لا زلنا في الباب السادس من أبواب الكتاب، المنهج واثق النبوة، وهو باب في مركزية التزكية في حياة المؤمن وأهمية أعمال القلوب، وأن عليه مدار الفلاح. ومن المعاني التي فرغنا منها الحديث عن الباب نفسه وعنونة الباب، وتحدثنا عن الآيات القرآنية التي أوردها الشيخ حفظه الله فيما يتعلق بهذا الباب.
الحديث الخامس والثلاثون في الكتاب، الحديث الأول في هذا الباب، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: لا أقول لكم إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول؛ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر، آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». هذا الحديث له تمام، تمام حديث يعني استكمال الدعوة النبوية؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها»، وسياتي ذكر هذا الجزء من الحديث بإذن الله سبحانه وتعالى في الباب التالي في باب فضل العلم برقم 44.
افتتح زيد بن أرقم الحديث بقوله: لا أقول لكم إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وجاء في بعض الروايات في رواية النسائي: لا أعلمكم إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا. ففي فائدة زائدة، بمعنى أن الحديث الأول ظاهره يدل أن هذا شيء تلقاه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم مما كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، فالشأن التعليمي متعلق بتعليمنا نحن من قبل الصحابة ما كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم. الرواية الثانية تدل على نوع من أنواع التأكيد الزائد فيما يتعلق بطبيعة هذه الدعوة النبوية؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو مجرد ذكر وقول كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله أمام صحابته ليتلقوا العلم عنه، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أحرص على تعليمهم إياه، تعليمهم لا أعلمكم إلا ما كان صلى الله عليه وسلم يعلمنا، وإن كان كل قول يحدثه النبي صلى الله عليه وسلم أمام صحابته هو من التعليم.
أول الأجزاء المتعلقة بهذه الدعوة النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم داعياً ربه: «اللهم»، معروف أن اللهم معناها يا الله، «إني أعوذ بك»، وتكلمنا عن قضية الاستعاذة، «من العجز والكسل». ما معنى العجز؟ لما يستعيذ النبي صلى الله عليه واله وسلم من العجز، فيستعيذ من ماذا؟ عدم القدرة. أول قول في قولين: القول الأول أن العجز هو مقابل القدرة، فالعجز بمعنى عدم القدرة على إحداث الفعل، فقد يكون الإنسان راغباً في فعل معين لكن ليس عنده الأدوات التي يستطيع من خلالها أن يقيم ذلك الفعل، فيكون عاجزاً. هذا المعنى الأول وهو معنى محتمل في دلالة الحديث وهم ما يستعاذ منه. المعنى الثاني هو التسويف، أن بعض العلماء يعبر بالمعاني هذه، اللي هو التسويف، الذي هو ضد الحزم. ولذا مثلاً ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير»، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز». حينما ما هو مدار النهي النبوي لما يقول «لا تعجز»؟ ما معنى لا تعجز؟ هل المقصود لا تعجز أن لا يقع بك وصف عدم القدرة؟ طيب هذا أمر ليس داخلاً في قدرة الإنسان، إنما الذي يدخل في حدود متعلقات قدرته ما الذي يخرج عنه؟ لكن المقصود النبي صلى الله عليه وسلم لا تعجز يعني أن لا تسوف، لا تخالف مقتضى الحزم، اعزم على الفعل وأقبل وأقدم عليه، وبالتالي ما استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم محتمل أن يكون داخلاً في أحد الأمرين، إما أن يكون متعلقاً بالقضية الأولى وهو عدم القدرة أو عدم الحزم. هذا من جهة حقيقة ما كان يستعيذ النبي صلى الله عليه وسلم به من العجز.
الجانب الثاني ما هو متعلق هذا العجز؟ لما النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم إني أعوذ بك من العجز، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله سبحانه وتعالى أن يمكنه وألا يسلب قدرته على أفعال معينة، فما طبيعة هذه الأفعال التي يتكلم عنها النبي صلى الله عليه وسلم؟ في قولين؛ فبعض العلماء يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من ربه تبارك وتعالى أن يمكنه من الإقبال على الشأن الأخروي، وأن يعجز عن أمر من أمر الله تبارك وتعالى. هذا والقول الثاني يرى أن المسألة أوسع دائرة من ذلك، فيشتمل على العجز عن الفعل الأخروي كما يشمل العجز عن الشأن الدنيوي كذلك، وكل الأمرين كما يقال محتمل. يقول الإمام القرطبي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: المراد بالعجز المتعوذ منه هو عدم القدرة على الطاعات وعن السعي في تحصيل المصالح الدينية والدنيوية. أن عدم قدرة الإنسان أو عدم حزمه في تحصيل مصالحه الدينية أو الدنيوية هذا ما يتعلق بالقضية الأولى، يعني أول قضية دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه مستعيذاً به سبحانه وتعالى ألا يوقعه في هذا المأزق، هذا الإشكال عن قضية العجز.
