الحديث الذي بعده حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» أخرجه مسلم.
أول قضية متعلقة بهذا الحديث، لما نتكلم عن تعلق صفات الله سبحانه وتعالى بالمبصرات، لها عناوين؛ فما هي الصفة الدالة على هذا التعلق؟ الصفة هي البصر، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. وبصر الله سبحانه وتعالى يتعلق بالمبصرات، فالله عز وجل يرى العباد، وينظر إلى العباد.
لنذكر بعض الأحاديث التي وردت في قضية النظر حتى نعرف بعض الكلام المتعلق بها، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 77]. وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». والحديث الذي عندنا، وحديث أبي هريرة كذلك: «لا ينظر الله يوم القيامة إلا من جر إزاره بطراً». وجاء من حديث أبي هريرة: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم».
النظر في اللغة العربية يختلف معناه بحسب طبيعة التعدية المتعلقة به؛ فمثلاً إذا عدي النظر بنفسه فيدل على معنى الانتظار، مثال قول الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: 13]، يعني انتظرونا. وإذا عدي النظر بـ"في" دل على معنى التفكر والتأمل في الشيء، فيقولون نظرت في الشيء، أي تأملت في حاله. وإذا عدي النظر بـ"إلى" فيدل ذلك على معاينة البصر، بمعنى نظرت إلى الشيء.
مذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه المعاني في حق الله سبحانه وتعالى؛ فعندنا بصر الله سبحانه وتعالى ونظر الله تبارك وتعالى. يقول ابن تيمية في المسألة: والمقصود هنا أنه على هذا الأصل إذا خلق المخلوقات رآها وسمع أصوات عباده، وكان ذلك بمشيئته وقدرته. الحين الله تبارك وتعالى قبل ما يخلق المخلوقات هل يراها ويبصرها؟ البصر ليس صفة تتعلق بالمعدوم، فهو أمر يحدث مع حدوث المخلوق، وحدوث المخلوق وقع بمشيئة الله عز وجل، كان بيشير أن هنالك نوعاً من أنواع التعلق بالمشيئة؛ بمعنى أن البصر بالمشيئة؛ لأنه لو لم يخلق الله سبحانه وتعالى هذا الشيء بمشيئته لما أبصره ورآه.
أحد المباحث الاعتقادية التي كثر فيها الخوض بين المتكلمين هو موضوع قيام الحوادث بذات الله عز وجل، أو قيام المعاني الوجودية المتجددة لذات الله سبحانه وتعالى. فالطوائف الكلامية شبه متفقة على فكرة أن صفات الله سبحانه وتعالى أزلية قديمة، ولا معنى من معاني الحدوث في ذاته، أي لا يتجدد على ذات الله سبحانه وتعالى معنى لم يكن حاصلاً له قبل ذلك. فابن تيمية بيقرر الآتي: إذا كان بصر الله سبحانه وتعالى أزلياً قديماً، فكيف يتأتى لله سبحانه وتعالى إبصار الموجودات؟ لأن إذا كان الأمر أزلياً قديماً والمخلوق غير موجود، فكيف يمكن إيجاد هذه الرابطة والعلاقة؟
المتكلمون في الغالب يحلون هذه الإشكالية بقولهم: إن الذي يحدث في حال وجود المخلوق ليس معنى متجدداً في حق الله سبحانه وتعالى، وإن الذي يحدث هو مجرد نسبة وإضافة وتعلق، أن يتعلق بصر الله سبحانه وتعالى بوجود المخلوق، وهذا الأمر التعلقي هو أمر خارج عن ذات الله سبحانه وتعالى، وبالتالي لا يحدث في ذات الله شيء. ابن تيمية يرفض هذا المدلول، ويقول: أما أن يكون الاعتبار أمراً وجودياً أو عدمياً، فما طبيعة هذا التعلق؟ وإذا أنت تزعم أن حالة الله سبحانه وتعالى قبل وجود المخلوق وبعد وجود المخلوق سواء 100%، فمعناتها ما تغير شيء، كيف تحقق له هذا الإدراك؟ فلا بد أن يكون هذا الإدراك معنى حاصلاً بذات الله سبحانه وتعالى.
يقول ابن تيمية رحمه الله: والمقصود هنا أنه على هذا الأصل إذا خلق المخلوقات رآها وسمع أصوات عباده وكان ذلك بمشيئته وقدرته؛ إذ كان خلقه لهم بمشيئته وقدرته، ولذلك صاروا يرون ويسمع كلامهم. وقد جاء في القرآن والسنة في غير موضع أنه يخص بالنظر والاستماع بعض المخلوقات؛ كقوله: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وشيخ زانٍ، وعالم مستكبر». فتلاحظ ابن تيمية يقول: ثلاثة لا يكلمهم الله؛ فالله عز وجل من صفاته المتعلقة بمشيئته صفة الكلام، فيتكلم مع من شاء، ولا يكلم من شاء، وينظر لمن شاء ولا ينظر لمن شاء، ويزكي من يشاء ولا يزكي من لا يشاء.
قال وكذلك في السماع، قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 2]؛ يعني استمعت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به»، وقال: «الله أشد أذناً إلى صاحب القرآن من صاحب القينة إلى قينته». فهذا تخصيص بالإذن وهو الاستماع لبعض الأصوات دون بعض. وكذلك سمع الإجابة؛ كقوله: «سمع الله لمن حمده»، وقول الخليل: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: 39]، وقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: 50]؛ فهذا التخصيص ثابت في الكتاب والسنة، وهو تخصيص بمعنى أن يقوم بذاته وبمشيئته وقدرته.
وعند النفاة هو تخصيص بأمر مخلوق منفصل لا بمعنى يقوم بذاته؛ فتجد حتى الطرائق الكلامية يقول لك إن خلق الله عز وجل حتى إذا سميناه صفة فعلية، فخلق الله في حقيقة الأمر هو مخلوق، هو ليس صفة، ليس أمراً فعلياً قائماً بذات الله سبحانه وتعالى. وتخصيص من يحب بالنظر والاستماع المذكور يقتضي أن هذا النوع منتفٍ عن غيرهم.
ابن تيمية يربط هذا الباب بباب آخر، وهو أفعال الله عز وجل الاختيارية؛ فيقول: فمقتضى نفي تعلق نظره تبارك وتعالى أو تعلق استماعه بطائفة معينة يقتضي أن الأمر متعلق بمشيئته وإرادته؛ لأن هذا المعنى الذي لم يبذل لهم قد يكون مبذولاً لغيرهم. لكن مع ذلك هل يقال إن نفس الرؤية والسمع الذي هو مطلق الإدراك هو من لوازم ذاته؟ فلا يمكن وجود مسموع أو مرئي إلا وقد تعلق به كالعلم. فهل يستطيع الله سبحانه وتعالى أن يجهل شيئاً؟ فنقول: هذا ليس صفة متعلقة بالقدرة، ليس من متعلقات قدرة الله؛ لأن نفس القضايا المستحيلة لذاتها، لما يطرح السؤال هل يستطيع الله أن يخلق إلهاً آخر، أو يخلق حجراً لا يستطيع أن يحمله، أو يفعل كذا من جمع النقيضين؟ فنقول إن قدرة الله سبحانه وتعالى صفة يتعلق بها متعلقات القدرة، وهي الأشياء الممكنة، وما ليس ممكناً فليس بشيء، وإذا لم يكن شيئاً فلا تتعلق به القدرة.
فكذلك في القدرة يقال: تعلق القدرة بما كان شيئاً، ولا يتعلق بما كان ممتنعاً مستحيلاً لذاته، بخلاف العلم مثلاً، أو بصفة الكلام؛ فليس مشكلاً. فترجع الحين للبحث الذي يقوله ابن تيمية: إذا نظر الإنسان إلى علم الله سبحانه وتعالى فعلم الله أزلي، وليس من مواضع تعلق العلم بالمشيئة والإرادة. الحين يبي يبحث ابن تيمية مسألة، بيقول لك: الحين عندنا قضية النظر، فثبت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ينظر الله إليهم، ففي لحظة "لا ينظر الله عز وجل إليهم"، هل الله عز وجل يراهم ويبصرهم أم لا؟
فيقول الآتي: هل يقال، لكن مع ذلك، بعد أن خلصنا البحث الماضي، هل يقال إن نفس الرؤية والسمع الذي هو مطلق الإدراك؟ لاحظت أن نفس الرؤية والسمع الذي هو مطلق الإدراك -لا نتكلم على سمع الإجابة المتعلق بما نتعلق بالمور، نتكلم على مطلق الإدراك الذي هو الإدراك الخاص بالبصر الذي هو إدراك المبصرات أو الإدراك الخاص بالسمع- هو من لوازم ذاته؟ هل يقال هذا أن مطلق الإدراك هو من لوازم ذاته كالعلم؟ أن من لوازم ذات الله سبحانه وتعالى أن يعلم ما كان وما يكون وبالأمر لم يكن كيف كان يكون؟ الله يعلم كل شيء سبحانه وتعالى، قال: فلا يمكن وجود مسموع أو مرئي إلا وقد تعلق به كالعلم.
