دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فنشرع اليوم في باب جديد من أبواب المنهاج من ميراث النبوة، وهو باب في مركزية العمل وأنه المقصود من العلم، وتربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على العمل وإبعادهم عن القيل والقال وكثرة السؤال.

طبعاً أول ملاحظة متعلقة بهذا العنوان هي أن هناك قدراً من التقارب مع العنوان السابق، على الأقل في جزئية منه؛ لما يقول الشيخ باب شرف العلم النافع وفضله وذم من لم يعمل بعلمه، وهنا يتحدث عن باب في مركزية العمل وأنه مقصود من العلم، ففي تقاطع في منطقة العمل وارتباط العمل بالعلم. تلاحظ هناك تكلم على قضية ذم من لم يعمل بعلمه فهذا جانب، وهنا باب في مركزية العمل وأنه هو المقصود. فما طبيعة الفوارق التي يستطيع أن يستشفها الإنسان من وحي هذا العنوان بين الباب السابق والباب الجديد؟ هناك مجموعة من الفوارق، أن هناك تركيزاً أكثر على جانب العمل من جانب العلم؛ يعني هذا الباب أكثر اختصاصاً وسوقاً بقضية العمل من باب العلم. تشعر في الباب السابق أن قضية العمل بالعلم قضية تبعية، لأن الباب الذي سبق هو باب شرف العلم، فالتركيز كان أكثر على شرف العلم.

ما الموجب أن صارت هنا قضية هي تعبير عن الباب، وهناك لا، إنما جاءت قضية تبعية للعلم؟ المقصد الأصلي هنا يقول المقصود من العلم كذا، نبه على المقصد، وهناك نبه على المقصد أيضاً. أبعادهم عن القيل والقال، هذا إضافات، الحين هذه قضية زائدة وإضافية سنناقشها بعد قليل. نعم، هو كله أن المقصود من العلم كذا، بس هناك نفس الشيء، من لم يعمل بعلمه وقضية أنه مقصود بالعلم، في قدر كأنه وجه لعملة واحدة؛ ما تقول مثلاً ذم من لم يعمل بعلمه، وأن من مقاصد العلم تحصيل العمل، يعني في قدر من التقارب، بس في ملحظ آخر، الباب الأول ترهيب، والباب الثاني ترغيب. يعني هذا جانب؛ هناك تستطيع أن تلاحظ أن التركيز على الجانب السلبي المتعلق بمعادلة ذم من لم يعمل بعلمه، وهنا الجانب الإيجابي المتعلق بمعادلة مركزية العمل والمقصود. هل قد يقال مثلاً إن الباب الماضي يركز على فائدة العلم أو نفع العلم من حيث ذاته، وهذا الباب يركز على العلم من حيث كونه وسيلة للعمل؟

هنا في اقتراب للجواب الذي أتطلبه، العلم النافع هو أحد القضايا الأساسية الموجودة في الباب السابق، ليس الحديث فقط عن شرف العلم، وإنما الحديث عن شرف العلم النافع؛ فالإسلام لا يمتدح العلم بإطلاق، وإنما يمتدح من العلم ما كان نافعاً. أحد الواجهات المتعلقة بالعلم النافع إذا أراد الإنسان أن يعرفها هو العلم الذي يستتبع العمل، فالعلم إذا لم يستتبع العمل لا يكون نافعاً؛ فمن هذه الحيثية جاء التأكيد على ذكر لفظ العمل في سياق العلم في الباب السابق. هنا القضية أكثر خصوصية متعلقة بقضية العمل، أن العمل من حيث هو قضية محورية مركزية مطلوبة في نظر الشارع؛ وليست المسألة متعلقة بنظرتنا للعلم وطبيعته وكونه نافعاً أو غير نافع، لا، الحين نناقش قضية العمل من حيث هو، وأن هذا العمل هو المقصود من العلم تحصيله.

بالإضافة إلى المعاني الزائدة، ذكر في العنوان أن النبي صلى الله عليه وسلم كما كان حريصاً على تعليم صحابته، فقد كان حريصاً على تزكيتهم تزكيةً عمليةً، بمعنى أنه يرقي بهم المنازل في الإيمان حتى يحصنوا عن طريق تلك المنازل تحقيق العمل المرضي لله تبارك وتعالى عنهم. وأن النبي صلى الله عليه وسلم من أجل تحقيق تلك الغاية، كان من المكملات المتعلقة بتربية الصحابة على الاهتمام بالمقام العملي هو إبعادهم عن القيل والقال وكثرة السؤال، وهذه سنناقشها ونناقش الارتباطات المتعلقة بها بينها وبين العمل. فالباب هذا يؤكد على قضية واضحة تماماً وقضية مركزية كبيرة جداً، وهي قضية العمل، وأحد المفاهيم الحاضرة في فقه السلف وفي وعي السلف هو هذا الاتصال الشديد بين العلم وبين العمل.

ستلاحظون الحين أن هناك نوعاً من أنواع المراوحة بين المنطقتين، بين منطقة الباب الماضي ومنطقة الباب الحالي لاعتبارات العلاقة الموجودة بينهما، التي تجلى حتى في بعض الأحاديث التي أوردها الشيخ وبعض المعالجات التي سيذكرها هنا. ولذا لا يستنكر الإنسان أو يستغرب أن عدداً من أئمة المسلمين اهتموا بالتأليف والتصنيف في ضرورة تحقيق العمل، فالإمام الخطيب البغدادي رحمه الله تبارك وتعالى عليه عنده كتاب مشهور مطبوع اقتضاء العلم العمل؛ يعني بمعنى أن العلم يقتضي من صاحبه أن يقيم العمل، فنقل طبعاً في هذا الكتاب جملة عريضة جداً من الآثار المتعلقة بالسلف وتحقيق بعض المسائل المتعلقة بأهمية تحصيل العمل، وأن العمل إذا لم يحصله الإنسان، فذلك يدل على أن هناك خللاً في طبيعة المنظومة العلمية التي تحصل عليها.

