دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، الحديث الأول أورده الشيخ في هذا الباب وهو رقم 46 عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» أخرجه البخاري ومسلم.

طبعا هذا اللفظ هو لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «ذروني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». وجاء في رواية بسياق أطول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا». فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» رواه مسلم. فتلاحظ ميزة هذه الرواية التي تحكي لك سياق القصة التي لأجلها خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في أول الحديث: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه». العلماء يقولون "ما" شرطية، و"نهيتكم عنه" أي ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم صحابته من المحرمات "فاجتنبوا" أي فابتعدوا عنه. يقول القرطبي في "المفهم": قوله صلى الله عليه وسلم: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه» أي لا تقدموا على فعل شيء من المنهي عنه وإن قل؛ لأن النهي طلب الانكفاف المطلق، ولا تتحقق المخالفة إلا بالاجتناب الكلي للشيء. والواجب الديني الشرعي يتأتى من الإنسان تحقيقه، والنهي على نقيض من ذلك.

أما الأمر فالمطلق على نقيض من ذلك؛ لأنه يحصل الامتثال بفعل أقل ما ينطبق عليه اسم المأمور به على أي وجه. يقول في فرق بين أمر النبي صلى الله عليه وسلم وبين نهيه؛ ما نهى عنه فيجب على الإنسان أن ينكف عنه بالمطلق، بخلاف الأمر المطلق، فإنه يحصل الامتثال بفعل أقل ما ينطبق عليه اسم المأمور به في أي زمان. ويكفيك من ذلك مثاله في بقرة بني إسرائيل، فإنه لما أمر الله عز وجل موسى أن يأمر قومه بذبح بقرة، لو بادروا وذبحوا أي بقرة كانت حصل لهم الامتثال، لكنهم كثروا الأسئلة فكثرت أجوبتهم فقلّ الموصوف، فعظمت الامتحان عليهم فهلكوا. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يقعوا في مثل ما وقعوا فيه؛ فلذلك قال: «إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم».

فهم سياق الحج في الحديث وارتباطه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحضر قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع قومه، وأن بسبب سؤالهم وكثرته ترتب على ذلك تعقيد الأمر وجعله شاقاً. لما سأل الصحابي النبي صلى الله عليه وسلم: "أكل عام يا رسول الله؟" كان السؤال لا داعي لطرحه، بمعنى أن تأدية الإنسان للحج مرة يتحقق به المطلوب؛ فلما تطرح هذا السؤال قد تبتلى هذه الأمة بموجب هذا السؤال كما ابتليت بنو إسرائيل. فالواجب على هذا الأصل أن على السامع لنهي الشارع الانكفاف مطلقاً، وإذا سمع الأمر أن يفعل فيه ما يصدق عليه ذلك الأمر، ولا يتفطن فيكثر من السؤال فيحصل على الآصار والأغلال.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم». العلماء يقولون: "ما" موصولة، أي افعلوا من ذلك المأمور الذي تستطيعون فعله. يقول النووي: هذا من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها؛ فإذا عجز عن بعض أركانها أو شروطها أتى بالباقي. وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن. وهذا غير منحصر، وهذا من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم التي تلتحق به فروع متعددة وكثيرة جداً.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: «فإنما أهلك الذين من قبلكم»، المقصود بهم بنو إسرائيل أهل الكتاب من اليهود والنصارى. «كثرة مسائلهم» أي سؤالهم ما لا ينبغي لهم سؤاله، كالسؤال عن رؤية الله سبحانه وتعالى جهرة، أو الأسئلة المتعلقة بذبح البقرة. «واختلافهم على أنبيائهم» أي اختلافهم على أوامرهم ونواهيهم بمعنى أنهم لم يطيعوا، فوقعت منهم المخالفة فأهلكوا.

حدث خلاف بين العلماء في العطف؛ هل كثرة مسائلهم وكثرة اختلافهم، أم كثرة مسائلهم واختلافهم؟ قال ابن حجر: بالجر عطفاً على كثرة سؤالهم لا على سؤالهم؛ إذاً الاختلاف وإن قل يؤدي إلى الهلاك. ويحتمل أنه عطف على سؤالهم، فيكون إخباراً عن من تقدم بأنه كثر اختلافهم في الواقع فأداهم إلى الهلاك، وهو لا ينافي أن القليل من الاختلاف مؤدٍ للفساد. فالحافظ ابن حجر كانه ينبه أن الاختلاف وإن قل مذموم، لكن الذي استوجب وقوع تلك الطائفة بالهلاك عند بعض أهل العلم هو مطلق الاختلاف.

قال ابن رجب رحمه الله في "جامع العلوم والحكم": فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية. وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعله ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه، وتكون همته مصروفة بالكلية لذلك لا إلى غيره. هكذا كان حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان.

فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع، فإن هذا ما يدخل في النهي ويثبط عن الجد في متابعة الأمر. وقد سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر، فقال له: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله. فقال له الرجل: أرأيت إن غلبت عليه؟ أرأيت إن زحمت؟ فقال له ابن عمر: اجعل "أرأيت" باليمن، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله. أخرجه الترمذي.

يقول ابن رجب مفسراً كلام عبد الله بن عمر: مراد بن عمر أنه لا يكن لك هم إلا في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا حاجة إلى فرض العجز عن ذلك أو تعثره قبل وقوعه. فكان ابن عمر يراعي الحال؛ ففي ظل السياق الزمني لا يوجد هنالك مبرر لطرح مثل هذا السؤال بخلاف إذا وجد الموجب. فإن تفقه في الدين وسؤال العلم إنما يحمد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدال.

وقد انقسم الناس في هذا الباب أقساماً، فيقول ابن رجب: فمن أتباع أهل الحديث من سد باب المسائل حتى قل فهمه وعلمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامل فقه غير فقيه. ومن فقهاء أهل الرأي.

الحين في المقابل من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها، ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرت الخصومات فيه والجدال عليه، حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب، ويستقر فيها بسبب الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيراً بنية المغالبة وطلب العلو والمبهاة وصرف وجوه الناس، وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على قبحه وتحريمه.

فواضح الحين يقول لك أن في مشكلة وقع فيها أهل الحديث وفي مشكلة وقع فيها أهل الرأي. قال: وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله عز وجل، وما يفسره من السنن الصحيحة وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وتفهمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائل الحلال والحرام وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك.

وهذا هو طريقة الإمام أحمد ومن وفقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغب بما أحدث من الرأي مما لا ينتفع به ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه والخصومات وكثرة القيل والقال. وكان الإمام أحمد كثيراً إذا سئل عن شيء من مسائل المولدات التي لا تقع، يقول: دعونا من هذه المسائل المحدثة. وما أحسن ما قاله يونس بن سليمان السقطي: نظرت في الأمر فإذا هو الحديث والرأي، فوجدت في الحديث ذكر الرب عز وجل وربوبيته وإجلاله وعظمته وذكر العرش وصفة الجنة والنار وذكر النبيين والمرسلين والحلال والحرام والحث على صلة الأرحام وجماع الخير فيه، ونظرت في الرأي فإذا فيه المكر والغدر والحيل وقطيعة الأرحام وجماع الشر فيه. وقال أحمد بن الشيبويه: من أراد علم القبر فعليه بالآثار، ومن أراد علم الخبز فعليه بالرأي.

قال: ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالباً، لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها، ولا بد أن يكون سلوك هذا الطريق خلف أئمة أهل الدين المجمع لهدايتهم ودرايتهم كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ومن سلك مسلكهم، فإن من ادعى سلوك هذا الطريق على غير طريقهم وقع في مفاوز ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذ به، وترك ما يجب العمل به. وملاك الأمر كله أن يقصد بذلك وجه الله والتقرب إليه بمعرفة ما أنزل الله على رسوله وسلوك طريقه والعمل بذلك ودعاء الخلق إليه، ومن كان كذلك وفقه الله وسدده وألهمه رشده وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، ومن الراسخين في العلم.

جميل، طيب، في صلة الحديث الأول في الباب، المعنى الأكثر صوغا بشكل مباشر أن هذا هو إبعادهم عن القيل والقال وكثرة السؤال، فينبني طبعاً عليه بعض الإشارات التي أشرنا إليها فيما يتعلق بأثر السؤال على ما يتعلق بالعمل، وفي كذلك مركزية العمل، يعني الواجب على الإنسان المسلم إذا علم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نهى عن ألف، يجتنب ألفاً، وإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بباء، أنه يأتي من باء ما استطاع. وطبعاً عبارة ما استطاع لها واجهتان، يعني دائماً ما الذي يقفز للذهن لما تقول لمن استطاع إليه سبيلاً؟ ما الذي يقفز للذهن دائماً؟ القدرة، هي القدرة، بس ايش الذي يقفز للتفكير؟ عنده المتطلبات، دائماً الذي يقفز للتفكير الجانب السلبي المتعلق بمعادلة ليس الجانب الإيجابي.

