدمته وتقديماته لهذا الكتاب، أن ليت ابن القيم ألف هذا الكتاب، تشعر أن في هذا قدرًا من المبالغة. الكتاب من عيون كتب ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه، كتاب "مدارج السالكين"؛ أحد الشخصيات المحسوبة على العلم المشهورة فيما يتعلق بهذا الإطار كذلك يوصي بكتاب "مدارج السالكين" ويقول: لا أنصح بقراءته.
ما المشكلة الموجودة في كتاب "مدارج السالكين"؟ أذكر أنا على المستوى الشخصي، على سبيل المثال، لما قرأت الكتاب من المواد العلمية التي انتزعت من مادة هذا الكتاب، كانت عنوان الورقة: "منهج أهل السنة والجماعة في إنصاف الحق والخلق". كيف نستطيع نوعًا من أنواع التوازن بين بذل الحق للحق وبذل الحق للخلق؟ كيف يستطيع الإنسان أن يبدي احترامه وتقديره للعلماء من غير أن يجحف بمقام قدسية الحق، والعكس، أن لا يحمل الإنسان قدسية الحق على غمط الناس حقوقهم؟ فعنونت المقالة: "منهج أهل السنة والجماعة في إنصاف الحق والخلق - ابن القيم نموذجًا".
ما قصة ابن القيم؟ كيف كان يتعامل ابن القيم مع أبو إسماعيل الهروي في زلاته وأخطائه وعثراته المتعلقة بهذا الكتاب؟ فاحصيت ممارسات متعددة وحاولت أن أصنفها، وحاولت أن أقدم من خلالها تبريرًا لمنهجية قواعد. عرضت هذه الورقة على ثلاثة من العلماء، فكلهم انتقدوا هذه الورقة، وكان جزء كبير من النقد الموجه لها أن ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه لا يمثل منهج أهل السنة والجماعة في هذا الكتاب إن كان قد دخلت عليه مواده الصوفية القديمة.
في حين أنني لما أقرأ الكتاب، لا أجد أنه من عيون المؤلفات الموجودة التي تحتاج إلى نوع من المذاكرة والمدارسة والآفاق حول كتاب ابن القيم رحمه الله عليه. وزي ما قلت، لما ينظر الإنسان في مقاربة ابن تيمية أو ابن القيم مقارنة بالموقف الحدي القائم اليوم، أظن أن هنالك فارقًا موضوعيًا كبيرًا.
حتى هنالك جزء من استجلاب المادة المصطلحية المتعلقة بهذا الباب؛ يعني لما تقرأ مثلاً في "رسالة العبودية" لابن تيمية، وهذا حتى عند ابن القيم موجود، لما يتكلم عن قضية الفناء، من أجل المقامات الموجودة عند الإطار الصوفي: مقام الفناء، منزلة الفناء. فيأتي الموقف التيمي فيما يتعلق بهذه القضية، وانتقل إلى ابن القيم، أن الفناء على ثلاث درجات: الفناء عن إرادة السوى، والفناء عن مشاهدة السوى، والفناء عن وجود السوى.
فإذا قصد الفناء عن إرادة السوى، بحيث أنه يفني الإنسان مراده في مراد الله عز وجل، أن لا يبقي لنفسي مرادًا مع إرادة الله عز وجل؛ فيقال بطبيعة الإرادة عندنا إرادة كونية قدرية وعندنا إرادة شرعية، فإذا قصد الإنسان يلغي مراداته وأهواءه في مقابل مراد الله الشرعي، فهذا من أعظم مقامات التدين والإيمان. لكن القصد الآن: أن يلغي الإنسان مراده في مقابل إرادة الله الكونية، فلا باب القدر يزاحم بالقدر، وإذا قدر الله سبحانه وتعالى عليك شيئًا كونًا، فيجوز للعبد أن يدافع قدر الله عز وجل بما يقدره الله سبحانه وتعالى كونًا.
وإذا قصد الآن الفناء عن مشاهدة السوى، بحيث يدعي الإنسان أنه لا يشاهد إلا الله سبحانه وتعالى، فهذا ليس من مقامات الكمال. وإذا انتقل الإنسان لطور أخطر، وهو الفناء عن وجود السوى، أن يعتقد الإنسان أنه لا يوجد سوى الله عز وجل، أن لا وجود أو لا موجود في الوجود غير الله سبحانه وتعالى، فينتقي لقول أهل وحدة الوجود، وأن الخالق مخلوق، شيء واحد؛ فهذا لا شك أنه من قبيل الكفريات.
لكن شاهد أن تسرب المعجم الاصطلاحي، التعبير الصوفي داخل هذا الإطار، هذا وارد وموجود في كلام الأئمة. فليس القصد بطبيعة الحال هو قبول الخطاب الصوفي كما يقال بقضية وقضيضة، وإنما على التعبير الذي استخدمه ابن تيمية رحمه الله لما كان يتكلم عن مسائل السلوك، يقول لك: مسائل السلوك ومسائل الاعتقاد إنما تُنتزع مادتها من الكتاب والسنة. ولذا أعلام التصوف المتقدمين، الجنيد مثلاً يقول لك: إن ما تقبل هذه المعاني وكذا، حتى ينظر في الكتاب والسنة، التي توافق الكتاب والسنة تصبح مقبولة، وما خالف الكتاب والسنة فهو مرفوض.
وإذا كان حتى من المشاريع أصلاً التي تحاول انتزاع هذه المادة العلمية من خلال الكتاب والسنة، فهذا مشروع مفروض يصير محل اهتمام ومحل عناية. فهل في شيء موجود في الساحة يخدم ما يتعلق بهذا الإطار وبهذا الموضوع؟ فأنا أقول لك: لا أعرف شيئًا متكاملاً، ولا حتى شيئًا يقارب الاكتمال، ولا حتى أعرف أن في بوادر مشروع حقيقي متعلقة بهذه المسألة. لكن قصارى ما أقدمه الآن على الأقل هو أهمية الاعتناء بهذا الباب، ويأتي هذا الباب الذي هو باب في مركزية التزكية في حياة المؤمن.
أعمال القلوب، وإنَّ عليها مدار الفلاح، ليؤكد هذه الحقيقة. لكن الفكرة الموجودة في هذا الباب هي مجرد التنبيه على هذه المركزية، والتنبيه على الآثار الإيجابية لجعلها مركزيات في حياة المسلم، لكن القضية أعتقد أنها تحتاج إلى قضية أكثر عمقًا، بحيث يكون هنالك نوع من أنواع التراتبية العلمية التي ذكرتها.
