دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الباب السابع من الكتاب، من كتاب المنهج، مراث النبوة، باب شرف العلم النافع وفضله وذم من لم يعمل بعلمه. هذا العنوان فيه عدة فقرات، الفقرة الأولى هي باب شرف العلم النافع. مسألة شرف العلم النافع مسألة مهمة جداً؛ فمفتتح طريقة الشيخ هنا أن قيد العلم الذي له شرف وله فضيلة في الشريعة بمكانه نافعة من العلوم؛ لأن هناك علماً لا ينفع، وبالتالي هذا العلم الذي لا ينفع هو ليس موضعاً للفضيلة والشرف، بل هو مما يستعاذ بالله عز وجل منه.

فيما يتعلق بالقضية الأولى، وهي باب شرف العلم النافع وفضله، عدد ما أُلف في ماهية العلم وحقيقة العلم وفضائل العلم كثير جداً في التراث الإسلامي، لكن من أميز الكتابات وأجمعها فيما يتعلق بهذه القضية هو ما حرره الإمام ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه في أوائل كتاب مفتاح دار السعادة؛ حيث عقد أكثر من 153 وجهاً يدل على شرف وفضل العلم. ولما نقول 153 وجهاً، ليس مقصوداً بالضرورة أن مجرد آية أو حديث أو دلالة عقلية، بل أحياناً تصير حزمة دلالات قرآنية أو حزمة دلالات أحاديث نبوية تدل على معنى من معاني الشرف، واستغرق منه عشرات الصفحات. وهو من أجمع ومن أفضل ما أُلف في هذا الموضوع، حتى ابتدأ هذا المبحث بقوله في العلم وفضله وشرفه وبيان عموم الحاجة إليه، وتوقف كمال العبد ونجاته في معاشه ومعاده عليه.

الشيخ أحمد لما عقد هذا المبحث ليبين هذه المسألة، لم يستطع استجلاب المادة القرآنية فضلاً عن المادة الحديثية المتعلقة بهذه القضية، لكن التقط بعض الإشارات خصوصاً الإشارة إلى ما يتعلق بمفهوم العلم النافع، فهذا أحد القضايا التي فيها نوع من التركيز فيما أورده الشيخ إلى حد ما. فليس التركيز على استجلاب مادة الفضل المتعلقة بالعلم فقط، بقدر ما هو التركيز على العلم النافع، وأن العلم النافع هو الذي له فضيلة، وهو الذي ينبغي ابتغاؤه، وهذا نلاحظه لما تورد الأدلة التي يوردها الشيخ جزاه الله خيراً.

من أجمل الدلائل القرآنية الدالة على فضيلة العلم وأهله قول الله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 18]. العلماء يقولون إن أعظم الحقائق الوجودية على الإطلاق حقيقة وجود الله سبحانه وتعالى وتفرده تبارك وتعالى بالوحدانية، فلما يستشهد الله سبحانه وتعالى عباده من الملائكة والعلماء على أجل الحقائق الوجودية، يدل ذلك على عظيم الشرف والفضل، وأن قرن الله سبحانه وتعالى شهادتهم بشهادته تبارك وتعالى.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». هذا يدل على رتبة ودرجة عالية؛ لأن وجه المقارنة الموجودة في طرفي الحديث شيء عجيب، ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فضل العالم على الفاسق، بل قال: «فضل العالم على العابد»، والعابد صاحب منزلة دينية رفيعة، ومع ذلك لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعقد المقارنة بين العالم والعابد قال: «كفضلي على أدناكم»، أي فضل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى الصحابة رتبة، وهذا فرق مهول جداً. كذلك الحديث الذي يورده الشيخ: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

ومن الاستغراقات اللطيفة التي ذكرها ابن القيم في مفتاح دار السعادة أن وصل به الحال في محاولة استنباط الأوجه الدلالية الدالة على فضل العلم وشرفه إلى درجة أن الكلب المعلم في أحكام الشريعة له من المنزلة والأحكام ما ليس للكلب غير المعلم؛ يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4]. فالكلب الذي علم يجوز أكل صيده بخلاف الكلب غير المعلم. ومن المسائل الطريفة التي عقد ابن القيم الخلاف فيها بين العلماء وأورد أدلتهم ورجح فيها، هو أيهما أفضل عند الله عز وجل: دماء الشهداء ولا مداد العلماء؟ ورجح أن الأفضل هو مداد العالم.

مما يحسن مراجعته فيما يتعلق بهذه المسألة كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم، وهنالك كتب متعددة جداً يستطيع الإنسان من خلالها أن يدرك فضل العلم وشرف العلم ومنهجيات طلب العلم وما هو طبيعة العلم النافع. من أهم الكتب: جامع بيان العلم وفضله للإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر، الجامع لأخلاق الراوي والسامع للخطيب البغدادي، تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة، صيد الخاطر لابن الجوزي. لو قرأ الإنسان صيد الخاطر سيجد أن هنالك موضوعات محورية شغلت بال ابن الجوزي، مع أن كتابه في الخواطر ومتنوع، لكن أحد القضايا المحورية الموجودة في صيد الخاطر التي لا تخطئها العين، ما يتعلق بطلب العلم، سواء بحكاية شرف العلم أو ما يتعلق بطالب العلم بشكل عام.

من الكتابات المهمة كذلك حِليَة طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد، ويعتبر من الكتابات المحورية والجميلة والرائقة؛ فالشيخ بكر رحمه الله تبارك وتعالى عليه أُوتي قلماً حسناً في التعبير عن المعاني، وبالذات إذا عقد الإنسان المقارنة بين الحالة العلمية للشيخ بكر بأقرانه، تجد أن هنالك نوعاً من التميز فيما يتعلق بعبارته ورشاقتها. فجميل الكتاب كحِليَة طالب العلم أن يكون من المقروءات الضرورية. كذلك من الكتابات المهمة التبويبات الأولى المتعلقة بالعلم لأبي حامد الغزالي في الإحياء، فهي مفيدة ونافعة وضرورية.

كتاب صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل للشيخ عبد الفتاح أبو غدة، كتاب رائق ولذيذ، ودائماً إذا سُئلت: هل هناك كتاب تنصحني به إذا أنت لا تعرف الطرف المقابل ولا خلفيته العلمية؟ فالكتاب الأبرز الذي يقفز إلى الذهن في التوصية بمطالعته هو كتاب صفحات من صبر العلماء للشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله عليه. الشيخ ابن عثيمين له كتاب كذلك جميل بعنوان العلم، وكتاب ارتياض العلوم للشيخ صالح آل الشيخ، كتابه نفيس ورائع ومهم جداً، وهو سبحان الله مع فارق المنهجية في الكتابة، لكن مما يحسن قراءته مع حِليَة طالب العلم للشيخ بكر. كذلك من الكتابات الجيدة كتاب السبل المرضية لطلب العلوم الشرعية لأحمد سالم.