بمعنى أن الحين افترض أن إنساناً يستطيع أن يتصدق بالقدر الفلاني، فدائما نحن نفكر أن نتعامل مع الاستطاعة كحد أدنى في حين أن أحياناً الاستطاعة تكون حداً أعلى، واضحة الفكرة؟ يعني أحياناً الاستطاعة محفز للفعل، ليست محفزاً للترك، يعني نحن نتعامل مع الاستطاعة باعتبار أنه إذا كنت مريضاً فكأنك لست مستطيعاً، لاحظت؟ الاستطاعة دائماً (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، بس الحين لا يكلف الله نفساً وسعها معناته إذا اتسع الوسع اتسع التكليف، بس نحن ما نفكر بهذا المنطق، دائماً نفكر أنها لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، يعني الجانب السلبي المتعلق، واضح الذي أقصده؟

طيب، فهذا جانب، زين الحديث الذي بعده، وهو حديث كاتب المغيرة بن شعبة، عن كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب لي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: أني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: «إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال».

طيب، جاء في رواية بسياق أتم: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»، فتلاحظ أن في رواية أتم فيها ذكر أن ما حرم وما كره النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أخرى عند البخاري عن وراد كاتب المغيرة قال: كتب معاوية للمغيرة: اكتب إلي ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يقول في دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، وكتب إليه أنه كان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، وكان ينهى عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات.

طيب قوله صلى الله عليه واله وسلم: «إن الله كره لكم ثلاثاً»، أي كره النبي صلى الله عليه وسلم لما لاحظ دائماً في الأحاديث وغيرها "ثلاثاً" ثلاث مجرد رقم، فلا بد من تقدير محذوف، فالعلماء يقدرون محذوفاً مناسباً للتذكير والتأنيث المتعلق بالرقم وحسب سياق الحديث، فثلاث خصال، أن الله كره لكم ثلاثة خصال، بثلاثة أمور، مثلاً قوله النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمور قال: «إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال»، وزين جاء في رواية: «وكان ينهى عن قيل وقال»، وكان ينهى عن قيل وقال.

يقول الحافظ بن حجر في الفتح: في رواية الشعبي «وكان ينهى عن قيل وقال»، كذا للأكثر في جميع المواضع بغير تنوين، ووقع في رواية الكشميهني هنا "قيلاً وقالاً"، يعني والأول أشهر، وفيه تعقب على من زعم أنه جائز ولم تقع به الرواية، يقول يعني أن بعضهم يقول من جهة اللغة هو جائز ما وقعت به الرواية، فالحافظ بن حجر يستدرك فيقول وقعت في روايات، يعني بذكر التنوين.

الآن يعني في بحث طويل يذكرونه العلماء، وهو الفرق بين قيل وقال، زين، ف يعني في طرائق للعلماء في طريقة التعامل مع قيل وقال، وكأنهما يعني كأنهما عنوان لمعنى واحد، يعني أنه يستخدم هذا التركيب، أنه يستخدم تركيب قيل وقال، أن فلاناً ما عنده هم إلا قيل وقال، يستخدم بهذا التركيب، وبعض العلماء لا يفكك هذا التركيب فيقول: لا، قيل يدل على شيء، وقال يدل على شيء، طيب فبعض العلماء يقول قيل وقال إذا تعاندت في الصورة، فقيل ايش الفرق بين قيل وقال؟

لا لا، اللي قيل وقال مجهول، أيوه أيوه الذي هو الجهالة وعدم الجهالة، صح ولا لا، فتقول مثلاً: قيل كذا، لما تقول قال لازم تقول قال فلان أو قال أحد صح ولا لا؟ فيصير في نوع من أنواع الاهتمام بنقل الخبر سواء كان نقلاً عن مجهول أو نقلاً عن معلوم، لاحظ هذا، وزي ما قلت لكم أن بعض العلماء يتعامل مع الموضوع أن ليس له اهتمام إلا بالحكي، يعني لاحظ بعضهم يقول لك: قيل دلالة على مجهول، وقال دلالة على معلوم صح ولا لا؟ بعضهم يقول: لا، المقصود بقيل وقال مش القصد الحين أن من ينسب له الكلام أو التعامل مع العبارة، أن هو ليس له اشتغال إلا بالقول، فما تسمع منه إلا قيل وقال، قيل وقال.

لاحظت الملحوظ، مثلاً نقرأ بعض النصوص قال الوزير منهم يرى: أما قيل فإنه قد أحال الناطق فيه على غير قائل غير مسمى، وأما قال فإن الناطق يحيل فيه على ناطق مسمى، وقد تكون اللفظتان وهما قيل وقال على معنى واحد وهو كثرة القول من غير تمييز ذكر، عرفت لاحظت ذكر المعاني، قال الجوهري: "قيل وقال" اسمان، يقال: كثير القيل والقال، كذا جزم بأنهما اسمان، وأشار إلى الدليل على ذلك بدخول الألف واللام عليهما. وقال ابن دقيق العيد: لو كان اسمين بمعنى واحد كالقول، لم يكن لعطف أحد على الآخر فائدة، فأشار لترجيح، فتلاحظ أنه في تنازع وأخذ يعني بين العلماء في المسألة.