يصبح هنالك دروس تقام من أجل أن يُدرك الإنسان، فمثلاً عندما نكون مقبلين على موسم الحج، فكما يكون هنالك انصراف للاهتمام بشعيرة الحج على مستوى الأحكام والأركان والشروط المتعلقة بهذه الشعيرة، كذلك يصمد الإنسان إلى معرفة الخبايا، يعرف أسرار العبادة. وهنالك مؤلفات وكتب متعلقة بهذا الإطار مفيدة جدًا، وتفتح سبحان الله للإنسان أفقًا لم يكن يخطر له على بال، أنه فعلاً يمكن أن تتغير منهجية الإنسان في التعامل مع هذه العبوديات الظاهرة لله سبحانه وتعالى متى ما استطاع الإنسان أن يطور من كفاءته الباطنة المتعلقة بهذه المسألة، ويتعبد الله سبحانه وتعالى التعبد الذي يرضي الله سبحانه وتعالى عنه.
أبو الحسن النبوي عنده كتاب في أسرار العبادات، وهو كتاب مفيد جدًا؛ فيه أسرار العبادات: الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج. ومن الكتب كذلك، والذي يعتمد على الكفاءة العلمية الموجودة، فإذا كان الإنسان عنده كفاءة علمية جيدة يستطيع من خلالها أن يفرز مقام الحق من الباطل، فكتاب «إحياء علوم الدين» من الكتب النافعة والمفيدة جدًا، وفيه أسرار الحج، وكلام في غاية الروعة والجمال، مع إمكانية أن تقع هنالك مخالفات لنزعة التصوف التي حاصلة عند أبي حامد الغزالي. وإذا لم يكن عند الإنسان هذه الحالة، فلا أقل من أن يقرأ «مهذبات» سواء كانت المهذبات المتقدمة ولا المهذبات المعاصرة، فهي كثيرة.
لكن القضية المهمة التي أستطيع الآن الحديث عنها بنوع من الارتياح، هي قضية إثارة الاهتمام بهذا الملف؛ فمثلما تجد من نفسك كطالب علم نزعة إلى الاهتمام بصور العبادات الظاهرة، لابد أن توجد في نفسك نزعة أخرى كذلك، وهي الاعتناء بهذه التعبدات على مستوى السلوك، ومستوى التزكية، ومستوى التعبد الباطن المتعلق بها.
سؤال: إذا كان غير مرتبط أجيب عليه بعدين، لكن المنهجية في طريقة استنباط أسرار العبادات وهكذا؟ لأن كثيرًا ما أقرأ كتبًا في أسرار الحج وهكذا، فأشعر أن المؤلف فكر فيها، ولكن ما أظن أنه في منهجية.
بالطبع هناك مساران، لاحظ مثل ما ذكر ابن تيمية رحمه الله في عبارة جميلة: مسألة أن ترى علم السلوك وعلم الاعتقاد تنتزعه من دلال الكتاب والسنة. وبالتالي، الأدوات التي يستعين بها الإنسان من أجل التفقه في الكتاب والسنة، والقواعد الأصولية التي يتحاكم إليها في فهم هذه المعاني، هي ذات المعاني التي يتحاكم إليها؛ فلا توجد منهجية مختلفة جذريًا.
طريقة معرفة هذه الأسرار إما بسبيلين: إما أن تكون هذه الأسرار مكشوفة من خلال نص الشارع، يعني لما يتكلم مثلاً عن أعظم الأسرار المتعلقة بعبودية الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فالشارع ينبئ إلى هذا المعنى. ولما يتكلم على قضية الحج، ترى أن النبي ﷺ ذكر جملة من شعائر الحج لتعظيم الله عز وجل، فتكتشف أن هذه الهيئات الظاهرة هي شعائر يعظم الله سبحانه وتعالى منها، وبالتالي ينتقل الحديث لما يتعلق بعظمة الله سبحانه وتعالى.
المسار الثاني هو وفق المناهج الاستنباطية المقبولة التي يذكرها أهل العلم. وفي الجملة، إذا رجعت للكتب التي ألفت في هذا المجال، فبالذات العلماء الفقهاء عندما يجتمعون مع هذه القضايا، ولديهم التكوين العلمي -ليس الذي يدخل لهذا الباب عبر رصيده الصوفي المحض، بل الذي يدخل عبر رصيد فقهي علمي- تجد أن هنالك انضباطًا عاليًا فيما يتعلق بإدراك الأسرار المتعلقة بهذه المعاني.
الكلام طويل وكثير، ولكن لا أريد أن أسترسل، فالمقصد من الحديث السابق هو فقط إثارة الاهتمام بهذه القضية على مستوى العلم والمعرفة؛ لأن هنالك تقصيرًا فاحشًا. أحد المشكلات الموجودة عندنا عندما يتم بذل النصح والدعوة والإرشاد إلى تفعيل وتطبيق قضية معينة من غير ما يملك الإنسان أدوات تطبيق تلك المعرفة، نقع في إشكالية.
فمثلاً، من القضايا التي يحتاج أن تركز عليها وتهتم بها، ما يتعلق بأعمال قلبك كما تهتم بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فكذلك اهتم بالإخلاص ومراقبة الله عز وجل، والخوف من الله عز وجل، والرجاء في الله عز وجل، ومحبة الله عز وجل، وغيره من المعاني القلبية. هذا القدر مجرد يولد عندك الحمية والاهتمام بهذه القضية، لكن يصطدم الإنسان بعد ذلك بأنه ليس عارفًا كيف يفعل هذه المسألة. تذكر نفس المثال الذي ذكرته؛ عندما يتكلم الإنسان عن عبودية التفكر في أخلاق الله عز وجل، أو عبودية تدبر القرآن الكريم، ما لم يملك الإنسان أدوات تفعيل هذه العبودية، سيشعر بحالة من العجز. فهذا جزء من موجبات التركيز على هذه المسألة.
خلونا نشرع في ذكر بعض الآيات القرآنية على الأقل المتعلقة بهذا الباب، ودائمًا نحاول نربط آيات القرآن والحديث النبوي بمركزية التزكية في حياة المؤمن، وأهمية أعمال القلب وأن عليها مدار الفلاح.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]. هذه أول آية أوردها الشيخ أحمد. وإذا نظر الإنسان في مادة التزكية، هنالك آيات مشابهة لها متعدية في القرآن الكريم، مثل قول الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ [الأعلى: 14]، وقوله عز وجل: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ﴾ [النازعات: 18].
جزاء من تزكى، وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة. يأتي هذا على وجه تفسيري؛ لأن الذين لا يؤتون الزكاة، بعضهم لا يأتون الزكاة من باب التزكية، وبعضهم من باب الزكاة (المالية). وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة جاء على وجه قول الله عز وجل: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ [الليل: 18]، وقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۖ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [الأعلى: 14]. هذه أول قضية، وهذا المعنى ورد ذكره متعددًا في القرآن الكريم.