كل ما كان واجباً أو ممكناً أو ممتنعاً هو متعلق العلم، وبالتالي الله عز وجل يعلمه، يعلمه أزلاً تبارك وتعالى. طبعاً ملحظ وهنا بس ملحظ دقيق؛ ابن تيمية طبعاً يتبنى في قضية العلم قضية إمكانية التجدد في علم الله عز وجل؛ يعني بمعنى الله عز وجل يعلم أن الأمر هذا سيقع، فإذا وقع عالم الله سبحانه وتعالى أو تجدد له معنى أنه قد وقع. هذا بحث آخر، وتصحب هذا المعنى فيما يتعلق بقضية السمع والبصر، لأن طرفي التشبيه طرفان واحد. فابن تيمية يقول الحين الآتي: هل نتعامل مع السمع والبصر كالتعامل مع العلم؟ يعني بمعنى إذا وجد المخلوق فيجب أن تتعلق به صفة البصر، بحيث إنه لا يتعلق من هذه الحيثية صفة البصر بمشيئة الله عز وجل وقدرته، وأن الله عز وجل لا يقدر على الامتناع عن إبصاره؟ لأن هذا مرتبط بقضية تفسير النظر؛ الحين لأنه سيصير مشكلة الحين قضية أنه إذا فالإنسان لا ينظر إليهم، يعني بمعنى لا يبصرهم، فكيف يتم التوفيق بين الحديثين؟ سيكون له تخريج، بس الفكرة أنه يبي يجمع: هل على أي الوجه يحمل؟
فيقول ابن تيمية أو يقال: إنه أيضاً بمشيئته وقدرته، فيمكنه أن ينظر إلى بعض المخلوقات. أي الخيرين الذي يتابع في هذا الباب؟ هل يقال أن البصر والسمع هي من لوازم ذات الله عز وجل كالعلم، وبالتالي بمجرد وجود المخلوق فيجب أن يستمع الله عز وجل إليه ويسمعه سبحانه وتعالى، ويجب أن يتعلق بصره به كتعلق العلم بمتعلقاته؟ أم يقال أن البصر والسمع كذلك من الصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة والإرادة، فإذا شاء الله سبحانه وتعالى أن يستمع لفلان استمع، وإذا شاء أن لا يستمع لا يستمع، وإذا شاء أن يبصر فلاناً أبصره، وإذا شاء ما أبصر؟ بحيث لما تجي لتفسير النظر يصير الحين ما هو مشكل: ثلاثة لا ينظر الله إليه، معناته أن خرجوا عن دائرة إبصاره بمشيئته وإرادته.
قال: هذا فيه قولان. والأول قول من لا يجعل ذلك متعلقاً بمشيئته وقدرته. الحين لاحظ يقول الحين في قولين، ففي اتجاه عامة الاتجاه الكلامي الذي يعتقد استحالة أصلاً أن تقوم الحوادث بذات الله سبحانه وتعالى، وبالتالي هي خارجة عن محل البحث، فيقولون قطاعاً وجزماً ويقيناً: إن إذا كان الشيء موجوداً، فلا بد أن تتعلق به قدرة الله، يتعلق به بصر الله سبحانه وتعالى. وبالتالي سنشرح حديث «لا ينظر الله إليهم» بطريقة تستبقي مادة البصر؛ ممكن نشير إشارة، يعني هي الإشارة في النظر، مثلاً: ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم نظر رحمة، لاحظ سيصير تقييد، فمعناتها لا ينظر إليهم نظر رحمة، معناتها ينظر إليهم بس ما ينظر إليهم نظر رحمة.
وأما الذين يجعلونه متعلقاً بمشيئته وقدرته، الطائفة الثانية الذين ليس عندهم إشكالية في مبدأ قيام الحوادث بذات الله عز وجل، مثل ما قلنا في قضية العلم أنه ممكن يتجدد لله عز وجل العلم بحدوث الشيء ووجوده بعد أن لم يوجد، فما عندهم مشكلة، وهذا اتجاه ابن تيمية يتبناه، يقول لك إن بصر الله سبحانه وتعالى لما يوجد مخلوق يتجدد في ذات الله سبحانه وتعالى مع أنه لم يكن حاصلاً أزلاً، ما كان يبصر الله سبحانه وتعالى عن هذا الشيء، فإذا أوجده تبارك وتعالى أبصره بعد وجوده. قال: فقد يقولون أصحاب هذا الاتجاه الثاني: متى وجد المرئي والمسموع وجب تعلق الإدراك به. فأصحاب الاتجاه الثاني يقول لك: نحن مع اعترافنا بأن نقول بأن الحوادث تقوم بذات الله عز وجل، وأن هنالك معنى الوجود يتجدد في ذات الله عز وجل لحظة إبصار الشيء، ما اعترفنا بهذا ولكننا نقول بأن الله عز وجل يتعلق بصره بهذا الشيء لحظة وجوده، وأن هذا ليس متعلقاً بالمشيئة والقدرة. والقول الثاني أن جنس السمع والرؤية يتعلق بمشيئته وقدرته، فيمكن أن ينظر إلى شيء من مخلوقاته.
فأصحاب الاتجاه الثاني، مفهوم الكلام الذي قاعد يطرحه ابن تيمية هو أن هنالك اتجاهاً يمكن أن يتبنى أو يقال به لنا: إن إذا أراد الله سبحانه وتعالى وشاء أن ينظر إلى فلان، فيقدر الله سبحانه وتعالى إخراجه عن دائرة مبصراته. فإذا أُخرج عن دائرة مبصراته، هل معناتها الله عز وجل يجهله؟ لا يجهله سبحانه وتعالى، لكن ممكن يحملونه أصحاب اتجاه يقول لك أن هذا مزيد من التحقير ومزيد من عدم العناية بشأنه. وهذا هو المأثور عن طائفة من السلف، كما روى ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني قال: ما نظر إلى شيء من خلقه إلا رحمه، ولكن قضى أن ينظر إليهم. كان يقول إنه ورد عن السلف تعبيرات معينة، ظواهر هذه التعبيرات تقول إن الله عز وجل ما نظر إلى الكفار، لأن لو نظر الكفار لرحمهم، لأنه كلما نظر الله عز وجل رحم، فيقول كان ابن تيمية يقول إن ظواهر المنقولات المتعلقة بهذا الباب وظواهر بعض عبارات السلف تدل أنه يمكن القول بأن الله عز وجل لا ينظر إلى الشيء بما يجعل بصر الله سبحانه وتعالى متعلقاً كذلك بمشيئة الإرادة.
شيخنا، هل يمكن أن نفرق بين الإبصار والنظر؟ نقول إن الله سبحانه وتعالى يبصر كل الأشياء، لكن ينظر إلى بعض الأشياء؛ يعني نربط فكرة النظر بأنه صفة فعلية، والبصر هو صفة ذاتية؟ كون النظر صفة فعلية هو لا بد القول به، لأن ظاهر النصوص الشرعية علقت النظر بمشيئة الله وقدرته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم». نحتاج الحين أن ندرك مثل ما قلنا الحين: سمع الله سبحانه وتعالى، هل سمع الله عز وجل صفة ذاتية ولا صفة فعلية؟ فتقول بحسب ما تفسر به السمع؛ إذا قصدت الحين بالسمع الإجابة، يعني مثلاً سمع الله لمن حمده، أي أجاب الله من حمده تبارك وتعالى، فنقول إن السمع الذي بمعنى الإجابة هي صفة فعلية تصير متعلقة بالمشيئة، بمعنى ليس كل من دعاه تبارك وتعالى سمعه بمعنى أجابه، بس كل من دعاه سبحانه وتعالى سمعه بمعنى أدرك صوته، أدرك الكلام الذي قاله.
هذا اتجاه الآن، وين الحل محل الإشكال الحين؟ هذا هو محل البحث الحين، الآن ما الذي سيصير عنده اتجاهان؟ في اتجاه يرى أن صفة البصر من الله سبحانه وتعالى صفة ذاتية، ليس متعلقاً بالمشيئة والإرادة. فأقول: طيب الحين فسر ما الذي تقصده ليس متعلقاً بالمشيئة والإرادة؟ هل تقصد ليس متعلقاً بالمشيئة والإرادة بمعنى أنك تتبنى خطاً عقدياً يرى أن الحوادث لا تقوم بذات الله سبحانه وتعالى، وأن لا يتجدد لله سبحانه وتعالى لحظة وجود مخلوق شيء في ذات الله تبارك وتعالى؟ إذا تبنيت هذا الخط فماشي، يصير مفهوم كلامك وتصير أنت، لاحظ، فلما أجيك بحديث «لا ينظر الله إليهم»، فبتقول لا هم مقصود لا ينظر الله إليهم أن هم خرجوا عن حدود ما يراه الله سبحانه وتعالى، لأن هذا ليس متعلقاً أصلاً بالمشيئة والإرادة، هذا من جنس عدم قدرة الله عز وجل على إخراج شيء عن دائرة معلوماته.