مثلاً من الآثار المشهورة جداً في هذا الباب أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، قال: «هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل». وهذا الأثر أو معنى هذا الأثر يجد الإنسان تتردد أصداؤه عند عدد من أئمة السلف كابن المنكدر وسفيان الثوري وغيره من الأئمة، يذكرون أحياناً إما ألفاظاً مقاربة لهذا المعنى أو بحروفه. قيل لإبراهيم بن عيينة: أي الناس أطول ندماً؟ قال: أما في عاجل الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره. فيقول لك خلينا نقسم الناس إلى مرحلتين زمنيتين، المرحلة الزمنية الأولى ما يتعلق بالدنيا، فسيندم الإنسان الذي يسدي فضلاً ويسدي نفعاً ويصنع معروفاً لمن لا يستحقه، لأن سيرتد عليه بالسوء لا من يشكره. قال: وأما عند الموت فعالم مفرط؛ إن من أشد الندمات التي تعصب بالإنسان الذي عنده علم أن لحظة موته يدرك التفريط الذي وقع فيه، ويدرك أن هذا العلم الذي تحصل عليه في حياته قد يكون وبالاً عليه في الآخرة.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: إني لأرحم ثلاثة: عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر، وعالماً تلعب به الدنيا. قال ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى عليه: أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فذنبه من جنس ذنب اليهود. قال الخطيب البغدادي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً. وتذكرون هذا معنى أشرنا إليه، وهو قضية أن السلف رحمه الله تبارك وتعالى عليهم لم يكونوا يعدون الإنسان الذي يتعلم ولا يتحصل على العمل من خلال علمه عالماً أصلاً. وتذكرون الأثر الذي نقلناه عن هرم بن حيان وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لما قال: إياكم والعالم الفاسق، والقصة هذه، فالموجب لاستنكار عمر بن الخطاب كما ذكر الإمام الذهبي ونبه عليه أن لم يكن عمر ولا الصحابة يعدون من لم يعمل بعلمه عالماً أصلاً.

يقول ابن الجوزي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: فمن أراد الله به خيراً رزقه حسن القصد في العلم. لاحظ الحين خلينا نجمع عبارات الخطيب مع الجوزي؛ يعني أول ملحوظة في عبارة الخطيب إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه، فتلاحظ أن أحد القضايا الأساسية المحورية المتعلقة بعبودية طلب العلم هو ضرورة إخلاص النية لله تبارك وتعالى، وهذا مجال الآن ما بندخله ونمسه، ممكن الباب الذي بعده هو باب في صدق النية، وأن العمل المقبول هو ما ابتغي به وجه الله تعالى ووافق السنة، ففيه حديث عن قضية الإخلاص.

فالقضية الأولى المركزية المتعلقة بقضية تحصيل المعارف وتحصيل العلوم الدينية ضرورة إخلاص النية لله تبارك وتعالى بها، وزي ما قدرنا في الباب السابق أن الغرم بالغنم، أن الإنسان يمكن أن يترقى في أعلى المنازل عند الله سبحانه وتعالى متى ما كان مخلصاً في علمه لله تبارك وتعالى، ويمكن أن يهبط الإنسان إلى أدنى الدركات إذا خلا طلبه للعلم عن مقصد الإخلاص، وهذه قضية خطيرة جداً. تذكرون آخر حديث ختم عليه الباب الماضي، وهو أول من تسعر بهم النار، وهو حديث العالم أو القارئ الذي وقع منه الخلل بعلمه وبقراءته؛ ولذا تجد هذا المعنى حاضراً في وعي السلف بشكل كبير جداً، وهو ضرورة إخلاص النية لله تبارك وتعالى.

ولذا مثلاً عبارة سفيان الثوري رحمه الله قال: لا أعلم بعد أداء الفرائض شيئاً أفضل من العلم لمن حسنت فيه نيته. يعني تخيل مثلاً أن إذا أدى الإنسان الفرائض الدينية المطلوبة عليه، ثم أراد أن يفتتح لنفسه باباً من أبواب المثوبة والأجر بتأدية النوافل، فلا يوجد شيء من النوافل أفضل من طلب العلم بشرط إخلاص النية لله تبارك وتعالى. ثم لما قال الخطيب: واجهاد النفس على العمل بموجبه، وهذا سبحان الله أحد اللوازم المترتبة على صدق إخلاص نية العبد لله تبارك وتعالى في طلب العلم؛ يعني أحد المكتسبات التي تحصل للإنسان مثلما طلب العلم صادقاً لله تبارك وتعالى أن الله سبحانه وتعالى يوفقه لتحصيل العمل من خلال هذا العلم، فيحقق المقام الثاني. فعندنا ضرورة أن الإنسان يكون عنده قدر من الاجتهاد في طلب العلم، وأن هذا الاجتهاد يكون محفوفاً بإخلاص النية لله تبارك وتعالى، وأن هذا العلم يستتبع منه عملاً.

يقول ابن الجوزي: فمن أراد الله به خيراً رزقه حسن القصد في طلب العلم، فهو يحصله لينتفع به وينفع. قاعد يفكك لك حتى لما تتكلم على قضية حسن القصد في طلب العلم، أحد أمارات وعلامات وواجهات حسن قصد العبد في طلبه للعلم أن يكون قاصداً أن ينتفع به ذاتياً فيحقق العمل المطلوب، وأن ينفع به الخلق. قال: ولا يبالي بعمل مما يدله عليه العلم، فتراه يتجافى أرباب الدنيا، ويحذر مخالطة العوام، ويقنع بالقليل خوفاً من المخاطرة في الدنيا في تحصيل الكثير، ويؤثر العزلة، فليس مذكراً للآخرة مثلها. قال مسروق رحمه الله تبارك وتعالى عليه: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله تعالى، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله.