من القضايا التي هي إحدى الآيات الشبيهة بها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ﴾ [الأعلى: 14]. ما الفرق بينهما؟ الأولى: «زكاها»، والثانية: «تزكى». في الأولى التزكية عائدة على النفس، وفي الثانية التزكية عائدة على النفس أيضًا.
لنتأمل في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، فمن الناحية النحوية «زكاها» فعل ماضٍ، و«تزكى» فعل مضارع. فما الذي يخدمنا في المعنى؟ «قد أفلح من زكاها» يعني أن من زكى نفسه في الماضي، والآن يمر بمرحلة الفلاح، فإذا تحقق له شرط التزكية فقد وصل لنتيجة التزكية الصحيحة، وهذا واضح في ثناء الله سبحانه وتعالى على العبد الذي وصل إلى هذه الرتبة.
أما ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ﴾، فالفعل «تزكى» على وزن «تفعَّل»، وهذا يدل على بذل الجهد ونوع من الكلفة. وهذا يفتح للإنسان أفقًا؛ فما دام هو على طريق طلب التزكية فهو ممدوح. لاحظ الآية الأولى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، أي أن من تحقق له هذا الأمر ووصل إلى حال التزكية فقد أفلح، فنقول من كمال رحمة الله سبحانه وتعالى أنه حتى في حال السعي للوصول إلى هذه الحالة، ومع ما يصاحبها من كلفة ومشقة وجهد، ما دمت أنت ساعيًا للتزكية فأنت في موطن الفلاح.
ما معنى «أفلح»؟ أي نجح وفاز، فيدل على تحقق وصف الفلاح. وقد جاءت ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ في سياق سورة الشمس، حيث يقول الله عز وجل: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَالنَّفْسِ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 1-9].
موقع ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ هنا هو جواب القسم. فأقسم الله عز وجل بأشياء متعددة، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. فبعض العلماء يرى أن ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ و﴿قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ هما جواب القسم، وأن الله سبحانه وتعالى يقسم على أن الفلاح محصور في التزكية، والخيبة متعلقة بالتدسية.
بينما يرى الزمخشري أن هذا ليس هو جواب القسم. ولماذا قال ذلك؟ لأن الآية التي سبقتها ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، فالمعنى متعلق بها. فالسورة تتحدث عن النفس التي ألهمها الله سبحانه وتعالى، ثم يكمل السياق: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
ثم تأتي قصة ثمود: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: 11-14]. فـ«فدمدم» هي التي تشير إلى جواب القسم عند الزمخشري، حيث يرى أن جواب القسم مقدر؛ كأن الله عز وجل يخاطب كفار قريش قائلاً: «ليدمنَّ عليكم كما فعل بهم»، ومن هنا ذكر القصة والقسم؛ لبيان أنهم إذا استمروا على الكفر فسيصيبهم ما أصاب قوم ثمود.
أما المسألة التي تهمنا الآن، فهي «التزكية». ما المعاني التي تندرج تحت لفظ التزكية؟ التزكية تعني: النماء، والتطهير، والإعلاء. والتزكية عمليًا نوعان: تزكية للنفس بالعمل، وتزكية للنفس بالقول. وكلا المعنيين وارد في القرآن الكريم.
في التزكية بالعمل، يقول ابن رجب رحمه الله: «فالطاعة تزكي النفس وتطهرها فترتفع، والمعاصي تدسي النفس وتقمعها فتنخفض وتصير كالذي يدفن في التراب». والنوع الثاني هو التزكية بالقول، ومنه قول الله عز وجل: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النجم: 32]. وهنا قد يشكل سؤال: هل نحن مأمورون بالتزكية أم لا؟ والجواب أن هناك فرقًا بين التزكية بالعمل والتزكية بالقول؛ فالشريعة لا تنشد من الإنسان أن يزكي نفسه بقوله، ولذا يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 49].
ومن المعاني المهمة استحضار مَن هو فاعل «زكى» في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. فقيل إنه الشخص نفسه، أي أن الإنسان هو الذي يقوم بتزكية نفسه. ويقول ابن عطية في توجيه هذا القول: كأن الله تعالى قال: قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زكاها الله تعالى...
على جمع أو إفراد، ووجه القول الثاني بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، أي أن الله تعالى هو الذي زكاها وهو الذي خلقه الله تعالى له.
ثم قال: لاحظ الآن ستأتي دلائل لترجيح المعنيين؛ هل يمكن أن يحمل على هذا؟ فقال: ويروى أن النبي ﷺ كان إذا قرأ الآية قال: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». فكان النبي ﷺ عندما يذكر هذه الآية يشير إلى أن المزكي للنفس هو الله سبحانه وتعالى.
وجاء في حديث ضعيف عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾: «أفلحت نفس زكاها الله تعالى، وخابت نفس خيبها الله من كل خير». لكنه حديث ضعيف، أما الحديث الذي ورد عن زيد بن أرقم فهو صحيح، وسنشرحه، وهو قوله: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها وزكّها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها».
والحديث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ فُقد من مضجعه فلمسته بيدها فوق عليه وهو يقول: «ربي آتِ نفسي تقواها، زكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها».
سأقرأ الآن كلامًا للإمام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى فيما يتعلق بهذه المسألة، وهي: من المزكي؟ هل «قد أفلح من زكاها» تعني أن الله عز وجل هو المقصود في هذه الآية، أم أن الإنسان هو المزكي لنفسه بعمله؟
يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «وقيل قد أفلحت نفس زكاها الله، وقد خابت نفس دساها الله، وهذا قول الفراء والزجاج، وكذلك ذكره الطبري عن ابن عباس»، ثم انتقده مسندًا للغة والدلالة العقلية.
وجه نظر ابن تيمية هو أن الآية لا يمكن أن تُحمل على هذا المعنى، أي أن فاعل التزكية هو الله عز وجل؛ قائلًا إن هذا الأثر الوارد عن ابن عباس ليس هو مراد الآية، بل المراد بها الأول، وهو أن فاعل تزكيتها هو الإنسان الذي يزكي نفسه، والله عز وجل هو المزكي لفظًا ومعنى. لاحظ أن ابن تيمية لا يرى أن هنالك احتمالًا لإرادة المعنى الأول، بل يرى أن المقصود به الإنسان قطعًا لفظًا ومعنى.
قال: «أما اللفظ فقوله: {مَن زَكَّاهَا} اسم موصول، أي قد أفلح الذي زكى نفسه، ولا بد فيه من عائد على (مَن). فإذا قيل: قد أفلح الشخص الذي زكاها، كان ضمير الشخص في (زكاها) يعود على (مَن)، وهذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته، كما يقال: قد أفلح من اتقى الله، وقد أفلح من أطاع الله، وقد أفلح من خاف منه. وأما إذا كان المعنى: قد أفلح من زكاه الله، فلم يبقَ في الجملة ضمير يعود على (مَن)، فإن الضمير على هذا يعود على الله، فيصير الوهم أن (قد أفلح من زكاها) معناه: قد أفلح الله الذي زكى نفوس عبادي، وهل هذا معنى محتمل؟ لا».