هذه من لوازم تبارك وتعالى، لاحظت هذا اتجاه الآن. خلينا نأخذ اتجاه آخر، لا، الاتجاه الآخر الذي طبعاً يتبناه ابن تيمية أن لما نتكلم على قضية قيام الحوادث بذات الله عز وجل، نقول موجب قيام الحوادث بذات الله عز وجل أحد اعتبارين. الاعتبار الأول الذي هو قضية أن من أول ما يندرج في مفهوم قيام الحوادث لله عز وجل هو الصفات الفعلية الاختيارية، يعني بمعنى الأمور الحادثة من الله سبحانه وتعالى من أفعاله المتعلقة بمشيئته وإرادته من طبيعتها أنها أمور حادثة. إن خلق الله سبحانه وتعالى لفلان في اليوم الفلاني هذا أمر حادث، فابن تيمية دائماً يطرح هذا السؤال: يقول ما الذي حصل في تلك اللحظة الزمنية؟ هل ذات الله سبحانه وتعالى قبلها وبعدها سواء؟ فإذا قلت نعم حاله قبلها وبعدها سواء يرد عليك الإشكال: لماذا وجد المخلوق؟ ما السبب؟
واضح الإشكال، وطبعاً دائماً نستحضر هذا المعنى، المحركات الجذرية الموجودة لابن تيمية حتى في بحث هذه المسألة، المحركات الوحي، لما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً يقول: «إن الله قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله قط، ولا يغضب بعده مثله قط»، فمعناته هل حال الله عز وجل في قضية الغضب يوم القيامة كحاله قبل وحاله بعد؟ يقول ظاهر الحديث يدل على أن هنالك أمراً حدث، أمراً تجدد. فتبنى تأصيل القضية هذه. من المعاني كذلك أن من المعاني المتجددة لذات الله عز وجل ما لا يلزم أن يكون متعلقاً بالمشيئة والإرادة، من جهة تعلقه بالصفة، نعم أن ممكن تتعلق مثلاً مشيئة الله عز وجل بالخلق، فإذا خلق الشيء علم الله سبحانه وتعالى بأنه قد خُلق، فيدخل من هذه الحيثية في قضية الصفات الفعلية الاختيارية، لكن في فرق بين أن الله عز وجل قد خلق بالمشيئة والإرادة، وأن الله عز وجل قد شاء أن يعلم.
نحن نقول لا، إذا شاء الله عز وجل أن يخلق فوجد المخلوق، لزم من ذلك بالضرورة أن تعلق علم الله سبحانه وتعالى به، بس الآن لما تعلق علم الله سبحانه وتعالى به بعد لحظة إيجاده وخلقه، هل علم الله عز وجل به بعد خلقه وإيجاده هو عين علمه تبارك وتعالى به أزلاً؟ نقول لا، في الأزل كان يعلم الله سبحانه وتعالى أن سيبعث رجلاً اسمه محمد عبد الله، فإذا بعثه الله عز وجل عرف -أي علم الله- أنه قد بُعث. لاحظت أن يقول ابن تيمية إن هذا التجدد فهي داخلة في قضية حلول الحوادث. لما أتكلم عن السمع الحين عند أصحاب الاتجاه الثاني، أترك الاتجاه الذي عليه جماهير المتكلمين، الاتجاه الثاني الآن: هل البصر في هذه الحالة أو صفة السمع في هذه الحالة هل هي مثل العلم؟ يعني بمعنى نقول العلم من لوازم ذات الله سبحانه وتعالى، فإذا وجد المخلوق بعد أن لم يوجد تعلق به علم الله سبحانه وتعالى وليس من متعلقات المشيئة والقدرة تعليق علمه أو عدم تعليقه، مع كونه حادثاً، فهل البصر كذلك؟ بحيث إنما نقول إذا وجد المخلوق وجب أن يتعلق بصر الله سبحانه وتعالى به، هذا الإدراك للمبصر يجب أن يكون، ولا تتعلق المشيئة والقدرة بإبصار هذا الشيء من عدم إبصاره؟ فهذا اتجاه، فيجعلون المسألة متساوية مع قضية العلم.
واضح الاتجاه الأول، الاتجاه الثاني يقولون لا، يقولون ظواهر الحديث النبوي المتعلقة بقضية الاستماع وقضية النظر تدل على ماذا؟ إي مو بس تجدد، الحين مثلاً «ثلاثة لا ينظر الله إليهم»، الآن خلينا نأخذها حبة حبة، ما ظاهر هذا الحديث؟ ثلاثة لا ينظر الله إليهم، أنا خارج نظر الله. ايش معنى خارج نظر الله؟ الكل متفق الحين، الكل متفق خارج نظر الله عز وجل، بس الحين السؤال: لما تقول خارج نظر الله عز وجل هل خارج نظر الله عز وجل بمعنى أنه يبصرهم أو لا يبصرهم؟ يبصرهم. إيوه، فإذا قلت يبصرهم لاحظ، إذا قلت يبصرهم ايش معناته أنه لا ينظر إليهم؟ يعني لا يرحمهم، بس هذا إيوه، ماشي، بالنظر يعني. البصير أو البصر أعم من النظر، فأنا أستطيع أن أبصر أشياء كثيرة ولكن لا أستطيع أن أنظر إلى، في لاحظت الإشكال؟ الحين مثلاً أنا، مثلاً الكتب التي خلفي، هل أبصرها؟ زين طيب عشان أبصرها شو أسوي؟ أنظر إليها، صح ولا لا؟ فالحين لو أنا اخترت إني ما أنظر إلى فلان، صح ولا لا؟ هل أبصره؟ لا، فالحين ظاهر الحديث لما تمسك الحين ظاهر الحديث، يعني كعامي اترك الحين داخل في الأبحاث الكلامية ومادري ايش كذا، هل يمكن أن يتوهم أن ثلاثة لا ينظر الله إليهم أن الله عز وجل معرض عنهم إعراض من لا يبصرهم، أن الله عز وجل من غضبه عليهم تبارك وتعالى يريد أن يتعامل معهم كأنهم عدم، عرفت، مع كون صفة البصر متعلقة به باعتباري موجوداً لكن الله عز وجل قد شاء واختار أن.
لا أنظر إليه، لاحظت الحين فابن تيمية قاعد يشرح المسالك المتعلقة، فيقول لك المسلك الأول هو مسلك المتكلمين، الذين يجعلون المسألة هذه كلها خارج بين قوسين، وذكر صفات الفعل الاختيارية. بس إحنا ندقق في العبارة ونقول: خارج مبحث قيام ذات الله عز وجل، ما له علاقة بأن يتجدد لله عز وجل أي معاني وجودية في ذاته سبحانه وتعالى؛ حال الله عز وجل أزلاً وأبداً حال يوجد أي شيء. وبالتالي لما يأتون لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله وبعده»، يتأولون الحديث، يقولون: لا، ليس المفهوم بالطريقة التي أنت فاهمها، لما يقول مثلاً الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، لما يقول الله عز وجل: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]. ابن تيمية يعتمد على ظواهر نقلية متواترة، يقول لك ظواهر هذه النصوص تدل على أن هنالك معاني تتجدد في حق الله سبحانه وتعالى.
أصحاب الاتجاه الكلامي تصير المسألة المعادلة واضحة أن لا يمكن أن يقال إن في شيء خرج عن دائرة بصر الله سبحانه وتعالى؛ لأننا نقول إن بصر الله عز وجل أزلي، نظر الله عز وجل أزلي، وبالتالي لما يقول «لا ينظر إليهم»، لازم نتأول الحديث بطريقة، فنقول: نتأول مثلاً نقول لا ينظر إليهم تبارك وتعالى نظر الرحمة.
الاتجاه الثاني هو الاتجاه الذي يتبنى إمكانية القيام بذات الله عز وجل، أنه يقول لك لا، مثل ما نقول حتى العلم، ما عنده مشكلة، العلم يتجدد، الله عز وجل علم بأن شيئاً حدث بعد أن لم يكن قد حدث، فنقول البصر نفس الشيء، أن البصر بمعنى الله عز وجل أزلاً يعلم تبارك وتعالى أن سيخلق محمداً صلى الله عليه وسلم، فإذا خلقه أبصره تبارك وتعالى.
أصحاب هذا الاتجاه ينقسمون إلى شقين، منهم من يقول: إحنا مع قولنا بأن نحكم لله عز وجل بهذا المعنى، معاني التجدد، ولكن لا نجعل ذلك من لوازم ذاته، فما خلقه تبارك وتعالى من الموجودات هو يبصره تبارك وتعالى، هذا من لوازم ذاته، ولا تتعلق قدرة الله عز وجل لمشيئته بعدم إبصاره. فمعناته لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر إليهم»، فيقولون يصيرون بنفس الشيء: لا ينظر إليهم نظر الرحمة لكنه يبصرهم، بس ما ينظر إليهم.
أصحاب الاتجاه الثاني الذين يقولون: إن إذا جرينا على ظاهر الحديث أن هذا معنى نحتمله، ونقل بعض الآثار عن السلف تدل عليه، أن نقول إن الله عز وجل من متعلقات المشيئة والقدرة السمع والبصر، بحيث أن الله عز وجل يستطيع أن يستمع أو يسمع ما شاء، وأن يرى ويبصر ما شاء، يبصر ويرى ما لا يشاء. وهنا يختلف السمع والبصر عن العلم؛ أيوه يصير من الحيثية هذه، بمعنى العلم لا مدخلية لتعلق المشيئة به من حيث هو تعلق المشيئة والقدرة بالعلم لا من حيث العلم، لكن من حيث هو إيجاد المخلوق مثلاً. يعني تقول: هل في علاقة؟ بتقول في علاقة، يعني بمعنى ما الذي جعل الله عز وجل عالماً بأن هذا الشيء قد حدث؟ لأن الله عز وجل قد اختار تبارك وتعالى أن يحدثه.