طبعاً ذكرنا ما يؤكد هذا المفهوم، وخلنا نعمق هذا المفهوم إن كان هذا ألصق بالباب الماضي لما تكلمنا على حديث أول من تسعر بهم النار، أن أحد القوانين الإلهية التي أقامها في هذه الحياة الدنيا، وحتى ترتبت في أحكام الله عز وجل الدينية الشرعية، قاعدة الغرم بالغنم في أبواب المعاملات وغيرها ذكرناها، وأن هناك متلازمة أقام الله سبحانه وتعالى في هذا الوجود الدنيا، وهو متلازمة الربح والخسارة، أنه كلما ارتفعت الأرباح، هنالك احتمال عالٍ أن تعظم الخسائر، وكلما قلت الأرباح يصير خسارة الإنسان أدون، وهذه قاعدة مطبقة فيما يتعلق بموضوع طلب العلم. خذوا بس هذه الآثار؛ قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات. كان أبو الدرداء يقول لك إن مظنة الإنسان الخلو من العلم أن يخلو من العمل، لأن الذي يحث الإنسان ويدفعه نحو تحقيق العمل هو علمه، لأن أصلاً مناطات التكليف الدينية الشرعية تحقيق العلم، فإذا لم يكن الإنسان عالماً بالموضوع أصلاً فلا يستطيع أن يتحصل عليه ويحققه. ثم هنالك رتبة أخرى من معارف العلوم، وهو الفضائل المتعلقة مثلاً بالعبادات التي تحفزه لتأدية العمل، فيقول أبو الدرداء: ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات.

قال ابن السماك الملقب بسيد الوعاظ: كم من شيء إذا لم ينفع لم يضر، لكن العلم إذا لم ينفع ضر. وهذا يؤكد على متلازمة الربح والخسارة، أن ما عندنا منطقة وسطى متعلقة بالعلم، أن إذا ابتلي الإنسان بالعلم فالواجب عليه شرعاً أن يخلص لله تبارك وتعالى النية فيه، والواجب عليه ديناً وشرعاً أن يحقق العمل به، وأن إذا لم يحقق الإنسان الرتب الدينية المتعلقة بطلبه للعلم ضره ذلك. يقول سفيان بن عيينة: العلم إذا لم ينفعك ضرك. ماشي، تذكرون الأثر الذي ذكرته عن محمد بن يوسف الفريابي؟ كنت أمشي مع ابن عيينة فقال لي: يا محمد، ما يزهدني فيك إلا طلب الحديث. قلت: فأنت يا أبا محمد، أي شيء كنت تعمل إلا طلب الحديث؟ فقال: كنت إذ ذاك صبياً لا أعقل. يقول الذهبي معلقاً على هذه القصة: إذا كان مثل هذا الإمام يقول هذه المقالة في زمن التابعين أو بعدهم بيسير، وطلب الحديث مضبوط بالاتفاق والأخذ عن الأثبات الأئمة، فكيف لو رأى سفيان رحمه الله...

هذا أحد أوجه الخطورة، وأحد الفتن المتعلقة بقضية طلب العلم، أن يتخذ الإنسان من طلب العلم منظومة ترف بالنسبة له، فيبدأ يعجبه الحالة السجالية المتعلقة بالعلم، ويعجبه الكلام في العلم، لكن لا يعجبه أن يعمل بمقتضيات هذا العلم. أورد الشيخ في هذا التبويب في بدايته خمس آيات من القرآن الكريم في التأكيد على المعاني الموجودة في العنوان. فتلاحظ العنوان تكلم على مركزية العمل؛ هذه قضية أساسية ومهمة جداً، أن مثلما تطلب الله عز وجل من العباد تحقيق الإيمان به تبارك وتعالى، فالله عز وجل تطلب من العباد العمل بمقتضى ذلك الإيمان، وهذا فيه دلائل متعددة وكثيرة جداً، ويخاطب الله عز وجل المؤمنين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مثلاً سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: 1-3]. فتجد أن قضية العمل هي قضية محورية مركزية، وهي أحد ركني الإيمان؛ أن الإيمان قول وعمل، فهذه قضية أساسية ومهمة جداً إدراكها.

والثاني: أن من المقاصد العظيمة المتعلقة بتحصيل العلم تحقيق العمل، وأنه المقصود من العلم، وتربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه للعمل، وهذه قضية مهمة أن يراعيها داعية الإصلاح. أن من القضايا الأساسية التي يحتاج المربي أن يربي تلامذته عليها، هي قضية أنه يربيهم على ضرورة تحقيق العمل، وعلى ضرورة تحقيق العمل، وأن أحد الأدوات المتعلقة بهذه القضية أن يصرف المربي من يربيه عن الاشتغال بالقيل والقال وكثرة السؤال وغيرها من مناحي؛ بحيث إنه يتحقق له ويخلص الإقبال على حالة العمل، فهذه عدة معاني موجودة في العنوان.

الآية الأولى التي أوردها الشيخ هي قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]. هذه الآية القرآنية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: 101]. أول سؤال طبعاً متعلق هو: هل هنالك رابطة أو اتصال بين هذه الآية القرآنية وهذا الباب ولا لا؟ الذي هو وجه الاتصال: كثرة السؤال، صح ولا لا؟ أن أحد المعاني التي يربي النبي صلى الله عليه وسلم صحابته عليها هو عدم الاستكثار من الأسئلة. طيب، ما مشكلة الاستكثار من الأسئلة؟ إنه يعيق عن العمل، الوقت الذي كان بالإمكان تصرفه في العمل تصرفه في السؤال.