ثم قال: «وضمير المفعول يعود على النفس المتقدمة، فلا يعود على (مَن)، فلا ضمير للفاعل ولا للمفعول، فتخلو الصلة من عائد، وهذا لا يجوز. ولو قيل: قد أفلحت نفس زكاها، لكانت (زكاها) هنا صفة لنفس لا صلة، بل قال: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} فالجملة صلة لـ (مَن) لا صفة له».
وأضاف: «ولو قال أيضًا: قد أفلحت النفس التي زكاها، فإنه لو قيل ذلك وجُعل في (زكاها) ضمير يعود على اسم الله، فإذا تكلفوا وقالوا التقدير: قد أفلح من زكاها هي النفس التي زكاها الله، وقالوا في (زكى) ضمير المفعول يعود على (مَن) -وهي تصلح للمذكر والمؤنث والواحد والعدد- فالضمير عائد على معناها المؤنث وتأنيثها غير حقيقي، ولهذا قيل: {قَدْ أَفْلَحَ} ولم يقل: {قَدْ أَفْلَحَتْ}، فقيل لهم: هذا ما عناه خروج من اللغة الفصيحة؛ فإن من يصح إذا دل الكلام على ذلك في مثل: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾، فإن قوله (مَن) دل على أن المراد النساء فقيل (تقنت) وكذا قوله: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ونحو ذلك. وأما هنا، فليس في لفظ (مَن) وما بعدها ما يدل على أن المراد به النفس المؤنثة، فإنه لم يقل: "قد أفلحت"، ولا قال: "قد أفلح من النفوس من زكاها"، وقد تقدمها قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، فتقدم ما يصح عود ضمير المؤنث إليه، ولم يتقدم دليل على عوده إلى غير ذلك، فلا يجوز أن يراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته، فإن مثل هذا مما يصان كلام الله عنه».
ويتابع ابن تيمية: «فلو قدر احتمال عود ضمير (زكاها) إلى (نفس) وإلى (مَن)، مع أن اللفظ (مَن) لا دليل يوجب عوده عليه، لكانت إعادته إلى المؤنث أولى من إعادته لما يحتمل التذكير والتأنيث، وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث، فإن الكلام إذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما، ومن تكلف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف، والقرآن منزه عن ذلك، والعدول عما يدل عليه ظاهر الكلام إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز البته، فكيف إذا كان نصًا من جهة المعنى؟».
المشكلة الأساسية التي يبني عليها ابن تيمية استشكاله تتعلق بقضية (مَن)؛ فإذا جعلت الفاعل هو الله عز وجل، سنقع في إشكالية: إلى من تعود (مَن) في الاسم الموصول؟ فجاءت التقديرات لتقول: لماذا لا نقول إن (مَن) هي النفس؟ فأورد ابن تيمية إشكالية أن (مَن) يمكن أن تُستعمل في حق المذكر والمؤنث، فاستند إلى قاعدة أنه لا يصح استعمالها في التأنيث إلا إذا وجد في السياق ما يدل على إرادة المؤنث، وهذا السياق بخلاف الآيات الأخرى التي سُيد فيها ذلك، فليس موجودًا هنا. هذا كل ما يتعلق بقضية اللفظ، لكن إذا نظر الإنسان في...
المسألة هذه من جهة المعنى؛ يقول: فكيف إذا كان نصًا من جهة المعنى؟ قال: فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور، وهذا موضوع آخر، والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم والتحذير من تدسيتها.
يقول الآن إن الله عز وجل ألهم كذا، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}. هل المقصود الآن، الذي هو مجرد الخبر بأن الله سبحانه وتعالى يزكي النفوس، وأن النفس التي زكاها الله سبحانه وتعالى هي النفس الفائزة، بس هذا المقصد؟ أم هو حث العبادة على تطلب تحقيق هذه التزكية؟ فهذا من جهة المعنى.
قال: فلو قُدّر أن المعنى «قد أفلح من زكى الله نفسه» لم يكن فيه أمر لهم ولا نهي ولا ترغيب ولا ترهيب. والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر بمجرد القدر، فلا يقول: «من جعله الله مؤمنًا»، بل يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. هل يقدر الله عز وجل قضية الإيمان؟ يقول ابن تيمية: نعم، بس حتى لما يذكر الله عز وجل مثل هذه المسائل القدرية، لابد أن تشتمل على حظ من تزكى؛ إذ الذكر بمجرد القدر في هذا يناقض المقصود ولا يليق، وهذا بأضعف الناس عقلًا، فكيف بكلام الله!
ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر ما يناسبه من الوعد والوعيد والمدح والذم؟ وإنما يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم، إما بما ليس من أفعالهم، وإما بإنعامه بالإيمان والعمل الصالح، ويذكره في سياق قدرته ومشيئته، وإما في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند النعم؛ كقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، فهذا مناسب. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، وهذه الآية من جنس الثانية للأولى. وابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى كذلك رجح هذا المعنى في كتابه «التبيان في إيمان القرآن»، فذكر كذلك مبحثًا مطولًا فيما يتعلق بهذه المسألة، وجزءًا في تقاطعات، وفيه فوائد زائدة مما يتعلق بهذه المسألة. فهذا ما يتعلق بالآية الأولى.
إيش مناسبة الآية للباب؟ التزكية؛ مركزية التزكية، صح ولا لا؟ إن من المقامات الدينية التعبدية التي أمر الله سبحانه وتعالى العبادة بتحقيقها، أن يحققوا حالة الزكاة في نفوسهم.
الآية الثانية يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾. طيب، «جنات عدن»، جنات أي؟ ليس فقط، بل إيش إعرابها النحوي؟ «جنات عدن» تجي من تحت الأنهار وخالدين فيها؟ لا، هي بدل. بدل عن إيش؟ طبعًا أنا لم أنصفكم في هذا السؤال، لأن البدل يأتي عن شيء ماضٍ، فما هي الآية التي قبلها؟ ﴿أَن لَّا يَسْمَعُوا لَهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾، لا، هذه الآية التي في سورة طه: ﴿وَلَا يَظُنُّونَ شَيْئًا﴾.
أي، الذي يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ﴾، فـ «جنات عدن» هي بدل عن إيش؟ «الدرجات العلى». عرفت؟ يعني كان الله عز وجل: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، بدل عن الدرجات العلى.