لاحظ أصحاب الاتجاه الوسط، الحين المتكلمين هناك وأصحاب الأخير الذي قلناه، الذي قالوا هو مثل العلم الآن، السمع والبصر لاحظ عبارة ابن تيمية، جعلها تتكلم أن لاحظ أول كلام قال: والمقصود هنا أنه على هذا الأصل إذا خلق المخلوقات رآها، شوف إذا خلق المخلوقات رآها، وسمع أصوات عباده، وكان ذلك بمشيئته وقدرته، إيش الذي كان بمشيئته وقدرته؟ السمع والرؤية ولا إيجاد المخلوق؟ فنقول ظاهر العبارة في بداية الكلام إيجاد المخلوق، قال: إذ كان خلقه لهم بمشيئته وقدرته، وبذلك صاروا يرون ويسمعون، كلام صح ولا لا؟ فيقول معناته أنه هل ما في أي مدخلية للمشيئة بقضية السمع والبصر؟ فيقول لا، في مدخلية؛ لأن مدخليته من جهة إيجاد هذا المخلوق، بمعنى أنه قبل إيجاد هذا المخلوق الذي هو متعلق بالمشيئة والقدرة لا يبصره تبارك وتعالى، فإذا خلقه أبصره صح ولا لا؟
بس الحين السؤال: هل من متعلقات القدرة البصر نفسه؟ بحيث يخلقه الله سبحانه وتعالى ويختار ألا يبصره، يعلم تبارك وتعالى أنه موجود؛ لأن قلنا العلم من لوازم ذاته تبارك وتعالى، ما انحل الإشكال. أصحاب الاتجاه الثالث لما يقولون الله عز وجل يمكن أن يخرج شيئاً من دائرة مبصراته لا يقصدون أنه يخرجه من دائرة علمه تبارك وتعالى، يعلمه سبحانه وتعالى، وإذا شاء أن نفترض مثلاً رجلاً أعرض الله عز وجل عنه لا ينظر إليه، ثم تاب ذلك الرجل، فالله عز وجل يعلم بتوبته، فيمكن عند أصحاب الاتجاه أن يبصره تبارك وتعالى.
لا يعني البصر متعلق بالقدرة والمشيئة، وليس المقصود أن الله عز وجل يخرج شيئاً من دائرة قدرته على بصره، هذه مسألة بعد مهمة ملاحظة، مش المقصود أن لما نجعله متعلقاً بالمشيئة والقدرة أن يقدر الله سبحانه وتعالى أن يوجد موجوداً يمتنع عليه تبارك وتعالى أن يبصره، نقول لا، كل ما خلقه الله سبحانه وتعالى كل ما كان قائماً بنفسه من الموجودات الخارجية فهو متعلق لبصر الله عز وجل، فإذا عند أصحاب الاتجاه إذا شاء الله عز وجل أن يراه سيرآه، وإذا شاء أن يعرض عنه ولا يراه لا يرى، هذا أصحاب الاتجاه الأخير.
واضح، بس شيخنا إيش طبيعة العلاقة بين البصر والعلم؟ يعني كالإنسان، نحن كالبشر نحن نبصر ثم نعلم، وهذا ليس لله سبحانه وتعالى، فليس في علاقة بين البصر والعلم. لا، بس لايجاد العلاقة، العلم هي صفة إذا تأتى بها إدراك المعلومات، المعلومات هذه إما تكون معلومات واجبة أو معلومات مستحيلة أو معلومات ممكنة، عرفت أن كل شيء الله عز وجل يعلم ما كان وما يكون وبالأمر لم يكن لو كان كيف يكون، عرفت هذه كلها تدخل إيجاد الرابطة بهذه الطريقة، حتى في حق المخلوق غير صحيح أن أنا أعلم مثلاً بقضية أريد أني أصنعها ثم أصنعها، أن يمكن يسبق أن أنا أعلم بفلان قبل ما أرى فلان، وإذا رأيت فلان يدخل في حيز علمي، فهو ما في البصر صفة يتعلق بالمبصرات، وبالتالي ما كان ممتنعاً مستحيلاً لذاته لا يبصر، ما كان من قبيل المعدومات لا يبصر.
يقول ابن تيمية: وهذا هو المأثور عن طائفة من السلف، القول الاتجاه الثالث، كما روى ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني قال: ما نظر الله إليه شيء من خلقه إلا رحمه، ولكنه قضى ألا ينظر إليهم. وقد يقال هذا مثل الذكر والنسيان، فإن الله تعالى قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة». قال: فهذا الذكر يختص بمن ذكره، فمن لا يذكره لا يحصل له هذا الذكر، ومن آمن به وأطاعه ذكره برحمته، ومن أعرض عن الذكر الذي أنزله أعرض عنه، كما قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 124-126]. ومثله قوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]. وقد فسروا هذا النسيان بأنه وقع بياض في الأصل، فكان بعض المحقق قال احتمال أن ترك ذكره، وقد فسروا هذا النسيان بأنه ترك ذكره، وهذا النسيان ضد ذلك الذكر. وفي الصحيح في حديث الكافر يحاسبه قال: «أفظنت أنك ملاقي؟ قال: لا، قال: فاليوم أنساك كما نسيتني»، فهذا يقتضي أنه لا يذكره كما يذكر أهل طاعته، وهو متعلق بمشيئته وقدرته أيضاً، وهو سبحانه قد خلق هذا العبد وعلم ما سيعمله قبل أن يعمله، ولما عمل علم ما عمل ورأى عمله، فهذا النسيان لا يناقض ما علمه سبحانه من حاله.
شيخ، في تأويل لما يقول أنه عدم الذكر، لا الحين طبعاً النسيان أنا أقول هو الأرجح في بحث المسألة في موضوع الذكر والنسيان، الأرجح النسيان في الدلالة العربية تدل على معنيين، دلالة إما تدل على فقدان العلم بالشيء بعد أن كون الإنسان أو كون الشيء عالماً به، والثاني بمعنى الترك، يعني مثلاً من الروايات التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عطس بحضرته رجل، فأحدهم ما حمد الله عز وجل فشمت النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني لم يحمد الله عز وجل فما شمته النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الثاني للنبي صلى الله عليه وسلم قال: عطس فلان فذكرته، وعطست فلم تذكرني، لاحظ الحين وعطست فلم تذكرني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك ذكر الله فذكرته، وأنت نسيت الله فنسيتك». الحين فنسيتك المقصود ليش فنسيتك؟ يعني تركتك، ويصير بالتالي أن ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]، هم تركوا عبودية الله عز وجل ذكر في الدنيا فترك الله عز وجل. حتى هذا أنا أقول ليس من قبيل التأويل أن هذا من موجبات اللغة العربية، هذا مثل مثلاً «سمع الله لمن حمده»، أن سمع إجابة، لأن السمع قد يطلق على هذا المعنى، وقد يطلق على هذا المعنى.
يقول ابن تيمية بعد ذلك في سياق آخر في تعليقه على الحديث «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، قال: وهذا الحديث قد ضل قوم بما تأولوه عليه، وآخرون رأوه معارضاً لغيره من النصوص، ولم يهتدوا للجمع، فالأولون قد يقولون كل مصنوع الرب جميل، لقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] فنحبه كل شيء، إلى أن قال: والآخرون قالوا ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، ومعلوم أنه لم ينفِ نظر الإدراك، لكن نظر المحبة، إلى أن قال فنقول: اعلم أن ما يصفه به النبي صلى الله عليه وسلم من محبة الأجناس المحبوبة من الأعيان والصفات والأفعال وما يبغضه من ذلك، هو مثل ما يأمر به من الأفعال وينهى عنه من ذلك، فإن الحب والبغض هما أصل الأمر والنهي، وذلك نظير ما يعده على الأعمال الحسنة من الثواب، ويتوعد على الأعمال السيئة من العقاب.
يقول ابن القيم في الفوائد: وقابلهم الفريق الثاني فقالوا قد ذم سبحانه جمال الصور وتمام القامة والخلقة، فقال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: 4] وقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: 74]، أي أموالاً ومناظر. قال الحسن هو الصور، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، قالوا ومعلوم أنه لم ينفِ نظر الإدراك، وإنما نفى نظر المحبة، إلى أن قال: وفصل النزاع أن يقال: الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم. ثم فصل الكلام في الأنواع الثلاثة.
فالذي يظهر أن على الأقل موقف ابن تيمية في تحرير هذه المسألة أن كان له اتجاهين، يعني في بعض المواضع قد يكون ميالاً إلى تفسير النظر بما لا يوجب معارضة البصر، وفي الموضع التفصيلي الذي حكاه أنه يجعل البصر ويجعل السمع متعلقات المشيئة والقدرة، بحيث أن الله سبحانه وتعالى له تبارك وتعالى أن يبصر ما يشاء، وألا يبصر ما لا يشاء تبارك وتعالى، والأمر كما يقال محتمل بالذات في دلالة النصوص، أن بالنسبة لي ليست حاسمة، ليست قاطعة، ليست ظاهرة، ليست بينة في أي المعنيين مقصود أن الله لا ينظر إليهم، يعني إن قريب القول بأن لا ينظر إليهم نظر رحمة ولا لا ينظر إليهم كذا، إذا خصوصاً ما في أدلة، لاحظ لا يوجد هنالك أدلة ظاهرة تدل على كون البصر متعلقاً للمشيئة والقدرة، إلا على طريق المعتمدة، شيخ سامح، اللي هو اعتماد على ذات محل البحث أن الدليل على تعلق البصر بالمشيئة والقدرة هو مفسر بالنظر، وأن ما لا ينظر الله عز وجل إليه فهو خارج عن دائرة مبصراته، وأن خروجه عن دائرة المبصرات لا لعجز منه تبارك وتعالى، وإنما لكونه سبحانه وتعالى قد شاء تبارك وتعالى ألا يبصرهم، بمعنى لا ينظر إليهم، الله أعلم.