الثاني الكسل، ما معنى الكسل؟ الكسل طبعاً متعلق بقضية عدم الإرادة، بس ما أهم تجلٍ وأهم مظهر متعلق بقضية الكسل؟ يدخل في الكسل، يعني لما يقول الله سبحانه وتعالى مثلاً في حق المنافقين أنهم لما يقومون إلى الصلاة يقومون إليها وهم كسالى، مثلاً ما طبيعة هذه اللقطة هذه؟ في تباطؤ في تثاقل، ليس للكسل أحد المعاني المقترن به قضية أن الإنسان قد يأتي بالفعل لكن على وجه التثاقل. يقول القرطبي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: والكسل المتعوذ منه هو التثاقل عن الطاعات وعن السعي في تحصيل المصالح الدينية والدنيوية. فيصير المعنى الأول هو عدم القدرة على الطاعات، والثاني هو التثاقل عن الطاعات. الإنسان قد يكون قادراً، لكن سبحانه وتعالى لا يخلق عنده تمام العزم والإقبال على الفعل، فحتى إذا أقبل على الطاعة وأقبل على شأنه الدنيوي، يقبل عليه بنوع من أنواع الكسل، بنوع من أنواع التباطؤ، بنوع من أنواع التثاقل. يقول القاضي عياض في إكمال المعلم: استعاذ منهما -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- لأنهما يمنعان من أداء الحقوق والمسارعة في الخيرات وترك الاكتساب للعيال وداعية إلى الحاجة إلى الناس، فهذا سبب استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يمنع الإنسان من أداء الحق الواجب، سواء حقاً دينياً أو حقاً دنيوياً.
الوصف الثالث والمعنى الثالث الذي استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه وهو الجبن، الجبن أو الجبن، فهي يصح الوجهان الجُبن والجَبن كلهم بمعنى واحد. ما معنى الجبن؟ هو معنى يقترن بقضية الخوف على النفس، أو التعبير بعض العلماء يستخدمه الذي هو البخل بالنفس، يعني عدم وجود الجرأة وعدم وجود الإقبال على الفعل. طيب لماذا استعاذ هذا النبي صلى الله عليه وسلم من الجبن؟ ما هو الإشكالية؟ لاحظ الحين في ترتيب الحديث أن عندنا شؤوناً دنيوية وعندنا شؤوناً دينية، في معوقات تعقل الإنسان أو تعيق الإنسان من القيام بمقتضى تلك الأمور الدينية أو الدنيوية، منها القدرة وهي قضية العجز الذي هو عدم القدرة، منها الكسل التثاقل، منها الجبن. طيب الجبن ما الآثار التي يخلفها عند الإنسان فيما يتعلق بهذه القضية؟ هناك تعبدات مشروعة لا يستطيع الجبان أن يؤديها، يعني نأخذ مثالاً مثلاً ذكر قضية الجهاد، مثلاً مما يتعلق بالجهاد مما علقنا عليه سابقاً قضية من الموبقات، من السبع الموبقات، التولي يوم الزحف، ما الذي يحمل الإنسان على تولي يوم الزحف؟ عرفت أن غالباً حتى الرجل الحازم حتى الرجل الشجاع في مثل هذه المعتركات قد يضعف ويقع منه هذا الخوف، يقع منه هذا، فتخيل حال الإنسان الذي عنده نوع من أنواع التوطن أصلاً على هذا الوصف، أن شخصيته فيها قدر عالٍ من الجبن، وإذاً في جملة من الأحكام في جملة من التكاليف الدينية الشرعية مما يحتاج من الإنسان المسلم إلى قدر من الشجاعة، إلى قدر من الإقدام. يعني حتى مثلاً لما تتكلم على قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كثير من الناس قد يمنعه عن القيام بواجب الاحتساب الديني الشرعي مثلاً حجاب الحياء أو الخجل بعبارة أكثر دقة، قد يمنعه من ذلك حجاب الجبن، أنه يخاف أنه يؤدي مثلاً النصيحة الواجبة أو يؤدي الاحتساب الديني المشروع، فكثيرة القضايا؛ قد يبلغ الإنسان به حجم الهلع وحجم الجبن أحياناً ممكن يتسبب في ارتداده عن الإسلام لأنه عدم تأدية.
فلخطورة ما يترتب من الآثار السلبية من الجبن استعاذ النبي صلى الله عليه واله وسلم منه. يقول الطيبي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: الجود إما بالنفس وهو الشجاعة، الجود يعني الإنسان الجواد مناطات أو متعلقات الجود متعددة وكثير جداً، من ضمن مناطاته أو متعلقاتها قضية أن يجود الإنسان بروحه، أن يجود الإنسان بنفسه. ما الذي يحمل الإنسان على الإقبال على هذه الحالة، الجود بالنفس؟ أن يكون الإنسان متصفاً بصفة الشجاعة وهو ضد ويقابله الجبن. وأما بالمال الجود قد يكون قال وهو السخاء ويقابله البخل الذي هو الوصف الذي بعده، قال ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفس كاملة ولا ينعدمان إلا من متناهٍ في النقص. ويستطيع الإنسان ترى إلى حد ما أن يرد حتى مثلاً لاحظ تعليق بديع الطيبي لما تكلم على قضية أن الجود يكون بالنفس ويكون بالمال، الجود والكرم هو خصلة موجودة في الإنسان ناشئة في حقيقة الأمر إذا دقق الإنسان النظر في خصلة الشجاعة، أن الشجاع هو القادر على بذل النفس وهو قادر كذلك على بذل المال، لأن أحد المشكلات الكبرى الموجودة عند البخيل الخوف من الفقر، وبالتالي ما تجد عنده الجرأة والشجاعة والإقدام في البذل المالي، أنه عنده قلق وخوف، وهذا القلق والخوف يمكن يعيد الإنسان تفسيره بطريقة الجبن، فتلاحظ هذا الذي يؤكد على هذه الإشكالية.