إذا نظر الإنسان في قضية العلم وفضل العلم، وجد أن لفضيلة العلم فضيلتين: هنالك فضيلة للعلم من حيث هو، وهنالك فضيلة العلم لغيره، باعتباره واسطة يتوصل بها إلى العمل الصالح. لما ينظر الإنسان في طبيعة النصوص الشرعية، فمجرد طلب العلم من حيث هو يعتبر أمراً حسناً ومطلوباً. وهنالك من المعارف والعلوم ما هو مطلوب ومقصود لذاته، مما قصد الله عز وجل للخلق أن يتعلموه ويعرفوه، ليس المقصود فقط أن يعرف الله عز وجل من أجل أن تترتب عليه الآثار، نعم تترتب الآثار بطبيعة الحال، وهذا مطلوب ومقصود، وأن الله عز وجل خلق الخلق لعبادته، لكن كذلك من المعاني التي يفرح الله عز وجل بها ويقبلها من العبد أن يتعلم مثل هذه المعارف والعلوم من حيث هي.

العلماء يقسمون العلوم الشرعية إلى علم عيني وعلوم كفائية، أو ما كان من قبيل فروض الأعيان وفروض الكفايات. ممن عقد مبحثاً مطوراً في هذه المسألة وأحسن فيما يتعلق بهذه القضية الإمام ابن القيم في مفتاح السعادة؛ فلما تكلم على قضية الفرض العين من العلم، كان واضحاً الضابط العام المتعلق به وما ليس على الإنسان المسلم جهله مما يتعلق به. ميزة ابن القيم أنه فصل وأعطانا بعض الخطوط العامة العريضة مما يندرج تحت مفهوم العلوم العينية.

من الأمور التي ذكرها: علم أصول الإيمان الخمسة، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. قد يتساءل البعض لماذا لم يقل الأصول الستة لأن أركان الإيمان هي الأركان الستة؟ والقدر ليس موجوداً في كلامه، لكن احتمال تأول عبارته على أن القدر المتحصل من الإيمان بالقدر إجمالاً، هي معان تندرج بشكل أو بآخر تحت مفهوم الإيمان بالله عز وجل؛ لأن مراتب القدر الأربعة التي يجب على الإنسان المسلم أن يؤمن بها، هي أن تؤمن بأن الله عز وجل قد علم كل شيء، وأن كتب سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ ما كان وما سيكون، وأن الله عز وجل لحظة ما يوجد مخلوق يشاء الله عز وجل خلقه، ثم يخلق تبارك وتعالى.

من المعاني المدرجة في العلوم العينية، علم شرائع الإسلام اللازم منها، علم ما يخص العبد من فعلها كعلم الوضوء والصلاة والصيام والحج والزكاة وتوابعها وشروطها ومبطلاتها. هو بحسب متى يتعين على الإنسان تعلم أحكام الزكاة؛ إذا تعين عليه وجب. لاحظ لدينا رتبتين، هنالك مدخل من مداخل أحكام الزكاة يجب على المسلم أن يعرفه حتى يعرف تعلق الحكم الشرعي به، فيطلب الأحكام التفصيلية بعد ذلك. الشاهد أن الفروض العينية من الناحية العملية تتغير وتتبدل بحسب طبيعة الإنسان وبحسب طبيعة سياقه، وبحسب التكليفات الشرعية التي أناط الله عز وجل به لما كان تعلق الوجوب بالعبد به، فالقاعدة تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فيجب عليه شرعاً أن يطلب من تلك العلوم ما يستطيع من خلالها أن يقيم تعبده.

النوع الثالث من العلوم الداخلة في الفروض العينية، قال علم المحرمات الخمس التي اتفقت عليها الرسل والشرائع والكتب الإلهية، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. هذه يجب على كل إنسان مسلم أن يعرف أصول المحرمات الدينية الشرعية الكبرى.

الأمر الرابع، قال علم أحكام المعاشرة والمعاملة التي تحصل بينه وبين الناس خصوصاً وعموماً؛ فإذا دخل الإنسان في سلك المعاملة التجارية يجب عليه شرعاً أن يتعلم شيئاً وقدراً حسناً لئلا يقع في الحرام من أحكام البيوع والمعاملات، إذا مثلاً أراد أن يستأجر، أو إذا أراد الإنسان أن يتزوج، أو إذا أراد الإنسان أن يطلق، لابد أنه يعرف الأحكام الشرعية المتعلقة بمثل هذه المعاملات.

بعدين قال ابن القيم في المبحث الذي بعده: وأما فرض الكفاية فلا أعلم فيه ضابطاً صحيحاً، فإن كل أحد يدخل في ذلك ما يظنه فرضاً. ابن القيم يناقش مثلاً ويقول إن ما في ضابط واضح فيما يتعلق بما كان من قبيل الفروض الكفائية، والمشكلة الموجودة في بعض الدوائر العلمائية أنه كل ما رأى أحد منهم شيئاً من قبيل الفروض، راح ألحق هذا وأدخله في الفروض الكفائية. وبالجملة، فالمطلوب الواجب للعبد من العلوم والأعمال، إذا توقف على شيء منها كان ذلك الشيء واجباً وجوب الوسائل، ومعلوم أن ذلك التوقف يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والألسنة والأذهان، فليس لذلك حد مقدر والله أعلم.

الكلام بالذات فيما يتعلق بفروض الكفاية طويل على عدة مستويات، سواء ما هي العلوم الشرعية التي تدخل في دائرة فروض الكفايات، فمثلاً ما زاد على الفروض العينية المتعلقة بالمسلمين هو من قبيل فروض الكفايات، مثل أن تحفظ القراءات القرآنية على سبيل المثال، حفظ ما يتعلق بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، استقاء في الأمة من يعرف شروح الأحاديث النبوية، هذا لا يلزم بالضرورة كل إنسان مسلم تعلمه على وجه التفصيل، لكن استبقاء هذا العلم في جسد الأمة يعتبر فرض كفاية.

بعدين يأتي بحث آخر وهو ما يتعلق بأبدان الناس وصحة الناس، وما يتعلق باقتصاد الناس وسياسة الناس وغيرها. وهذا في كلام ابن القيم في «مفتاح دار السعادة»، كما أن أبا حامد الغزالي له معالجة لهذا الموضوع في «علم الدين».