المعنى الإجمالي من قيل وقال مثل ما قال القرطبي: ومعناه أن الله تعالى حرم الخوض في الباطل وفيما لا يعني من الأقوال، وحكاية أحوال الناس التي لا يسلم فاعلها من الغيبة والنميمة والبهتان والكذب، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كانت النار أولى به. ترى عبارة القرطبي ترى تشتمل على عدة ملمحات بما يتعلق بفكرة قيل وقال ولماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها.

فبعض العلماء يفكك الموضوع قليلاً فيقول لك ايش يقول المقصود بقيل وقال؟ يعني ما هو الأمر الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه حقيقة؟ فاتجاهات علمية وإن كانت كلها داخلة في الذم وداخلة فيما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من النهي، فبعضهم قال إن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم من نهي قيل وقال ايش الأول معنى النميمة، النميمة، اللي هو ماشي النميمة، بس ايش العنوان الذي يجمع هذه المعاني كلها؟ أيوه اللي هو القيل والقال، اللي هو ايش لا خير فيه.

هذا كله الحين معانا يعني كثيرة بس إحنا بنفكك الموضوع، خليني أفكرك بالطريقة الآتية: قيل إن حقيقة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كثرة الكلام، ليش نهى النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الكلام؟ لأن من كثر كلامه كثر سقطه، لأن بسبب اتساع لسانه بالكلام أنه مظنة أن يقع الإنسان في أخطاء، فلو صان لسانه لسلم في الأخطاء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول نهى عن قيل وقال بحيث إنه يكون اشتغال الإنسان بالقول، بالكلام، بالحكي، هذا جانب.

الجانب الثاني أنه قيل وقال، أن ايش؟ أنه يصير اهتمام الناس، اهتمام الإنسان بحكاية أقوال الناس، أنه يصير كل ما سمع شيئاً، قيل كذا، قال كذا، قيل كذا، ايش المشكلة المتعلقة بهذا؟ البهتان، قد لا الحين لا ايش المشكلة في فكرة نقل أقاويل الناس؟ صحيح، الكذب، مثلاً: «كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع»، بمعنى إذا أنت ستتوسع في نقل أقاويل الناس ايش الذي سيحصل؟ ستقع في الكذب، نعم، ستنقل إشاعات ستسهم في، لاحظت؟ ويفتح عليك الباب للقضية الثالثة، الذي هو قضية النميمة والغيبة صح ولا لا؟ لأن عامة الأقاويل المتعلقة بالناس داخلة في هذا الإطار.

فتجده ما تدري ايش قال فلان، ما تدري ايش قيل كذا، عرفت؟ والله ما أدري، قيل كذا، لحظة المطب الثالث. وقيل يعني من الأشياء أن قيل وقال من المحاذير الداخلة فيها، هو قيل وقال في الشأن الديني، يعني بمعنى أن التوسع في الحديث في القضايا الشرعية الدينية بهذه الروح "قيل وقال" مشكلة، ليش؟ لأن تقول إن الله غير علم، لأنه يفتح للإنسان باب القول على الله عز وجل بغير علم، لأن ايش السبب؟ شهوة الكلام من عنده.

لا الحين لماذا كثرة الكلام بهذه الطريقة، قيل وقال، في الأمور الدينية يفتح للإنسان باب الإشكال، يتوهم أن لديه علماً، ماشي بس مش كده، مش تمام، صح قريب، تتأكد من كده أو لا، أيوه، أيوه، هو بس تحتاج تقلبها إلى الجانب السلبي المتعلق، ماشي هذا الجانب، بس لا، هناك كان أجمل، وهو فكرة أن إذا كان الإنسان في حديثه عن القضايا الدينية الشرعية بروح قيل وقال، هل يتكلم على الثقة بالحكم الشرعي؟

لاحظت الحين مثلاً الحين تناقشون مجموعة شباب في قضية شرعية دينية، فإذا كان الإنسان عنده توسع ويتكلم: والله يعني أنا ما أعرف كذا بس قيل كذا، عرفت فكرة الأصل أنه ما يخوض الإنسان في القضايا الدينية الشرعية إلا عن علم، ودخولك في هذا المضمار وهذا الباب عبر بوابة قيل وقال هذا يعبر أنه ليس عندك من العلم ما يؤهلك أن تتحدث في هذه القضية، فإذا تحدثت مع عدم التأهيل ايش الذي سيحصل؟ سيحصل منه طبعاً القول على الله عز وجل بغير علم، الكذب عليه سبحانه وتعالى، وغيرها من المسائل. طيب فهذا ما يتعلق بالقضية الأولى.