طيب، ما معنى «جنات عدن»؟ قال ابن القيم في «الروح»، وهذه مسألة يراعيها طالب العلم في العودة للمسائل؛ يعني تبي تعرف أي شيء يتعلق بقضية الجنة، فمن أهم المراجع في هذا الباب كتاب «الروح» للإمام ابن القيم. فقيل: هل «جنات عدن» هي جنة مخصوصة؟ فقال: قيل هو اسم لجنة من جملة الجنات، يعني هنالك جنات متعددة في الجنة، إحدى تلك الجنات اسمها «جنات عدن». والصحيح كما يقول ابن القيم أنه اسم لجملة الجنات، يعني عندنا الجنة مشتملة على الجنات، كل الجنات الموجودة هي جنات عدن، فكلها جنات عدن.
قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾، وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿مَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. والاشتقاق يدل على أن جميعها جنات عدن، فإنه من الإقامة والدوام؛ يقال عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، وعَدَنَتِ البلد توطنته، وعَدَنَتِ الإبل بمكان كذا لزمته فلم تبرح منه. قال الجوهري: ومنه «جنات عدن» أي جنات إقامة، ومنه سمي المعدن بكسر الدال؛ لأن الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء، ومركز كل شيء معدنه، والعادن الناقة المقيمة في المرعى. فعلى الصحيح «جنات عدن» المقصود بها كل الجنات؛ لأنها مأخوذة من الإقامة، وهذا معنى متحقق لكل من أتخل الله عز وجل بكرمه الجنة.
يقول الله عز وجل: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي تجري الأنهار من تحت إيش؟ من تحت الغرف والأسرة، ومكان في الجنة الأنهار تجري من تحته. الله عز وجل أخبرنا عن طبيعة تلك الأنهار في الجنة، فهنالك نهر من خمر، ونهر من عسل، ونهر من لبن، ونهر من ماء. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، إيش معنى الخلد؟ يعني ماكثين فيها أبدًا أو دائمين. ﴿وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾؛ أي من تطهر من الكفر والمعاصي. تلاحظ الآن «وذلك جزاء من تزكى»، يعني المفترض أن يحمل الإنسان على كل الأوجه المقبولة من لفظ التزكية؛ فذلك جزاء من تزكى لو سعى في تزكية إيمانه، في تنمية إيمانه، في تطهير إيمانه، في إعلاء شأن إيمانه وغيرها من المعاني.
هذا الكلام، «جنات عدن تجري من تحتها الأنهار وخالدين فيها وذلك جزاء من تزكى»، إذا رجعنا لآية سورة طه، هذا الكلام جرى في أي سياق؟ رد على فرعون، مين اللي تكلم به؟ السحرة، صح ولا لا؟ طيب هل يشكل هذا ولا ما يشكل؟ نعم، إيش وجه الإشكال؟ كيف علموا ذلك؟ إيش اللي حصل الآن؟ صارت الاصطدام بين موسى عليه الصلاة والسلام بينهم، فلما رأوا معجزة موسى أسلموا، صح ولا لا؟ فيرد الإشكال: كيف عرفوا هذه الحقائق في تلك اللحظة؟
فالجواب: لاحظ عندنا احتمالين؛ الاحتمال الأول أنه ليس هم الذين يتكلمون بهذا الكلام، إنما المتكلم به هو الله عز وجل، يعني أن جملة معتبرة في سياق القصة من قبل الله عز وجل، "جنات عدن" أن أخبر الله عز وجل بهذا الخبر. الاحتمال الثاني أن هم الذين قالوه، طيب كيف يمكن يجيب الإنسان على هذا؟ موسى عليه السلام كان يدعو، فسمعوا هذا من دعوة موسى، أو سمعوه من دعوة أتباع موسى من بني إسرائيل، أو القضية التي أوردها بعضهم...
العلم أن ما المانع أنه ألهموا هذا الكلام إلهامًا؟
زين، طيب، في قضية منهجية جميلة جيد التذكير بها وتنبيه، وهي في مقدمة ابن خلدون، ذكر معنى لطيف؛ أن الأصل في تفسير الظواهر الموجودة في هذه الحياة الدنيا أن تُفسر تفسيرًا سننيًا، أي موافقًا للسنة الإلهية. فإذا عجز الإنسان عن التفسير عجزًا مطلقًا في ضمن الإطار السنني، بعدها يستطيع الإنسان الانتقال إلى المربع الخارق، لكن ليس الأصل أن الإنسان مباشرة يصمد إلى قضية الخارق.
إذاً، لماذا جئت بالكلام في قول السحرة؟ عندنا قضية الإلهام؛ قضية الإلهام هي قضية من قبيل -أقرب إلى خوارق العادات- أن يعرفوا هذه المعلومة على التفصيل؛ لأن الله عز وجل قذف في قلوبهم ابتداءً، فقالوا: ﴿جَنَّاتٍ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الكهف: 107]. أو الاحتمال الثاني أنهم سمعوا بهذا الكلام عن موسى عليه الصلاة والسلام. فأنا أقول لك: الأصل أنه يفسر على الوجه الأول، إلا إذا اضطر الإنسان اضطرارًا للتفسير على الوجه الثاني، وهذا له مسالكه وفوائده المتعددة.
الآية الثالثة يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾ [النور: 21]. يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "ذكر ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته لكم ما تطهر منكم من أحد أبدًا من دنس ذنوبه وشركه، ولكن الله يطهر من يشاء من خلقه".
من المخاطب بهذا؟ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾. نلاحظ هنا أن في مكافحة للخطاب، فمن المقصودين بهذا؟ هناك احتمالان: الاحتمال الأول أن هذا خطاب من الله عز وجل لعموم البشر، لعموم الناس والخلق. والاحتimal الثاني أن المخاطبين هم الذين خاضوا في أمر المتكلمين في الآثام، والأظهر هو القول الأول. ثم اختلف في معنى ما ذكر على أقوال، وكلها أقوال متقاربة؛ فقالوا في قوله: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُم﴾: أي ما اهتدى، أو ما أسلم، أو ما صلح، أو ما طهر، وتلاحظ أن هذه كلها المعاني هي من قبيل اختلاف التنوع.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾؛ فلاحظ أن هذا المعنى يتكرر فيما يتعلق بباب التزكية، سواء بالتزكية بالقول أو التزكية بالعمل. فإما أن يكون تزكية الله عز وجل للعبد بأن يوفقه لما تتحقق له به مقامات التزكية، أو أن الله يثني على من يشاء.
فالأظهر في سياق الآية أنها تتحدث عن توفيقه لعباده للقيام في مقام التزكية، ولكن من جهة التركيب اللفظي يحتمل أن ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾ إذا زكى الله عز وجل عبدًا ورفعه لتلك المنزلة، فإنه يزكيه بمعنى يثني عليه تبارك وتعالى.