طيب خلونا بعد البحث المطول هذا العقدي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم»، في رواية «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم»، يعني لاحظ في رواية الصور والأموال، في رواية ثانية الأجساد والصور، تصير كذلك معنى.
قال ابن هبيره: لا ينظر إلى صوركم. حث على الاعتماد على النية وحسن القصد، وتحذير من الركون لصورة العمل. الذي فهمه ابن هبيره أن ليس المقصود بصوركم الهيئة الظاهرة؛ بل بعض العلماء قال: صوركم هي صورة العمل، أي أن لا ينظر إلى صور الأشياء وإنما ينظر إلى بواطن الأشياء والبواعث المحركة لها. طبعاً الأظهر في ضوء الحديث أن المقصود هو المعنى الأول، أن الله عز وجل لا يتعلق عطاؤه أو إثابته بها، وهذا هو الذي يجعل المسألة أصعب، هل المقصود أن الله عز وجل لا يبصر الأجساد ولا الصور؟ أم المقصود أن الله عز وجل غير عابئ بها، وليست هي الداخلة في دائرة نظره تبارك وتعالى، وليست داخلة في دائرة إثابته؟ إن المعنى المعتبر عند الله سبحانه وتعالى هو موضع نظره تبارك وتعالى، وهذا معنى مستخدم حتى في حق المخلوقات؛ مثلاً لما تقول: أنا لست مهتماً بكذا ومهتم بكذا، أنا لا أنظر إلى كذا، أنظر إلى كذا، ليس بالضرورة أنك تنفي تعلق البصر مطلقاً، وإنما تقصد أنني غير عابئ به.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكن ينظر إلى قلوبكم». وفي رواية: «ولكن ينظر إلى قلوبكم»، وأشار بأصابعه إلى صدره، فقلوبكم هي محل التقوى وموضع الإنابة ومنبع الحكمة والمعرفة. طبعاً هذا الحديث وبعده يأتي «وأعمالكم»، لكن هذا الشق من الحديث هو المتعلق بالباب، وهو درجات، والدرجة الأولى أن الحديث دل على الاهتمام بالقلب؛ ووجه الاهتمام بالقلب أنه موضع نظر الرب تبارك وتعالى، وإذا كان موضع نظر الرب تبارك وتعالى فلا بد للإنسان أن يعتني به بما يزكيه، ومن أهم المعاني التي تدخل في تزكيته تطهيره من الدرن والعيوب الموجودة فيه وتحليته بمعاني الإيمان.
ومن أهم الفوائد المقتنصة من هذا الحديث أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكن ينظر إلى قلوبكم»، يوجب ضرورة الاهتمام والعناية بشأن القلب. الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب «منهاج العابدين» له كلام حسن جميل في موجبات الاهتمام بعمل القلب، فقال في الفصل الرابع: ثم عليك بحفظ القلب وإصلاحه وحسن النظر في ذلك وبذل المجهود، فإنه أعظم هذه الأعضاء خطراً وأكثرها أثراً وأدقها أمراً وأشقها إصلاحاً، واذكر فيه خمسة أصول مقنعة، أي سأقنعك بأهمية الاعتناء بالقلب لخمسة اعتبارات.
الاعتبار الأول: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: 51]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: 43]، كرر ذكره في القرآن، فكفى باطلاع العليم الخبير تحذيراً وتهديداً للخواص من العباد، لأن المعاملة مع علام الغيوب خطرة؛ فانظر ماذا يعلم من قلبك. بمعنى أن أول سبب موجب لاهتمام الإنسان بقلبه هو المعنى الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، فإذا كان الإنسان عنده قدر من الحياء من الله سبحانه وتعالى، وكان يعرف أن في قلبه كبراً أو رياءً أو محبةً لما يذمه الله سبحانه وتعالى، وعلم الله من رحمته أن أخبرك أنه يعلم ما في قلبك، فمقتضى الحياء من الله سبحانه وتعالى أن يعتني الإنسان بقلبه ويطهره من مثل هذه اللوثات.
الأصل الثاني: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم وأبشاركم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فالقلب إذاً موضع نظر رب العالمين، فيا عجباً ممن يهتم بوجهه الذي هو موضع نظر الخلق، فيغسله وينظفه من الأقذار والأدناس ويزينه بما أمكنه لئلا يطلع مخلوق فيه على عيب، ولا يهتم بقلبه الذي هو موضع نظر رب العالمين فيطهره ويزينه ويطيبه كي لا يطلع الرب جل ذكره على دنس فيه وشين وآفة وعيب، بل يهمله مملوءاً بفضائح وأقذار وقبائح لو اطلع الخلق على واحد منها لهجروه وتبرؤوا منه وطردوه، والله المستعان.
الأصل الثالث: أن القلب ملك مطاع ورئيس متبع، والأعضاء كلها تبع له، فإذا صلح المتبوع صلح التابع، وإذا استقام الملك استقامت الرعية، يبين ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وإذا كان صلاح الكل في ذلك، وجب صرف العناية إليه، وهذا معنى بدهي وجميل من الأسباب الموجبة لاهتمام الإنسان بقلبه.
الأصل الرابع: أن القلب خزانة كل جوهر نفيس للعبد وكل معنى خطير؛ أولها العقل، وأجلها معرفة الله تعالى التي هي سبب سعادة الدارين، ثم البصائر التي بها التقدم والوجاهة عند الله عز وجل، ثم النية الخالصة في الطاعات التي بها يتعلق ثواب الأبد، ثم أنواع العلوم والحكم التي هي شرف العبد، وسائر الأخلاق الشريفة والخصال الحميدة التي بها تفاضل الرجال. فإذا ناظر الإنسان يجد أن القلب هو مستودع العبوديات القلبية التي يحبها الله سبحانه وتعالى، فإذا كانت هي المستودع وهي محل نظر الله عز وجل، فيحرص الإنسان على تنقية قلبه وتحليته وتزيينه بمثل هذه المعاني. قال: وحق لمثل هذه الخزانه أن تحفظ وتصان من الأدناس والآفات، وتحرس وتحرز من السراق والقطاع، وتكرم وتجلى بضروب الكرامات لئلا يلحق تلك الجواهر العزيزة دنس، ولا يظفر بها والعياذ بالله عدو.
الأصل الخامس والأخير: قال: إني تأملت حاله -أي القلب- فوجدت له خمسة أحوال ليست لغيره من أعضاء ابن آدم. فالامتياز الموجود للقلب الذي يوجب الاهتمام به أن الشيطان قاصد القلب بخلاف بقية الأعضاء، فهو موضع الوسوسة. الثاني أن الشغل له أكثر، فإن الهوى والعقل كلاهما فيه، فهو معترك العسكرين، الهوى وجنوده والعقل وجنوده، فهو أبداً بين تحاربهما وتقاتلهما وتناقضهما، وحق للثغر أن يحرس ويحصن ولا يغفل عنه. الثالث أن العوارض له أكثر، فإن الخواطر له كالسهام لا تزال تقع فيه، وكالمطر لا تزال تمطر عليه ليلاً ونهاراً لا تنقطع عنه، ولا أنت تقدر على منعها فتمتنع، لأن الإنسان لا يستطيع أن يمنع عقله من التفكير، فهي ترد على القلب باستمرار بخلاف بقية الأعضاء التي يستطيع الإنسان أن يرتاح ويسكن فيها.
الرابع أن علاجه عليك عسير، إذ هو غيب عنك، فلا تكاد تشعر حتى تدب فيه آفة وتحدث له حالة، فتحتاج إلى أن تبحث عن ذلك أتم البحث بطول الجهد ودقيق النظر وكثرة الرياضة، فالأمراض والأدواء التي تصيب القلب أكثر خفاءً من الأمراض التي تصيب باقي أعضاء البدن. الخامس أن الآفات إليه أسرع فهو إلى الانقلاب أقرب، فلقد قيل: إن القلب أسرع انقلاباً من القدر في غليانه، ولذلك قيل: ما سمي القلب إلا من تقلبه. ثم إن زل القلب والعياذ بالله فزلله عظيم ووقوعه أصعب وأفضع، أدناه قسوة وميل إلى غير الله سبحانه، ومنتهاه ختم ونكر لله تعالى، أما تسمع قوله تعالى: ﴿أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]؟ فكان الكبر بقلبه فحمله على الإباء والكفر بظاهره. أما تسمع قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 176]؟ فكان الميل واتباع الهوى بقلبه فحمله ذلك على الذنب المشؤوم بنفسه. أما تسمع قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110]؟ ولهذا المعنى أيها الرجل خاف عباد الله تعالى الخواص على قلوبهم، وبكوا عليها وصرفوا عنايتهم إليها. قال الله تعالى في وصفهم: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37]. جعلنا الله وإياكم معتبرين بالعبر، المهتمين بمواضع الخطر، الموفقين لإصلاح قلوبهم بحسن النظر، إنه أرحم الراحمين.
