دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

الحديث الذي بعده هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». أخرجه مسلم. هذا الحديث للإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله عليه شرح موسع له بعنوان: جزء في الكلام على حديث: يتبع الميت ثلاث، وهي رسالة نافعة مفيدة.

قوله: إذا مات الإنسان، وفي رواية ابن آدم. أنا سبحان الله قاعد أقرأ الحين أخشى أن يتبع الميت مختلف عن الحديث، أظن سبق وهن اللي هو يتبع الميت ثلاث، الظاهر اللي هو أن أهله وعمله. يمكن مش متأكد، لأنه في رواية في حديث أن يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد، يبقى عمله. فالله أعلم، يعني ممكن الرسالة ما لها علاقة بالحديث هذا.

كل ميت أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد. إداري بس رسالة ابن رجب لأن أنا سجلت الظاهر مع العجل الحين وما قريتها. خطر على بالي لا أنه ما له علاقة بالحديث يعني. طيب إذا طلعت، إذا أحد يقدر بس يطلع الرسالة يتأكد.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في أول الحديث: إذا مات الإنسان، جاء في رواية: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة. انقطع عمله إلا من ثلاثة، ايش؟ أعمال. من ثلاثة أعمال تقدر ثلاثة أعمال، صح ولا لا؟ طيب بعض العلماء طبعا يورد الحين يقول لك أن العمل في حقيقته ينقطع به ايش؟ أيوه، رسالة بس أنا قصدي ايش الحديث اللي علق عليه؟ الحديث الذي علق عليه هذا رسالة بين يتبع الميت ثلاثة أهله وماله. فمعناته شرح الحديث، وإن كان طبعا شرح مفيد، لكن لا صلة له بالحديث الذي نحن نعالجه.

يقولون العلماء: انقطع عمله إلا من ثلاثة، ففي الحقيقة عمل الإنسان ينقطع بموته، صح ولا لا؟ لأنه هو شبه العرض القائم به فينقطع بموته. فالعلماء يقدرون تقديراً فيقول لك أنه إذا مات بني آدم انقطع عمله، يعني انقطع إثابته على أعماله، بحكم تسببه في هذه الأعمال؛ أنه هو المتسبب في تأسيس وتنشئة هذه الأعمال، نسبت إليه وجعلت كالأعمال المستمرة، وإن تجاوزت حدود حياته.

يقول القاضي عياض رحمه الله عليه: معناه أن عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها، من اكتساب الولد، وبثه للعلم عند من حمله عنه، أو إيداعه تأليفاً بقي بعده، وإيقاف هذه الصدقة بقيت له أجورها ما بقيت.

وجهت؛ يعني بمعنى يستطيع الإنسان يستفيد فائدتين: أول شيء الفائدة الأولى أن ملاحظة القدر المشترك الموجود بين هذه الأعمال، ما هو القدر المشترك بين هذه الأعمال؟ أنها أعمال تسبب فيها، وبالتالي إذا كانت العلة الموجبة لجريان الإثابة أنه تسبب في إحداث هذا الخير، فيستطيع الإنسان أن يقيس على هذه الأعمال الثلاثة ما كان داخلاً في معناها، صح ولا لا؟

ولذا ورد في رواية النبي صلى الله عليه وسلم في حديث يقول: شوف شو يقول الحديث؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عند ابن ماجه عن أبي هريرة قال: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته». هذا الحديث رواه ابن خزيمة في الصحيح، وحسن إسناده المنذري والدمياطي والعجلوني والألباني.

طبعاً بتلاحظ أن هذه المعاني التي تضيفها هي مردودة بوجه ما إلى هذه الاعتبارات الثلاث، وإلى هذه الأنماط من أنماط التسبب الثلاث، لكن هذا ملحظ جيد ملاحظته.

يقول النووي: قال العلماء معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وتنقطع تجدد الثواب له، إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها؛ فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف.

ويقول أبو العباس القرطبي: هذه الثلاث الخصال إنما جرى عملها بعد الموت على من نسبت إليه؛ لأنه تسبب في ذلك، وحرص عليه، ونواه، ثم إن فوائده متجددة بعده دائمة، فصار كأنه باشر بالفعل. وكذلك حكم كل ما سنه الإنسان من الخير فتكرر بعده، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». فلاحظ إذا تبي ترد حتى معنى هذا الحديث إلى أصل سابق، فـ «من سن في الإسلام سنة حسنة». وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أصول الخير، وأغلب ما يقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم، والصدقة الجارية بعد الموت هي الحبس، وهو الأوقاف، فكان حجة على من ينكر الحبس. وفيه ما يدل على الحث على تخليد العلوم الدينية بالتعليم والتصنيف، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح، والوصية بالدعاء عند موته وبعد الموت.

النبي صلى الله عليه وسلم أول ما استفتح الأصناف الثلاثة من الأعمال قال: إلا من صدقة جارية، فالعلماء يعلقون على اللفظة يقولون: هذا بدل تفصيل من مجمل؛ لأن تلاحظ بداية الحديث يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، بعدين قال: إلا من صدقة، فكرر حرف الاستثناء، فهو بدل تفصيل عن مجمل؛ لأن تقدر الحديث يكون تام المعنى من غير ذكر الأمور الثلاثة: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، وتقدر تقرأ الحديث الحين إذا أدركت هذا المعنى البدلية فتقول: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من صدقة جارية، وتكمل الأوصاف.

طيب ايش معنى جارية؟ دائمة؛ أي دائمة. فالديمومة متعلقة بماذا؟ استمرارية الفائدة من هذا. فبعض العلماء يقول: إن الجريان المقصود به جريان الفعل نفسه، وبعض العلماء يقولون: جريان النفع أو الثواب، ثواب الفعل؛ يعني صدقة جارية، إما أن يقال الصدقة الجارية هي الصدقة المستمرة، أو صدقة يجري ثوابها على الميت.

قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أو علم ينتفع به، فالحين ينتفع فعل مبني للمجهول، يعني بمعنى أن أي إنسان ينتفع منه، صح ولا لا؟ طيب ايش وجه الانتفاع من العلم؟ هل في صورة معينة من صور الإفادة بالعلم الذي لا ينقطع بموته ولا أوسع دائرة؟

يعني بمعنى كل ما كان من العلوم نافعاً للناس فهو داخل في منطوق هذا الحديث، فما في صورة معينة؛ يعني مثلاً أول ما ينصرف الذهن، والعلماء ينبهون لهذا المعنى بذكر عيال السبكي، أن الكتاب مثلاً، أن تخليد العلم في الكتاب هو من العلم الذي ينتفع به. بس أنت تبي تتأكد أن هذا ليس مقصوراً على هذا؛ يعني مثلاً إذا عالم أو شيخ ربى طالب علم وعلمه، فعظم هذا التلميذ وكثر نفعه للناس، فنفع هذا التلميذ هو من الحسنات؛ لأن العلم الذي علم هذا التلميذ للناس مما تلقاها عنه، فتسبب فيه، فكان من العلم الذي ينتفع به. مثلاً افترض إنسان افتتح جامعاً معيناً، افترض إنسان افتتح علم، إنسان سهل للناس مثلاً إقامة دورة، أسس مثلاً مسجداً يقام فيه الدروس العلمية، أسس موقعاً في الإنترنت، فأي قضية مما يمكن أن ينتفع به من العلوم، أي مسار من المسارات، فهو يدخل في منطوق هذا الحديث، بحيث أن ما يحصر الإنسان ذهنه فيما يتعلق بممارسة واحدة. يعني مثلاً أسس إنسان تطبيقاً معيناً، مثلاً الحين من أعظم التطبيقات المنتفع بها بدوائر من طلاب العلم الواسع المكتبة الشاملة؛ فلو قدر ومات المؤسس، سواء مؤسس الفكرة هذه أو مؤسس المشروع أو أي شيء، فيرجى أن يكون من العمل الصالح الذي يدوم له مثل هذا العمل.

لكن من الملاحظات الجميلة التي نبه العلماء، يقول تاج الدين السبكي: أن حمل العلم المذكور على التأليف أقوى؛ لأنه أطول مدة وأبقى عبر مر الزمان. ورأيت من تكلم عن هذا الحديث في كراسة، قال الأخنائي في كتاب البشرى بما يلحق الميت من الثواب الدار الآخرة: قوله وعلم ينتفع به، هو ما خلفه من تعليم أو تصنيف ورواية، وربما دخل في ذلك نسخ الكتاب وتصحيحها وضبطها ومقابلتها وتحريرها والإتقان لها بالسماع، وكتابة الطبقات وشراء الكتب المشتملة على ذلك، ولكن شرطه أن يكون منتفعاً به.

أحد الملحوظات الظريفة التي نبه لها الحسين المغربي في البدر التمام، طبعاً كتاب بدر التمام هو شرح لبلوغ المرام، وهو الكتاب الذي اختصره الصنعاني في سبل السلام، يعني سبل السلام الموصلة لبلوغ المرام للأمير الصنعاني محمد بن إسماعيل هو في الحقيقة مختصر من هذا الكتاب اللي هو بدر التمام. فأحد الملحوظات الظريفة التي نبه عليها مما يتعلق بفكرة العلم الذي ينتفع به قال: وعلى فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه، وترغيب توريثه بالتعليم والتصنيف والإيضاح، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع.