من القضايا التي أختم بها ما يتعلق بهذه المقدمة المتعلقة بشرف العلم النافع وفضله وذم من لم يعمل بعلمه؛ جملة من الوصايا التي يحتاج الإنسان أن يستحضرها بالذات إذا أراد أن يسلك طريق طلب العلم. فمن الوصايا التي يؤكد عليها قضية الإخلاص لله تبارك وتعالى؛ أن المشكلة الجذرية الأساسية المتعلقة بالعلوم الشرعية، والمعادلة المتعلقة بها من جهة الفضيلة ومن جهة التأثير هي معادلة صفرية. بمعنى إما أن يكون الإنسان في أعلى الرتب والدرجات عند الله سبحانه وتعالى، أو يكون في أحط الدركات. وسنذكر بعد قليل في آخر هذا التبويب حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أول ما تسعر به النار». فتلاحظ حينما ينظر الإنسان في فضل العلم، يجد أنه لا توجد طائفة من الطوائف البشرية أثنى عليها الله عز وجل كما أثنى على العلماء، ولا توجد طائفة أحط درجة ممن لم يراعِ حرمة الله عز وجل في هذا العلم. تجد مثل ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]. لاحظ التفاوت الكبير بين من فضلهم الله سبحانه وتعالى على خلقه بالعلم، ومن حط درجتهم بهذه القضية.

فالقاعدة التي دائما نكررها في كثير من المناسبات أن قاعدة «الروم بالغرم»؛ بمعنى أن هذا المجال هو من المجالات العظيمة الجليلة التي يستطيع الإنسان أن تفتح نفسه أبواباً من أبواب الإثابة العظيمة. ونقل عن سفيان الثوري أو أحد الأئمة لما قال: إني لأعلم بعد تأدية الفرائض شيئاً أفضل من العلم لمن صلحت فيه نيته. لا يوجد -لاحظ لما نتكلم على قضية النوافل- ما هي أفضل التنقلات التي يمكن يحدثها الإنسان بعد إقامة الشعائر المطلوبة منه؟ فنقول: طلب العلم يعتبر هذا من أعظم مجالات التعبد لله تبارك وتعالى. لكن هذا المجال مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يجادل به العلماء، أو يصرف وجوه الناس إليه فالنار النار». لاحظ إما فوق وإما خفض؛ فالإنسان قضية الإخلاص لله تبارك وتعالى هي قضية محورية، قضية أساسية، قضية ضروري جداً يستصحبها الإنسان خصوصاً فيما يتعلق بعلوم الشريعة.

القضية الثانية من الوصايا: ضرورة الاستمرار. يعني إعمال القاعدة التي وضعها الإمام أحمد بن حنبل لما سئل عن طلب العلم إلى متى؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. بمعنى هو ليس مشروعاً لمدة سنة ولا سنتين ولا ثلاث سنوات، لا، هو مشروع مفترض أن يكون مستمراً في حياة الإنسان. وأحد البواعث المحركة لاستمرارية هذا المشروع الاستشعار أنه في طلبه للعلم في عبادة الله عز وجل، مثل ما يتعبد الإنسان لله عز وجل بذكره تبارك وتعالى، بصلاة، بصيام نافلة. فليستشعر الإنسان أنه لما يقتني كتاباً، لما يذهب إلى درس، لما يفعل أي فعل متعلق -مثل ما قال: «من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»- أن أي سبيل من سبل التماس العلم ليستشعر الإنسان في تلك اللحظة بأنه في حالة من حالات التذلل وتعبد الله سبحانه وتعالى، وهذا الإدراك يحمل الإنسان على عدم الانقطاع؛ فيستمر لأننا في عبادة الله سبحانه وتعالى.

القضية الثالثة أو القضية المهمة: التدرج. التدرج قضية أساسية ومهمة جداً؛ لأن من القواعد التي وضعها أهل العلم فيما يتعلق بهذا الباب: من طلب العلم جملة حرمه جملة. وبالتالي يحتاج الإنسان أن يبتدئ بما يناسبه من العلوم ثم يتدرج به إلى ما فوقه. وأن هذا التدرج هو الذي يضمن أو أحد الضمانات لقضية الاستمرارية؛ لأن أحد القضايا التي تحمل الإنسان على الانقطاع والفتور أن يستعجل، فيقع له صدمة معينة فيعزف عن باب العلم جملة واحدة.

الوصية الأخيرة هي: قليل دائم خير من كثير منقطع. من الأشياء المتعلقة بقضية الاستمرارية أن كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم ديمة، وأنه يدرك الإنسان ليس مطلوباً منه الاستكثار من العلم إلى الحد الذي يحمله على الانقطاع عن العلم، لا، استبقاء رابطة وصلة بقضية العلم ولو كان شيئاً قليلاً خير من أن يتعجل الإنسان الطريق فينقطع. فقليل دائم خير من كثير منقطع.

في قضية بقيت وحيدة، وهي قضية إذا نظر الإنسان في طبيعة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي أوردها الشيخ أحمد في هذا التبويب، سيلاحظ: هل فيه شيء من ذم من لم يعمل بعلمه؟ نعم، لاحظ يقول: «باب شرف العلم النافع وفضله وذم من لم يعمل بعلمه». هل الآيات فيها هذا؟ لا. الحين لاحظ، لا ما في. لاحظ احنا لا نتكلم على وجه التكلف، يعني كل شيء تقدر تقوله على وجه التكلف صح؟ الحين نأخذ مثلاً، نأخذها بس سريعة بنفسر الآيات بس سريعة. مثلاً ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، فيها دلالة؟ لا ما فيها دلالة ظاهرة. قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. نعم، إيش؟ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. موطن الشاهد منها لأي جزء من الترجمة: باب شرف العلم النافع وفضله وذم من لم يعمل بعلمه؟ شرف العلم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

لاحظ الآن هذا التكلف يصير، أنه تأتي تقول: بما ذم أنها مجهلة، فمعناتها بس ما له علاقة بالعمل الحين. طيب ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، هو يدل هذا أن الذين يتحققون بهذه الرتبة الشريفة التي هو خشية الله سبحانه وتعالى، أنه متحقق لمن تحقق بهذا العلم. ﴿مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ﴾. ﴿إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ﴾. من الثلاث هذا شرف؛ يعني من فضيلة العلم، الاستمرارية، الإثابة المتعلقة به. «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع». فتقول: لا، بس علم لا ينفع. لاحظ الشاهد المطابق الكافي في الترجمة: باب شرف العلم النافع. أقول لك ليش ذكر هنا كلمة «النافع»؟ جاب الحديث هذا على أساس يؤكد على هذا، فماشي، فلاحظ ما بقول الحين التأويل هل له ارتباط؟ له ارتباط؛ لأن أحد العلوم التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم العلم الذي لا ينفع. هل مقتصر العلم غير النافع على هذا؟ لا، العلم غير النافع أوسع دائرة من العلم الذي لم يعمل به. طيب الحديث الأخير حديث «أول ما تسعر به النار»، نعم، فأي وجه ذم من لم يعمل بعلمه؟ عدم الإخلاص، بس أنتظر الحين موضوع أوسع شوي من كذا. أنا قصدي مفهوم العمل بالعلم مش القصة فقط التي هو قضية أن الإخلاص، أنك تستخدم العلم أوسع.