في "إحياء علوم الدين" لأبي حامد عبارة جميلة يقول: ومهما فرغ من وضوئه وأقبل على الصلاة، فينبغي أن يخطر بباله أنه طهر ظاهره وهو موضع نظر الخلق، فليستحي من مناجاة الله تعالى من غير تطهير قلبه وهو موضع نظر الرب سبحانه، وليحق طهارة القلب بالتوبة. وهذا معنى جليل، وقلّ من يتنبه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، فيستحضر هذه المادة، يستحضر أن مثلما أن موضع نظر الله سبحانه وتعالى هو العمل الظاهر، وبالتالي أنا أسعى لتحسين صلاتي في هيئتها الظاهرة، كذلك ينبغي للإنسان أن يحسن ما يتعلق بشأن صلاته في هيئتها الباطنة لأنها كذلك موضع نظر الله سبحانه وتعالى.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم كذلك: «وأعمالكم». المقصود بالأعمال هو القربات والطاعات التي تقرب العبد إلى الله سبحانه وتعالى، لأن سياق الحديث دال على ذلك. وبالتالي العمل ينبغي على الإنسان أن يحرص على طاعة الله سبحانه وتعالى من جهة الوجود، وأن يحرص على ما يقترن بذلك العمل من شرطي قبوله: الإخلاص لله تبارك وتعالى، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم في سنته.
الفائدة الأولى: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وأعمالكم»، يؤكد كذلك على أنه ليس مطلوباً من العبد مجرد الاستغراق في إصلاح الباطن، وإنما لا بد أن يقترن بصلاح الباطن صلاح الظاهر. فإذا صلح العبد في باطنه حقيقة أثمر ذلك صلاحاً في الظاهر حقيقة، وإذا لم يوجد الإنسان الصلاح الظاهر يعرف أن هناك خللاً موجوداً في الباطن.
القضية الثانية: إذا قال قائل إن الحديث يقول: «إن الله لا ينظر إلى صوركم»، فيستطيع الإنسان أن يفعل في صورته الظاهرة ما شاء لأنها ليست موضعاً لنظر الله عز وجل، فما هو القول في إزالة هذه الشبهة؟ المقصود أن الله عز وجل يدرك أنه خلقك على خلقة معينة، هذه كانت خارجة عن اختيارك وخارجة عن قدرتك، وبالتالي هي ليست موضعاً للمحاسبة الإلهية. أنتم كبشر ضعفاء ترعون هذا المعطى فتصبغون أحكاماً لمن كان حسن الخلقة ممن كان دميم الخلقة، أنتم تهتمون بقضية الجمال من حيث هو جمال، لكن الله سبحانه وتعالى هو المالك لك، والمالك للعمل، هو الذي وضع موازين القبول.
لملكك، وبالتالي هو لا ينظر إلى هذه القضايا؛ هو ينظر إلى القلب وينظر إلى العمل. وبالتالي متعلق العمل قد يكون متعلقاً بالجسد والصورة، وقد يكون متعلقاً بالمال. تخيل نفس الشبهة يقول لك: طيب الحديث يقول صوركم وأموالكم، فيقول: فما يحاسبني الشارع على التعاطي مع المال؟ التعاطي الذي أنا أراه بسبب أن الله لا ينظر إليه. نقول: لا، ليس هذا المقصود. المقصود أن ليست من معايير المفاضلة عند الله عز وجل بين الخلق الصورة والمال، وإنما من معايير المفاضلة بين الخلق العمل والقلب؛ القلب والعمل وما الذي يفعله الإنسان بمقتضى عمله واختياره في صورته، أو يقتضي فعله في ماله.
ولذا المرأة الجميلة الملتزمة بأمر الله سبحانه وتعالى يثيبها الله سبحانه وتعالى على تسترها وعفتها وحجابها، صح ولا لا؟ لأن هذا من العمل المتعلق بالصورة، لكن الله سبحانه وتعالى لا يكرم المرأة مثلاً لمجرد حسن صورتها إلا إذا اقترن بحسن الصورة عمل متعلق بتلك الصورة.
الحديث الذي بعده حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب». أخرجه البخاري ومسلم. طبعاً الحديث هذا من الأحاديث الأربعين المشهورة، مثل الحديث الذي ذكرنا حديث أبي هريرة قبله؛ الذي هو حديث «التقوى هاهنا» ويشير إلى قلبه، تمام الحديث «المسلم أخو المسلم». وحديث «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب».
أول لفظة في الحديث «ألا وإن في الجسد مضغة»، ما معنى المضغة؟ المضغة أصلها القطعة من اللحم، لكن هي إشارة إلى التقليل؛ بمعنى هي صغيرة بالمقارنة ببقية أعضاء الجسد. يعني إذا قارن الإنسان نسبة ما يحتله قلب الإنسان مع عظم خطره ببقية جسد الإنسان، فهو كالمضغة بهذا الاعتبار. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة»؛ يعني هي قد تتبدل، لكن هي في الأولي هي شأن بسيط وشأن حقير، لكن يتعلق بها ويرتهن بها صلاح هذا البدن. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلحت». زين، أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صلحت»؛ ما معنى إذا صلحت؟ إذا تحقق لهذا القلب الصلاح، بمعنى صارت ذات صلاح، صار القلب ذا صلاح؛ إذا صلحت ترتب عليه الأثر الذي هو: صلح الجسد كله، صح ولا لا؟ أن تتغير كما يقال الأعمال الظاهرة المتعلقة بهذا الإنسان فيصلح أمرها؛ منبع التزام الإنسان بالأمر ومنبع التزام الإنسان بترك المحظور هو ما يتعلق بقلبه.
طبعاً العلماء يبحثون ما يتعلق بقضية القلب، إن أصل اشتقاق القلب مأخوذ من التقلب، بمعنى أنك قلبت الشيء أي رددته على أوله أو على أصله، تقول: قلبت الإناء، رددته على وجهه، أو قلبت رأي الرجل بمعنى صرفته عن أن يأتي الشيء الذي كان يريد أن يأتيه. فسمي أشرف الأعضاء البدنية بهذا المعنى؛ لكثرة الخواطر التي ترد عليه وكثرة أحواله وتقلباته. ولذا ذكرنا البيت الشعري: "وما سمي القلب إلا من تقلبه". وطبعاً في ذكرنا أبو حامد ذكر بسياق رواية: "فاحذر على القلب من قلب وتحويل". وطبعاً من الطرائف اللغوية المتعلقة أن جعلوا القاف إذا فخمت دل على العضو، وإذا خففت دل على معنى القلب، فتقول قلب وتقول قلب، فيصير مختلفاً من جهة الأداء الصوتي.
يقول القرطبي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: "وليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه، إذ ليس بين القلب والقلب -شوف، إذ ليس بين القلب والقلب- إلا التفخيم، وما يعقله إلا كل ذي فهم مستقيم". قال ابن حجر: "وسمي القلب قلباً لتقلبه في الأمور، أو لأنه خالص ما في البدن، وخالص كل شيء قلبه، أو لأنه وضع في الجسد مقلوباً"، هذه الاتجاهات التي ذكرت في سبب اشتقاق كلمة القلب.
قال أبو حامد الغزالي في كلام مهم في إحياء علوم الدين، يقول: "لفظ القلب يطلق لمعنيين؛ أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف وفي ذلك التجويف دم أسود وهو منبع الروح ومعدنه. ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته، إذ لا يتعلق به غرض الأطباء ولا تتعلق به الأغراض الدينية؛ لأن هو يتكلم عن أمراض القلوب، فيقول: أنا ما أتكلم عن أمراض القلوب التي يبحثها الأطباء، يعني القلب من ناحية فسيولوجية. قال: وهذا القلب موجود للبهائم بل هو موجود للميت، ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعنِ به ذلك، فإنه قطعة لحم لا قدر له وهو من عالم الملك والشهادة، إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلاً عن الآدمي".
المعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق، فهو ليس محظ في معنى، في امتياز في خصوصية لقلب الإنسان، لكن ليس معناه أنه شيء مفك تمام الانفكاك عن القلب العضو الموجود، يقول: له تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، هو المدرك العالم العارف من الإنسان، والمخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب، ولها علاقة مع القلب الجسماني وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته، فإن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام، والأوصاف بالموصوفات، أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة، أو تعلق المتمكن بالمكان، وشرح ذلك مما نتوقاه.
فهذا جانب يقول الإمام القرطبي مبيناً بعض الجوانب الموجبة لشرف القلب وفضله: "إن الإنسان إنما شرفه الله تعالى على سائر الحيوان بهذا القلب، وأن هذا القلب لم يشرف من حيث صورته الشكلية، فإنها موجودة لغيره من الحيوانات البهيمية، بل من حيث هو مقر لتلك الخاصية الإلهية. علمت أنه أشرف الأعضاء وعز الأجزاء، إذ ليس ذلك المعنى موجوداً في شيء منها. ثم إن الجوارح مسخرة له ومطيعة، فما استقر فيه ظهر عليها وعملت على مقتضاه؛ إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وعند هذا انكشف لك معنى قوله: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله".