فلاحظ يراعي الإنسان الحين معيارين في طبيعة العلم الذي يريد أن يخلده، العلم الذي يريد أن يستبقيه: الملحظ الأول أن يراعي أن قدر؛ لاحظ الحديث قال: علم ينتفع به، فكل العلوم الدينية الشرعية مما ينتفع به يرجى أن يجري ثوابه، لكن ما في شك أن العلوم تتفاوت، وبالتالي إذا استطاع الإنسان أن يركز على مادة علمية أنفع للخلق يكون ذلك أحظى لأجره وثوابه. ولذا أنا أتكلم لما نتكلم عن مقامات الغبطة العلمية، ففي بعض الكتب ليست صعبة التأليف لكن فيها شيء من البركة المودعة بحيث أنه يتمنى لو وفق الله عز وجل الإنسان لتأليف مثل هذا.

بضرب مثال قديم في الحديث مثلاً: الإمام النووي رحمه الله عليه كتاب الأربعين النووية على سبيل المثال، هو المدخل الأساسي الذي يتخرج عليه طلبة العلم في المستوى الأول في علوم الرواية والحديث، الأربعين النووية مثلاً، رياض الصالحين النووي. مثلاً في العصر الحديث كتاب حصن المسلم، أشعر بالغبطة الشديدة؛ يعني كم طبع من كتاب حصن المسلم؟ طبع ملايين النسخ بلا مبالغة، ملايين نسخ، هو كتاب ترى في الأوراد وفي الأذكار وكذا. ولاحظ لما تكلم على مسألة النفع، هذا كتاب نافع جداً، مو بالضرورة المعقد، نافع جداً. فهذا جانب.

الجانب الأول الذي يعتني به، هو قضية العلوم الأنفع، إذا قدر الإنسان يوفق الله عز وجل لأن يهتم بعلم أنفع، يخلد بعده فهو أحظى لأجره. الجانب الثاني، المعيار الثاني الذي يراعيه الإنسان في قضية تخليد العلم، طريقة التخليد، كالكتاب. أيوه، طريقة التخليد، طيب ايش أثر طريقة التخليد؟ لأن في النهاية ممكن؛ يعني هو لاحظ الإثابة مرتهنة بالبقاء، فلو قدر أنه عدم الموضوع بالكلية هل يكون محل الإثابة؟ الحين إذا عدم انتهى صح ولا لا؟ لأنه ما يجري، لأنه عدم. وبالتالي إذا قدر الإنسان، مهما حاول الإنسان أن يستبقي ما يستبقيه أطول فترة زمنية فهو خير.

ولذا هذا المعنى الذي لأجله نبه السبكي لموضوع الكتاب؛ يعني لو تأمل الإنسان وتفكر في واقع العلوم المستبقية بين البشر سيجد، سيجد ايش؟ سيجد أن أكثرها استقراراً وثباتاً وديمومة. وتلاحظ هذا، يعني مثلاً ناخذ مثالين معبرين عن هذه الحالة، لاحظ مثلاً الإمام البخاري رحمه الله عليه، وصل الحال في المشهد اللي يعبر عن نوع من أنواع الاصطفاء الإلهي؛ أن في شخصيات معينة اصطفاها الله عز وجل لنصرة دينه، لإقامة شأن هذا الدين، بحيث إذا افتقد ذكر الإمام البخاري من الأرض، فاعلم أن في شيء متعلق بدين الإسلام وضع مش طبيعي، ومثله الإمام مسلم، ومثله أبو داوود والنسائي والترمذي. فلاحظ الحين حجم الإثابة، حجم النفع؛ أن رفع ذكرهم برفع ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسقية هذه العلوم.

فهذا مجال التأليف والكتابة، بعض الشخصيات مثلاً لا يلزم بالضرورة أن علومها استبقيت في الأمة من خلال تأليف الكتابة فقط؛ يعني مثلاً أحد النماذج المعبرة والعجيبة والغريبة المتعلقة بهذه المسألة الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل على مستوى قناعته الشرعية، قناعته الفقهية لم يكن يحب التأليف، ما يحب الكتابة، بل كان يذم ذلك، ولا يرى من التأليف إلا تأليفاً يجمع الآية القرآنية أو الحديث النبوي، فما تجد الإمام أحمد عنده مؤلفات ومصنفات، بل كان عنده موقف كما يقال ممن يؤلف ويكتب الكتب، ومع ذلك الذي حصل سبحان الله أن...

استبقيت علوم الإمام أحمد إلى درجة لما يتكلمون الحنابلة في امتيازات المذهب القائمة عندهم، أن عندنا فتاوى الإمام أحمد في مسائل معينة لا نعرف فيها رأياً لبقية الأئمة الأربعة الثلاثة، من كثرة ما حُفظ. لدرجة ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد لما يعلق على الروايات المنقولة عن أحمد بن حنبل، يقول لك: مع اتخاذه هذا الموقف، إلا أن ما حُفظ من كلام الإمام أحمد على جهة التفصيل أكثر مما حفظ من كلام بقية الأئمة.

فيصير أحد المسارات الموجودة أن أنت مثل ما ذكر الحافظ ابن حجر في حق الإمام ابن تيمية، لما في تقريضه لكتاب الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي، يذكر ابن حجر عن ابن تيمية يقول: ولو لم يكن له من الحسنات إلا تلميذه ابن القيم الجوزية الذي سارت بمؤلفاته الركبان، لكان ذلك دلالة على فضله وشريف علمه. فكيف يضيف؟ يقول: إن لو لم يقل ابن تيمية إلا ابن القيم، تقول والله هذا دليل على فضل ابن تيمية العظيم جداً، وأن هنالك مداخل من مداخل الإثابة لابن تيمية تدخل عبر بوابة ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه.

ولذا لا يستنكر ولا يستغرب أن أحد مداخل الإثابة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم، أن هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن كل هداية وقعت في هذه الأمة؛ إذا قال النبي: «من سنَّ في الإسلام سنة حسنة»، فأول من سنَّ السنة الحسنة في الأرض من هذه الأمة هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فالشاهد، يراعي الإنسان إذا اختار لنفسه طريقة استبقاء أجره وثوابه بعد موته بالعلم، فيراعي الإنسان هذين البعدين: أن هل أستطيع أن أقدم ضمانات أن يستبقى العلم الموجود؟ وهل أستطيع أني أجعل العلم المستبقى أنفع أم لا؟

هل العلم الذي ينشر على الفيديوهات والمحاضرات له نفس مرتبة العلوم المخرجة في الكتب؟ أنا أقول لك ما أدري، انطباع أقول لك بادي الرأي: لا. بادي الرأي، لاحظ الحين بعطيك فوارق موجودة؛ مثلاً، لا أحد يدري طبعاً المجال التقني وكذا الله أعلم شو اللي يصير في المستقبل، بس أتكلم الحين في ضوء المعطيات الآنية القائمة الموجودة على الأرض، أن من طبيعة المقاطع اليوتيوبية على سبيل المثال أنها شبيهة بالترند؛ يعني أنه في فورة وثروة وبعدين تنخفض المشاهدات بشكل كبير جداً.

فلما أتكلم هل يمكن يكون ذلك من العلم والاستبقاء؟ نعم، بطبيعة الحال، بس أنا أتكلم الحين في ضوء المعايير الموضوعة مقارنة بالكتاب. ممكن واحد يحاجج ويقول لك بس عدد المشاهدات هنا قد تصير أعلى من المشاهدات هنا، والنفع هنا قد يكون أعلى من النفع هنا، فأقول لك: ما أعرف في ضوء الاستمرارية والبقاء. أنت تتكلم على قضية أنه كيف يستطيع الإنسان أن يوسع من دائرة نفعه وإفادته؟ السؤال الأكبر أنه كيف يستطيع الإنسان أن يضمن البقاء؟ وخصوصاً وهذه أحد الأزمات التي يحتاج نوع من المراجعة في علاقتنا بشبكات التواصل الاجتماعي، أن هي ليست في دائرة السيطرة؛ كما يقال، أن ممكن الإنسان يحدث علماً نافعاً موجوداً فيها ثم تُحذف قناتها على سبيل المثال، فما عندك ضمانة الاستبقاء.

وهكذا، فهي زي ما ذكرنا في بداية الحديث، أو علم ينتفع به، أن أي مسلك من مسالك إفادة الناس بالعلم بعد موت الإنسان هو داخل في منطوق هذا الحديث، وقطعاً هذه المعاني داخلة فيه. أن إذا عندك محاضرة، عندك مقطع، عندك أي شيء، ما هم مضر، بس أنا بس تكلمت على قضية التركيز على معطيين متعلقة بما يريد الإنسان استبقاءه، وأن العلماء كالمتتابعين على التنبيه على خصوصية وفضيلة متعلقة بقضية الكتاب، وهذا حق. لاحظ الله عز وجل امتن على العباد بمنة من أعجب المنن، القرآن الكريم، لما قال الله سبحانه وتعالى في أول آيات القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].