إيوه، لا لحظة، مثلاً لو قال الإنسان: إن توظيف العلم من أجل المرادات الدنيوية هذا مذموم، صح ولا لا؟ بس أنا أقول لك مش هذا عنوان الباب. الباب مو عنوانه «ذم من لم يعمل بعلمه». شوف الباب اللي بعده، اقرأه، يقول: «باب في مركزية العمل وأنه المقصود من العلم وتربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على العمل وإبعادهم عن القيل والقال وكثرة السؤال». فقصده هنا فصل الكلام في ذم من لم يعمل بعلمه. أنا قصدي فيه تبويب كامل وجدير أن يكون له تبويب كامل متعلق بهذه القضية، وتلاحظ الآيات، خص الآية الأولى، ما يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]، إيش ارتباطها بالباب؟ مركزية العمل. لا يسأل عن أسئلة لا يتأتى منها عمل، أي أن مفترض الإنسان المسلم لما يسأل يسأل سؤالاً نافعاً يترتب عليه عمل. هذا يدل على مركزية ومحورية العمل عند الإنسان، بحيث حتى العلم الذي لا يترتب عليه عمل ما يكون الإنسان مهتماً به حفياً به، صح ولا لا؟ هذا تبويب، فلماذا هذا ذكر الشيخ أحمد في تقديركم وذم من لم يعمل بعلمه في التبويب الأول؟

شيخنا، أذكر أنكم ذكرتم شيئاً في هذه المجالس أن من لا يعمل بعلمه أصلاً لا يسمى عالماً. جميل، الذي هو أحد الاعتبارات لما نتكلم الحين على فكرة العلم النافع، أحد المعايير الأساسية في التصور الإسلامي المتعلقة بالعلم النافع هو العلم الذي يعمل به صاحبه، ولذا العلم الذي لا يعمل به صاحبه لا يسمى صاحبه عالماً. لاحظت، بضربكم أمثلة مثلاً، نأخذها مثلاً ابن القيم رحمه الله عليه في «مفتاح دار السعادة» فصل الكلام في هذه القضية إلى حد ما. مثلاً لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: 17]. صح ولا لا؟ طيب الحين إيش معنى بجهالة؟ بدون علم، صح؟ طيب نأخذ الحين، نأخذها إذا كان الإنسان الحين الآية تتكلم على حكم التوبة، صح ولا لا؟ فالله عز وجل حصر التوبة واستحقاق التوبة لمن؟ يعني كان الله يقول: إنما وضعت التوبة كحكم شرعي بينكم للرجل الذي يأتي بالذنب بجهالة، خلينا نقول بدون علم. هل هذا صحيح؟ يعني بمعنى إذا أتى الإنسان ذنباً ومعصية بجهل حقيقة، يعني بمعنى ليس عالماً بأن الله عز وجل قد حرم هذا الأمر، هل يؤاخذ ولا لا يؤاخذ؟ لا يؤاخذ.

لاحظتوا؟ الأصل ما يؤاخذ إلا إذا كان مقصراً مفرطاً في تحصيل العلم؛ لأن مثلاً في مجتمع مسلم على سبيل المثال ليس من المقبول أو المعقول -تخيل واحد مثلاً في مجتمع مسلم، وكل أفراد المسلمين- قبض عليه متلبساً شارباً الخمر، فقدم إلى القضاء. فلما قدم إلى القاضي، ادعى عند القاضي جهلاً، قال: ما دريت أن الخمر حرام! فالحين القاضي في تعامله معه إيش سيقول؟ بيقول: أنت أحد رجلين، احتمال الأول أنك تكذب، وهذا غالباً أنك تكذب؛ لأن حتى الكفار اليوم الموجودين في الأرض يعرفون أن المسلمين لا يشربون الكحول، ما يشربون الخمر، صح ولا لا؟ والاحتمال الثاني: أنك صادق أنك ما تعلم، لكن ذنبك أنك لا تعلم. أيوه، يعتبر هذا الذنب أنك لا تعلم في مجتمع، يعني كيف؟ واضح أن فيه نوعاً من أنواع الإعراض الشديد عن معرفة الأحكام وتعلمها إلى الحد الذي وصل بك أنك ما تعرف الحكم الشرعي، ليس هذا شيئاً عذراً مقبولاً. لكن لو قدر، احنا نتكلم الحين الجهل الذي هو الذي يجعل العلماء أحد المناطات المتعلقة بالتكليف، أن التكليف الشرعي متعلق بعلم الإنسان بالحكم الشرعي، متعلق بقدرة الإنسان على تأدية الحكم الشرعي. فإذا كان الإنسان جاهلاً جهلاً مطلقاً، صح ولا لا؟ هل يكون محلاً للمحاسبة؟ ما يكون محل محاسبة، بس الله عز وجل يقول إيش؟ أن شرع التوبة من أجل الرجل الذي يقع في الذنب جهلاً، طيب وقوعه في الذنب دليل على جهل؟ أي، دليل على إيش؟

الذي يقولون أن العرب عندهم توسع في الكلام، فمثلاً لما يجي واحد مثلاً تتكلم على مدلول كلمة العقل، فابن تيمية مثلاً في «درء التعارض» يقول لك العقل له أربع مدلولات: المدلول الأول أن العقل هو غريزة يتم بها فعل التعقل. النوع الثاني من العقل لما تقول فلان يخالف العقل، الذي هو الضروريات العقلية؛ مثلاً لما يأتي إنسان مثلاً يقول لك: أنا والله قابلت اليوم ولا مثلاً اكتشفت أن شركة تسلا ولا شركة فورد ولا كذا اخترعوا سيارة ساكنة متحركة في نفس الوقت، فتقول: هذا كلام يخالف العقل، إيش تقتضي يخالف العقل؟ خالف المنطق العقلي، خالف الضرورة، أن استحالة اجتماع النقيضين، استحالة ارتفاع النقيضين مثلاً. النوع الثالث من العقل الذي هو العلوم النظرية، أن فيه علوماً معينة هذه معقولات صحيحة باعتبار أنها، لكنها علوم نظرية ليست علوماً قطعية ضرورية. النوع الرابع الذي هو العمل بمقتضى العقل، بحيث الإنسان إذا لم يقم بمقتضى العقل يسمى مجنوناً أحياناً. يعني مثلاً إنسان يتصرف تصرف طائش، فتقول: فلان أنت مجنون! أنت ما تقصد الحين، أنت مجنون! إيش معناته؟ أنك أنت فاقد الأهلية بالكلية، عندك فاقد العقل بس لأن أنت لم توظف هذه الأداة توظيفاً صحيحاً، فانت سيتعامل معك هذا التعامل.