أنا لا أقصد الحين نفترض أنه يقول لك أنا ما أستطيع إقامة العمل إلا الحين؛ طبعاً سنناقشها بشكل أوضح بعد قليل لما نتكلم على قضية كثرة السؤال في الحديث. بنناقشها بشكل أكثر، بس هو للتنبيه والتأكيد على: هل السؤال مطلقاً مذموم في عين الشريعة؟ إذ إن هنالك جنساً من الأسئلة لا تتحقق العبودية إلا بتحقيقه، وأن الصحابة كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة، صح ولا لا؟ فبس تعجلاً ما مورد الذنب الذي تكلم الله سبحانه وتعالى فيه ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، يعني أسئلة أهل البقرة مثلاً في سورة البقرة، أسئلة اليهود.

لاحظ مما تشتمل عليه هذه الدلالة القرآنية ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ هي تشتمل على مسارات متنوعة فيما يتعلق بالأسئلة؛ أن هنالك أسئلة غير نافعة، غير صحية، أسئلة طلب الجواب عليها قد يفتح للإنسان باب شر. بمعنى مثلاً لما يأتي صحابي للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله من أبي؟ فالحين الله عز وجل يقول: ترى الإجابة على هذا السؤال قد تسوءك، قد تسوءك، أنه يدل أن أنت مطعون كما يقال في نسبك، مطعون في عرضك على سبيل المثال، فالأمور تُبنى على الظواهر، وبالتالي استبقِ الظاهر على ما هو عليه بدل ما تفتح على نفسك باب الشر. بس لاحظ هذا النمط من أنماط الأسئلة؛ طيب هل له تعلق بالباب، الذي هو قضية العمل؟

أعني هل تكون عندما يأمرك رسول الله بفعل شيء؟ لا، أنا أتكلم الحين عن هذا النمط من أنماط الأسئلة، أن مثلاً نأخذ على ظاهرة الآية القرآنية ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ فالحين يرد السؤال الذي هو قضية: ما وجه الإساءة فيما يتعلق بهذا السؤال؟ لاحظ في أسئلة أخرى، مثلاً افترض أن الإنسان مثلاً لما في الحديث الصحيح الثابت، لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الحج: أن الله كتب عليكم الحج، فقال أحد الصحابة: أفي كل سنة يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت». فالحين أن هنالك نمطاً من الأسئلة قد تسوء الإنسان من جهة تكليفه بما لم يكن مكلفاً به، صح ولا لا؟ طيب، نقارن بين القضيتين، هل لهما ارتباط بقضية العمل ولا لا؟ أن لها ارتباط بقضية العمل. طيب، ما وجه الارتباط الثاني بقضية العمل؟ يعني ما الإشكال الذي يمكن أن يخلق هذا النمط من أنماط الأسئلة فيما يتعلق بقضية العمل؟ تزيد مشقة التكلفة، فإذا زادت مشقة التكلفة، ما الذي يحصل؟ يتاخر الإنسان عن العمل، قد يقصر في الواجب الشرعي. مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت»، طيب لو قُدّر أن سنوياً مطلوب من المسلمين أن يحجوا، ما الذي سيحصل لكثير من المسلمين؟ لن يستطيعوا، صح ولا لا؟ إن لن يتمكنوا من إقامة هذا، وقد يقع؛ لما تقول لا يستطيعون، هل المقصود بعدم الاستطاعة الذي هو عدم القدرة التي هي مناط التكليف بالضرورة، ولا عدم الاستطاعة بمعنى أنها مشقة؟ يجب على الإنسان أن يأتي بها وفيها مشقات، لاحظ. فهذا النمط من أنماط الأسئلة قد يفتح للإنسان باب شر من جهة أنه يقصر في تأدية العمل المطلوب منه.

أنا أقول إن هنالك رابطة، فأنا أتكلم الحين عن سؤال مخصوص الذي هو: من أبي يا رسول الله؟ إذا يفتح الباب؛ فالأسئلة تزيد من الأسئلة. فهذه الآية القرآنية ما تتكلم بس عن كثرة سؤال، هي تتكلم على أن هنالك جنساً من الأسئلة المذموم. لاحظ، مثلاً الصحابي الذي قال للنبي صلى الله عليه واله وسلم: في كل عام؟ هذا مو بكثرة سؤال، هذا سؤال واحد، بس هذا السؤال مذموم صح ولا لا؟ هذا السؤال مذموم. لكننا نتكلم الحين، وفي باب آخر بنتكلم عنه لما نأتي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كثرة السؤال»، كثرة السؤال فهو يعبر عن إشكالية أخرى متعلقة بقضية العمل. لكن هذا السؤال، باختصار وجهة نظري فيما يتعلق به، أن هذا السؤال يعبر عن نفسية إشكالية فيما يتعلق بقضية العمل، أن مفترض الإنسان المقبل على قضية العمل ما يكون عنده اهتمام واشتغال بهذا النمط من أنماط الأسئلة الترفية، التي لا يترتب عليها كثير عمل. من الواضح أن الشريعة والنبي صلى الله عليه وسلم يربي الصحابة على العمل، وجزء من تربية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة يقول لهم: هذه الأسئلة التي لا يترتب عليها عمل لا تشتغلوا بها؛ لأن اشتغالكم بها يفتح عليكم باب الترف، أن الإنسان بس يصير اشتغال بقضية طرح الأسئلة من غير أن يكون عاملاً.

المهتم بتحقيق العمل بخلاف الإنسان الجاد، تجد أن هذا النمط من الأسئلة يضمر عنده في مقابل العمل، أو الأسئلة على الأقل التي لها اتصال حقيقي مباشر بقضية العمل. يقول الراغب الأصفهاني: أي عليكم في أسئلتكم بما يعود منافعه عليكم. فتلاحظ الحين؛ لاحظ الراغب الأصفهاني قاعد يضع إصبعه كما يقال على قضية مهمة متعلقة بقضية اتصال هذه الآية القرآنية بالعمل؛ فيقول: إن مفترض الإنسان عندما يسأل يسأل سؤالاً نافعاً، سؤالاً يكون له نفع وتأثير في حياته. قال: لا يضركم ولا يضيركم، كقولهم: الحزم حفظ ما كلفت، وترك ما كفيت. وقيل معناه: عليك نفسك فاشغلها قبل أن تشغلك، فإن لم تشغلها أشغلتك وأفسدتك. قال ابن كثير رحمه الله تبارك وتعالى عليه: هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها.