فكرة التعليم بالقلم هي من جنس خوارق العادات، لولا القلم لولا الكتابة لما حصل عند البشرية شيء نسميه بالتراكم المعرفي. لو ما عندنا كتب، ما تراكم كم المعرفة البشرية، كان تموت العلوم والمعارف مع موت أصحابها، صعب جداً تتطور الحضارة الإنسانية. البشرية للمشهد الموجود اليوم، اللي ساعد، مو بساعد، اللي هو العمود الفقري اللي تتأسس عليه المعارف والعلوم الإنسانية البشرية هو مسألة التعليم بالقلم، مسألة الكتابة، أن الكتابة هي الضمانة للتوريث العلمي.

وبالتالي لاحظ أن معزز عند العلماء الشعور بأهمية ارتباط العبد بالكتاب، وأنت تجد أن لما تتكلم عن علوم الشريعة وتتكلم على القنوات اللي من خلالها أُسست علوم الشريعة، تجد أنه في نهاية المطاف العلوم إنما تُنقل بواسطة أحد اعتبارين، إما بالاعتبار الشفهي أو الاعتبار الكتابي. الاعتبار الكتابي تنظر إلى الموضوع تقول بادي الرأي هو أكثر ثباتاً وأكثر استقراراً من الشفهي. لكن الشفهي فيه امتياز؛ لاحظ لما تتكلم على المنتج الذي يقدمه الإنسان مباشرة، فالكتابة أبقى من طبيعتها أن هي مادة مستبقاة بعد موت صاحبها. الشفهي بالذات في التاريخ المتقدم هي مادة مستبقاة في من خُوطب بهذا الخطاب؛ عرف يعني مثل ما ذكر نقل عن ابن المبارك أن إذا كان العلماء اشتغلوا بتأليف الكتب، فقد اشتغلنا بتأليف الرجال.

هذا ملحظ جيد، قد يكون المجال الذي اختار الله عز وجل العالم من أجل الإفادة والنفع هو صناعة الرجال، وأن عبر بوابة صناعة الرجال يستبقى هذا العلم فيهم ويصير من العلم النافع الذي استبقاه الله عز وجل له عبر وساطته. عاد يبقى الحين التقنيات المعاصرة وكذا الله أعلم، موازين المفاضلة ما أتكلم على مبدأ الإثابة لكن موازين المفاضلة فيما بينهم.

في الصدقة النافعة والجارية ذكر أن يكون هو السبب في حصولها. فلو حصلنا مثلاً أولاد الميت حفروا له بئراً، بنجي بعد شوي وبنذكر مسألة بعد قليل متعلقة بالسؤال هذا. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر النوع الثاني: «أو ولد صالح يدعو له». يقول المناوي في فيض القدير: لأنه هو السبب لوجوده وصلاحه وإرشاده إلى الهدى، وفائدة تقييده بالولد مع أن دعاء غيره ينفعه، تحريض الولد على الدعاء للوالد. هذا ملحظ جميل، الحين ما هو كأنه بيقول لك ما هو السبب؟ لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات الإنسان قطع منه إلا... أو علم أو ولد صالح يدعو له. الحين السؤال: دعوة المسلم لأخيه المسلم ينتفع بها الميت ولا ما ينتفع؟ فيقولون العلماء: طيب ليش النبي صلى الله عليه وسلم خص ذكر الولد في هذا السياق؟ فنقول لاحظ، ما خص بس الولد، خص عدة اعتبارات، قال: «أو ولد صالح يدعو له». فولد، يعني إن كان نوعاً من أنواع التذكير للولد أن يدعو لوالده، لأنه هو سبب وجوده، وذكر كلمة صالح ايش فيها؟ تحفيز للأب أن يحرص على صلاح ولده ليكبر ذلك الولد فيكون ولداً صالحاً يدعو له، يصير فيها إشارة وفي فائدة معينة.

ومن الإشارات اللطيفة التي يستخدمونها العلماء في هذا، أنه إذا أدرك الإنسان أن أحد بوابات الأجر والإثابة بعد موته ولد صالح يدعو له، وأن السبيل الأوحد لتحصيل ذلك الولد الصالح الذي يدعو له هو عبر بوابة الزواج؛ فالعلماء يذكرون من فضائل الزواج هذا الحديث، مع أن الدلالة المتعلقة به ليست دلالة مباشرة، لكن فيه وجهاً من أوجه الدلالة.

سئل ابن تيمية السؤال الآتي، قال عن قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». قال: فهل يقتضي ذلك إذا مات لا يصل إليه شيء من أفعال البر؟ كان الحين يقول عندنا دلالتين، أول شيء قول الله عز وجل: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾، وبعدين عندنا الدلالة الثانية اللي هو حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله»، فكأن وقعت التوسعة في هذه الأمور الثلاثة.

فابن تيمية رحمه الله عليه له إجابة مطولة لأن له نظرة، ابن تيمية والحنابلة عندهم توسع فيما يتعلق بهذه المسألة، وهذه مسألة خلافية اجتهادية بين العلماء: هل يشرع إحداث العبادات وإهداء ثواب تلك العبادات إلى الموتى ولا ما يشرع؟ لكن الملحظ الذي أراد ابن تيمية معالجته بما يتعلق بالسؤال هذا، قال إن ابن تيمية أصّل تأصيلات الآتي: واحد، أن الآية والحديث لا يتضمن نفي انتفاع الميت بدعاء الخلق له، بالاتفاق ليس الدعاء الوحيد الذي ينتفع به الميت هو دعاء الولد الصالح، الولد الفاسق ينتفع الوالد به إذا استجاب الله عز وجل له، فضلاً عن غيره من عموم المؤمنين.

الوجه الثاني، أن هنالك أوجه من الانتفاع اتفق عليها أهل العلم، فمثلاً صدقة الحي على الميت العلماء متفقين على الانتفاع، ما فيها خلاف، وغيره من العبادات البدنية كالعتق وغيره. لكن يقول ابن تيمية: وقع النزاع بين العلماء في قضايا أخرى. طريقة ابن تيمية، وأظن تابع عليها طريقة ابن القيم، أن يجعلون باب القياس لهم مدخلية في الباب، فيقولون أن عندنا ثلاثة أصول من أصول الإهداء، فوقع عندنا الصدقة وعندنا الصيام وعندنا الحج. ورد في حديث الصدقة أن أمي ماتت وكذا، فلو تصدقت عنها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». وعندنا في موضوع الصيام: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». وعندنا في الحج: أن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، فأحج عنه؟ قال: «حج عن أبيك». وبالتالي يقع قدر من التوسع في الموضوع هذا، ويصير حديث إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، يعني انقطع عمله هو باعتبار كونه متسبباً به.

والحديث ما يتعلق بقضية أن هل يثاب الميت من عمل غيره؟ فمسكوت عنه في الحديث، ويصير المقصود الحديث: طيب ليش ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأعمال؟ ذكر هذه الأعمال للحث على السعي للتسبب فيها قبل أن يموت الإنسان.

الحديث اللي بعده حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». هذا الحديث سبق شرحنا جزأه الأول في الباب السابق، واللي فيه: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر، آتِ نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكَّاها أنت وليها ومولاها».

وفي أحاديث مشابهة ضروري استحضار الأحاديث المشابهة لهذا الحديث، حدثني شيخ قال: دخلت مسجداً بالشام فصليت ركعتين ثم جلست، فجاء شيخ يصلي إلى السارية، فلما انصرف ثاب الناس إليه؛ يعني رجع الناس إليه، فسألته من هذا؟ فقالوا: عبد الله بن عمرو، فأتى رسول يزيد بن معاوية فقال: إن هذا يريد أن يمنعني أن أحدثكم، وأن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع، وقلب لا يخشع، ومن علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع». تلاحظ أن في تشابه في الدعوة النبوية الموجودة في هذا الحديث، رواه الإمام أحمد في المسند والترمذي من غير القصة، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال البوصيري: له شاهد صححه أحمد شاكر، لكن ضعف إسناده في المسند. وحوله الألباني في صحيح سنن الترمذي.

جاء من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع». رواه الإمام أحمد في المسند ورواه النسائي وصححه الألباني.

كان النبي ﷺ يدعو فيقول: «اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء والماء البارد، اللهم طهر قلبي من الخطايا كما طهرت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين ذنوبي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، وعلم لا ينفع، اللهم إني أعوذ بك من هذه الأربعة، اللهم إني أسألك عيشة تقية، وميتة سوية، ومرداً غير مخزٍ». رواه الإمام أحمد في المسند، وقال الألباني في أصل صفة الصلاة: فيه ليث بن أبي سليم فيه كلام، وقال شعيب إنه صحيح غيري.

وجاء من حديث أبي هريرة: «اللهم إني أعوذ بك من أربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع». فتلاحظ كثرة هذه الأحاديث وروايتها عن طرق صحابة متنوعين، مع تغير في ألفاظ الحديث، مما يدل على محورية الدعاء بهذه المعاني التي استعاذ الله عز وجل منها، فالمفترض أن تكون هذه المعاني حاضرة في نفس الإنسان المسلم.