ولما ظهر ذلك وجبت العناية بالأمور التي يصلح بها القلب ليتصف بها، وبالأمور التي تفسد القلب ليجتنبها. ومجموع الذي يحتاج الإنسان أن يحصله من المعارف المتعلقة بهذا المجال، أو من القضايا المتعلقة بهذا المجال: علوم وأعمال وأحوال. قال: فالعلوم ثلاثة؛ الأول: العلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه وتصديق رسله فيما جاؤوا به؛ يعني إذا أراد الإنسان أن يصلح قلبه لا بد أن يعتني بجملة من العلوم، جملة من الأعمال، وجملة من الأحوال. العلوم قسم ثلاثة أقسام: الأول: العلم بالله تبارك وتعالى، الثاني: العلم بأحكامه عليهم ومراده منهم، الثالث: العلم بمساوئ القلوب من خواطرها وهمومها ومحمود أوصافها ومذمومها. وقال: وأما أعمال القلوب فالتجلي والتحلي بالمحمود من الأوصاف والتخلي عن المذموم منها، ومنازلة المقامات والترقي عن فضول المنازلات إلى سني الحالات. وأما الأحوال فمراقبة الله تعالى في السر والعلن، والتمكن من الاستقامة على السنن، وإلى هذا أشار الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: «أن تعبد الله كأنك تراه». وتفصيل هذه المعاقد الجملية توجد في تصانيف محققي الصوفية.
تنبيه: الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب بأعمالها؛ للارتباط الذي بين الباطن والظاهر، والقلب مع الجوارح كالملك مع الرعية، إن صلحت صلحوا، ثم يعود صلاحه عليه بزيادة مصالح ترجع إليه، ولذلك قيل: الملك سوق، وما نفق عنده جلب إليه.
وعند هذا يعلم الواحد منا قدر المصيبة التي هو فيها وعظم المحنة التي ابتلي بها؛ إذ المكاسب في هذه الأوقات قد فسدت. حين يتضجر الإمام القرطبي من أحوال فساد الزمان في زمانه، فيقول: إن عندنا أزمة فيما يتعلق بالعناية بقلوبنا. يقول القرطبي عن زمانه لاعتبارات الفساد الحاصل في زماننا فيقول لك: إذا المكاسب في هذه الأوقات قد فسدت، وأنواع الحرام والشبهات قد عمت، فلا يكاد أحد منا اليوم يتوصل إلى الحلال ولا ينفك عن الشبهات؛ فإن الواحد منا وإن اجتهد فيما يعمله، فكيف يعمل في من يعامله مع استرسال الناس في المحرمات والشبهات وقلة من يتقي ذلك من جميع الأصناف والطبقات، مع ضرورة المخالطة والاحتياج للمعاملة؟ وعلى هذا فالخلاص بعيد والأمر شديد. ولولا النهي عن القنوط واليأس لكان ذلك الأولى بأمثالنا من الناس، لكن إذا دفعنا عن أنفسنا أصول المحرمات واجتهدنا في ترك ما يمكننا من الشبهات، فعفو الله تعالى مأمول وكرمه هو مرجو؛ فلا ملجأ إلا هو، ولا مفزع إلا إليه، ولا استعانة إلا به، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
طبعاً من المسائل التي يذكرونها العلماء في مسألة القلب وكذا، هو قضية ارتباطه بالعقل. ومبحث خلاصته أن في اتجاهين علمائيين؛ في اتجاه يرى أن محل العقل هو القلب، ويتمسكون بظواهر مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]، وقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]. وورد عن عمر بن الخطاب أن وصف عبد الله بن عباس قال: "ذاكم فتى الكهول، له لسان سؤول وقلب عقول".
القول الثاني يذكرونه ويختاره بعض أهل العلم أن العقل محله الدماغ. والسبب في هذا يذكرون عنده اعتبارات؛ من الاعتبارات يذكرون أن لو أصيب الإنسان على رأسه ضربة شديدة، الذي هو محل الدماغ، إيش الذي يحصل في عقله؟ يغيب عقله، صح ولا لا؟ وإذا كانت ضربة أشد أنه قد يصيب الجنون الذي هو غياب العقل، وأن العرب كانوا يصفون الإنسان العاقل بأنه وافر الدماغ. ولذا اختيار ابن تيمية رحمه الله عليه في هذه المسألة يقول: فالتصور والإدراك للمعاني محله الدماغ، ثم يبعث بذلك القلب، والقلب يأمر ويدبر فيبعث بأوامره إلى الدماغ، والدماغ يحرك الأعضاء؛ بمعنى أن هنالك نوعاً من أنواع التعلق بين العضوين: الدماغ والقلب. قال: فكل واحد يفتقر للآخر. وإذا علمنا أن العقل قوة معنوية لا يمكن أن يدرك بواسطة الحس تبين لنا ضعف القول للأطباء.
يقول ابن القيم: الصواب في العقل أن مبدأه ومنشأه من القلب، وفروعه وثمرته في الرأس، والقرآن قد دل على هذا بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37]، ولم يرد بالقلب هنا مضغة اللحم المشتركة بين الحيوانات، بل المراد ما فيه من العقل واللب.
الحديث الذي بعده حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، الذي هو ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16]، إلا أربع سنين. جاء عند ابن ماجه رضي الله عنه وأرضاه من حديث عبد الله بن الزبير قال: "إنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين؛ ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16]".
يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية. ما المعاتبة؟ المعاتبة يقولون هي مذاكرة الموجدة ومخاطبة الإدلال؛ يعني أن في نوع من أنواع المحبة الموجودة مع الطرف المقابل فيعاتبه. أنت لا تعاتب عدوك، أنت تعاتب صديقك، فتتدلل عليه بمحبتك. وإذا في نوع من أنواع التغطية، في نوع من أنواع الانتقاد، لكن الانتقاد من طبيعته يتسم بمحبة، يعني منشأه المحبة. وحتى الشاعر يقول: "أعاتب ذا المودة من صديق، إذا ما رابني منه اجتناب، إذا ذهب العتاب فليس ود، ويبقى الود ما بقي العتاب".
فيقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله عز وجل بهذه الآية؛ فذكر آية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾. هذه الآية فصلنا الكلام عليها في باب ترقي القرآن عن منهاج النبوة، ذكرناه سابقاً ما نذكر التفسير، لكن الحديث هذا يدل على أن المقصود، لأن في خلاف علمي كبير في من المقصود، ذكرنا أشرنا إشارة إلى هذا؛ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، الآن من المقصود بهذا الخطاب؟ فظاهر خطاب ابن مسعود، ووَرَد من حديث عبد الله بن الزبير، أن الذي يعاتب بهذا الصحابة، وقيل الذي يعاتب بهذا المنافقون.
المنافقون، أليس كذلك؟ هل هم عوتبوا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: 16] في حق المنافقين؟
زين، ما الذي يجب أن تفعله حينئذ؟ يجب أن تقدر: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أن آمنوا بظواهرهم من غير أن يدخل الإيمان في قلوبهم، تقدر هذا التقدير؛ لأنهم ما آمنوا حقيقة وإنما آمنوا في الهيئة الظاهرة. وبعض العلماء قال: المقصود بذلك ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ هم المؤمنون من أهل الكتاب، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل. وذكروا موجبات من سياق الآيات وكذا، والظاهر مثل ما ذكر عبد الله بن مسعود أن يكون الأمر متعلقاً بما ذُكر.
الحديث الأخير الموجود في هذا الباب حتى نختم به عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: إنما نزل أول ما نزل منه أي القرآن الكريم. طيب، الحديث الماضي حديث عبد الله بن مسعود ما علاقته بالباب؟
أيوه، اللي هو خشية الله عز وجل، خشوع القلب. صح ولا لا؟ أن هذه من أهم المواد المتعلقة بأعمال القلوب. فالله عز وجل قد عتب على المؤمنين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ظلوا في فترة زمنية طويلة ولم يترقوا إيمانياً للوصول إلى تلك اللحظة التي يعاتب الله عز وجل عليكم عدم الوصول إليها: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16]. فمفترض الإنسان، بما يدل على أن الله عز وجل لما يعاتبهم يعاتبهم على شيء في طوقهم وقدرتهم وطاقتهم، بمعنى أن هنالك تقصيراً واقعاً من جنابكم للوصول لهذه الحالة. طيب، إذا فتش الإنسان في مادة التقصير، فمادة التقصير هو تقصير في تزكية النفس لبلوغ تلك الرتبة.
عن عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين قالت: إنما نزل أول ما نزل منه أي القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبداً. لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وأنا جارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ [القمر: 46]، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده.
طبعاً الحديث هذا له مقدمة أطول مما ذكر. الحديث أن ابن جريج قال: وأخبرني يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك. قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف. قالت: وما يضرك أيه قرأت؟ إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل.
طبعاً السبب ليش عائشة قاعد تعامل مع هذا التعامل؟ بعض الناس قد يقول لك إن هذه الأسئلة، أسئلة مشروعة، يعني أي الكفن خير، أن في سنن متعلقة بالكفن. الموجب لشدة عائشة في التعامل معه أنه هي تراعي أنه فاقد الأساس. مو بس هذا، في سبب في الحديث ذكر الخوارج، أنه عراقي. طب أيش المقصود بالعراقي؟ هو مو مقصود اللي هو مجرد سكنه في تلك الرقعة الجغرافية؛ لأن فيها فضلاء وأخيار وعباد وزهاد، مش هذا المقصود.