الإمام الطبري رحمه الله عليه مثل ما ذكر في العبارة، ذكر أن هذه الآية نزلت في سياقات من سياقات الأسئلة؛ إما سياقات الأسئلة الساخرة بالنبي صلى الله عليه وسلم والمتحدية للنبي صلى الله عليه وسلم، أو التي تسأل عما لا يترتب عليه عمل. ورد في حديث أخرجه مسلم رحمه الله تبارك وتعالى عليه، وهو حديث الحج الذي ذكرناه، لكن ميزة رواية أخرجها الإمام الطبري في التفسير أن ذكر الآية فأنزل الله. يعني الحديث يقول عن أبي هريرة قال: خطبنا الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، كتب الله عليكم الحج»، فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «أما إني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لظللتم، اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم»، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]، أخرجه ابن جرير الطبري من طريق ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا الحسين بن واقد عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة به، وإسناده حسن. وقد أخرج الحديث الإمام مسلم دون ذكر الآية، فيكون محلاً من محل الاحتمال المتعلقة بها.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86]. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تبارك وتعالى عليه: يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجراً تعطونيه من عرض الحياة الدنيا، وما أنا من المتكلفين؛ أي وما أزيد على ما أوحي الله به، ولا أبتغي زيادة عليه، بل ما أمرت به أديته، لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة.

طبعاً الآية هذه لها شقان، الشق الأول هو قول الله عز وجل: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، بمعنى أحد الواجبات التي ضروري تكون دائمة مصاحبة كما يقال في وعي الداعية أنها لا يتخذ من دعوته جسراً ومعبراً من أجل تحصيل المال؛ لأنه مما يرفع الداعي، ومما يحمله على تمام إخلاص النية لله تبارك وتعالى، ويزيده أو يرفعه عن دائرة الشبهة بين الخلق، أن لا يكون متطلباً بدعوته تحصيل المال. ولذا النبي ينزه نفسه عن هذا الغرض تأكيداً على إرادته لإصلاح الخلق، إرادته لنفع الخلق، أن ترى أنا أدعوكم لا لمصلحة ذاتية تعود إلي، وإنما أدعوكم رغبة في إصلاح أحوالكم.

خاتمة الآية هي المتعلقة بـ ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. ما علاقتها بالباب؟ لأن عندنا عدة مفردات في العنوان؛ مركزية العمل، ومقصود بالعلم تربية النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة للعمل، وإبعاد النبي صلى الله عليه وسلم إياهم عن القيل والقال بكثرة السؤال. فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يتكلف في التشريع، فيبلغهم ما وجب عليهم، فكذلك هم الصحابة أو المسلمون لا يتكلفون في زيادة السؤال وفقه السؤال.

هل وجه التكلف الذي يمكن أن يقع من جناب النبي صلى الله عليه وسلم متنوع ومتعدد، ولا هذا المجال الأوحد؟ الأصل أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس متكلفاً على أي وجه من أوجه التكلف المذموم. فمثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا». فيصير المشكلة المتعلقة بهذا النمط من أنماط التكلف أنه يوقع الإنسان نفسه في دائرة من دوائر الفتور والانقطاع بعد ذلك. ولذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا»، يعني بمعنى أن الله لا يقطع أجره وفضله وإحسانه وثوابه إلا إذا انقطع العمل منكم. فقصد هذا معنى جيد، اللي هو قضية أن التنطع قد يحمل الإنسان على الانقطاع، أن يكلف الإنسان نفسه ما لا يطيق أنه يتكلف.

هذا معنى، وهناك معنى آخر لأن فيه تعلقاً بالعنوان، أظهر حتى التكلف في طلب علم معين لا يتأتى منه عمل؛ مثل الذي يدخل في عموم القيل والقال وكثرة السؤال؛ لأن من أنماط التكلف أن الإنسان يطرح أسئلة معينة، أن الإنسان يكثر من اللجلجة في منطقة القول أكثر من اللجلجة في منطقة العمل. فالإنسان الذي يتكلف طرح الأسئلة هو إنسان مذموم لأن تكلفه مخالف لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن كثرة السؤال؛ والموجب للذم في هذه الحالة أن هذا الإنسان منصرف الهم إلى طرح الأسئلة والكلام أكثر من انصراف همه لما يتعلق بقضية العمل.

الماوردي في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ذكر ثلاثة أوجه: أحدها: ما أنا من المتكلفين لهذا القرآن من تلقاء نفسي. والثاني: ما أنا من المتكلفين لأني آمركم بما لم أومر به؛ وبالتالي هذا له ارتباط بقضية العمل، فإذا أدرك الإنسان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلف أمراً بما لم يؤمره الله عز وجل به، فيلتزم الإنسان بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ما يكون عنده هذا القلق، ما يكون عنده هذا المعنى الذي يثبطه عن الإتيان بالعمل باحتمال أن هذه مسألة ما فرض الله عز وجل عليه. الثالث: وما أنا بالذي أكلفكم الأجر، وهو معنى قول قتادة؛ أي ما أسألكم عليه من أجر.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88]. يقول الإمام الطبري رحمه الله تبارك وتعالى عليه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعل خلافه، بل لا أفعل إلا بما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه. وهذا المعنى قريب من قول الإمام الثوري يقول: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ﴾ قال: أي لا أنهاكم عن شيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم.

يقول الزمخشري: يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصدته وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده. ويلقاك الرجل صادراً على الماء فتسأله عن صاحبه فيقال: خالفني إلى الماء؛ يريد أنه قد ذهب إليه وأنا ذاهب عنه صادراً ومنه. ومنه قول تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يعني: أن أسبقكم لشهواتكم نهيتكم عن سبد بها دونكم، إن أريد الإصلاح، وما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف عن المنكر.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾، فالعلماء يقولون: ما استطعت، إما أن تكون ظرفاً بمعنى مدة استطاعتي، وإما أن تكون مصدراً بمعنى استطاعتي.