لاحظ أن ظاهر الأمر أنه لم يقع هذا الدعاء مرة واحدة من النبي ﷺ، بل وقعت هذه الفقرات في سياقات أدعية مختلفة. وإذا نظرنا إلى أصل الحديث الذي نناقشه فهو من حديث زيد بن أرقم، وورد من حديث أبي هريرة، وحديث أنس بن مالك، وحديث عبد الله بن أبي أوفى، وحديث عبد الله بن عمرو بن عاص رضي الله عنهم وأرضاهم؛ فعندك مجموعة من الصحابة تلقوا هذا الأمر عن النبي ﷺ.

أول قضية مستعاذ منها هي: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع»، فقد تنوعت عبارات الأئمة في معرفة أو وضع اليد على ذلك العلم الذي لا ينفع. يقول القاضي عياض: «من علم لا أعمل به»، فلاحظ أن عبارة القاضي ميزتها أنها تشتمل على عدة اعتبارات، حيث يقول: «من علم لا أعمل به، ولا أعلمه الناس، ولا تصل بركته إلى قلبي». هذه كلها معايير يستطيع الإنسان من خلالها أن يدرك إن كان هذا العلم نافعاً بالنسبة إليه أم لا.

القاضي عياض هنا لا يتكلم عن العلم من حيث هو علم، بل عيَّن كون العلم نافعاً أو غير نافع من حيث الأثر المترتب عليه؛ فهو ينظر للأثر، ولا يعطي توصيفاً حكماً على العلم من حيث هو. فيقول لك: كل علم ولو كان في أصله نافعاً لكن لا تعمل به، فاستعذ بالله عز وجل منه لأنه ليس بعلم نافع بالنسبة إليك، إما لأنك لا تعمل به، أو لا تعلمه غيرك، أو لا تصل بركته إلى قلبك، أي لا يحدث ذلك الأثر الإيماني. وقال أيضاً: «ولا تبدل أفعالي وأقوالي وأخلاقي المذمومة إلى المرضية»، واحتمل أن يكون مراده ليس مما يحتاج إليه في الدين.

فتلاحظ الآن أن العين أصبحت متعلقة بالعلم من حيث الأثر، فهو يريد إقامة هذا الأثر، ويقول لك إن أي شيء لا يثمر ثمرة إيمانية عند الإنسان، فالأصل أن يعرض الإنسان عنه، وقال: «وليس في تعليمه إذن في الشرع»، لأننا سنتكلم لاحقاً عن أن هناك علومًا محرمة، فبطبيعة الحال العلوم المحرمة هي أولى ما يدخل فيه العلوم غير النافعة لأن ما حرمت الشريعة إلا من أجل كونها غير نافعة.

وقال الطيبي أيضاً: «من علم لا ينفع لا يهذب الأخلاق الباطنة، فيسري منها إلى الأفعال الظاهرة، ويحصل بها الثواب الأجل»، وأنشد: يا من تقعد عن مكارم خلقه ... ليس افتخار بالعلوم الذاخرة من لم يهذب علمه وأخلاقه لم ينتفع بعلومه في الآخرة.

وقال المناوي: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وهو ما لم يؤذن في تعلمه شرعاً، أو ما لا يصحبه عمل، أو ما لا يهذب الأخلاق الباطنة فيسري منها إلى الأفعال الظاهرة، ويفوز بها للثواب الأجل».

أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين عقد مبحثاً في موضوع العلم غير النافع، وحاول أن يضع يده على ما يندرج فيه مدلول هذا الكلام، فذكر الآتي؛ قال: «لعلك تقول...»، ولاحظ مدخل الموضوع لأن هذه طريقة الرازي، ومخالفة أبي حامد الغزالي له فيه؛ إذ يقول: «لعلك تقول: العلم هو معرفة الشيء على ما هو به، وهو من صفات الله سبحانه، فكيف يكون الشيء علماً ويكون مع كونه علماً مذموماً؟».

إن التعريف الدارج عند العلماء للعلم هو: «إدراك الذهن الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل»، وهو من أشهر التعريفات المتعلقة بالعلم. يريد هؤلاء الإشكال؛ فإذا كان العلم حقيقته أن يعرف الإنسان الواقع على ما هو عليه، فما وجه ذمه؟ فخلو الإنسان من هذه المعرفة لا يعتبر نقصاً، فلماذا يكون ممدوحاً أن يجهل الإنسان الواقع؟

فرد أبو حامد في البداية قائلاً: «لعلك تقول العلم هو معرفة الشيء على ما هو به»، وتعزيزاً لهذه القضية، وفي الإشارة والدلالة على أن هذا من معاني الكمال وهو من صفات الله سبحانه، فكيف يكون الشيء علماً ويكون مع كونه علماً مذموماً؟ لأن النبي ﷺ سماه علماً فقال: «وأعوذ بك من علم لا ينفع».

ثم قال: «فاعلم أن العلم لا يذم لعينه، وإنما يذم في حق العباد لأحد أسباب ثلاثة». يوضح أبو حامد الغزالي أن العلوم من حيث هي ليست بالضرورة مذمومة، فالعلم هو مجرد إدراك الواقع. ومن أولى ما يدخل في العلم المذموم بشكل واضح هو السحر، وفي ذلك فرق بين مقام السحر ومقام علم السحر؛ فالمذموم شرعاً في الأصل هو ممارسة السحر، لكن الإنسان قد يعرف السحر ولا يمارسه.

لذا فهو يورد الإشكال بقوله: «فاعلم أن العلم لا يذم لعينه، وإنما يذم في حق العباد لأحد ثلاثة أسباب: الأول أن يكون مؤدياً إلى ضرر ما، إما بصاحبه وإما بغيره، كما يذم علم السحر والطلسومات». فأحد الاعتبارات الأساسية في تحريم تعلم هذا العلم، حتى من غير ممارسة له، هو أنه لو فُتح الباب لتعلمه، فماذا سيحدث في الواقع؟

سيؤدي إلى ممارسته. عرفت؟ سيؤدي إلى ممارسته. غير أنه بعدين تأتي اعتبارات أخرى، أن التشاغل بكل علم قد يصرف الإنسان عن العلم المشروع، بس هذا ملحظ آخر.

بعدها يقول أبو حامد: السبب الثاني أن يكون مضراً بصاحبه في غالب الأمر، كعلم النجوم؛ فإنه في نفسه غير مذموم لذاته. ثم ذكر تفاصيل متعلقة بين ما كان من علم النجوم حسابياً، وما كان من علم النجوم الذي هو من قبيل علم التنجيم. فيقول أبو حامد الغزالي: «السبب الثاني أن يكون مضراً بصاحبه في غالب الأمر كعلم النجوم فإنه في نفسه غير مذموم لذاته»، ثم فصل الكلام في قضية أن هنالك علم التنجيم أو العلوم الأحكام الحكمية المتعلقة بالنجوم والحركات والأمور الحسابية، وكلام طويل. تلاحظ كل الصفحات وهو يناقش الموضوع.

بعدين ذكر السبب الثالث: «قال الخوض في علم لا يستقل الخائض فيه به فإنه مذموم في حقه، كتعلم دقيق العلوم قبل جليلها، وخفيها قبل جليها». فتلاحظ الآن، أن وجه عدم الانتفاع من العلم ليس عائداً للعلم من حيث هو، وإنما بالنسبة لهذا الإنسان المعين. فالتشاغل الإنسان بالعلم المفضول مع إمكان تحصيل العلم الفاضل يعتبر مذموماً، اشتغال الإنسان بما لا يحتاجه من العلم وإن كان من حيث هو محموداً، يكون مذموماً بالنسبة إليه.

يقول: «وكالبحث عن الأسرار الإلهية إذ تطلع الفلاسفة والمتكلمون إليها ولم يستقلوا بها، بل قفوا على طريق بعضه إلى الأنبياء والأولياء، فيجب كف الناس عن البحث عنها وردهم إلى منطق الشرع به، ففي ذلك مقنع للموفق. وكم من شخص خاض في العلوم واستضر بذلك، ولو لم يخذ فيها لكان حاله أحسن في الدين من مصار إليه». ولا ينكر كون العلم ضرراً لبعض الناس، كما يضر لحم الطير وأنواع الحلويات اللطيفة بالصبي الرضيع، بل رب شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور.

فلقد حكي قصة عجيبة، ومحمد عنده طريقة عجيبة في ذكر القصص أو في ضرب الأمثلة، يقول فالحين بيتكلم على فكرة أن أحياناً الجهل قد يكون نافعاً لصاحبه مع كون الجهل من حيث هو مذموماً. قال: «فلقد حكي عن بعض الناس شكى إلى طبيب عقم امرأته وأنها لا تلد، فجس الطبيب نبضه وقال لها: لا حاجة لك إلى دواء الولادة، فإنك ستموتين أربعين يوماً». وقد دل النبض عليه، فاستشعرت المرأة خوفاً عظيماً، ونقص عليها عيشها، وأخرجت أموالها وفرقتها، وأوصت، وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى انقضت المدة فلم تمت.

فجاء زوجها إلى الطبيب وقال له: لم تمت؟ فقال الطبيب: علمت ذلك، فجامعها الآن فإنها تلد. فقال: كيف ذلك؟ قال: رأيتها سمينة، وقد انعقد الشحم على فم رحمها، فعلمت أنها لا تهزن إلا بخوف الموت، فخوفها فَهَزَّتها بذلك حتى هزلت، وزال المانع من الولادة. فتلاحظ يضرب أي العلم والجهل.