الآية الرابعة والخامسة؛ يقول الشيخ أحمد وقد وصف الله تعالى وظائف رسوله ﷺ التي بعث بها، فجعل التزكية أساسًا فيها، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2]، وقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾ [البقرة: 151].
فالتنبيه الذي نبه عليه هو أن النبي ﷺ أناطه الله عز وجل بوظائف، إحدى تلك الوظائف الأساسية هي إقامته مقام التزكية لأصحابه وللأمة. وبالتالي هذا يؤكد أن أحد الأدوار الإصلاحية المتعلقة بالداعية ليس مجرد الاختصار على فعل التبليغ أو فعل التعليم، بل من الأدوار الأساسية التي يحتاج الداعي أن يراعيها في طبيعة خطابه الدعوي ومشروعه الإصلاحي هي السعي في تزكية الناس، والسعي في ترقيتهم وتنمية أحوالهم، وتطهير نفوسهم من أدوائها وأمراضها؛ لأن هذا جزء من استكمال سنة النبي ﷺ التي كانت مناطة به.
نستعرض الآيتين بشكل سريع، يقول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾. أول شيء، من هم الأميون في هذه الآية؟ فيها قولان؛ القول الأول: قيل هم العرب كافة. والإشكال الذي يرد هنا: إذا قلنا إنهم العرب كافة، فهل نستطيع استبدال "الأميين" بكلمة "العرب"؟ فليس جميع العرب أميين، بمعنى من كان منهم يكتب ويقرأ. فالأصل في الأمي هو من لا يقرأ ولا يكتب. فإذا فسرت الآية بأنهم العرب، سيرد عليك ويقال: العرب منهم من كان يكتب.
فأجابوا عن هذا بقولهم: ليس المقصود بالأمية هنا جهة الكتابة والقراءة، بل هي الأمية الدينية بمعنى أنهم ليسوا أهل كتاب، وهذا هو القول الأول. والقول الثاني: أن الأميين هم الذين لا يكتبون، وكذلك كان حال قريش، فالله عز وجل بعث النبي ﷺ في أمة أمية، فإما أن يكون المقصود بها الشيء الشبيه بالأمية الدينية بحيث ليسوا أهل الكتاب، أو المقصود بها حقيقة الأمية أي أنهم لا يكتبون ولا يقرؤون، وهذا على جهة التغليب كقريش. و﴿رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ أي من هذه الأمة.
هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم. من الأميين، صح ولا لا؟ من الأميين، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم، إذا قلت الحين بعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأميين، إيش معناته؟ هو يصير فيه إشارة إلى إيش؟ لا إشارة إلى إيش؟ إلى أميته، صح ولا لا؟ أنا قصدي الحين إذا فسرت أن تعود إلى هذا المعنى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2].
فيصير الاحتمال الأول أن بعث نبيًا أميًا في قوم أميين، والمعنى الثاني يصير المقصود إيش؟ من أصلهم، من أنفسهم، زين، مثل قول الله عز وجل: ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ يعني أن منكم وفيكم، كما يقال إن تعرفون نسبه وتعرفون أحواله وتعرفون أميته وغيرها من المعاني، جيد. ففي اختلاف يصير يسير، طيب إذا قيل بالقول الأول ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾، سياق الآية القرآنية هذه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾، هذا يسمونه سياق إيش؟ سياق الامتنان، صح ولا لا؟ أن الله سبحانه وتعالى يمتن على العباد بأن بعث في العربي نبيًا منهم.
طيب السؤال الحين إذا حملت الآية على أن الله عز وجل قد امتن ببعثه نبيًا أميًا إلى أمة أمية، إيش وجه الامتنان في كون النبي صلى الله عليه وسلم أميًا؟ واضح أن الامتنان أن الله عز وجل قد بعث للعرب رسولًا، ظاهر فيه الامتنان، لكن أحد الأوجه التفسيرية التي قيلت في الآية هو الذي بعث في الأميين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون نبيًا رجلًا أميًا مثلهم. بس راعي الحين سياق الامتنان، فإذا كان سياق الامتنان متعلقًا بمبدأ إرسال الرسول فهذا واضح، صح ولا لا؟ واضح سياق الامتنان.
طيب ما سياق الامتنان؟ لماذا امتن الله عز وجل على العرب الأميين بأن بعث الله عز وجل لهم نبيًا أميًا؟ إيش وجه الامتنان؟ يعني أنه منهم وفيهم، مثل الأقوال التي قيلت لأن الماوردى رحمه الله عليه أورد سؤالًا قال: فإن قيل ما وجه الامتنان في أن بعث نبيًا أميًا؟ فأجاب، فذكر وجهًا قريبًا وهو أن مشاكلتهم في الأحوال تجعله أقرب، يعني تجعلهم أقرب في الاهتداء. نحن نتكلم عن الأمية، إن مما يسهل عليهم الاهتداء بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم الوقوع المشاكلة بينه وبينهم في هذه الحال، هذا الأول، مع أنه أمي في الكتابة والقراءات يعني هو معلم من الله.
جميل، لأن سياق الامتنان هو إعطاؤه شيئًا من مزيد الحجج، بمعنى أن هذا الإنسان الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرف قصص الأخبار الماضية ولا يعرف كيف تستطيع أن تفسر في ضوء هذه المعطيات وهذه المعادلات الحالة الموجودة، يصير إقامة الحجة بصدق رسالته أبلغ في هذه الحالة، فيكون من كمال امتنان الله عز وجل، يقول: أنا سهلت عليكم ذرائع الإيمان به لأني لو جعلته رجلًا يكتب لقلتم يعلمه. القول الثالث أن بعضهم قال: إن وجه الامتنان ما تقدمت البشارة به من الأنبياء السابقين أنهم بشروا بنبي أمي، فيصير الحين لما بعث الله عز وجل نبيًا يتحقق فيه معنى البشارة فيسهل عليهم دواعي الإيمان.
يقول الله عز وجل بعدها: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾، طيب إيش معناه ويزكيهم الحين؟ دائما نرجع لنفس المسألة أن مما يحتمل من جهة الدلالة اللغوية المحضة اللي هو تزكية بالقول وتزكية بالفعل، فإذا كان تزكية بالفعل فواضح، صح ولا لا؟ أن من أدوار النبي صلى الله عليه وسلم أن يزكيهم، أنه يرتقي بهم في منازل الإيمان، يرتقي بهم في منازل التزكية، أن يطهر قلوبهم من المواد الفاسدة، أنه ينمي الحالة الإيمانية الموجودة عندهم. وقيل يزكيهم بالثناء والمدح، بمعنى أن الثناء والمدح لازم لفعل وقع من النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، بمعنى أنهم يتحققون بخلق حسن فيثني عليهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتوا بالخير وإذا أتوا بالقربة. هذا قيل، بس أنا أقول لك هل هو أظهر في الدلالة؟ الأظهر في الدلالة أنه يزكيهم المقصود به أنه يرتقيهم إيمانيًا، وجود النبي فيهم يرفعهم مقامًا فيزكيهم.