قال بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم والبخل، قال في المرقات: البخل يشمل عدم النفع بالمال أو العلم أو غيرهما ولو بالنصيحة، وهذا تعليق في غاية الأهمية؛ لأن أول ما ينصرف الذهن وهو الاعتبار المتفهم ينصرف الذهن إلى البخل المتعلق بالمال، لكن الآن ينبه صاحب المرقاة الذي هو الملا علي القاري، ينبه أن قد يكون هنالك بخل بالعلم، قد يكون بخل بالنصيحة، أن أنماط البخل ومنع الناس حقوقهم قد تكون أوسع دائرة من مجرد عدم بذل المال. قال القاضي عياض: وكذلك استعاذته من الجبن والبخل لما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات والقيام في حقوق الله والغلظة على أهل المعاصي وتغيير المناكير وأداء حقوق المال، إذ بشجاعة النفس المعتدلة يقيم الحقوق وينصر المظلوم، وبسخاء النفس يؤدي حقوق المال ويواسي منه، ويلم به عند الضرورات شعث المساكين، ويؤدي واجب المضطرين. فميزة عبارة القاضي أنه يعطيك بعض النماذج بعض الأشياء المدرجة تحت مفهوم الإقدام الشجاعة المترتبة على هذه الخصلة، وعدم وقوعه في فخ وشرك ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من الأمور السابقة.
بعد ذلك قال النبي صلى الله عليه واله وسلم والهرم، ما معنى الهرم؟ الكبر في السن، لكن هل الاستعاذة مجرد كبر السن؟ اللي هو قضية بلوغ الإنسان أرذل العمر، لاحظ أرذل العمر، ما معناها؟ أرذل العمر، أن دلالة على الحقارة، لماذا يعتبر هذه الحالة أرذل العمر؟ لأن الإنسان لا يقوم بشأنه، لأن قواه كلها تضعف، يعني بمعنى قواه البدنية تبدأ تضعف، وقد يتسرب كذلك الأمر إلى قواه العقلية فيصاب الإنسان بالخرف، يوصل الإنسان إلى حالة لا يتمنى يتمنى الموت ولا يتمنى أن يشاهد الناس على هذه الحالة، وتدري أن ليس من المخارج التي يستطيع الإنسان المسلم ما بلغ أرذل العمر وبلغ إلى حالة يتمنى فيها الموت أن يقتل نفسه، ما يستطيع، وبالتالي ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ ربه تبارك وتعالى من الهرم، أنه ألا يبلغ إلى هذه الحال، أن لا يبلغ إلى هذه الحال. يقول القاضي عياض: واستعاذته من الهرم، وأن يرد إلى أرذل العمر، لما فيه من الخوف واختلال الحواس والعقل وعدم العلم وتشويش النظر وعجز عن الطاعات، وربما أدى ذلك إلى التساهل فيها ويعذر نفسه بتركها، فاستعاذته عليه الصلاة والسلام من جملة هذه الأشياء.
ليكمل حاله في كل حين وشرعه لتعليم أمته، والاستعاذة منها، وسؤال الله تبارك وتعالى ألا يغير ما به من نعمة. يقول ابن الجوزي رحمه الله عليه: هذه أمور تنشأ عن ضعف في النفس، أما جبلة وأما لبعد الرياضة. يعني هذه الأمور التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ إما أن خُلق الإنسان بهذه الخصال، أو عنده ميل فطري إلى هذه الخصال المذمومة، وبالتالي يكون من أحد مقتضيات الابتلاء والاختبار أن يحاول أن يمانع ما فطره الله سبحانه وتعالى أو طبعه عليه من الخصال، أو جُبل عليه من الخصال.
لأنك تدري أن كل الاختبارات المتعلقة بكل فرد منا في هذه الحياة الدنيا تتفاوت، وكل إنسان له اختباره الخاص، ولذا مثلاً الشريعة تراعي هذا البعد، يعني إذا كان الإنسان عنده ميل جبلي إلى قضية معينة، فهو معتبر في قضية طبيعة الاختبار والابتلاء؛ أنك أكثر ابتلاء في مناكفة هذه الخصلة المذمومة.
يعني مثلاً لما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم»: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل متكبر. طيب، ما السبب؟ لأن كأن الشريعة تقول إن موجبات التطبع بهذه الخصال المذمومة ليست موجودة فيك؛ يعني أنت الحين تجاوزت مرحلة الشهوة، فوقوعك في الزنا أقبح من وقوع الشاب في ذلك، الملك مستغنٍ عن قضية الكذب، لماذا تكذب؟ يعني لا يكذب إلا إنسان خائف، لا يكذب إلا إنسان عاجز، لا يكذب إلا إنسان ضعيف؛ طيب أنت الحين ملك، ما الموجب أنك تكذب؟ الخصلة الثالثة: العائل المتكبر؛ أن إنساناً مثلاً محتقر اجتماعياً وكذا، فإلامَ تتكبر؟ إيش المفهوم الذي من الحديث هذا؟ أن عكسهم يصير متفهماً منهم ما لا يتفهم منهم، صح ولا لا؟ فهو يؤثر في قضية طبيعة الاختبار.
لكن في نهاية المطاف الإنسان، مثل ما ذكرت، هو في دار الابتلاء، في دار الاختبار، وبالتالي هو مطالب شرعاً بالالتزام بأمر الله سبحانه وتعالى؛ فحتى لو قد جُبل الإنسان على طبع من البخل مثلاً، فمطلوب منه أن يجاهد نفسه في بذل المال متى ما كان بذل المال متعيناً واجباً عليه. وقد يكون هذا هو الواقع؛ بسبب مجاهدة نفسه لمدافعة هذه الخصلة الموجودة عنده، قد يكون الثواب والأجر المترتب على ذلك أعظم من الأجر والثواب من رجل يسهل عليه قضية بذل المال.
وحتى من العبارات الطريفة التي نُقلت عن الإمام أحمد، قال: إني أخشى أن لا أؤجر على العلم لأنه شيء حُبب إليَّ. هو مأجور عليه بطبيعة الحال، بس الفكرة أنه إذا جاء شرع الله سبحانه وتعالى وتكليفه مع سياق هوى الإنسان، فهو جزء من رحمة الله سبحانه وتعالى به؛ لأنه يستطيع أن يؤدي الواجب الشرعي من غير تحصيل كبير مجاهدة في تأديته.