قال: «فهذا ينبهك على استشعار خطر بعض العلوم، ويفهمك معنى قوله ﷺ: «نعوذ بالله من علم لا ينفع»، فاعتبر بهذه الحكاية، ولا تكن بحاثاً عن علوم ذمها الشرع وزجر عنها، ولازم الاقتداء بالصحابة رضي الله عنهم، واقتصر على اتباع السنة، فالسلامة في الاتباع، والخطر في البحث والاستقلال. ولا تكثر التبجح برأيك ومعقولك ودليلك وبرهانك وزعمك أني أبحث عن الأشياء عرفها عما هي عليه، فإي ضرر علي في التفكر في العلم فإنما يعود عليك من ضرره أكثر، وكم من شيء تطلع عليه فيضرك اطلاعك ضرراً يكاد يهلكك في الآخرة إن لم يتدارك الله برحمته».

يقول بعد ذلك: «ومن قلب لا يخشع». ما معنى "من قلب لا يخشع"؟ ما معنى الخشوع؟ معناها أن لا يسكن. وأصل الخشوع في العربية معناها ماذا عندما يقول الله عز وجل: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: 108]. أي صمتت وانخفضت. فالخشوع في معنى الانخفاض، وفي معنى الذل، وفي معنى السكون وغيرها من المعاني. يقول ابن رجب رحمه الله: «أصل الخشوع هو لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وانخراطه، فإذا خشع القلب تبعته خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له».

يقول النبي ﷺ بعدها: «ومن نفس لا تشبع». يذكر العلماء أن "لا تشبع" يعني لا تقنع بما أعطاه الله سبحانه وتعالى، أو يكون المعنى إشارة إلى كثرة نهمتها من المال بحيث أنها ما تشبع.

«ومن دعوة لا يستجاب لها». قال في النهاية -الذي هو ابن الأثير-: أي لا يستجاب، لا يعتد بها، فكأنها غير مسموعة. يقال: أسمع دعاء؛ أي أجبه، لأن غرض السائل الإجابة والقبول. ورد طبعاً في رواية أخرى للحديث -ونحن ذكرنا بعض الروايات من دعاء لا يسمع أنه ماشي على نفس السجعة- قال الخطابي: قوله "لا يسمع" معناه لا يجاب، ومنه هذا قوله المصلي: "سمع الله لمن حمده" يريد استجاب الله دعاء من حمده. قال الشاعر: دعوت الله حتى خفت ألا يكون، الله يسمع ما أقول؛ أي لا يجيب ما أدعو.

تلخيص الشرح يقول المناوي: أعوذ بك من قلب لا يخشى لذكر الله عز وجل ولا لاستماع كلامه، وهو القلب القاسي الذي هو أبعد القلوب من حضرة علام الغيوب. ومن دعاء لا يسمع، أي لا يستجاب ولا يعتد به فكأنه غير مسموع. ومن نفس لا تشبع من جمع المال إشراً وبطراً، أو من كثرة الأكل الجالبة لكثرة الأبخرة الموجبة للنوم وكثرة الوساوس والخطرات النفسية المؤدية لمضار الدنيا والآخرة. ومن علم لا ينفع، أي لا يعمل به أو لا يهذب الأخلاق الباطنة فيسري إلى الأفعال الظاهرة. أعوذ بك من هؤلاء الأربع، والله تعالى أعلم.

طبعاً من المسائل نختم بها ذكر الحديث هذا، اللي هي مسألة السجع في الدعاء؛ لأنه ورد عن ابن عباس رضي الله عنه وقال: «انظر السجع في الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك»، رواها البخاري. وقالت عائشة رضي الله عنها: «واجتنب السجع في الدعاء فإني عاهدت النبي ﷺ وأصحابه يكرهون ذلك»، رواه ابن حبان وأحمد. فلاحظ، النبي ﷺ ذم السجع فقال: «اسجعا كسجع الكهان»، وفي بعض الحديث ورد في خصوص ما يتعلق بالدعاء الآثار منقول عن الصحابة أنه مكروه.

وجه الجمع لأن ظاهر هذا الحديث أن: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يُسمع»، أعوذ بك من هؤلاء الأربع تحصل.

بس هو الآن الحديث هذا واحد قال إن فيه إلغاء التعمد. لاحظ، خلينا نرتبها درجات؛ أول شيء إذا لم يكن السجع قد خرج مخرج تعمد فلا يكون مذموماً، خلاص نتفق على هذا. لكن ما هو السبب لكونه أيضاً مذموماً؟

إذا خرج من الإنسان من غير قصد فلا يكون مذموماً، وأنا أقول لك صحيح الكلام هذا، لكن ما هو المأخذ في عدم ذمه؟ هو يترتب عليه بالقرآن. لم يقصد أن يمثل كأنه كاهن، لكن في شيء ينهى الداعي، ما هو المعنى الذي يوجد في الإنسان إذا جرى السجع على لسانه من غير قصد؟

ما هو المعنى الذي تخلص منه بسبب هذا؟ بحيث لو تحقق هذا المعنى، حتى لو وقع قصداً فإنه لا يضر. كل هذه معاني مذمومة، بس هي عائدة إلى شيء قبل هذا؛ هي التي تحمل الإنسان أنه يحصل منه هذا الانشغال بسبب التكلف في أن يخرج السجع على سبيل التكلف.

بمعنى إذا جرى السجع من غير قصد فانت تزم وتقطع أن لم يقع منه السجع تكلفاً، فلو قدر أن خرج السجع من غير تكلف فما في بأس. وهذا ليش أنت تقرأ الحديث هذا، فالسجع غير المتكلف -كما يقال السجع النظيف- يكون حسناً على الأذن، بخلاف السجع الذي يقع من الكهان أن فيه تكلفاً.

يقول الإمام النووي رحمه الله عن قوله ﷺ: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع»، قال: هذا الحديث من الأدعية المسجوعة، ودليل لمقال العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو المتكلف؛ فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص، ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب.

فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك، أو كان محفوظاً فلا بأس به بل هو حسن. ومن اللطائف المتعلقة بهذا الحديث ما استفتح به ابن الملقن رحمه الله تبارك وتعالى في كتابه شرح صحيح الإمام البخاري «التوضيح لشرح الجامع الصحيح»، فقال في المقدمة: «وسميته توضيحاً لشرح الجامع الصحيح، نسألك اللهم العون على إيضاح المشكلات، واللطف بالحركات والسكنات والمحْي والممات، ونعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، وقول لا يسمع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يُسمع، وعليك اللهم اعتمد فيما اعتمدت، وأنت حسبي ونعم الوكيل، اللهم وانفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه والناظر فيه وجميع المسلمين، آمين».

الحديث الأخير اليوم هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه في أول من يقضى بينه وبين الناس أو يُسعر به النار. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة على رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» [أخرجه مسلم].

قبل ما أدخل في شرح الحديث، ما علاقة هذا الحديث بالباب "شرف العلم"؟ لاحظوا ما هو القاسم المشترك بين الأمور التي ذُكرت؟ هل هي أمور مذمومة أم أمور حسنة؟ الاستشهاد في سبيل الله عز وجل، العلم وقراءة القرآن، والصدقة؛ فقصُّ هذا دلالة على شرفها.

الحديث يتعامل معها باعتبار أنها ليست أموراً تلفت للنظر بما يحصل يوم القيامة لخروجها عن مقتضاها؛ أنت لا تتوقع نتيجة الشهيد يوم القيامة أن يُفعل به هذا، ولا تتوقع نتيجة العالم يوم القيامة أن يُفعل به هذا، ولا تتوقع أن شخصاً متصدقاً بماله يُفعل به هذا. لماذا؟ لأن هذه أعمال شريفة ذات فضل في الشريعة، فقصُّ هذا أحد أوجه الدلالة على شرف العلم.

ومن أوجه الفضل أيضاً، أن العنوان هو "باب شرف العلم النافع وفضله وذم من لم يعمل بعمله"، والشيخ ذكر هذا الحديث، فيعتبر أن في نص الحديث أن هذا من قبيل النعم التي أنعم الله بها على العبد.

هل هناك معاني أخرى؟ من المعاني مثلاً مندرج الحديث أن تعلم العلم ليقال عالم، وقراءة القرآن ليقال قارئ، فموضوع أن قراءة القرآن الكريم -مع أننا سنبجي الموضوع بعد قليل- هذا من وقاية العلم ورد الحديث عنه. يعني من أهمية العلم أن يكون هناك حديث يحذر من هذه التصرفات التي قد تشوه العلم.

فمثلا من المعاني التي ذكرناها في بداية الكلام، أن العلم النافع هو العلم الذي حكمت الشريعة بفضيلته، فالعلم الذي لا يراد به وجه الله سبحانه وتعالى ليس من العلم النافع؛ بحيث إنه لا يتعلق به الشرط.