ماشي، يتعلق بالقضية الأولى، وبعض هذه المعاني يعني أشرناها، طيب هذا الخصلة الأولى الذي حذر، الذي كرهها الله سبحانه وتعالى لعباده، أن كره لنا قيل وقال وذكرنا جملة المعاني تحت قيل وقال. المعنى الثاني الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: وإضاعة المال، وإضاعة المال، طيب أول شيء ايش صور إضاعة المال؟ في صور ترى متعددة من إضاعة المال في النظر الشرعي، فأول صورة ذكرتموها، يعني خلنا مثلاً نقفز هنا، الذي هو ذكرتم صورة الإسراف، صح ولا لا؟ نعم.

سورة الإسراف من أجل الصور المتعلقة بإضاعة المال، صح ولا لا؟ وهي مخالفة لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]. وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]. وذكر الله عز وجل من حال المسرفين أنهم «إخوان الشياطين». فهذا جانب، فأول صورة من صور إضاعة المال هي الإسراف، وسنذكر بعد قليل بعض الضوابط المتعلقة ببحث قضية الإسراف.

من الصور كذلك التبذير والإسراف، وهما معانٍ متقاربة، وهي إنفاق المال في الحرام. إنفاق المال في الحرام هو من إضاعة المال؛ فمن إضاعة المال أن ينفق الإنسان المال فيما هو محرم وشر، والعلماء ينبهون أن الإنسان الذي ينفق ماله في الحرام يقع في مطبات متعددة. ما أوجه الحرمة الداخلة على الإنسان الذي أنفق المال فيما هو محرم؟ هو مفتاح للحرام، يصبح الإنسان مفتاحًا للحرام للآخرين، وهذا في نوع من الاستحلال.

أنا أفكر بالصورة الآن؛ الإنسان مثلاً لما يدفع مبلغًا معينًا لشراء قنينة خمر ليشرب، هل وقع في محرم واحد؟ لا، وقع في جملة من المحرمات. ما المحرمات التي وقع فيها؟ لقد أغلق بابًا من أبواب الخير، وهذا لاحظ أنه وقع في الحرام. والعلماء يقولون: لاحظ أول شيء وقع في مخالفة الأمر بإمساك المال، فالنبي ﷺ قال: «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإن من أعمرها حياً وميتاً ولعقبه» رواه مسلم. الثاني أنه فيه إضاعة للمال، والثالث أنه داخل في حد الإسراف، والرابع أنه الفعل المحرم بخصوصه؛ فتلاحظ أنه صار فيه معانٍ مركبة فيما يتعلق بهذه القضية.

ولذا يقول القرطبي في هذه السورة: «وأشد من هذا كله قبحًا وإثمًا من يترف ماله في معاصي الله تعالى، فيستعين بماله على معاصيه، ويخرج في شهواته المحرمة ولا يبالي، ويدخل في عموم النهي عن إضاعة المال القليل منه الكثير». فتلاحظ أنه يوسع الدلالة، وهي أقبح صورة من صور إضاعة المال؛ أن يضيع الإنسان المال في الأمور المحرمة.

ذكرنا الآن الإسراف وذكرنا إضاعة المال، ومن صور إضاعة المال أيضًا إضاعة الوقت. لكننا هنا نتكلم عن إضاعة المال، أي أنه يبذل المال في شيء يعتبر داخلًا في إطار إضاعة المال، وقد تدخل في حد المحرم، مثل عدم بذله في الواجب عليه تجاه الأهل والتقصير في ذلك.

ومن صور إضاعة المال أيضًا عدم الحرص على المال، فلا يتأكد أنه في مكان آمن. ومن صورها أن يقع من الإنسان تفريط، مثل ألا يحفظه في المكان المناسب له، أو أن يوكل حفظ ماله إلى من ليس مؤهلاً لحفظه، أو أن يعطي ماله لمن ليس فيه.

ومن الصور كذلك ما ذكره الله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34]. وهذه صورة من صور إضاعة المال هنا، وهي عدم الإنفاق. قد يقول قائل: أنا حفظت المال ولم أضعه، بل كسبته. لكن هذا معنى إيماني، ينظر للموضوع من زاوية مختلفة تمامًا. المال فائدته أصلاً في عمارة الأرض.

عندما نقف عند مفهوم إضاعة المال، هل يقفز للذهن ما حدث حين جاءت عائشة للنبي ﷺ فقال: «إن ذهبت كلها ما بقي»، فقال له النبي ﷺ: «بل بقيت كلها»؟ هذا تصحيح للمفاهيم. فهل يفهم حديث إضاعة المال على هذا الوجه، أن من إضاعة المال عدم الزكاة وعدم الصدقة؟ لأن المال الذي استخدمه الإنسان لمعاشه الدنيوي هو في الحقيقة مال ضائع، لكن المال الباقي للإنسان هو المال الذي سبقه في الآخرة. سنذكر كلام الخطابي بعد قليل، لكن تلاحظون أن هذا قول مختلف جذريًا عن الاتجاهات التي نتكلم فيها.