ولذا هذا حتى مطرد في خطاب الوحي، لما يقول الله سبحانه وتعالى في حق المشركين في نار جهنم في سورة تبارك، إيش قالوا لما جاؤوا يعتذرون لما الملائكة -مو بالملائكة- يخاطبونهم أهل النار، فأيش اعتذروا؟ قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]. الحين سؤال مركب من قضيتين، هل الكفار يسمعون ولا ما يسمعون كانوا؟ هل كانوا يعقلون؟ ما يعقلون. طيب إيش المشكلة التي حصلت لهم لما قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير؟ أن الله عز وجل أنعم عليهم بالسمع والعقل، لكن أنهم لم ينتفعوا منها، فاللغة والشريعة تتعامل معهم تعامل من لا يسمع ومن لا يعقل. يعني أنت إذا عندك ملكة معينة، لاحظ هذه سعة اللغة العربية، إذا عندك ملكة معينة، عندك قضية معينة ولم تنتفع به، فأنت في حقيقة الأمر...

كفاقده أنت، وحال فاقده سواء؛ مثلاً حتى يستخدم العلماء هذا المثال، الأمي هو من لا يقرأ ولا يكتب، فإذا كان الإنسان لا يقرأ ولا يكتب فحكمه حكم الأمي، وتجد أحياناً بعض الإطلاقات تطلق هذا الإطلاق. فنفس الشيء في قضية العلم؛ العلم في تصور الشريعة، العلم النافع، العلم الذي يرفع عن الإنسان الجهل برمته، حقيقة هو العلم الذي يعمل به صاحبه، وإلا فالعلم الذي لا يعمل به صاحبه في تصور الشريعة، يعني جزء من تصور الشريعة المتعلق به هو أن هذا ليس علماً، لاحظت، ليس علماً، هذا جهالة. وإذا جاءت آية القرآن تتكلم، جزء منها عن هذه الحالة. كمثال مثلاً من التقاطات والإشارات، وإن كان الكلام هذا المفروض يرحل بشكل أوضح إلى الفصل الذي بعده والباب الذي بعده؛ مثلاً أحد التابعين اسمه هرم بن حيان أطلق عبارة، كنت أقول عجيبة، وهي ليست عجيبة، قال: «إياكم والعالم الفاسق». الحين هرم بن حيان يقول: «إياكم والعالم الفاسق».

تقول الرواية: فبلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فأشفق منها، وسأل: ما العالم الفاسق؟ أنت الحين، أنا لما أقرأ الأثر وأحياناً هذا شعور ينتابني أنني أقرأ الأثر مجزءاً وأحاول أن أحافظ على المشاعر النفسية في أثناء القراءة؛ بمعنى لما سأل: إياكم والعالم الفاسق، تحس واضح الكلام، واضح تمام الكلام، ما فيه أي إشكال في المفهوم، زين، أن فيه علماء وفيه علماء فسقة، أن عنده علم عنده معرفة، لكن الرجل لا يعمل بعلمه، بالعكس يقترف المحرمات، فهذا ليس مؤهلاً ديناً وشرعاً للمتابعة. إياكم والعالم الفاسق. فبعدين لما تقرأ أن بلغت الكلمة عمر بن الخطاب فأشفق منها، أنه تضايق منها وما ارتاح لها، خاف من هذه العبارة وسأل: ما العالم الفاسق؟ تحس غريبة، شو الحكاية والقصة؟ ولذا ردة فعل هرم بن حيان لما بلغ سؤال عمر قال: والله يا أمير المؤمنين ما أردت بها إلا الخير، ترى ما قصت معنى سيئاً، قال: هو الرجل، شوف الحين بيفسر العبارة، قال: هو الرجل يعلم العلم، ويأتي بالفسق، فيشبه على الناس دينهم.

لاحظ الحين تفكيك العبارة، يقول: أنا قلت «إياكم والعالم الفاسق»، ايش السبب؟ أن العالم الفاسق حقيقته رجل قد طلب العلم لكن يمارس الفسق، وبالتالي هذه تصير حالة مشبهة على عامة الناس، صح ولا لا؟ أن الناس يصير عندهم اضطراب، إحنا نتابع الحين هو عالم، هل فعله يدل على الإباحة؟ ما يدل على الإباحة؟ فيشبه على الناس، فأنا أقول للناس وأحذرهم: إياكم والعالم الفاسق، إذا واحد بياخذ دينه، فاعرفوا عمن تأخذون دينكم. الإمام الذهبي لما نقل هذه العبارة في سيره علق عليها، قال: لأنهم ما كانوا يعتبرون، ما كانوا يقولون بأن الرجل الذي لا يعمل بعلمه عالم، هذا السبب أن ما كانوا يعدون من العلماء إلا من كان يعمل بعلمه. فالكلام كما يقال كثير، فهو السبب الذي يظهر -الله أعلم- أن وضع هذه الإضافة، مع كونها ليست لصيقة تمام الملاصقة لأحاديث الباب وآياته، أنه للكشف عن شيء من سمات العلم النافع، ولا أقصد من سمات العلم النافع أن العلم لا ينفع، لأن العلم لا ينفع هو أوسع دائرة من مجرد عدم العمل بالعلم، لكن هو التأكيد في مبحث شرف العلم أن الحديث ليس فقط عن العلم الذي يتحصل من خلاله الإنسان على محض المعلومات، وإنما العلم الذي تترتب عليه آثار، فهو العلم المحمود شرعاً.

وبالتالي هذا منزع ضروري يستصحبه الإنسان من اللحظات الأولى في إقبال حالات العلم، أن ليست القصة والحكاية أن أنا أعيش حياتي كما يقال بالطول وبالعرض بعيداً عن الاهتداء بهدى العلم، وأن العلوم بالنسبة لي هي مجرد قضايا نظرية، نوع من أنواع اللذائذ العقلية. فنقول لا، التصور الإسلامي يتعلق بالعلم أن ليس هو من قبيل اللذات النفسية أو الروحية أو العقلية، وإنما هي لذة تحصل للإنسان لكن يجب أنها تستتبع هذه اللذة عملاً، ومتى لم يتحقق هذا الأمر، زي ما ذكرنا، سيكون هنالك اختلال كبير في الفضيلة المتعلقة بهذا العلم، بل سيؤول هذا العلم في حق هذا الإنسان إلى أن يكون وبالاً عليه.