يقول شعيب: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. لماذا ذكر وما توفيقي إلا بالله عز وجل؟ لأن الأثر الإصلاحي لا يكون إلا بتوفيق الله.

لا يريد أن يفهم عنه قدر من الإعجاب بالذات، بأن يقول: أنا أريد أن أحقق هذه المقامات. وإن كان صادقاً، فهو مستحضر أن من تمام صدق الإنسان في تحقيق هذه المرادات التي يريد الله عز وجل من العباد، أنها واقعة بتوفيق الله عز وجل للعبد.

هي واقعة بتوفيق الله عز وجل للعبد؛ فمثلاً لما يقول الله سبحانه وتعالى -وهي من الحقائق المحكمة ديناً ووحياً-: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ﴾ [الكهف: 17]. ومن يضلل سيقع على الإنسان في الضلال، فيصير دائماً عين المسلم على ربه تبارك وتعالى، والاتصال بربه تبارك وتعالى. ولما يأتي مثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء»، ما يستغرب بعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك». تلاحظ دائماً في نوع من أنواع الالتجاء؛ ما يستطيع الإنسان تحقيق هذه القضايا تحقيقاً ذاتياً.

ولذا شعيب عليه الصلاة والسلام لما ذكر هذه المعاني، أن ترى أنا غرضي في دعوتي أريد أني ألتزم بالحق، أريد أني ألتزم بأداء الواجب الشرعي، انتهاءً عن المحرم، أريد الإصلاح؛ هو يستحضر أن إيقاع هذه المعاني في الواقع لا تتحقق إلا بمعونة الله تبارك وتعالى، لا تقع إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى. فإذا حُرم العبد توفيق ربه تبارك وتعالى فلن يتحقق له ما يطمع به من تلك المقامات، من مقامات الإصلاح والديانة والتعبد الذاتي.

يقول القشيري في لطائف الإشارات: قال: "فإن أظهر الحجج لبيان أفعالك، وأصدق الشهادة لتصحيح ما تدعو به الخلق إلى الله، ألا يخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك". قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88]. يعني إذا أراد الإنسان أن يتحقق من أن علمه علم نافع، فإن أحد المعايير التي يستطيع الإنسان التحاكم إليها هو النظر في العمل؛ فإذا كان متحققاً بالقيام بالعمل، ففي ذلك شيء من البشارة له بأن العلم الذي تحصل عليه علم نافع، وإذا وقع بالإخلال، معناه أنه لم يوفق الله سبحانه وتعالى.

يقول الطاهر بن عاشور: "والمقصود بيان أنه مأمور بذلك أمراً يعم الأمة وإياه، وذلك شأن الشرائع، كما قال علماؤنا: إن خطاب الأمة يشمل الرسول عليه الصلاة والسلام ما لم يدل دليل على تخصيصه بخلاف ذلك". ففي هذا إظهار أنه ما نهاهم عنه ينهى أيضاً نفسه عنه، وفي هذا تنبيه لهم على ما في النهي من المصلحة، وعلى أن شأنه ليس شأن الجبابرة الذين ينهون عن أعمال وهم يأتونها؛ لأن مثل ذلك ينبئ بعدم النصح فيما يأمرون وينهون، إذ لو كانوا يريدون النصح والخير في ذلك لاختاروه لأنفسهم.

وقال أيضاً: "والذي يظهر لي في معنى الآية أن المراد من المخالفة المعاكسة والمنازعة؛ أما لأنه عرف ملامح تكذيبهم أنه توهموه ساعياً للتملك عليهم والتجبر، وأما لأنه أراد أن يقلع في نفوسهم خواطر الشر قبل أن تهجس فيها". يعني كان الطاهر بن عاشور يقول: طيب ما الموجب أن شعيباً يقدم هذا الاعتذار، يقدم براءة ساحته، أن أنا ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه؟ فقال: احتمال أنه لاحظ منهم شيئاً، قرينة تدل على أنهم توهموا هذا، أو احتمال ثانٍ أنه أراد أن يقطع هذه الشبهة قبل أن تقع في نفوسهم.

قال: وهذا المحمل في الآية يسمح به استعمال التركيب مقاصد الرسل، وهو أشمل المعاني من تفسير المتقدمين، فلا ينبغي قصر تفسير الآية على ما قالوه؛ لأنه لا يقابل قول قومه: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: 87]؛ فإنهم ظنوا به أنه ما قصد إلا مخالفتهم وتخطيئتهم، ونفوا أن يكون له قصد صالح فيما دعاهم إليه.

قال: فكان مقتضى إبطال ظنهم أن ينفي أنه يريد مجرد مخالفتهم، بدليل قوله عقبه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88]. فمعنى قوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ﴾ أي ما أريد مجرد المخالفة كشأن المنتقدين المتقعرين، ولكن أخالفهم لمقتضاه، وهو إرادة إصلاحهم. ومن هذا الاستعمال ما ورد في الحديث لما جاء وفد بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر الصديق: أمر الأقرع بن حابس، وقال عمر: أمر فلان، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت إلا خلافك. فهذا التفسير له وجه وجيه في هذه الآية، وفي هذا ما يدل على أن المنتقدين قسمان: قسم ينتقد الشيء ويقف عند حد النقد دون ارتقاء إلى بيان ما يصلح المنقود، وقسم ينتقد ليبين وجه الخطأ، ثم يعقبه ببيان ما يصلح خطاه. فتلاحظ أنه يفسر لك أن طبيعة السياق ولماذا شعيب عليه الصلاة والسلام قدم بهذا الكلام.