لكن في المقابل، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به: «فهو مع السفرة الكرام البررة»؛ له فضيلته، له منزلته، لأنه هو أتى بالواجب الشرعي، ويؤدي هذه العبودية الشرعية على الوجه المطلوب. قال: «والذي يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه وهو عليه شاق، فله أجران»؛ لأن يصير في عنده أجر التلاوة، وعنده أجر المشقة، أجر المجاهدة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجرك على قدر نصبك»؛ والنصب لا يلزم بالضرورة أن يكون نصباً حسياً مادياً متعلقاً بأحداث العبودية، قد يكون كذلك مشقة ونصباً متعلقاً بمجاهدة النفس.
طيب، النبي صلى الله عليه وسلم لما استعاذ؛ الحين من ضمن الأشياء استعاذ، قال: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم»؛ قال: «وعذاب القبر». ما الصور المتعلقة بعذاب القبر التي تحضرونها؟ مثلاً ضيق القبر؛ هذا من الأشياء التي وردت.
طبعاً في حديث طويل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يتكلم في أجناس مختلفة من الذنوب والمعاصي وما يتعلق بها من العذاب البرزخي؛ مثل أكل الربا، مثل الإنسان الذي يؤخر الصلاة عن وقتها، مثل الإنسان الذي يفطر قبل دخول وقت الفطر مثلاً في الصيام؛ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نماذج مشهورة في قصة الرؤيا، وبعض الروايات وردت في حديث الإسراء والمعراج. ففي أشياء، منها مثلاً ظلمة القبر ووحشة القبر؛ مثلاً لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي لا يستبرئ من البول، والذي يسعى بين الناس بالنميمة؛ ففي صور متعددة. ومن أصول معتقد أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بعذاب القبر، وفي دلائل من الحديث النبوي القضية ظاهرة، وكذلك هنالك إشارات موجودة في القرآن الكريم؛ من أهم الإشارات القرآنية مثلاً قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]. فمعناته أن النار التي كانوا يعرضون عليها هذه قبل يوم تقوم الساعة. فإحنا عندنا دنيا، وعندنا حياة برزخية، وعندنا حياة أخروية، وبالتالي إيقاع هذه الآية يدل على قضية عذاب القبر. فالشاهد أن القول الأول ما قاله العلماء في استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستعيذ من عذاب القبر، وأرشد الأمة أن يستعيذوا من أن يعذبوا في قبورهم.
جميل، في قول آخر مما يتعلق بهذا على وجه من التأويل، وهو محتمل؛ القول الأول: النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من عذاب القبر. القول الثاني: أنه كان يستعيذ من الأعمال التي تؤدي إلى عذاب القبر؛ وهما قولان متداخلان، يعني من الأسباب الموجبة لحجب الإنسان من عذاب القبر أن يوفق الله سبحانه وتعالى الإنسان في الحياة الدنيا ألا يقع في موجب من موجبات الوقوع في عذاب القبر، فيصير محتملاً. ومن الأشياء التي مفترض الإنسان يحرص عليها كذلك أن يدرك الإنسان ما هي موجبات الوقوع في أن يُعذب الإنسان في قبره حتى يتجنب ذلك.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعده، أن الاستعاذة من تلك الأمور قال: «اللهم آتِ نفسي تقواها»؛ آتِ بالمد معناها اللهم أعطِ نفسي تقواها. فأول خصلة سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه في هذا الحديث أن يعطيه الله سبحانه وتعالى وأن يوفقه تبارك وتعالى ليقوم بمقتضى التقوى. والتقوى في أصل اللغة من الوقاية، والوقاية دالة على معنى الصيانة، أن الإنسان يصون شيئاً ويقي شيئاً.
وشرعاً تنوعت التعريفات العلمائية فيما يتعلق بهذه المسألة، وكثير من هذه التعبيرات تلتقط بعض الزوايا الجميلة المتعلقة بفعل التقوى، لكن من أشهر التعريفات الاصطلاحية للتقوى: أن تجعل بينك وبين ما تخافه من عذاب الله عز وجل وقايةً بفعل المأمور واجتناب المحظور؛ هذا من التعريفات الدارجة الاصطلاحية المشهورة.
لكن كذلك يعبرون العلماء بتعبيرات؛ خلينا نأخذ بعض التعبيرات العلمائية في منزلة التقوى: يقول ابن رجب: أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخاف ويحذره وقاية تقيه منه. وبحسب ما قاله الحافظ ابن كثير: اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات؛ يعني لاحظ أن في نهاية المطاف حقيقة التقوى هي أنه يسعى الإنسان لجعل وقاية. بماذا يتأدى جعل الوقاية؟ يتأدى بفعل الطاعة واجتناب المعصية؛ وبالتالي الحافظ ابن كثير يقول لك إن حقيقة التقوى من ناحية النتيجة والمؤدى هي اسم جامع لكل ما يشتمل عليه من الطاعات والقربات وترك المنكرات والمنهيات.
من العبارات الجميلة التي ذكرها بعض أهل العلم قالوا: ألا يراك حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك. بمعنى في نوع من أنواع تجميل العبارة وتنويع العبارة، فيقول لك: ألا يفتقدك الله سبحانه وتعالى في موطن المعصية، ويجدك في موطن الطاعة. قال طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى. قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.