نحن نتكلم عن قضية الإسراف، أي عن صور إتلاف المال الدنيوي الذي حرمته الشريعة، فمن ضمن إتلاف المال المحرم أن يترف الإنسان في النفقة المحرمة، أو أن يسرف، أو لا يعتني بحفظه. قد يستعمل المال في شيء حلال لكن النية ليست محفوظة، مثل الرياء، فيصير في وجه من الوجوه. لكن المشكلة في هذه الصورة أنها داخلة في حد المحرم.

ومن صور الإضاعة التي يذكرها العلماء سوء قيام الإنسان بماله، كأن يكون عنده تجارة أو بضاعة، فيفرط في العناية بها. ومن الصور الطريفة التي يذكرها الفقهاء أن في أموالًا معينة إذا قسمت ذهب الانتفاع بها، فافترض...

اثنان متشاركان في لؤلؤة زين، فما تستطيع أن تكسر اللؤلؤة؛ لأن في أنواع من أنواع المال إذا قسمت، إيش اللي يحصل؟ تلفت، وإذا تلفت يعتبر هذا داخل في حد إضاعة المال.

عندهم فيذكرون عدة معاني في كلام مهم. السبكي، خلنا نشوف شو يقول السبكي؛ يقول السبكي الكبير في "الحلبيات": «والضابط في إضاعة المال أن لا يكون لغرض ديني ولا دنيوي، فمتى انتفى هذان الغرضان من جميع وجوههما حرم قطعًا». الحين بيقول إن المال تترتب عليه مصالح دينية ودنيوية، إذا خلى بذل المال عن أي مصلحة دينية ودنيوية فهذا بالقطع محرم، وهذه قضية واضحة قليلاً، كان المال قليلاً أو كثيراً، مجرد إضاعة.

قال: «ومتى وجد واحد من الغرضين وجودًا له، وكان الإنفاق لائقا بالحال ولا معصية فيه، جاز قطعًا». فتلاحظ الحين وضع ثلاثة ضوابط: الضابط الأول أنه يوجد غرض ديني أو دنيوي له بال، طبعًا الحين المشكلة أن «له بال» يعني مثل الطيف، مش حد أبيض وأسود، بس على الأقل خلينا نتفق أن في أشياء تدخل في ما له بال. الضابط الثاني: وكان الإنفاق لائقا بالحال، هذه مسألة مهمة جداً، يعني لائقا بحال تلك البضاعة، لائقا بحال ذلك المنفق، وغيرها من الاعتبارات والمسائل. قال: «ولا معصية فيه»، هذا ضابط مهم كذلك، أن لا يكون الأمر فيه معصية، جاز قطعًا.

بعدين قال: «وبين المرتبتين وسائط كثيرة جدا لا يمكن أن تدخل تحت ضابط، لكن الفقيه يرى فيما يرى رأياً، ومنها أمور لم تتيسر تعرض لها الفقهاء في كتبهم»، فمن ذلك ثم ذكر عدد من الأبحاث التفصيلية. السبكي الحين الضوابط التي يقدمها، على الأقل كضوابط كمؤشرات كلية عامة كخطوط عريضة تضبط الباب، يقول لك المال له مصلحة دينية ودنيوية، إذا تحقق مصلحة دينية أو دنيوية من المال له بال، وكان مناسباً بالحال ولم يكن في معصية، فهو جائز. لكن المشكلة بعدين في الوسائط بينها، لما تقول «له بال» ولما تقول «في حال»، فيها توسع، يتفاوتون الناس؛ لما تقول مثلاً هذه ساعة، متى يبلغ فيها الإنسان حد المحرم (الإسراف)؟ فيراعى مثلاً الساعة أن فيها مصلحة، لكنه ينظر الحين للحال؛ فلو فقير لا يجد ما يأكل وصرف كل مرتب شهري من أجل تحصيل هذه الساعة، تقول إن هذا حرام عليه، هذا تبذير، بخلاف لو كان الثري غنياً لا يؤثر فيه، يصير الحكم يختلف.

قال الوزير ابن هبيرة: «فأما إضاعة المال فإنه مكروه، وإنما يتحقق في صورة هي أن يبذل المال فيما لا يكسب أجراً في الآخرة ولا حمداً في الدنيا، فذلك التبذير، إلا أن كسب الحمد إذا كان للاقتداء لا لمجرد حب المدح، فإني لا أرى المال فيه إلا ضائعاً». ينبه إلى موضوع.