طبعاً من الآيات المناسبة لدلالة هذه الآية القرآنية مهم ذكرها في هذا السياق، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. هذا كذلك من الآيات القرآنية التي تدل على محورية العمل، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ [المائدة: 68]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

الإمام الشاطبي -وهذا ملحظ مهم متعلق بهذه الدلالات وقصة شعيب عليه الصلاة والسلام- ما هو الإشكال المترتب على كون الداعية يخالف عمله علمه؟ ما هو الإشكال؟ هو يؤثر على ديانته الذاتية، هذه قضية واضحة، الداعي لا يقبل هذا.

خلينا نأخذ نموذجاً طريفاً، الإمام الشاطبي رحمه الله تبارك وتعالى ذكر مسألة في الموافقات، كان يتكلم على فكرة أنه الآن لو قدر أن عندنا عالم مفتٍ، أفتى شخصاً بفتوى، وخالف بعمله مقتضى فتواه، فهل على المستفتي أن يأخذ بقول المفتي ولا يأخذ بعمله؟ بماذا يعمل؟ فالذي يرجحه الشاطبي أن الواجب عليه في هذه الحالة أن يعمل بقوله؛ لأن العلماء دائماً عندهم فيما يتعلق بقضية العمل أن العمل له موارد من الاحتمالات، وأن دائرة الاحتمالات المتعلقة بالقول أضيق من دائرة العمل، وإذاً حتى كقاعدة أصولية يتعاملون مع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول لك: القول مقدم على العمل، إذا عندك حديثين متعارضين، فأحد أوجه الترجيح -إذا ما استطاع الإنسان الجمع بينهما- أن يرجح القول على العمل؛ والسبب في ذلك يقول لك: إن القول أكثر إحكاماً في دلالة الحكم الشرعي بخلاف العمل، أنه فيه احتمالات.

مثلاً لما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «غطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة»، وثبت بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أن بانت فخذه، فتجد أن إمكانية أن تتعامل مع تلك الآثار، والنبي صلى الله عليه وسلم ركب مرة على فرس فانتفخ، فيقول احتمال النبي صلى الله عليه وسلم مع تعجله صلى الله عليه وسلم، فرس النباهة من غير قصد؛ احتمالات بخلاف القول يصير أكثر إحكاماً في دلالة الحكم، بغض النظر عن المعالجة الفقهية التفصيلية، بس اللي هو توضيحها بالمثال.

فيقول الشاطبي: نفس المبدأ والمعطى، لكن علق تعليقاً طريفاً ومؤثراً، قال: لكن الله عز وجل طبع النفوس على عدم قبول قول من يخالف عمله قوله. يعني نقول: ماشي، أن ممكن يكون المفتي معذوراً في أشياء معينة، بس الله عز وجل ركب في طباع النفوس أنه إذا رأوا إنساناً يخالف عمله علمه، يزهدون في قوله، وهذه إحدى القضايا التي يستعيذ بها الإنسان المسلم ربه تبارك وتعالى، لما يقول الله عز وجل مثلاً: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: 5]. ما معنى ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ في وجهين من أوجه التفسير يذكرهما العلماء: الوجه الأول: لا تجعلنا فتنة، بمعنى ألا تجعلنا موضعاً لتعذيب الكفار لنا وإهانة الكفار لنا. القول الثاني: أنهم يأمرونهم أن يأتوا بالعبادات ثم لا يفعلوها هم، فيكون ذلك حجة للكفار؛ يعني لا تجعل في طباعنا، في أخلاقنا، في صفاتنا شيئاً معيناً يجعلنا فتنة للذين كفروا.

بحيث يقولون: لو كان هذا الدين حقاً، ما امتلأت سجون من المسلمين. وتصير فتنة له، تصير مشكلة؛ الحين أنت تبي تناقش، أنه يقول لك مثلاً مظاهر التحرش، أن انتشارها وما أدري إيش، ففي أشياء من الذنوب والمعاصي يقول لك: لو كان الإسلام حلاً وصالحاً لما عارضت المشكلة اللي عندهم، واضح أنه ليس دين حق.

فبأي معنى الفتنة؟ طيب الآية الرابعة، يقول الله سبحانه وتعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام وصلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]. طبعاً يقول الله سبحانه وتعالى في الآية في سياقها: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

طبعاً فيه خلافات تفسيرية متعددة فيما يتعلق بقول موسى عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فما الذي قيل في ﴿أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؟

قال الإمام الطبري رحمه الله تبارك وتعالى عليه: "وأنا أول المؤمنين بك من قومي، ألا يراك في الدنيا أحد إلا هلك". فعندك الحين إحدى الجهات التفسيرية، أن راعت سياق الآية، فجعلت الإيمان مقيداً بمعنى معين، ففي الحياة الدنيا لا يمكن لأحد أن يرى الله عز وجل، فأنا أول المؤمنين بهذه الحقيقة، ماشٍ للقصة التي وقعت لموسى عليه الصلاة والسلام. فهذا اتجاه تفسيري ذكره الطبري ثم ذكر الآثار الدالة على هذا القول.

ثم قال: "وقال آخرون: معناه قوله ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بك من بني إسرائيل". اتجاه ثانٍ، أن لا، ما له علاقة بخصوصية الحادث، لكن أنا أول مؤمن بك من بني إسرائيل. ثم ذكر القائلين به، ثم قال الطبري: "وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في قوله تعالى ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على قول من قال: معناه أنا أول المؤمنين من بني إسرائيل؛ لأنه قد كان قبله في بني إسرائيل مؤمنون أنبياء". يعني يرى الإشكال إذا حمل على هذه الإطلاقية: "أنا أول المؤمنين من قومي" اللي هم بني إسرائيل.