خلينا نحلل العبارة؛ أول شيء يقول طلق بن حبيب لما سئل عن تعريف التقوى: ما هي التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله، هذه قضية واضحة، أن يأتي الإنسان الطاعات والقربة على نور من الله. إيش معنى على نور من الله؟ أي على هداية من الله عز وجل. ومن المعاني الأولية التي تشتمل عليها معنى هداية الله سبحانه وتعالى موافقة السنة، فموافقة السنة إنما تتحصل عن طريق العلم، فكأنه يشار إلى أن الذي يجعل الإنسان أو يجعل عنده ضمانة أنه يصيب موضع الطاعة أن يكون على نور من الله عز وجل، بمعنى أن يكون من علم يهب الله سبحانه وتعالى له، وبواعث على فعل تلك الطاعة والقربة، وهو: ترجو ثواب الله، فالمحرك مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً»، يعني أن يحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى ويرجو ثوابه. قال: «وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله».
قال ابن القيم: وهذا أحسن ما قيل في حد التقوى. من أجمل التعريفات التي قيل في حد التقوى هي عبارة طلق بن حبيب رحمه الله تبارك وتعالى عليه. وقال أبو السعود: التقوى كمال التوقي عما يضره في الآخرة. فتلاحظ أن بعض العلماء يراعي حقيقة التقوى من حيث هي، وبعض العلماء يراعي الأثر والنتيجة أو الموجب لحصول تلك الوقاية.
ومن أشهر التعريفات الجميلة التي نُقلت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، قوله: إن التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، والرضا بالقليل. فهذه كذلك من التعريفات، وهي إذا حللها إنسان يجد أنها داخلة في المدلولات التي ذُكرت سابقاً.
لما يقول علي بن أبي طالب: الخوف من الجليل؛ هذا ملحظ تلاحظ تتابع العلماء على التنبيه عليه. الحين التقوى، هل هو شيء ظاهر يتعلق بأفعال الإنسان ولا هو من جنس الأعمال القلبية الباطنة؟ الأصل التقوى هو شيء قلبي. التقوى من ناحية النظر إليها باعتبارها عملاً قلبياً، إيش أكثر الأعمال القلبية لصوقاً بها؟ الخوف؛ أكثر الأعمال القلبية لصوقاً بمفهوم التقوى هو الخوف. ولذا حتى في التعريف الذي ذكرناه يقول: أن تجعل بينك وبين ما تخافه من عذاب الله عز وجل وقاية؛ لاحظ أن التقوى من الوقاية، يقي الإنسان نفسه من ماذا؟ يقي نفسه من النار. ما البواعث المحركة لإقامة تلك الوقاية؟ الباعث الأساس هو الخوف، أنه يخاف؛ وبالتالي هو يلتزم فعل الطاعات والقربة.
وتجد العلماء متتابعين على هذا المعنى، وإن كان بعض العلماء ينبه أن التقوى يمكن أن تشتمل على أعمال قلبية أكثر، دائرة أوسع من الخوف، يعني تعظيم حتى الرجاء؛ فممكن تدخل على وجه ما. وإن كان الخصلة الأساسية المركزية التي يدور عليها فعل التقوى هو استحضار مادة الخوف؛ ولذا العلماء يتتابعون على ذكر الخوف.
من العبارات الجميلة، سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أُبَيَّ بن كعب عن التقوى، فقال: هل أخذت يوماً طريقاً ذا شوك؟ يسأل، ولاحظ الجمالية في هذا الحديث وغيره من الأحاديث، وهي قضية لافتة.
أشرت إليه في مناسبات سابقة أننا تعاطينا مع منزلة التقوى تعاطياً غريباً، تعاطياً لم يكن هو عين التعاطي الذي كان موجوداً في زمن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. كان الصحابة يولون منزلة التقوى معنى خاصاً وله ذوق خاص، وكانت المسألة تؤثر فيهم تأثيراً خاصاً؛ ولذا لم يكن من الذي يستوصي الإنسان فيه أخاه شيئاً مستهجناً أن يروح يرد عليه يقول: أوصيك بتقوى الله، ما كانت القضية. ذكرت لكم بعض اللمحات المتعلقة بهذه المسألة. وإذا لاحظت الحين بالنسبة لنا، أنا أقول لك لما أقرأ هذا الأثر وأقرأ هذا الخبر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، يثير في نفسي قدراً من الاستغراب؛ يعني سأل عمر بن الخطاب أُبي بن كعب عن التقوى، خلاص تحس أن التقوى ليست قضية يُسأل عنها بهذه الطريقة، تقوى قضية واضحة وكذا.
ولاحظ طريقة أُبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه في تقريب الأمر لعمر بن الخطاب، فيقول له: هل أخذت يوماً طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت. قال: فذاك التقوى.
ومن الأبيات المشهورة لنظم هذا المعنى، قال ابن المعتز: خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
يقول الطيبي رحمه الله تبارك وتعالى عليه في قول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8]، ينبغي أن تفسر التقوى بما يقابل الفجور، وهي الاحتراز عن متابعة الهوى وارتكاب الفجور والفواحش؛ لأن الحديث كالتفسير والبيان للآية، فدل قوله: «آتِ نفسي تقواها» على أن الإلهام في الآية هو خلق الداعية الباعثة على الاجتناب عن المذكورات.
طبعاً بنرجع لموضوع التقوى أو بنأخذ زاوية أخرى منها لما نأتي للحديث 37، يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «اللهم آتِ نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها». زكها، ايش معنى زكها؟ ذكرنا أن هناك عدة معاني متعلقة بقضية التزكية، من أولى المعاني التي تدخل في قضية التزكية التنمية والتطهير؛ أن هذه كلها معاني تجتمع عليه. فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى أن يزكي نفسك بمعنى أن يطهر نفسك من العيوب الموجودة فيها، وأن ينمي الله سبحانه وتعالى الجوانب الإيجابية الخيرة الموجودة في هذه النفس.
لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وزكها أنت خير من زكاها»، ايش معنى خير؟ أفضل؛ فهي للمفاضلة، صح ولا لا؟ فتقول هذا خير من كذا. بعض العلماء يقول إن لفظة خير ليست للتفضيل، بل معناه لا مزكي لها إلا أنت، كما قال: «أنت وليها». تستطيع أن تقدر خير على وجه التفضيل إذا قصد أنه لو قُدِّر أن هنالك شخصاً يزكي نفسي فانت خير من يزكي تلك النفس، وممكن يُحمل على هذا الوجه. وجه آخر اعتبره العلماء، قالوا إن حقيقة الأمر أنه لا مزكي للروح ومزكية للنفس إلا الله سبحانه وتعالى؛ لأننا ذكرنا في بدايات الكلام لما تكلمنا على قضية الهداية، ذكرنا أنه في نوع من أنواع الهداية، في هداية بمعنى هداية الدلالة والإرشاد، وفي هداية التوفيق، صح ولا لا؟ فلما تتكلم على التزكية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى، أنت أمام احتمالين: إذا قصدت بالتزكية أن يوفقك الله سبحانه وتعالى لفعل ما تزكي به نفسك، فالتزكية مما يدخل في فعله العبد؛ ليس المقصود الحين النتيجة النهائية، لكن بلوغ الإنسان إلى مرتبة الزكاة. إنما يتحقق هذه النتيجة عن طريق إرادة الله عز وجل ومشيئته سبحانه وتعالى، ليست في طوق العبد؛ في طوق العبد أنه يأتي بالأسباب، لكن ترتب الآثار على تلك الأسباب بيد الله سبحانه وتعالى وحده.
الامام النووي استدل بلقطة ظريفة من الحديث لما قال إن المقصود لفظة خير ليست للتفضيل، بل معناه لا مزكي لها إلا أنت؛ ايش السبب؟ قال: كما قال «أنت وليها»، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كانما علل تعليلاً، قال إن الله سبحانه وتعالى خير مزكٍ لهذه النفس؛ ايش السبب أنه خير مزكٍ لهذه النفس؟ لأن الله سبحانه وتعالى هو وليها ومولاها. طيب ايش معنى وليها؟ الولي، هنالك معنيان أصليان يندرجان في مدلول كلمة الولاية أو الولي. لما نقول مثلاً عقيدة الولاء والبراء، الحين الولاء معناه أن يجب على الإنسان المسلم أن يوالي المؤمنين، صح ولا لا؟ ايش المعاني التي تندرج تحتها موالاة المؤمنين؟ المحبة والنصرة؛ دائماً المصطلح الذي يُستخدم المحبة والاجتماع والبراء على الضد. فالله عز وجل لما يقول «أنت وليها»؛ يعني الله سبحانه وتعالى وحده هو ناصر هذه الروح، ناصر هذه النفس. فتلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما يستجلب هذه المادة في حق الله عز وجل، كانه يقول: فانصر نفسي على أهوائها، فانصر نفسي على العيوب، انصرها حتى تحقق مرضاتك سبحانه وتعالى. ومولاها: مالكها، وهذا يؤكد؛ لأنه إذا كان الله عز وجل هو مالك النفس وحده سبحانه وتعالى، فلا مزكي لها إلا هو سبحانه وتعالى.
لماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قضية الملك هنا؟ لماذا ذكر قضية المولى، أن الله عز وجل هو وليها ومولاها في قضية تزكية النفس؟ في شيء من التشبيه، هو الخالق هو الوحيد القادر على..، لا، المولى يعني أنه يذكرك بلقطة المالك أو السيد والعبد، صح ولا لا؟ فمن الوظائف المناطة بالسيد قضية تأديب وتزكية العبد؛ فكان الإنسان يسأل ربه تبارك وتعالى باعتباره ولياً لنفسه ومولى لنفسها أن يؤدب نفسه سبحانه وتعالى. يقول الطيبي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: قوله «أنت وليها ومولاها» استئناف على بيان الموجب، وأن إيتاء التقوى وتحصيل التزكية فيها إنما كان لأنه هو متولي أمرها وربها ومالكها. فالتزكية إن حُمِلت على تطهير النفس عن الأفعال والأقوال والأخلاق الذميمة كانت بالنسبة للتقوى مظاهر ما كان ممكناً في الباطن، وإن حُمِلت على الإنماء والإعلاء بالتقوى كان تحلية بعد تخلية؛ لأن المتقي شرعاً من اجتنب النواهي وأتى الأوامر. هذا ما يتعلق بالحديث السابق، وموطن الشاهد من هذا الحديث بمناسبة الباب الذي يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم آتِ نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها»، أن صريح اللفظ أن من المقامات المشروعة التي يتطلبها الإنسان المسلم أن يتطلب أن يزكي الله سبحانه وتعالى نفسه، وهذا يؤكد على مركزية فعل التزكية في التصور الإسلامي.
الحديث الذي بعده، حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزَاوِرَة، فتعلمنا الإيمان قبل تعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً. أخرجه ابن ماجه. هذا الحديث بطبيعة الحال سبق التعليق عليه في باب تلقي القرآن على منهاج النبوة، وتقديم مقصد العمل به والتدبر والاستغناء به وتحكيمه وزيادة الإيمان به على غير ذلك من مقاصد شريفة. لكن ايش موطن الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا التبويب؟ أيوه، في الإشارات الموجودة من هذا الحديث التي تدل على مركزية التزكية، ضرورة التزكية قبل تلقي القرآن. فمثلاً من المقامات أن النبي صلى الله عليه وسلم من الوظائف التي ذكرناها أصلاً في الدرس السابق في دعوته هو تزكية صحابته؛ ومن مظاهر تزكية النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته أن أقبل عليهم تعليماً للإيمان ثم علمهم بعد ذلك القرآن، فازدادوا بالقرآن إيماناً، يعني بمعنى ازدادوا بالقرآن كذلك زكاءً، ازدادوا به تزكية؛ لأننا تكلمنا عن قضية أن من المعاني المدرجة تحت مفهوم التزكية التطهير والنماء. وبالتالي زيادة الإيمان هو أحد تجليات ومظاهر النماء.