عرفنا أن باب الشيخ يقول: «باب شرف العلم النافع وفضله»، فهل المقصود أن كل ما يكون من قبيل العلم، أو ما يمكن أن يتوهم أن يكون من قبيل العلم النافع، يكون ذا شرف وفضيلة؟ فنقول: لا، بدليل أن هذا الإنسان قد تحصل على شيء يتوهم أنه من قبيل العلم، لكنه لم يكن علماً ذا شرف وفضل لما أخل به من مقتضى الإخلاص لله تبارك وتعالى.

في شيء آخر، ومراتب مثلا ومراتب الأعمال، لا، ما يظهر هذا. ربما ما يظهر هذا شرفه هو أنه شريف بين الناس، قوله ليقال مثلا. ما أحد الأوجه أن يعتبر هذا من المقامات الشريفة حتى عند البشر، يعني أن مقتضى فطرة الإنسان ومقتضى تجمعات الإنسان البشرية الاعتراف بفضيلة هذا الشخص، بحيث إنه يتشوف الإنسان بشهوته الخفية أن يحب أن يشتهر بين الناس بما هو محمود، وأن هذا من المحامد التي يستطيع الإنسان يدخلها عبر بوابته إلى الناس.

جميل، ربما من مجال بعيد، لكن هؤلاء الأشخاص عاملوا بهذه الأعمال ابتغاء فضل يوم القيامة وهو الجنة، لكن عندما أحضر لهم نيتهم، فانقلبت رجوتهم بالجنه إلى ما نشير إليه، وهو قضية لاحظ الآن هم الذين وقعوا في هذه المصائب الثلاثة، هل هم مدركون فضيلة العبادة والعمل الذي هم أتوا به أم لا؟ هم مدركون؛ بدليل أنهم عملوا للنهاية، ثم لما حاسبهم الله عز وجل، قال: «أي قاتلت فيك؟». لأن مدركاً أن العلم النافع في حقيقته هو العبادة، أو العلم الذي وقع من أجل الله عز وجل، لما جاء إلى قضية العالم وقرأ القرآن، الله عز وجل يكشف له حقيقة الأمر جليّة. وهذا يدل على أن أحد المعايير الأساسية التي ينبغي التحاكم إليها فيما يقتضي تمييز العلم النافع من غير النافع، هو ارتباطه بالإخلاص وعدم ارتباطه بالإخلاص.

الحديث طبعاً له سياق أطول، بالذات في مفتتح هذا الحديث، فنقرأ الحديث جميعاً. الإمام الترمذي ساق في جامعه سياقاً مطولاً، قال: حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الملك بن مبارك، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدائني، أن عقبة بن مسلم حدثه، أن شقياً الأصبحي حدثه، أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة.

فدنوْت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلى قلت له: أنشدك الله، أنشدك بحقي لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعُقِلَ، وعُلِمَ، حين يُعرف أن أبا هريرة صحابي وله امتياز في صحبته النبي صلى الله عليه وسلم من جهة كثرة روايته الأخبار، فيُطلب منه أن يحدث بحديث سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم وعقله وعلمه. فقال أبو هريرة: افعل، لأحدثنك حديثاً حدثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقلته وعلمته.

ثم نشغ أبو هريرة نشغة؛ ما معنى نشغ؟ نشغ يعني شهق، شهيق قوي، شهيق شديد، وبعض العلماء يقول إن الشهيق الشديد هذا يعني مكرر، وأحياناً من شدته يكاد يغشى على الإنسان، فواضح أن أبا هريرة تأثر تأثراً كبيراً من روايته لهذا الحديث، فوقع منه هذا الاضطراب لما تذكر هذا الحديث الذي يريد أن يحدث به. قال: فمكث قليلاً ثم أفاق فقال: قال لأحدثنك حديثاً حدثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

في هذا البيت: «ما معنا أحد غيري وغيره»، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، ثم أفاق فمسح وجهه، فقال: قال لأحدثنك حديثاً حدثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، «وأنا وهو». في هذا البيت: «ما معه أحد غيري وغيره»، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، ثم أفاق ومسح وجهه، فقال: افعل، لأحدثنك حديثاً حدثني به الرسول صلى الله عليه وسلم، «وأنا معه». في هذا البيت: «ما معه أحد غيري وغيره»، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خامداً على وجهه، فأثبته علي طويلاً، ثم أفاق فقال: حدثني الرسول صلى الله عليه وسلم.

فتلاحظ الآن أن أبا هريرة -لأنه يبدو والله أعلم أنه يستشعر القلق والخوف أن يكون ممن ينطبق عليهم هذا الحديث رضي الله عنه وأرضاه- قال: إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جافية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل يقتتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. فيقول الله للقارئ: «ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟»، قال: بلى يا رب. قال: «فماذا عملت فيما علمت؟»، قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله عز وجل له: «كذبت»، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: «بل أردت أن يقال فلان قارئ، فقد قيل ذاك».

ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله: «ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟»، قال: بلى يا رب. قال: «فماذا عملت فيما أتيت؟»، قال: كنت أصل الرحم وأتصدق. فيقول الله له: «كذبت»، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: «بل أردت أن يقال فلان جواد، فقد قيل ذاك». ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله له: «في ماذا قتلت؟»، فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله تعالى له: «كذبت»، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: «بل أردت أن يقال فلان جريء، فقد قيل ذاك».

ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم على ركبته فقال: «يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة». قال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبة بن مسلم أن شقياً هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، إن شقياً دخل على معاوية بن أبي سفيان فأخبره بهذا الحديث. فقال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافاً لمعاوية، فدخل عليه رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعل بهؤلاء، فكيف بمن بقي من الناس؟ يعني إذا كانوا هؤلاء العيون الناس فُعل بهم هذا، فكيف بغيرهم؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديداً حتى ظننا أنه هالك، وقلنا قد جاءنا هذا الرجل.

بشر ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه وقال: «صدق الله ورسوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15-16]». لاحظ فقه معاوية رضي الله عنه وأرضاه، أن يقول إن هذا الحديث متوافق مع هذه الآية القرآنية. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، انتهى. والحديث رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط، وهو السياق المطول الذي ذكرناه قبل قليل.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في مفتتح هذا الحديث: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد». أول ملاحظة هي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة»، لأننا سنأخذ عبارة القرطبي؛ يقول القرطبي في المفهم عن قوله: «إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد، ورجل تعلم العلم، ورجل أنفق ماله»، قال: هذا يخالفه؛ أول ما يحاسب به العبد المسلم من عمله صلاته، وقوله: «أول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء».

لاحظ الأولية؛ أن أول ما يحاسب به العبد، وعندنا أول ما يقضى، وعندنا أول ما يقضى في الدماء، فقال: قد يسبق للوهم أن هذا الحديث متعارض من حيث الأولية المذكورة في كل حديث منها، وليس كذلك؛ فإنه إنما كان يلزم ذلك لو أريد بكل أول منها أنه أول بالنسبة لكل ما يسأل عنه ويقضى فيه، بمعنى أولية مطلقة. مثلاً: لما أطرح لكم سؤالاً: من أول من أسلم؟ فبعضهم قال أبو بكر، وبعضهم قال خديجة؛ الذي قال أبو بكر مصيب، والذي قال خديجة مصيب، ما السبب؟ فتقول بالنسبة: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، وأول من أسلم من الصبيان علي، وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلمت من النساء خديجة.

طيب، لو سألتك: من أول من أسلم من هذه الأمة مطلقاً؟ خديجة رضي الله عنها وأرضاها. لاحظ أنه يصير في فرق بين الأولية المطلقة وهكذا. فالآن الإجابة للحديث: إن لو كان الحديث عن الأولية المطلقة لكان هنالك إشكال وتعارض، لكن إذا استشعر الإنسان إمكانية حمل الأولية على أولية نسبية إضافية ينحل الإشكال، ولذا يقول القرطبي: «وليس في شيء من تلك الأحاديث ما يصر على ذلك، وإنما أراد -والله أعلم- أن كل واحد من تلك الأوليات أول بالنسبة للتي بابه».

فأول ما يحاسب به من أركان الإسلام الصلاة، مثلاً؛ ليس بالضرورة حتى أركان الإسلام، أول ما يحاسب عليه الإنسان من شأن تعبده تصير الصلاة، وأول ما يحاسب به من المظالم في سرقات وفي اعتداء على النفوس واعتداء على الأعراض، فأول ما يقضى بين الناس من المظالم الدماء، وأول ما يحاسب به مما ينتشر فيه صيت فعله تلك الأمور، وهذا أول ما يقاربه ويناسبه، وهكذا تعتبر ما يرد عليك من هذا الباب، والله تعالى أعلم. أجري على هذا المثال في معرفة طبيعة الأولويات المحكية في الشرع.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد»، وفي رواية لمسلم: «أول الناس يقضى لهم يوم القيامة ثلاثة»، والمراد ثلاثة أصناف، طبعاً ليس مراد ثلاثة أشخاص؛ يعني ليس مقصوداً أن رجلاً استشهد، ورجلاً تعلم، ورجلاً أنفق، لا، المقصود هذا صنف وجنس؛ يعني جنس المجاهدين الذين قتلوا في مواجهة العدو، حيث يقع من بعضهم مشكلة في قضية الرياء فيحصل لهم هذا المصير، وجنس من المحسوبين على دائرة العلماء، وجنس من المتصدقين.