قال: "منهم ولد إسرائيل لصلبه، وكانوا مؤمنين وأنبياء، فلذلك اخترنا القول الذي قلناه قبل؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام من أنبياء بني إسرائيل يعتبر متأخر، يعني في قبله موجود". فـ ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يحصل قدر من الإشكال. فالإمام الطبري اختار القول الأول مراعاة لهذا الإشكال. الغريب أن ابن كثير لما نقل قول الطبري غريب قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ابن كثير قال: ابن عباس ومجاهد من بني إسرائيل. والطبري نقل لكن قال ابن كثير: "واختاره ابن جرير". فنقول بالرجوع لكلام ابن جرير في التفسير، هل اختار ابن جرير هذا القول ولا ما اختاره؟ لا، أظهر أنه لم يختره، هو نقلنا النص الذي ذكره، قال في رواية أخرى عن ابن عباس: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه لا يراك أحد. الذي يظهر كان هو القول الذي اختاره الإمام الطبري.

كذلك قال القرطبي: قيل من قومي، وقيل من بني إسرائيل في هذا العصر؛ على أساس يحلون الإشكال، هذا اتجاه، أنه يقول لك إنه: ﴿أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صير أولية نسبية متعلقة ببني إسرائيل ممن كان يعيش في زمن موسى عليه الصلاة والسلام، وقيل بأنك لا ترى في الدنيا لوعدك السابق في ذلك. طبعاً أحد القضايا المتعلقة بهذه.

هذا مظهر موجود في خطاب الوحي، وهو الثناء على أوليات الخير وذم أوليات الشر. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لا ضَيْرَ ۖ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 50-51]. تلاحظ أن ذكر الأولية في هذا السياق يدل على فضيلة وامتياز وشرف زائد.

ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 14]. ويقول في حق نبي الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163].

ما هي الموجبات المتعلقة بفضيلة الأولية؟ من الاحتمالات الكبيرة أن يكون الإنسان بمقتضى أوليتِه وافتتاحِه بابَ الشيءِ هو الذي سنَّه، ولذا يكون في جانب الذم والمدح بحسب ما اتصل به. فمثلاً كل من يُقتل من بني آدم، فيتحمل جزءاً من وزر ابن آدم الأول؛ لأنه أول من سن القتل.

من الفضائل العظيمة المتعلقة بجناب النبي صلى الله عليه وسلم أن كل فضيلة أو حسنة أو مثوبة أو أجر أو طاعة يحدثها أحد أتباع النبي صلى الله عليه وسلم من أمته، فهو يصب في ميزان حسناته. ومن هنا تبرز مسألة فقهية: ما حكم الأضحية عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فمن محبة النبي صلى الله عليه وسلم يضحي الإنسان عنه، وبعض أهل العلم يعترضون على هذه المسألة بأنها من قبيل العبث؛ لأنك إذا أهديت ثواب هذه الأضحية للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد تنازلت عن ثوابك، ولو لم تتنازل لانعقد الثواب له صلى الله عليه وسلم.

بمقتضى أولية النبي صلى الله عليه وسلم يحصل على هذا الباب العظيم، ولذا فإن أحد الجوانب التي جعلت صحابة النبي صلى الله عليه وسلم مقدمين في الفضيلة على بقية الأمة، أن إسلام هذه الأمة عائد في جزء منه تسبباً ووسيلة إلى صحابة النبي صلى الله عليه واله وسلم.

المعنى الآخر أن أولية الفعل فيها مخالفة لجميع من حوله، فهو أول من يأتي بهذا العمل ويخالفهم في ذلك. وهذه المخالفة فيها مشاق، وتلك المشاق تدل على حجم رسوخ الإيمان في القلب، فإيمان الإنسان في الأجواء السهلة مختلف عن إيمانه في الأجواء الصعبة. ولذا فرق الله عز وجل بين أحوال الصحابة فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الحديد: 10]. فالبدايات فيها تحديات، والذي يتغلب عليها ويرضي الله سبحانه وتعالى تتحقق له منازل من الإيمان ما لا يتحقق لمن كان قبل ذلك.

من الأشياء التي يرصدها الإنسان في طبيعة التدوين التاريخي الإسلامي، حجم اعتناء الصحابة والعلماء التالين بقضية الأوليات. فأول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة. بلال بن رباح هو أول من أظهر إسلامه بمكة، وابن مسعود أول من جهر بالقرآن بمكة، والزبير بن العوام أول من سلَّ سيفاً في الإسلام، وأسعد بن زرارة الخزرجي أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى.

وحمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من غزا في سبيل الله، ومصعب بن عمير هو أول من هاجر للمدينة، وسعد بن أبي وقاص أول من رمى سهماً في الإسلام. وسمية هي أول شهيدة في الإسلام، وأم سلمه كانت هي وزوجها أول من هاجر في الأرض للحبشة، وهي أول ضعيفة دخلت المدينة مهاجرة. وأول غزوة هي بدر، وأول من بارز فيها عبيدة بن الحارث وحمزة وعلي بن أبي طالب. ولذا قال علي بن أبي طالب: «إن أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة»، بناءً على المبارزة التي وقعت.

يؤكد هذا أيضاً فضل الأولية على المبادرة في العمل. فمن المقامات الدينية الفاضلة أن يسارع الإنسان إلى الخير، وأول من يدخل في معنى المسارعة هو من سبق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة».

يقول الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، يقول: «وأنا أول من أقر وأذعن وخضع من هذه الأمة لربه». وقال ابن كثير: «أي من هذه الأمة». وهذا المعنى بديهي، لأن مصطلح الإسلام له دلالتان: الدلالة العامة وهي دين الأنبياء جميعاً، والدلالة الخاصة وهي الشريعة المخصوصة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم. فكيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أول المسلمين مع القطع التاريخي بأنه سُبق؟ تقيد دلالة الآية بهذا المعنى، فهو أول مسلم من هذه الأمة.

وجه الدلالة من هذه الآيات على قضية العمل هو أن الإنسان لا يستطيع التحقق بهذه المنزلة ما لم يكن عنده تغليب لجانب تحقيق الفعل والعمل. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.