الحديث الذي بعده حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا»، ويشير إلى صدره به ثلاث مرات. أخرجه مسلم. طبعاً هذا الحديث هو مجتزأ من حديث أطول، حديث مشهور من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا»، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». حديث مهم وحديث جميل، وحديث يكشف عن طبيعة العلاقات الواجبة المتعينة بين المسلمين. اللفظ الذي نراعيه طبعاً في الشرح هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا»، ويشير إلى صدره ثلاث مرات.
ما يتعلق بقضية التقوى أشرنا له، وأن من التعريفات الجامعة لمدلول كلمة التقوى أن يسعى الإنسان في إقامة وقاية مما يخافه من عذاب الله سبحانه وتعالى بفعل الطاعة واجتناب المعصية. لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا»، يقولون العلماء إن «هنا» إشارة إلى القريب، في مقابل إضافة الكاف «هناك» التي هي إشارة إلى البعيد. يقول ابن هبيرة: وقوله «التقوى هاهنا» أي المتقي هو المخلص فعل التقوى وليس بالذي يترك لأجل الناس أو يفعل لأجل الناس. طبعاً ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويشير إلى صدره ثلاث مرات؛ يعني لما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينطق بهذه الألفاظ التقوى هاهنا على أساس نفهم ما الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هنالك نوعاً من أنواع الرابطة والعلاقة بين قضية التقوى ومنزلة التقوى وبين القلب؛ فيشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره الشريف ثلاث مرات، وفي بعض النسخ ثلاث مرار، وثلاث مرات؛ والمعنى من هذا الحديث أن مجرد الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما يحصل التقوى، مبتدأ التقوى في حقيقة الأمر هو ناشئ من خوف العبد من ربه تبارك وتعالى وتعظيمه لربه سبحانه وتعالى وغيره من أعمال القلوب.
يقول الإمام القرطبي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: أصل التقوى الخوف؛ هذا الذي تذكرون المعنى الذي قلت لكم إن المدار الأساسي الذي يدور عليه فعل التقوى هو قضية الخوف. قال: والخوف إنما ينشأ عن المعرفة بجلال الله وعظمته وعظيم سلطانه وعقابه، والخوف والمعرفة محلهما القلب، والقلب محله الصدر، فلذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: «التقوى هاهنا». والله تعالى أعلم، والتقوى خصلة عظيمة وحالة شريفة، آخذة بمجامع علوم الشريعة وأعمالها، موصلة إلى خير الدنيا والآخرة، والكلام في التقوى وتفاصيلها وأحكامها وبيان ما يترتب عليها يستدعي تطويلاً، قد ذكره أرباب القلوب في كتبهم المطولة كالرعاية والإحياء وسفينة النجاة وغيرها ممن اشتغل بعلوم السلوك والتزكية وأعمال القلوب.
يقول الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تبارك وتعالى عليه: «التقوى هاهنا»، يشير إلى صدره ثلاث مرات، يعني أن محل التقوى القلب الذي هو في الصدر، وتحقيق هنا مادة التقوى في القلب؛ لأن حقيقة التقوى اجتناب عذاب الله، وهو الخوف الحامل على ذلك الاجتناب في القلب.
الصنعاني، لاحظ الحين التعبير الذي ذكره الصنعاني، التعبير الذي بعده أوضح في الإشارة إلى توسيع ما يتعلق بأعمال القلوب المقترنة بحالة التقوى من مجرد الخوف؛ يقول الصنعاني: «التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا»، كررها ثلاثاً ويشير إلى صدره ومحل القلب؛ أي التقوى حقيقةً إنما هي في القلب، فهو الذي يرجو الله فيأتي بالطاعات، وهو الذي يخشاه فيجتنب المقبحات، وهيئة التقوى الإتيان بالطاعات واجتناب المقبحات؛ فتلاحظ أنه أورد قضية الرجاء وأورد قضية الخوف. قال: وقوله «التقوى هاهنا» إخبار بأن عمدة التقوى ما يحل في القلب من خشية لله تعالى وعظمته ومراقبته وإخلاص الأعمال له. ومن الفوائد، لأن من المسائل التي يحتاج الإنسان يراعيها في طبيعة سياق هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغظوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات، «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام».
حرام دمه وماله وعرضه. إذا دقق الإنسان في ألفاظ هذا الحديث يجد أن موضوعه هو الأخوة الإيمانية بين المسلمين، فكل الفقرات التي فيه تصب في هذا الصميم، إلا فقرة واحدة داخلة؛ ألا تحسون أن هناك انقطاعاً حصل؟ قد تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل لموضوع آخر، لكنه عاد بعد ذلك فقال: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»، فرجع لنفس الموضوع. فما هو الموجب لإقحام هذه العبارة: «التقوى هاهنا»؟
إن هذه الأعمال كلها أعمال قلبية أو تنبع من التقوى. يقول ابن رجب: فيه إشارة إلى أن كرم الخلق عند الله بالتقوى، فرب من يحقره الناس لضعفه وقلة حظه من الدنيا، وهو أعظم قدراً عند الله تعالى ممن له قدر في الدنيا. كأن النبي صلى الله عليه وسلم أورد هذا للتعبير عن هذا المعنى؛ فذكر قضية عدم الاحتقار، وكان يشير إلى أن موجب عدم احتقار هذا الإنسان المسلم هو ما اشتمل عليه من معنى التقوى. وإذا أدرك الإنسان أن ميزان المفاضلة عند الله سبحانه وتعالى بين العباد إنما يتأسس ويقوم على قضية التقوى، فهذا يؤكد المعنى. وقد ثبت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى»، ويقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
ذكر القرطبي في كتابه المفهم ثلاث فوائد مهمة من هذا الحديث فيما يتعلق بالتقوى وعلاقتها بأعمال القلوب وأهمية اهتمام المسلم بها، وهو كلام ضروري في سياق الحديث عن مركزية التزكية في حياة المؤمن، وعن أهمية أعمال القلوب التي عليها مدار الفلاح. يقول القرطبي: يستفاد من هذا الحديث فوائد، إحداها: صرف الهمة إلى الاعتناء بأحوال القلب وصفاته، بتحقيق علومه، وتصحيح مقاصده وعزومه، وتطهيره عن مذموم الصفات، والاتصاف بمحمودها.