سؤال يا شيخ: هل هذا يعتبر أنه إذا جيء بالشهداء، فأول الشهداء من يحاسبهم هؤلاء؟ لا، التخريج الذي حاول القرطبي أن يخرجه يقول: إن معنى الحديث، عندما يحاسب الله عز وجل الإنسان على عباداته، فأول قضية يحاسب عليها ما يتعلق بالصلاة، ثم ينتشر لبقية الأمور، ولما يأتي إلى قضية "أول ما يقضى" يقول لك المظالم؛ أي الخصومات التي بين الناس، فهو الذي أول الحديث أن أول الناس يقضى يوم القيامة في الأمور التي تبعث على انتشار الصيت والشهرة فيؤتى بهؤلاء. الفكرة أن "ثلاثة" ليس المقصود بها ثلاثة أفراد يوم القيامة، العلماء يقولون إن هذه ثلاثة أجناس، ثلاثة أصناف من البشر، ثلاثة مجاميع.

الشهادة تذكرون المعاني التي ذكرناها في دروس سابقة، وهي أن الشهادة تنقسم إلى قسمين: شهادة عامة وشهادة خاصة. الشهادة العامة هي أن الشريعة وسعت من مدلول الشهادة، بحيث أعطت لغير شهيد المعركة فضائل وأجوراً وجعلته داخلاً في زمرة الشهداء باعتبار آخر، وعندنا شهيد المعركة وهو شهيد بالدلالة الخاصة. طيب، ما الفرق بين المقامين؟ الشريعة جعلت هذا شهيداً وهذا شهيداً، ولكن هناك آثار فقهية تترتب على هذا؛ فشهيد المعركة مثلاً لا يغسل ولا يكفن، وفي خلاف في قضية الصلاة عليه، أي أن هناك أحكاماً خاصة متعلقة بشهيد المعركة لا تنطبق على غيره من الشهداء.

في الحديث لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رجل استشهد»، هل المقصود شهيد المعركة أم المقصود الشهيد بشكل عام؟ نعم، بدليل أن سياق الحديث يدل على إرادة هذا المعنى الأكثر خصوصية. ثم يقول الحديث: «فعرفه نعمة»، أي أخبره الله عز وجل بنعمته. هل المقصود أن الله عز وجل عرفه بنعمته، بمعنى ما هو أعم من النعم المتعلقة بالعبادة الخاصة؟ أم المقصود أن الله عز وجل قد يسر له مثلاً شأن الجهاد وأعطاه من القوة؟ لاحظ أن "فعرفه نعمة" احتمال أن يكون معناها: ألم أجعل لك بصراً وسمعاً وصوتاً، ألم أجعل لك زوجة، ألم أجعل لك ذرية؟ إذا ذكر الله عز وجل نِعمه، أم المقصود: ألم ييسر لك الجهاد وألم يعنّك عليه؟ هو محتمل، ولكن السياق يدل على الثاني والرواية التي...

ذكرناها من حديث الترمذي، ويدل على الثاني؛ لأن لو تذكرتوا رواية الترمذي أن نص الله عز وجل ما قال: "فعرفه نعمه"، إنما ذكر أمورًا متعلقة بالمجال التعبدي، اللي هو وقع في المحاسبة. وفي الحديث هذا: ﴿فَمَا عَمِلْتَ﴾، أي فما عملت بتلك النعم التي أعطيتك إياها، صح ولا لا؟ فكأنه -والله أعلم- إشارة إلى أن قرب النعم التي ذكرت مما يتعلق بشأن المحاسبة.

طبعًا ورد في رواية: "فأتي به فعرفه نعمة"، وفي بعض النسخ: "نعمته"، فإذا صارت بالفرض صارت أصلح بالباب. يقول: "فعرفها" بتخفيف الراء، أي عرف ذلك الرجل تلك النعمة التي أنعم الله عز وجل بها من التوفيق والتسهيل في قصة الشهيد إلى وقوع فعل الشهادة. قال: ﴿فَمَا عَمِلْتَ﴾، ما استفهامية، أي أي شيء عملت في تلك النعم؟ فقال الرجل: "قاتلت فيك"، أي قاتلت طلبًا لمرضاتك، قاتلت رجاء لثوابك، قال: حتى شُهِدت، يعني حتى قتلت شهيدًا.

قال الله عز وجل له: ﴿كَذَبْتَ﴾، أي كذبت في دعواك أنك شُهِدت. وزاد في رواية الترمذي التي ذكرناها، تقول له الملائكة: "كذبت"، فيقول الله عز وجل مبينًا حقيقة الأمر: "ولكنك قاتلت لأن يقال جريء"، أي ليتحدث الناس ويقولوا فلان جريء وشجاع.

يقول القرطبي: الجريء بالهمز هو المقدام على الشيء لا ينثني عنه وإن كان هائلًا، مأخوذ من الجراءة. يعني أن الحديث يقول إنما أنت أظهرت فعل الشجاعة، أظهرت فعل الجراءة من أجل أن يتحدث الناس عنك وعن خلق الشجاعة فيك، فيقول الله عز وجل: ﴿فَقَدْ قِيلَ﴾، أي قد قال الناس ذلك واستوفيت ما طلبته، فلا أجر لك عندي.

السؤال الآن: ﴿فَقَدْ قِيلَ﴾، هل "فقد قيل" هذا قيد؟ بمعنى أن هناك تراتبية حصلت، أن رجلًا استشهد فأتاه الله عز وجل فقال: "عرف نعمه"، فقال: "ما صنعت فيها؟"، قال: "استشهدت فيه"، قال الله عز وجل له: ﴿كَذَبْتَ﴾، اللي حصل أنك أنت قاتلت من أجل أن يقال جريء وقد قيل.

طيب، الآن السؤال: افترض أنه ما قيل، افترض أنه استشهد وما عرفه أحد، ولا أنت شرحته كذا وكذا، هل يدخل في هذا الذم ويكون متوعدًا بهذا الوعيد ولا لا؟ نعم يكون داخل في هذا الذم؛ لأن السبب أنه أتى بسبب لم يبتغِ به وجه الله. النية من الأصل أنه يصير جريءًا.

الفكرة الآن، ما المشكلة التي حصلت؟ العمل الذي يثاب عليه به وجه الله، شرك، أي شارك الله في أحد غير الله، أو نصيب، ماشي؟ طبعًا هذه تؤكد على مسألة خطيرة جدًا. لاحظ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: "الرجل يقاتل كذا ويقاتل كذا ويقال في سبيل الله"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».

هذا الحديث يمكن يفهم الإنسان بالطريقة الآتية: أن الجهاد في سبيل الله إذا كنت مبتغيًا للأجر والمثوبة فاصبر واسعَ إليه، وسر في سبيل الله عز وجل من أجل مرضات الله عز وجل. طيب، لو قدر الإنسان يقول: أنا قاتلت من أجل الشجاعة، أنا واضح من البداية، يعني عرفت القصة عندي من أجل شجاعة، الآن هل الذي أتى به مباح ولا محرم؟

مباح إذا لم يكن... أيوه، الحين لا يقول لك: أنا ما قاتلت في سبيل الله عز وجل زي ما قاتلت في سبيل الله عز وجل، فإني ما أثاب، صح ولا لا؟ السؤال كان واضحًا، مباح. إذا كان واضحًا مباحًا، افترض أن واحد يقول: أنا أقاتل من أجل الشجاعة، ما حكم هذا؟ نفس الشيء، سياق الجهاد في سبيل الله، هو خارج سياق الجهاد في سبيل الله.

هذا سؤالي المتوجه: أن إنسانًا مثلاً يقول لك: "أنا أطلب العلم الشرعي من أجل الرئاسة، أنا بس أبى أصير المفتي العام للبلد وهذا وآخذ مرتب فلان"، أنا أطلب بس هذا، هذه قصتي، واضح الفكرة؟ طيب، مزاحمة النية؟ هو طبعًا في مزاحمة للنية، بس أنا أتكلم الآن لو قدر إنسان معين يقول لك: "أنا هذا الشأن".

بعطيكم مثالًا واضحًا، مثال إنسان مثلاً أنا مهندس حاسب، برمجت ولا اخترعت كمبيوتر جديد، ولا سويت لي أي كمبيوتر، سويت شيء معين من أجل المال، أبغى براءة اختراع في المجال الفلاني، هل يعني في ضوء الدلائل الشرعية أنه يؤتى به يوم القيامة فيقال: "إيش هذا؟ صرت مهندس حاسب إيش سويت فيه؟ طلبت الدنيا"، أول مسعر به النار؟

لاحظوا هذا نموذج، طالب علم شرعي هو واضح من البداية يقول لك: "أنا إنما طلبت هذا العلم من أجل أن أحصل على المرتب الفلاني". هناك عبادات، لحظة، فالسؤال: هذا أنا أقول الآخرة طلب الدنيا بعمل الآخرة؟ لاحظوا الفرق الآن، اللي يكشف عن وجه الخطورة المتعلقة بهذه الأفعال التي ذكرت في الحديث، أن المسألة ليست داخلة في حيز المباح، يعني ليست في المعادلة المتعلقة بها أن يسوغ للإنسان ويجوز أن تتخلف هذه النية.