يقول الحافظ ابن حجر: «حمل الأكثر لما تكلم على قضية الإسراف»؛ لاحظ نحن تكلم الحين على صور إضاعة المال، أول معنى ينقذ في الذهن تكلم على موضوع إضاعة المال أن يضيع على الإنسان إسرافاً وتبذيراً، فقال الحافظ حمل الأكثر على الإسراف في الإنفاق، وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً، سواء كانت دينية أو دنيوية، فمنع منه؛ لأن الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد، وفي تبذيره تفويت تلك المصالح، إما في حق مضيعها وإما في حق غيره. ويستثنى من ذلك كثرة الإنفاق بوجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوت حقاً أخروياً أهم منه.

ذكرنا الكلام الخطابي، ذكرت من لطيف المعاني المنسوبة للإمام الخطابي في شرح هذا، قال: «وقد يحتمل أن يتأول معنى إضاعة المال على العكس مما تقدم ذكره من وجوه، بأن يقال إن إضاعة المال حبس عن حقه والبخل به عن أهله»، على معنى قول بعض الحكماء والشعراء: ووضع مالٍ أورث المجد أهله .. ولكن أموال البخيل تضيع

فتلاحظ أن هذا معنى محتمل، بس هو ليس المعنى الملاصق الظاهر المتعلق، أكثر أهل العلم حمل الحديث على قضية الإسراف أو بذل المال فيه محرم.

ذكر الحافظ ابن حجر جملة من الضوابط المتعلقة بالإنفاق المحرم، فخلينا نأخذ الصور التي ذكرها صورة صورة على الأقل تضعنا بطريقة وبما أقرب إلى تحقيق؛ لأننا ذكرنا الضوابط أو الخطوط العامة التي ذكرها السبكي، فنذكر الحين الحافظ. الأول: إنفاق المال في الوجوه المذمومة شرعاً، حكم هذا حرم، فلا شك في منعه. الثاني: إنفاق المال في الوجوه المحمودة شرعاً، فلا شك في كونه مطلوباً بالشرط المذكور. الثالث: الإنفاق في المباحات بالأصالة كإمتاع النفس، فهذا ينقسم إلى قسمين؛ لأن المشكلة الحين أننا لا نضبط عن حد الإسراف مثلاً.

فقال هذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإسراف، وهذا اعتبار. والثاني ما لا يليق به عرفاً. لاحظ في تدقيق الحافظ ابن حجر، قال وهو على قسمين: الصورة الأولى إنفاق المال في المحرم حرام. إنفاق هذا فيما يحمد شرعاً فهو مطلوب بشرطه، أي بحسب الطبقة وبحسب الدرجة. المتعلق الثالث هو قضية أن يكون في المباحات، هذا المباح الأول أن يكون على وجه لا يكون فيه إسراف، مراعاة لحال الإنسان وقدر المال المنفق.

إذا كان المال ليس لائقا بالحال، فالحافظ لم يقل لك على طول إسراف، بل ينظر ويقسم؛ قال: أحدهما ما يكون لدفع مفسدة، إما ناجزة أو متوقعة، فهذا ليس بإسراف؛ إذ يتصور أحياناً أن قد يضطر الفقيه لبذل مال في تحصيل معنى معين لو بذل في غير ذلك السياق لعد إسرافاً. والثاني ما لا يكون في شيء من ذلك، فالجمهور على أنه إسراف، وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف؛ لأنه تقوّم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح. لاحظ أن بعض الشافعية ضابط الإسراف عنده ضيق، بمعنى كل ما تحققت له مصلحة -حتى لو كانت مصلحة ضئيلة- يقول لك ما دام في مصلحة فما ندخل في حد الإسراف، قال: لأن تقوّم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح، فإذا كان في غير معصية فهو مباح له. قال ابن دقيق العيد: «وظاهر القرآن يمنعه».

يرى أن ظواهر القرآن الكريم فيما يتعلق بمقام الإسراف ما يدل على هذا المعنى، انتهى كلام ابن دقيق. وقد صرح بالمنع القاضي حسين فقال في كتاب قسم الصدقات: «هو حرام»، وتبعه الغزالي، وجزم به الرافعي في الكلام على المغارب. وصح في باب الحجر من الشرح وفي المحرر أنه ليس بتبذير، وتبعه النووي، والذي ترجحوا -لاحظ ففي خلاف في مسألة الشافعية وبحكم أن ابن حجر العسقلاني شافعي حكى الخلاف داخل المذهب- قال: والذي يترجح أنه ليس مذموماً لذاته، لكنه يفضي غالباً لارتكاب المحذور كسؤال الناس وما أدى إلى المحذور، فمحذور يرى أن الإنسان إذا فرط في ماله، فحتى لو قدر ترتب مصلحة دنيوية عليه، يعتبر داخلاً في حد الإسراف، لكن مشكلته ليست في الإسراف من حيث هو، وإنما ما سيترتب عليه بعد ذلك من آثار، وبالتالي يمنع منه لما يترتب عليه من آثار.