فلاحظ ميزة العبارة؛ أول شيء ضرورة الاهتمام بأحوال القلب، وكيف يتحقق ذلك؟ عبر لك عن التفصيل؛ أولاً بتحقيق علومه، فالتزكية ليست حديثاً عن مجرد الوعظ والتذكير، ولا عن مجرد الفعل الذي يقع به التزكية، وإنما يبتدئ فعل التزكية بتأسيس وإنشاء تلك العلوم التي يستطيع الإنسان من خلالها استبيان تلك الطرق. ومن هنا يعرف الإنسان جزءاً من جلالة عبارة طلق الحبيب لما قال: «على نور من الله»، بمعنى أن العلم قضية مركزية، وليس متعلقاً بمجرد التعبدات الظاهرة، بل يحتاج الإنسان إلى معرفة الأحكام الشرعية التفصيلية المتعلقة بالأعمال الباطنة، وهذا هو علم السلوك أو علم التزكية.
أما تصحيح مقاصده وعزومه، فهو أن يراعي الإنسان في أعمال القلب تصحيح النية وإخلاص الأمر لله سبحانه وتعالى، كما يراعي ذلك في الأعمال الظاهرة. ومقاصده أي ما هو قصد الإنسان من هذا الفعل، وعزومه؛ لأن المحرك والمقصد هو ما يبتعث العزم في نفس الإنسان على الإقدام أو الإحجام. وتطهيره من مذموم الصفات؛ أي من الواجبات الشرعية أن يسعى الإنسان في تطهير قلبه من الصفات المذمومة، والاتصاف بمحمودها، وجرى هنا الترتيب على طريقة التخلية قبل التحلية. فإذا نظرت في كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، تجد ربع العبادات ثم المعاملات ثم المهلكات ثم المنجيات؛ المنجيات هي أعمال القلوب، والمهلكات هي أمراض القلوب.
يقول القرطبي: فإنه لما كان القلب هو محل نظر الله تعالى، فحق العالم بقدر اطلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحوالها، لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته الله بسبب هذا. فالفائدة الأولى من الحديث لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا»؛ تعني أن لا بد للإنسان أن يهتم بهذا العضو الشريف، وأن يحرص على ما يتعلق به من التكاليف الشرعية.
الثانية: أن الاعتناء بإصلاح القلب وصفاته مقدم على الأعمال بالجوارح، لتخصيص القلب بالذكر مقدماً على الأعمال. وإنما كان ذلك لأن أعمال القلوب هي المصححة للأعمال، فالمحركات الباطنة هي التي تبتعث الحركة الظاهرة. ومن الملحوظات المتعلقة بالمفاضلة بينهما أن عليها مدار الفلاح في الآخرة، فبعض التقصير في الأعمال الباطنة لا يغتفر، بينما قد يعفو الله عن بعض التقصير في الأعمال الظاهرة. وأحد أوجه المفاضلة أن الإنسان قد يثاب بمجرد نيته، ويبلغ العبد بنيته ما لا يبلغ من عمله، بل ورد في الحديث أن يثاب الإنسان أجر ما كان يأتيه صحيحاً سليماً لحسن قصده ونيته.
من المعاني أيضاً طبيعة الديمومة والاستمرار، فأعمال القلوب من طبيعتها الاستمرار، بخلاف أعمال الجوارح التي غالباً ما تكون مؤقتة لها لحظة ابتداء ولحظة انتهاء. ويقول القرطبي: الثالثة: أنه لما كانت القلوب هي المصححة للأعمال الظاهرة، وأعمال القلب غيب عنا؛ فلا يقطع بمغيب أحد لما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة. فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفاً مذموماً لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا عليه تفريطاً أو معصية يعلم الله من قلبه وصفاً محموداً يغفر له بسببه.
فالاعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية، ويترتب على ذلك عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالاً سيئة، بل تُحتقر وتُذم تلك الحال السيئة لا تلك الذات المسيئة؛ فتدبر هذا فإنه نظر دقيق. وهذا يشير إلى أنه لا يلزم الاغترار بمجرد الظاهر، فإنه قد يكون ظاهر الإنسان حسناً ولكن لسوء باطنه يكون حاله أسوأ ممن تتوهم أن حاله سيئ لحسن موجود في باطنه.
هذا ما يتعلق بالحديث وموطن الشاهد: «التقوى هاهنا»، أي الاهتمام بالقلب، ولا يستطيع الإنسان تصحيح هذا المعنى إلا بإحداث معنى الخوف من الله سبحانه وتعالى، ثم بقية أعمال القلوب من مراقبة الله، وإخلاص النية له، ومحبته، والرجاء فيه، وغير ذلك من أعمال، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.
الشيخ عبدالله بن صالح العجيري