لا مو هذا، أن في لما نشأ الخوارج نشأة الحرورية فتجد نفس النزعة هذه. أن عائشة تُسأل امرأة معينة فتقول: لما تدع المرأة كذا الصلاة وهذا، فقال: أحرورية أنتِ؟ لما جاؤوا مثلاً: أن عجباً لكم يا أهل العراق، تقتلون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسألون عن دم البعوض! لاحظ، ففي نزعة الأسئلة التي عُرفت، أسئلة إما أن تعبر عن اختلاف في ترتيب الأولويات أو أسئلة تعسفية. فهذا ليش أنها جالسة تتعامل مع هذا التعامل؛ هي مدركة السياق الذي قاعد يوضع فيه السؤال، هي لا تتعامل مع السؤال منقطعاً عن السائل الذي تعرف شيئاً من أحواله. قالت: وما يضرك أيه قرأت؟ إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء إلى آخر الحديث.
تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها في أول الحديث: إنما نزل أول ما نزل منه، يعني من القرآن الكريم، سورة من المفصل، فهي تتكلم الحين عائشة عن سورة معينة أن أول ما نزل من المفصل سورة فيها ذكر الجنة والنار.
طيب أول مسألة: ما هو المفصل؟ لماذا سُميت المفصل بالمفصل؟ أول شيء تعتبر قصرها بالمقارنة ببقية السور؛ لأنها تتفاوت حتى في قصارها، لذا العلماء أصلاً يقسمون المفصل إلى طوال وأواسط وقصار المفصل. فأول ملحظ متعلق بالمفصل أنها بالمقارنة ببقية سور القرآن الكريم تعتبر القصيرة. ولذا مش المفصل من قصرها الذي هو قضية أنه فُصل بينها بالبسملة، لكثرة ما تأتي البسملة بينها. هذا قول.
القول الثاني: قصرت في تفاصيل الدنيا، لا، مش تفاصيل الجنة، نذكر معنى ثانياً، لا، في معنى آخر: الآيات قصيرة جداً. أيوه، اللي هو يسمونها فواصل الآيات، ففواصل الآيات تعتبر قصيرة مقارنة ببقية سور القرآن الكريم. الثالث: المفصل بمعنى المحكم، بمعنى الله عز وجل قد فصل فيها جملة من المحكمات، إذا قارن الإنسان بين القرآن المكي -السور الموجودة في المفصل- تجد أن تعرضها لمادة النسخ قليل بالمقارنة بتعرض غيرها لمادة النسخ، فبهذا الاعتبار يصير قريناً لمعنى المحكم.
طبعاً اختلف العلماء اختلافاً واسعاً في تحديد أول المفصل، وبعدين اختلفوا اختلافاً ثانياً في ضبط ما يتعلق بطواله وأواسطه وقصاره. يقول السيوطي في الإتقان: واختلف في أوله على اثني عشر قولاً؛ أحدها قاف لحديث أوس سابق قريباً، الثاني الحجرات صححه النووي، والثالث القتال عزاه الماوردي للأكثرين، الرابع الجاثية حكاه القاضي عياض، الخامس الصافات، السادس الصف، السابع تبارك، الثامن الفتح، التاسع الرحمن، العاشر الإنسان، الحادي عشر سبح، الثاني عشر الضحى حكاه الخطابي ووجهه بأن القارئ يفصل بين هذه السورة بالتكبير. وعبارة الراغب في مفردات: المفصل من القرآن السبع الأخيرة.
قال السيوطي بعد ذلك: للمفصل طوال وأواسط وقصار، قال ابن معين: فطواله إلى عمَّ، وأواسطه منها إلى الضحى، ومنها إلى آخر القرآن قصار، وهذا أقرب ما قيل فيه.
طيب هذا ضبط ما يتعلق بالطوال، بس ما نعرف الحين بداية الطوال، قال الحافظ بن حجر: أول المفصل من قاف إلى آخر القرآن على الصحيح، وسُمي مفصلاً لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة على الصحيح. قال ابن كثير: وهذه السورة -اللي هي سورة قاف- هي أول الحزب المفصل على الصحيح، وقيل من الحجرات، وأما ما يقوله العامة أنه من عمَّ فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم.
والدليل على أن هذه السورة هي أول المفصل ما رواه أبو داوود في سننه، وذكر بعدين لما ذكر حديث أوس بن حذيفة ثم قدمنا، ذكر حديثه بعدين ذكر بعض الاستدلالات، ثم ذكر اللي هو التفاصيل المتعلقة بالقرآن الكريم في ترتيبه وتحزيبه وكذا، بعدين قال: ثم بعد ذلك لما جاء إلى آخر هذا قال: والحجرات، ثم بعد ذلك الحزب المفصل كما قاله الصحابة رضي الله عنهم، فتعين أن أوله سورة قاف، وهو الذي قلناه ولله الحمد والمنة.
طبعاً الملحوظة لما ذكر الإمام ابن كثير ما ابتدأ بالفاتحة، ذكر البقرة وآل عمران والنساء وكذا؛ لأن من عدَّها بناءً على بعض الروايات سيضطر أن يجعل الفاتحة أو يجعل الحجرات. لم يعد سورة الفاتحة، ومن عدَّ الفاتحة قال إن أول المفصل من سورة الحجرات، ولكن قول ابن مسعود: قرأنا المفصل حججاً ونحن بمكة ليس فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهذا الموجب لبعض العلماء أن أخرجوا هذا.
المصطلح هذا "المفصل" من القرآن الكريم كان مصطلحاً شائعاً عند الصحابة، شاع مثلاً، جاء رجل لابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هذا كهذِّ الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة مفصل، سورتين في كل ركعة. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة، فانصرف الرجل، فكان معاذاً تناول منه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: فتّان فتّان فتّان ثلاث مرار، وأمره بسورتين من أوسط المفصل. لاحظ مصطلح شائع عندهم.
أحد الإشكاليات طبعاً المورد في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إنما نزل أول ما نزل منه أي القرآن سورة من المفصل، فهي ما تتكلم عن المفصل، تتكلم عن سورة من المفصل. طيب، ما أول ما نزل من القرآن الكريم؟ سورة اقرأ، صح ولا لا؟ سورة اقرأ، هل فيها ذكر الجنة والنار؟ لا، استشكل العلماء أن ما فيها ذكر الجنة والنار، فكيف الإجابة؟
بعض العلماء قال: تقدير من ذكر الحافظ بن حجر يصير كلامها: سورة من المفصل، يعني فكان من أول ما نزل من القرآن هذا احتمال لأن تقدر فينحل الإشكال، أو القول الثاني: أول سورة كاملة، أن سورة العلق ما نزلت كاملة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة تكون إشارتها لسورة نزلت كاملة، أي السورة التي نزلت كاملة وفيها ذكر الجنة والنار؟ المدثر.
تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها بعد ذلك: حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، إيش معنى ثاب الناس إلى الإسلام؟ ثاب يعني رجعوا، حتى إذا رجعوا للإسلام. ثاب إلى شيء يثوب معناه رجع. لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 125]، يعني مكاناً يرجعون إليه، مرجعاً يرجعون إليه.
تقول عائشة الحين تبين شيئاً من فلسفة الشريعة، شيئاً من حكمة الله تبارك وتعالى في تقرير القاعدة الإيمانية أولاً، ثم إلحاق الأحكام الشرعية التفصيلية بعد ذلك، نزل الحلال والحرام. وتقول عائشة رضي الله عنها في آخر الحديث: لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وأنا جارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. طيب إيش الإشارة "إلا وأنا عنده"؟ لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته وصرت عنده، وين كانت؟ في المدينة، فتقول إن سورة البقرة المشتملة على هذه الأحكام الكثيرة جداً ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم إلا في المدينة، لكن الآيات التي كانت تنزل من طبيعته في مكة من جنس قول الله عز وجل: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾.
طيب ما مناسبة هذا الحديث للباب؟ إنها سورة فيها ذكر الجنة والنار وهذه من صلب التزكيه، لكن تحتاج تفصيلاً أكثر، يعني ربما أن التزكية تأتي بتدرج، وطبعاً ما في فترة زمنية في عمر الإنسان تخلو من التزكية، لكن هو التأكيد على مركزية ومحورية التزكية، هو أثر في الالتزام بالأحكام الشرعية، يعني كان حكمة الشارع اقتضت أن الله سبحانه وتعالى يوطئ ويمهد نفوس الصحابة لاستقبال التكليفات الشرعية. وإذا عائشة تعبر بتعبير حاد وواضح وقاطع، وبين أن كانت الأحوال الإيمانية الموجودة عند أول من في أوائل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لا ترشحهم للقيام بالتكاليف الشرعية المطلوبة منهم.
لو قُدر أن جاءت الدعوة بفصل الأحكام الشرعية ابتداءً "لا تشربوا الخمر" لقالوا لا ندعها أبداً، "لا تزنوا" لا ندع الزنا أبداً، لكن الذي حصل بعد ذلك لما أكثر الله عز وجل في ذكر الجنة والنار، في تخويفهم منه تبارك وتعالى، في ترجيتهم في رحمته تبارك وتعالى، أقامت هذه المعاني الإيمانية وتخليق حالة التزكية القائمة الموجودة عندهم، صارت النفوس إلى مستوى إيماني مؤهلة أن تقوم بتلك الأدوار الشرعية، وتقول عائشة: فلما ثاب الناس، لما رجعوا للإسلام استقرت الأحوال. هذا ما يتعلق بالباب السادس، وباذن الله سبحانه وتعالى نشرع في الباب السابع في اللقاء القادم، والله أعلم وصلى الله على محمد.
الشيخ عبدالله بن صالح العجيري