المشكلة المتعلقة بهذه الأبواب التي فيها معادلة متعلقة بها، هي معادلة صفرية؛ يعني إما أن يرتفع الإنسان إلى أعلى السلم أو ينخفض أسفل السلم، ما في شيء وسط، واضح؟ ما في شيء وسط؛ لأن السبب أن هذه من قبيل العبادات، والعبادات لا يصح أن تتخذ جسرًا ومعبرًا من أجل تحصيل الشأن الدنيوي.

وبالتالي المشكلة المتعلقة بها، لما تتكلم الآن عن الرياء، الرياء حرام ولا حلال؟ لاحظتوا الآن الارتباك الذي حصل قبل قليل، كأن بعض الكلام الذي قيل قبل شوي أن الرياء مباح؟ يعني كان الحال إذا صلى الإنسان مرائي، إيش حكمه؟ أنه ما يثاب بس ما يعاقب؟ نحن نقول لا، الرياء محرم، بل الرياء شرك أصغر، والشرك الأصغر أخطر أصلاً من جنس الكبائر، وأنه يعاقب عليه، وهناك خلاف بين العلماء هل الرياء الذي هو من قبيل الشرك الأصغر يغفر للعبد ولا ما يغفر؟ يعني هل يدخل في عموم قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، فيصير حتى الشرك الأصغر لا يغفر ولا لا؟

الصحيح، وهو الأظهر عندي، أنه يغفر. فالشاهد أن مما يدل على خطورة هذه الأعمال أنها تعبدات يتوصل بها إلى مرضاة الله عز وجل، فإذا ابتغي بغير وجه الله عز وجل انقلبت على الضد، صارت مآثماً ومغرمًا، وصار صاحبها كما ورد في حديث النبي ﷺ: «أو متسعر به النار».

يقول النبي ﷺ بعد ذلك: «ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار». ما معنى "أمر به فسحب على وجهه"؟ يعني جُرَّ على وجهه حتى يعرف الإنسان بشاعة المشهد.

الرجل الثاني من الثلاثة يقول النبي ﷺ: «ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها». فالمقصود هنا النعم المختصة بهذا الباب، ولذا فإن ما جاء في حديث الترمذي في موضوع طالب العلم أو العالم كان صريحًا وواضحًا؛ إذ قال: «فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته»، أي وصل إلى حال من حالات الكمال في باب العلم، بحيث تعلم العلم ووصل إلى حال التعليم وقرأ القرآن.

ما معنى "وقرأ فيك القرآن"؟ يقول الرجل: تعلمت العلم وعلمته وقرأ فيك القرآن. ما موقع "وقرأ فيك القرآن" من الإعراب؟ هل هي زيادة؟ بعض العلماء قالوا: قراءة العلم، وهذا من باب الخصوص بعد العموم، أي من العلوم التي تعلمها هذا الرجل هي العلوم المتعلقة بقراءة القرآن.

أو يمكن القول إن الجملة ليست بدلًا، بل هي مضافة؛ فيصير هذا من قبيل عطف الخاص على العام، بمعنى أن قراءة القرآن الكريم هي من العلم، وقراءته على الناس هي من قبيل التعليم. هذا جانب، وهو الذكر الخاص بعد التعميم.

الاحتمال الثاني هو أن أحد القضايا المتعلقة بالعلم -وقد ذكرنا من هذا الحديث إحدى القضايا العضوية المرتبطة بالعلم وجعله فضيلة- هي كيف يكون العلم نافعًا؟ أحد الاشتراطات الأساسية ليكون العلم نافعًا هو أن يكون خالصًا لله. وذكرنا ملحظًا آخر متعلقًا بالعلم النافع، وهو أن يكون له أثر في الأفعال، أي أن يعمل به.

فبعض العلماء يقول: "وقرأ فيك القرآن" تعني أنني لم أستغرق حياتي فقط في قضية التعلم والتعليم، بل تجاوزت ذلك إلى قضية العمل به، فقرأت القرآن وأنشأت هذا التعبد وأنشأت هذه العلاقة. فبعض طلبة العلم قد يكون عنده قدر من هجر القرآن الكريم تحت ذريعة أنه منشغل بطلب العلم، لكن هذا الرجل يقول: تعلمت العلم وعلمته وقرأ فيك القرآن، يعني أن المسألة تجاوزت حدود العلم ليكون هناك إقامة لبعض التعبد، ومن التعبد كتاب الله عز وجل. فهذا ملحظ يؤكد على الفهم والوعي بأن في العلم الإخلاص، وأن العلم الشرعي لابد أن يؤثر إيجابًا في الجانب السلوكي للإنسان.

فيقول الله عز وجل لهذا الرجل: «كذبت»، وفي رواية الترمذي: «وقالت الملائكة كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم»، وفي تقدير خبر محذوف: "أنت عالم". وقوله: «وقرأ القرآن ليقال: هو قارئ»، فقد قيل. «ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار».

ثم ذكر الرجل الثالث، مما يقضى عليه، بقوله: «ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله». أي أن الله عز وجل قد وسع عليه الرزق، بحيث أعطي من الذهب والفضة والزروع والثمار والمواشي، ومن أنواع وأجناس الأموال التي كانت حاضرة عند الشراح، كالأسهُم والشركات والمصانع في عصرنا المعاصر، فكلها داخلة في معنى التوسعة.

«فأتي به فعرفه نعمه فعرفها»، قال: «فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها». و"السبيل" هنا بمعنى الطريق. فكان الرجل يقول: لا يوجد شيء مما يرضيك مما يصرف فيه المال إلا وقد فعلته؛ من بناء مساجد، وإطعام فقراء، ودعوة، وأوقاف، وأي شيء في مساحات الخير، بذلتها لأجلك ومن أجل مرضاتك.

فقال: «كذبت»، وفي رواية الترمذي: «وقالت الملائكة كذبت، ولكنك فعلت -أي أنفقت- ليقال: هو جواد»، والجواد هو كثير العطاء، وهي درجة عالية جدًا من الكرم والسخاء. وقوله: «ليقال»، أي تحدث الناس بذلك، ولما قبضته صار الناس يتحدثون بهذه القضية في حياته وبعد مماته. «ثم أمر به فسحب على وجهه ثم أُلقي في النار».

جاء في رواية الإمام الترمذي: «ثم ضرب الرسول ﷺ على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة». هذا الحديث من الأحاديث المهمة جدًا التي يحتاج العامل الإسلامي أن يستحضرها في نفسه؛ لأن هذا الحديث أصل في مقامات التعبد، فكل تعبد ديني شرعي يبتغي به الإنسان غير وجه الله سبحانه وتعالى سينقلب عليه يوم القيامة على الضد.

المسألة ليست من قبيل المباحات، وليست القضية أن نضيع عمرنا في الدنيا دون استفادة من تلك الأعمال عند الله عز وجل، بل المسألة أخطر من ذلك. ولذا فإن هذا السبب هو مبعث القلق الذي يوجد عند كثير من أهل العلم فيما يتعلق بهذه المجالات التعبدية. ومن العبارات العجيبة التي نُقلت عن سفيان بن عيينة رحمه الله تبارك وتعالى عليه أنه...

كان عنده تلميذ فكان ماضيا معه في الطريق، يمشي مع التلميذ فقال الشيخ سفيان بن عيينة للتلميذ: «نعم الرجل أنت، غير أن فيك منقصة واحدة، فيك عيب واحد».

ما هو العيب؟ قال: طلبك للحديث. الآن الشيخ المحدث الإمام، إمام زمان سفيان بن عيينة، لما تتكلم عن أوعية العلم في الرواية وفي الحديث، سفيان بن عيينة النجم، إمام أهل مكة، سفيان بن عيينة زين أحد الشخصيات التي عليها مدار الرواية النبوية؛ فتخيل هذا الشيخ يقول للتلميذ، يعني كل شيء فيك ممتاز إلا عيب واحد، أنك مشتغل بالحديث.

فنظر إليه وقلت: «فهم اشتغالك يا إمام؟» يعني أنت مشتغل في ماذا؟ فتخيل العبارة الجميلة التي ذكرها، والتي تعبر عن القلق الموجود عند العلماء، ماذا قال؟ قال: «كنت غراً صغيراً لا أعقل».

المشكلة التي صارت هي عندما دخلت في هذا الباب، دخلت في المعادلة الصفرية، يا فوق يا تحت، لا تستطيع الآن أن تخرج، ولا تستطيع الانسحاب.

مثلما نأخذ الجهاد الآن، يجوز للإنسان أن يتولى يوم الزحف، فإنت ترى أن هناك احتمالاً عالياً أن تُقتل، فهل حرام أن تنسحب؟ لا، بل لازم تستمر. لاحظ الإشكال، الله عز وجل رزقك بمال كثير، فليس لك خيار، الله عز وجل فتح عليك، والمسألة ليست متهالكة، قضية الزكاة فقط، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن في المال لحقاً غير الزكاة».

إذا وسع الله عز وجل عليك، فأنت في نهاية المطاف لابد من عمل، ولا بد أن يقترن ذلك العمل بنية، والحديث يكشف عن مصائر الأمم ومصائر أحوال الناس يوم القيامة. اللهم ارزقنا الإخلاص وارزقنا العمل بالعلم، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.