الأظهر والله أعلم، لما تتكلم عن الوظائف النبوية، ولما يقول الله عز وجل ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾، فهنالك فعل صادر من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الله عز وجل يمتن على العباد بأن الله عز وجل قد أرسل لهم رسولًا يفعل لهم الفعل الأول والفعل الثاني، ليس المقصود مجرد وجود شخصي ويفعل لهم الأفعال التي وردت. ثم يقول الله عز وجل تمام الآية: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، يعلمهم الكتاب اللي هو القرآن الكريم، والحكمة قيل هي السنة، قالوا: الحسن بصني واستنادًا لمثل قول الله عز وجل: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، فآيات الله واضح القرآن، طيب ما الحكمة؟ وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ هذا نقول إن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحي، وقيل إن الحكمة في هذه الآية هي الكتاب والخط والقلم، وقيل الحكمة الفقه في الدين، قال مالك بن أنس. قال الله عز وجل في تمام الآية: ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ يعني وإن كانوا من قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في حالة من حالات الذهاب والصدود والبعد عن الحق.
في ثلاث آيات مشابهة لهذه الآية القرآنية، نقرؤها لأن فيها ملحظًا مهمًا، يقول الله سبحانه وتعالى ربنا في سورة البقرة، ركزوا في الآيات لما أسأل سؤالًا متعلقًا بها، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 129]، ويقول الله سبحانه وتعالى في آل عمران: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164]، وفي سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2].
إيش الفرق الموجود بين هذه الآيات الثلاث؟ الترتيب صح ولا لا؟ أن الآية الأولى ايش اللي حصل فيها؟ أنه أخر ذكر التزكية، في الآيتين الأخريين قدم ذكر التزكية، صح ولا لا؟ فهذا اللي أورده ابن زبير الغرناطي في كتاب ملاك التأويل القاطع بذل الإلحاد والتعطيل، سؤال مفاده قدم في الأولى ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾، وأخر ويزكيهم، ورد في سورتين بعد على العكس من ذلك في السائل أن يسأل عن وجه ذلك. في توجيهين، في توجيه ذكره ابن زبير الغرناطي، وفي توجيه ذكره الراغب الأصفهاني، فما رأيكم؟
إن ترتيب دعاء إبراهيم عليه السلام فيه اعتقاد من إبراهيم عليه السلام في أن التزكية تترتب على تعلم الكتاب والحكمة أولًا، ثم يتزكون بذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى يخبر بأن الرسول عليه الصلاة والسلام يزكي أنفسهم أولًا ثم يعلمهم الكتاب، في إشارة لحديث: كنا فتيان حزاورة عند رسول الله فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فزاد النبي.
جميل، لاحظ التركيز على قضية أن هذا دعوة إبراهيم صحيح وجزء من المعاني ذكرت صحيحة، بس في بقية حتى معين ما بها إيه، في موجب ليش إبراهيم الخليل على الصلاة والسلام أخر التزكية في دعوته وبعدين ذكرت التزكية مقدمة بعد ذلك؟
الآن لاحظ المعطيات التي وصلت إليها، أن قضية الآية الأولى هي دعوة دعا بها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ترى هذا جزء من حل الموضوع من الناحية الزمانية، أن في معادلة تزكية تتأثر زمانيًا في موجب، اختلفت عن مساق ما أراده إبراهيم. إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام دعا لقوم موجودين أو غير موجودين؟ غير موجودين، صح ولا لا؟ طيب أحد الأدوار الأساسية المتعلقة بفعل التزكية ما هو؟ وجود. لا، أحد الوظائف الأساسية المتعلقة بالتزكية، نحن ذكرنا يندرج فيها معنيين أساسيين، التزكية القول لا، لما أتكلم على التزكية العملية، لما قلنا ما معنى التزكية ذكرتم تطهر وتطهر وزيادة، صح أو تنمية صح ولا لا؟
فالحين خلونا نلاحظ، إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يدعو لقوم لم يوجدوا بعد، صح ولا لا؟ بأن يرسل الله عز وجل إليهم رسولًا، إيش اللي يفعل هذا الرسول معهم؟ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾، فأخر ذكر التزكية، صح ولا لا؟ طيب لماذا أخر إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فعل التزكية لقوم لم يوجدوا بعد؟ إيش السبب؟ حسن ظن، لا مو بس حسن ظن، في سبب يجب هذا الترتيب، أنهم ما وجدوا أصلاً فتطهروا، أيوه ما إلى الحين لم يقع منهم شيء مستوجب للتطهر، صح ولا لا؟ فراح تأخر الموضوع. يعني أولئك قوم يحتاجون إلى من يتلو عليهم الآيات ويعلمهم الكتاب والحكمة، وبعد ذلك تأتي التزكية بعد وقوع النقصان، لكن الآيتين الأخريين ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾، الحين يتحدث الله عز وجل على شيء قائم موجود، فهؤلاء الحين القائمين الموجودين، ما هي الأولوية المتعلقة بهم الحين؟ التزكية، ليش؟ لأن في خلل في ضلال موجود، صح ولا لا؟ فقال الله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، لأن أحد القواعد المتعلقة بفعل التربية اللي هو يسمونها قاعدة التخلية ثم التحلية، صح ولا لا؟ أول شيء تخلي المحل من المادة الفاسدة ثم تحليه بالمادة الصالحة، فتلاحظ الآية الثانية راعت هذا البعد، هذا المعنى اللي أورده ابن زبير الغرناطي باختصار.
الراغب الأصفهاني ذكر معنى آخر، معنى لطيف كذلك، قيل التزكية من الله عز وجل ضربان، أحدهما الشهادة بطهاره الإنسان، فالتزكية من الله عز وجل ضربان، أن في شيئين ثناء وشيء توفيق، فيقول أحدهما الشهادة بطهاره الإنسان، وذلك يكون بتزكية الإنسان نفسه، يعني الله عز وجل يثني على العبد ما تتحقق من الإنسان تزكية نفسه، قال: وذلك مؤخر عن تحصيل الإنسان الكتاب والحكمة والعمل بهما. لاحظ شو يقول الحين، يقول التزكية من الله ضربان: أحدهما الشهادة بطهاره الإنسان، وذلك يعني شهادة الله عز وجل بطهاره الإنسان إنما هي نتيجة لتحقق طهاره الإنسان من نفسه، وذلك متى تحصل هذه الطهارة للإنسان؟ تحصل بعد أن يحصل الإنسان الكتاب والحكمة ويعمل بهما، وإياهما عنى إبراهيم عليه السلام في دعائه، فلذلك ذلك أخر. كانه يقول أنهم عشان يصلون لهذه الرتبة يحتاجون إلى هذه الموطئات حتى يصلوا إليها. قال: والثانية من الله عز وجل تبين أحكامه الشرعية ومن العبد العمل بها، وذلك متقدم على معرفة الكتاب والحكمة، وهي المعنية هاهنا فلهذا قدم، واضح؟ هذا إشارة أخرى.