أورد في هذا التبويب ثلاثة آيات من كتاب الله تبارك وتعالى اختصر فيها. الآية الأولى قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. يقول الإمام الطبري رحمه الله تبارك وتعالى عليه: وقل يا محمد ربي زدني علماً إلى ما علمتني، أمره بمسألته من فوائد العلم ما لا يعلم. ايش علاقة الآية القرآنية هذه بالتبويب؟ استعان بالله في طلب العلم. الحين التبويب باب شرف العلم النافع وفضله، ايش وجه الدلالة؟ أن الله أمر النبي أن يسأل. يعني ما قال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ربي زدني مالاً ولا زدني دنياً ولا زدني سعة في كذا، عرفت أن الله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يطلب منه تبارك وتعالى أن يزداد علماً، فالعلماء ينصون على هذا المعنى، لو قدر هنالك شيء أشرف من العلم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطلبه. وعبارات العلماء بالمناسبة متتابعة لذكر هذا المعنى، يقول ابن القيم: أنه سبحانه أمر نبيه أن يسأله مزيد العلم، فقال تعالى: ﴿تَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، وكفى بهذا شرفاً للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه. وقال الرازي: وفيه أدل دليل على نفاسة العلم وعلو مرتبته، وفرط محبة الله تعالى إياه حيث أمر نبيه بالازدياد منه خاصة دون غيره. وقال القرطبي في شرف العلم: فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه، كما أمره أن يستزيده من العلم. ويقول الطوفي: دليل على شرف العلم وأنه إنما يحصل بتعليم الله عز وجل، كشفاً أو إلهاماً أو توفيقاً لأسباب التعلم، وهذا من خواص العلم على المال أن العلم تحمد الزيادة منه.

طبعاً ما هو العلم الذي أمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم بسؤاله إياه؟ فقيل: زدني قرآناً، وقيل: زدني فهماً وزدني حفظاً، هذا اتجاهات. من الأشياء الطريفة التي أوردت، وإن كانت ليست بالضرورة ظاهرة، لكن من المعاني التي ذكرت في بعض كتب التفسير ما ذكره الماوردي في النكت والعيون، أن ذكر أربعة أوجه تفسيرية على خلاف ما يسبق إلى الفهم من قراءتها في هذه الآية القرآنية، فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ يعني زدني أدباً. السبب طبعاً أن الباعث أحياناً على أساس تعرف أن إيش المحركات، فتحس أن فيه وجهاً من أوجه الطرافة أحياناً في المحركات، فقال: زدني أدباً، لأنه قال: إن إذا كان العلم مما يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه أو يعلم الناس فلا يصح أن يسأل الله عز وجل لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فالله عز وجل سيبلغك هذا العلم. هذا أحياناً الموجب الذي تحس بعد الواحد بس تفهم أنه سبب. وقيل: زدني صبراً على طاعتك وجهادي أعداءك.

فإيش علاقة العلم؟ خلنا نرجع للأول، الحين لما يقول وقل ربي زدني علماً، يقول وقل ربي زدني أدباً، فهو يقول لك السبب الحين أن زيادة العلم إذا كان العلم مما يتعين معرفته ولا يقوم بعبادة الإنسان إلا به فالله عز وجل سيبلغ من غير سؤال، فيقول لك طيب فمعناته أدباً، طيب كيف استطاع الإنسان يستبدل لفظة علم بأدب؟ أيوه أن بالعلم يأتي الأدب، فلاحظ فيصير الحين المقصود بالأدب إنما كان زائداً على الفروض الواجبة. ويقول ربي زدني صبراً، فيصير إيش السبب؟ على التعلم والتعليم. العلم مما يسهل على الإنسان الصبر، العلم عموماً لا نتكلم حتى على العلوم الشرعية الدينية، العلم عموماً يعني إذا علم الإنسان أنه في آخر النفق نور سهل عليه أن يصبر، صح ولا لا؟ إذا يعرف الإنسان أن ترى هي شدة لمدة أسبوع وستزول، يسهل عليه أن يصبر. من الأشياء التي تبعث على القنوط أو اليأس أو عدم القدرة على الصبر أن يظن أنه خلاص، فالعلم أحياناً يسهل على الإنسان الصبر.

مما ذكر كذلك أن زدني علماً بقصص أنبيائك ومنازل أوليائك، وقيل: زدني علماً بحال أمتي وما تكون عليه من بعدي، والأظهر أن مثل ما العموم في الآية ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أن الله عز وجل يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسأله تبارك وتعالى أن يزيده من العلم النافع بشكل عام.

الآية الثانية، يقول وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. قال الطبري: يقول الله تعالى ذكره: قل يا محمد لقومك، هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات، والذين لا يعلمون ذلك فهم يخبطون في عشواء، لا يرجون بحسن أعمالهم خيراً ولا يخافون بسيئة شراً؟ يقول: ما هذان يستويان. يقول ابن القيم في الوجه الحادي عشر في تفضيل العلم وأهله: أنه سبحانه نفى التسوية بين أهله وبين غيرهم، كما نفى التسوية بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: 20]، وهذا يدل على غاية فضلهم وشرفهم. يعني لاحظ كان ابن القيم يقول إن في عرف الشريعة في نفي التسوية بين الطائفتين، أن لما ينفى التسوية مش نفي التسوية أنهم لا، نفي التسوية أنهم يقفون على الضد، فعندك أصحاب الجنة عندك أصحاب النار، عندك العلماء عندك من لا يعلم، لاحظت؟ وقال الرازي: وقد فرق بين سبع نفر في كتابه، فرق بين الخبيث والطيب فقال: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: 100]، يعني الحلال والحرام، وفرق بين الأعمى والبصير فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾ [الرعد: 16]، وفرق بين النور والظلمة فقال: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: 16]، وفرق بين الجنة والنار وبين الظل والحرور، قال: وإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل، يعني لو تأمل الإنسان في هذا سيجد أن الفوارق هذه مردودة بوجه ما إلى الفوارق بين من كان عالماً ومن ليس بعالم.

ويقول أيضاً: واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة، فأولها أنه بدأ فيها بذكر العمل وختم فيها بذكر العلم، أما العمل فكونه قانتاً ساجداً قائماً، فبداية الآية: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. فهذا يؤكد على الارتباط العضوي في الإسلام بين العلم والعمل، قال: وأما العلم فقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين، فالعمل هو البداية والعلم والمكاشفة هو النهاية. وهذا تعبير فيه إشكال، لأن يبدو على طريقة المتصوفة أن حصول حالة الكشف وكذا هي مقصودة من خلال التزكية، لكن هو حقيقة التصور الموجود عندنا الذي ذكره الإمام البخاري رحمه الله: «باب العلم قبل القول والعمل»، أن العلم هو البداية، لأن ما يصح للإنسان أن يعمل إلا في ضوء العلم.