الآية الأخيرة المتعلقة بهذا الباب، وإن كانت مشابهة للآية اللي ذكرناها قبل قليل، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151]. أول قضية متعلقة بهذه الآية اللي هي الكاف ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾، الكاف هذه كاف ايش؟ تشبيه، صح ولا لا؟ طيب تشبيه بماذا؟ الرسل قبل، فهو مذكور بس لاحظت لأنه لما تأخذ الآية مقتطعة من السياق ما يظهر ايش اللي وقع قبل، فطبعًا الاتجاهات التفسيرية.
المتعلقة بها في اتجاهين كبيرين: أول شيء أن الكاف هذه متعلقة بأمر سابق، أي أنه ينظر الإنسان إلى الآيات السابقة، وفي اتجاه آخر يرى لها أن الكاف هذه متعلقة بشيء سيأتي. نأخذها على المعنى السابق في ثلاثة أمور محتملة؛ أي في ثلاث آيات سابقة لها، بعض العلماء ربطوها بـألف أو ربطوها بـباء أو ربطوها بـجيم.
الأول قالوا إنها متعلقة بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 150]، بعدين ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ﴾ [البقرة: 151]. فيصير معنى الكلام: ما وجه التشبيه؟ وما وجه المشابهة؟ يقول الله عز وجل: إن هذه الآية ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ﴾ متعلقة بقول الله عز وجل ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. هذا جزء من النعمة، فيكون المعنى: ولأتم نعمتي عليكم كإرسالي إليكم رسولًا، أي أتم هذه كما أتممت عليكم نعمتي بإرسال الرسول. كان الله عز وجل يريد طمأنتكم: كما أرسلت لكم رسولًا سأتم نعمتي عليكم.
المعنى الثاني قيل إنها متعلقة بقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 128-129]. فكأنه تعالى قال: ولأتم نعمته عليكم ببيان الشرائع وأهديكم إلى الدين، إجابة لدعوة إبراهيم، كما أرسلنا فيكم رسولًا إجابة لدعوة إبراهيم.
القول الثالث أنه متعلق بقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]، فيكون التقدير: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا كما أرسلنا فيكم رسولًا؛ أي كما أرسلنا فيكم رسولًا من شأنه وصفته كذا، فإننا جعلناكم أمة وسطًا من شأنكم وصفتكم كذا وكذا.
القول الثاني أنه متعلق بما بعده وهو قول الله عز وجل: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، فيصير المعنى: كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يعلمكم الدين والشرعة، فاذكروني أذكركم. يعني الله عز وجل يريد انتزاع مادة الذكر منكم، فيذكرهم بمنته سبحانه وتعالى عليهم بإرسال رسول: كما فعلت لك كذا، فافعل كذا. لكن قال الراغب الأصفهاني في تفسيره في تعلق الكاف بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ قال إنه بعيد، ويمكن أن يعلل قوله بأن تعلق الكلام بما قبله أولى إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فاصل. يعني الأولى أن كاف التشبيه تتعلق بمعنى سابق ولا تتعلق بما يستقبل، وإن جاز في اللغة تأخره.
يقول الله عز وجل: ﴿رَسُولًا مِّنكُمْ﴾، يعني من أصلكم، تعرفون نسبه وتعرفون صدقه وتعرفون صفاته وغير ذلك. ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ يعني القرآن الكريم، ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾، نفس المسائل التي ذكرناها قبل، أن الأظهر في المعنى أنه يعرضكم لما يتحقق لكم به الزكاة في إيمانكم. قال: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، ثم قال: ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
قال الراغب الأصفهاني: إن قيل ما معنى ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ وهل ذلك للكتاب والحكمة؟ لأن الحين ما الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم؟ أتى بالكتاب والحكمة، بس الآية تقول: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. فما هو التعليم الذي لا يعلمونه الخارج عن إطار الكتاب والسنة؟
قيل عن قوله: ﴿مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ العلوم التي لا طريق إلى تحصيلها إلا بالوحي على ألسنة الأنبياء، ولا سبيل إلى إدراك جزئياتها ولا كلياتها إلا به. وعنى بالحكمة والكتاب ما للعقل مدخل في معرفة شيء منه، وعاد ذكره ﴿وَيُعَلِّمُكُم﴾ مع قوله ﴿مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ تنبيهًا أنه علم مفرد على المتقدم ذكره. فكأن الراغب يرى أنه محتمل أن يكون تأكيدًا للمعنى السابق، أنه يذكر الله عز وجل في سياق امتناني أنه يعلمكم الكتاب والحكمة، وأن أحد الامتيازات التي حصلت لكم من تعلم الكتاب والحكمة أن تعلمتم من خلاله ما لم تكونوا تعلمون.
كأن الراغب يورد احتمالًا أو يقول: المعارف والعلوم التي يتحصل عليها الإنسان، في علوم معينة يستطيع الإنسان أن يتحصل عليها بغير وساطة الكتاب والسنة، وفي علوم لا يمكن للإنسان أن يصل إليها إلا بوصاية الكتاب والسنة. فـ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، كان النبي يقول: ليس ما لم تكونوا تعلمون، بل ما لم تكونوا تعلمون لا سبيل لكم إلى العلم به. فهذا جزء من منة الله عز وجل أن أوحى إليكم في الكتاب والحكمة شيئًا لا تستطيعون الوصول إليه بذواتكم. لكن هنالك كذلك معاني موجودة في الكتاب والحكمة مما يمكن الوصول إليه. فكأن الآية تقول: إذا نظر الإنسان في الكتاب والسنة سيجد أن هنالك معاني موافقة للعقول الصحيحة، هذه المعاني الموافقة للعقول الصحيحة الموجودة في الكتاب والسنة يمكن لذوي العقول الصحيحة أن يصلوا إليها، لكن كذلك هنالك أمور حتى أصحاب العقول الصحيحة لا يستطيعون الوصول إليها بتاتًا. فالله عز وجل يمتن عليهم بأنه أنزل الكتاب والحكمة، ثم أكد سبيل الامتنان بذكر هذا الشق؛ أن من كمال نعمتي عليكم أني علمتكم الكتاب والحكمة لتصلوا من خلالهما إلى معرفة أمور لا سبيل لكم إلى معرفتها.
هذا الذي عندنا هذا الأسبوع، نتوقف عند هذا التبويب ونواصل بإذن الله سبحانه وتعالى الأسبوع القادم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عبدالله بن صالح العجيري