وقال أيضاً: وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]. قال صاحب الكشاف: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون، وبالذين لا يعلمون الذين لا يأتون بهذا العمل، كأنه جعل القانتين هم العلماء، وهو تنبيه على أن من لا يعمل فهو غير عالم. ثم قال: وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلم ثم لا يقنتون، ويفتون فيه ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة.

الآية الثالثة: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. قال الإمام الطبري رحمه الله عليه: يقول تعالى ذكره، إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء بقدرته على ما يشاء من شيء وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها في التأكيد، هذا حديث جميل في التأكيد على الرابطة العضوية الموجودة بين باب معرفة الله تبارك وتعالى.

وباب خشيته تبارك وتعالى: تقول عائشة: صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فرخص فيه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم أقدم على شيء ورخص فيه، تقول عائشة: فتنزه عنه قوم، يعني في ناس تحوطوا مما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخطب، فحمد الله ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية». لا يعني هل عندكم وهم أنني فعلت هذا عن نقص خشية من الله عز وجل أو نقص علم؟ أنا أعلمكم بالله عز وجل، ولأني أعلمكم بالله عز وجل فأنا أشدكم له خشية.

وهذا الحديث من جمالياته أنه يفتح باب التفاضل في بابين: في باب معرفة الله عز وجل وباب خشيته تبارك وتعالى. يعني المعادلة المتعلقة بمعرفة الله عز وجل ليست معادلة صفرية، بمعنى يستطيع الإنسان أن يترقى رتباً في باب معرفة الله تبارك وتعالى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الأعلى علماً، ودون النبي صلى الله عليه وسلم كما يقال درجات ودرجات ودرجات، وبمقدار قدرة الإنسان على معرفة ربه تبارك وتعالى يتحصل على خشيته تبارك وتعالى، ويتحصل على محبته تبارك وتعالى ورجائه تبارك وتعالى وغيرها من تلك المعاني الإيمانية.

يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. ما معنى الخشية؟ بعض العلماء قال: الخوف مع التعظيم، يقولون هذه خشية، وقيل: الخشية هي أشد الخوف، أو الخوف الشديد؛ يعني أشد الخوف، ليست الخشية هي درجة من درجات الخوف، أو إن هي ليست مجرد درجة من درجات الخوف، هو خوف مقترن بشيء آخر وهو التعظيم.

سياق الآية القرآنية في سورة فاطر، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 27-28].

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تبارك وتعالى عليه مفسراً هذه الآية: يقول تعالى منبهاً على كمال قدرته في خلقه الأشياء المختلفة من الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء، يخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض إلى غير ذلك من ألوان الثمار، كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: 4].

إلى أن قال: ولهذا قال تعالى بعد هذا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر. هنالك نوع من أنواع الاقتران بإحداث عبودية التفكر، لما تحدثه من معرفة بالله سبحانه وتعالى، يثمر بعد ذلك خشية منه سبحانه وتعالى.

بتلاحظ سياق الآية أنهم بماذا صاروا علماء على الأقل في سياق الآية؟ صاروا علماء بما تفكروا في مخلوقات الله عز وجل، فتحصلوا منها على معرفة بكمالات الله عز وجل، ولما علموا كمالات الله عز وجل خافوا منه تبارك وتعالى وخشوه. يقول ابن القيم: إنه سبحانه أخبر أنهم يعني العلماء هم أهل خشيته، بل خصهم من بين الناس بذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وأداة حصر ﴿إِنَّمَا﴾، وهذا حصر لخشيته في أولي العلم.

وقال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8]. وقد أخبر أن أهل خشيته هم العلماء، فدل على أن هذا الجزاء المذكور للعلماء بمجموع النصين؛ يعني جزاءهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه، لما قال: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، يعني هذا الجزاء لمن خشي ربه، وعرفنا أن الخشية أولى من اكتسبها من البشر هم العلماء، وبالتالي صاروا هم أولى الناس بهذا الوجه من أوجه الإثابة.

يقول الطوفي: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، يستدل به مع قوله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ على أن العلماء أفضل من الملائكة، ونظم هكذا: الذين يخشون الله هم العلماء، والذين يخشون الله خير البرية، فالعلماء خير البرية، والملائكة من جملة البرية؛ إذ المراد منها كل ما برأه الله عز وجل أي خلقه. والنزاع في هذا احتمال أن المراد بالبرية البشر أو العالم الأرضي، بدليل أن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية، يقتضي أن أهل الكتاب ينتظم اللفظ للكفر للشرك، لأن الآية اقتضت أن أهل الكتاب قسيم المشركين، ولا يصدق عليه اسم قسيمه وإنما يصدق عليه اسم الجنس المنتظم لهما، فشاهد أن بعض العلماء جعل العلماء خير البرية من الدلالة الموجودة في سورة البينة: ﴿أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، طيب من هم أولئك خير البرية؟ أي أولئك الذين خشوا ربهم.

الحديث الأول في هذا الباب هو حديث معاوية رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». أخرجه البخاري ومسلم. يقول النووي رحمه الله عليه في مفتتح تعليقه على هذا الحديث: قال فيه فضيلة العلم والتفقه في الدين والحث عليه، وسببه أنه قائد لتقوى الله تعالى. فتلاحظ الحين، لاحظ فيه فضيلة العلم والتفقه في الدين والحث عليه، وسببه يعني وهذا مرتبط الحين بشرف العلم النافع أن السبب كون العلم لهذه الفضيلة وهذا الشرف أنه قائد لتقوى الله عز وجل؛ يعني بمعنى أن عن طريق العلم يستطيع الإنسان أن يتحصل على مثل هذه المنازل.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً»، «من» هذه هل هي شرطية؟ لا، هي موصوله. ما معنى «من» موصوله؟ الذي، صح ولا لا؟ فهو الحديث كأنه يقول: الذي يريد الله به خيراً يفقهه في الدين، صح ولا لا؟ بس العلماء يقولون إن «من» في هذا التركيب هي موصوله لكن تضمنت معنى الشرط، ولذلك والدليل لأنها تضمنت معنى الشرط أن جوابها «يرد» و«يفقهه» وقعت مجزومة، لأن فيها معنى الشرط، فـ «يرد» فعل الشرط وجواب الشرط «يفقهه في الدين».

طيب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً»، «خيراً» أي منفعة، و«خيراً» في هذا التركيب وهذا السياق ليست دالة على التفضيل وإنما هو اسم، فكأني أقول: أردت لك المنفعة، أردت لك شيئاً حسناً جميلاً موجوداً في حياتك. الملحوظة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به خيراً» ما قال: «من يرد الله به الخير»، فالفرق بين «خيراً» و«الخير» هو أن الأولى نكرة والثانية معرفة. طيب أيش فائدة التنكير في هذا السياق؟

الحافظ ابن حجر ذكر المعنى الأول: أن ليشتمل على قليل الخير وكثيره، أنه كلما يندرج تحت مفردة ودلالة كلمة الخير يكون مندرجاً فيه؛ لأنه نكرة، فالخير الكثير داخل في إطار هذه النكرة، والخير القليل يدخل في إطار هذه النكرة، هذا أحد الاحتمالين لسبب الموجب للتنكير. السبب الثاني التعظيم، لما ينكر الشيء أحياناً يصير التنكير المقصود به التعظيم، فلما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً»، فإما أن يكون المقصود تنكير لفظة خير ليشتمل على كل صنف من أصناف الخير، أو على سبيل التعظيم.

«يفقهه في الدين»، معنى «يفقهه في الدين» أي يجعله الله عز وجل فقيهاً في دينه، ومعنى الفقه الفهم، صح ولا لا؟ طبعاً من التطورات التي وقعت في الدلالة الاصطلاحية أن صار الفقه مقصوراً في لسان الفقهاء والعلماء بالشريعة على معرفة الأحكام الشرعية العملية، أو معرفة الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية. صار هذا شأنه، طبعاً في هذا الحديث ليس هذا المقصود بطبيعة الحال، الدلالة الاصطلاحية الخاصة، وإنما المقصود به ما هو أوسع دلالة من هذا.

من أراد الله به خيراً ليس بالضرورة أن تحصر في العلوم النظرية فقط. في قاعدة جيدة أن لا يصح حمل ألفاظ الكتاب والسنة على المصطلحات الحادثة، يعني مثلاً لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، ما يقدر يجي الإنسان في هذا الزمان فيقول الذرة هي الجزء الذي يتكون من إلكترونات ونيوترونات، ما يستطيع الإنسان يستخدم هذا، وهذا أحد اعتراضات ابن تيمية على تفسير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، أن التأويل في الاصطلاح الحادث هو صرف اللفظ عن معناه الراجح لمرجوح بدليل أو بقرينة، فيقول ابن تيمية إن العرب لا تعرف التأويل بهذه الدلالة، التأويل عند العرب إما الحقيقة التي يؤول إليها الشيء أو التفسير. فهذا مدخل منهجي جيد، فقضية ما يصح؛ لأن مصطلح الفقه بهذه الدلالة الخاصة إنما حدث لاحقاً، وبالتالي ما يصح للإنسان أن يحمل لفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الدلالة الحادثة.

من المعايير المحكمة في شريعة لما يتعلق بكون العلم نافعاً، أن يكون هذا العلم إنما اتخذ جسراً معبراً من أجل العمل به، يقتصر فيه على مجرد علمه دون أن يعمل به فلا يكون بذلك محموداً. وأيضاً الحديث ليس مقصوداً به الاقتصار على أحد فروع علم الشريعة، وإنما المقصود بها أن يوفق الله عز وجل العبد للتفقه في علوم الشرع كلها.

سعة اللغة العربية ما ذكر الحافظ ابن حجر؛ لما قال في شرح هذه اللفظة: قوله «يفقهه» أي يفهمه، وهي ساكنة الهاء؛ لأنها جواب الشرط. يقال: فَقُهَ، الحين ركزوا، إيش معنى فَقُهَ بالضم؟

يقول لك فلان فَقُهَ الأمر، إذا صار الفقه له سجية، فلان فَقُهَ، عرفت أنه صار سجية. وفَقِهَ بالفتح يقول لك فلان فَقِهَ المسألة، يعني سبق غيره إلى فهمها، وفَقَهَ أي فَهِمَ. فتلاحظ سبحان الله، شوف أحد الجوانب العجيبة في اللغة العربية أن فَقُهَ وفَقِهَ وفَقَهَ، كل واحدة لها دلالة مختلفة. إن العربي لما يعبر لو قال فلان فَقُهَ المسألة، فلأن لها دلالة أن صار الأمر له سجية؛ لما يقول فلان فَقِهَ المسألة فيها إشارة أن سبق إلى فهم هذه المسألة على غيره، تلاحظ وفَقَهَ واحدة تدل على قضية الفهم.

من المعاني المرتبطة بقضية العمل بالعلم، وهذه مفترض زي ما ذكر من رحل هوي، اللي بعده ما رواه الدارمي في سنده عن عمران المنقري قال: قلت للحسن -اللي هو البصري- يوماً في شيء قاله: يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء؛ يعني أورد الحسن البصري -إمام وسيد من سادات التابعين- عبارة معينة، فاعترض عليه أحدهم فقال له: ليس هكذا يقول الفقهاء. فقال له -شوف عجيب العبارة-: «ويحك، ورأيت أنت فقيهاً قط؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه». طبعاً هذا ملحظ كذلك مهم حتى يعرف الإنسان تمام المعنى المتعلق بتصور الشريعة لما يتعلق بقضية الفقه.

يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تبارك وتعالى عليه- أخذاً من مفهوم المخالفة: يعني إذا عرفنا الحين من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يسبغ فضيلة على من فقه في دين الله عز وجل، أن ذلك أمارة وعلامة على إرادة الله عز وجل الخير له. يقول ابن حجر: مفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين؛ أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع، فقد حُرم الخير. وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية -رضي الله عنه- من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره: «ومن لم يتفقه في الدين لم يبالِ الله به»، فالحافظ أرشد أنه ضعيف، وهكذا قال ابن عدي غير محفوظ -اللي هو الزيادة ومن لم يتفقه لم يبالِ-.

والمعنى صحيح؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهاً ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير. وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم. فإذا لم يكن الإنسان فقيهاً أو عالماً فلا أقل من أن يكون مبتغياً للتفقه ومبتغياً للعلم.

يقول ابن القيم: وهذا يدل على أن من لم يفقهه في الدين لم يرد به خيراً، كما أن من أراد به خيراً فقهه فيه، ومن فقهه في دينه فقد أراد به خيراً. إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل، وأما إن أريد مجرد العلم فلا يدل على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيراً؛ فإن الفقه حينئذ يكون شرطاً لإرادة الخير، وعلى الأول يكون موجباً، والله أعلم. والله أعلم، وصلى الله على نبينا.