من المسائل التي يذكرها العلماء -ولا ندخل فيها تفصيلاً- وهو حكم التصدق بجميع المال، أن هل يشرع للإنسان، وهل يعتبر هذا داخلاً في إضاعة المال؟ فليللعلماء أبحاث وضوابط فيما يتعلق بهذه القضية، مع إدراك أن هو مقام شريف، قام به أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، لكن العلماء يراعون فيما يتعلق بهذه المسألة التداعيات والآثار ومناسبة الحال وغيرها من المعطيات، ففيها كما يقال نقاش مفصل فيما يتعلق بهذه المسألة.

المسألة التالية هي قضية قول النبي ﷺ: «وكثرة السؤال». طبعاً في خلاف واسع بين العلماء في تفسير قول النبي ﷺ: «وكثرة السؤال»؛ فبعض العلماء يفسر الحديث بكثرة السؤال، أي كثرة طرح الأسئلة. وبعض العلماء يقولون لا، إن ما له علاقة بطرح الأسئلة هو كثرة السؤال عن المال، فالحين معنيين، لاحظ هذين المعنيين مختلفين. وبعض العلماء يجعل الأمر عاماً، يعني كثر السؤال عن هذا وكثر السؤال عن هذا.

بعض العلماء قال إنه كثر السؤال اللي هو كثرة سؤال المال، وبعضهم قال كثرة السؤال عن المشكلات، وبعض العلماء قالوا هو أعم من ذلك، بمعنى أعم يشتمل على المعنيين، ويشتمل على السؤال حتى فيما هو خارج عن المشكلات، بمعنى حتى كثرة الأسئلة الدينية على سبيل المثال. تدخل الإمام القرطبي لما أراد يشرح الحديث قال: «فسر كثرة السؤال قال: سؤال الناس الأموال إلحاحاً، واستكثار الإكثار من الأسئلة الفقهية، وتكلف السؤال عما لا يعني من أحوال الناس»، ثم قال: «والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها». فالذي يظهر أن كثرة السؤال يشتمل على كل الأنماط.

إذا احتمل الحديث كثرة السؤال اللي هو سؤال الناس أموالهم إلحاحاً، فقد ورد في ذلك حديث متعدل النبي ﷺ تنهى عنه. فمن تلك الأحاديث مثلاً قول النبي ﷺ: «لا تزال المسألة بالعبد حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم». وفي صحيح مسلم: «إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لذي فقر متقع، أو غرم مفضح، أو جائحة مفجعة».

وروى مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت الرسول ﷺ أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنؤمن لك بها»، قال: ثم قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من العيش -أو قال سداً من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش -أو قال سداً من عيش- فما سواهن من مسألة يا قبيصة سُحتا يأكلها صاحبها سُحتا».

وجاء في حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ: «سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة ومسالته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح»، قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: «خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب»، والحديث قال لحسن صحة الطبري وابن العربي والألباني. وفي الصحيحين من حديث النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبلle فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله؛ أعطاه أو منعه».

وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «أن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره، فيتصدق به ويستغني به عن الناس، خير من أن يسأل رجلاً؛ أعطاه أو منعه، ذلك بأن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وأبدأ بمن تعول». وزاد الإمام أحمد: «ولأن يأخذ تراباً فيجعله في شيء خير له من يجعل في ما حرم الله عليه».

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن الناس من الأنصار سألوا النبي ﷺ فأعطاهم، ثم سألوا فأعطاهم، ثم سألوا فأعطاهم، حتى نفذ ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بين يديه: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر».

وعن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، فاليد العليا المنفقة والسفلى هي السائلة، رواها البخاري ومسلم. وعن معاوية قال النبي ﷺ: «لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألته مني شيئاً وأنا كاره، فيبارك له فيما أعطيته»، وفي لفظ: «إنما أنا خازن، فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه، ومن أعطيته عن مسألة وشر، كان كالذي يأكل ولا يشبع»، رواه مسلم.

وعن أبي مسلم الخولاني قال: حدثني الحبيب الأمين، أما هو فحبيب إلي، وأما هو عندي فأمين، عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون الرسول ﷺ؟» وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فقال: «ألا تبايعون رسول الله ﷺ؟» فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله ﷺ؟»، قال: فبسطنا أيدينا.

«وقلنا بايعناك يا رسول الله، فعلى من نبايعك؟ قال: أن تعبدوا الله ولا تشكوا به شيئًا، وتؤدوا الصلوات الخمس، وتطيعوا...» وأسر كلمة خفية. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط أحدهم فيما، فما يسأل أحدًا يناوله إياه، رواه مسلم.

وعن ثوبان قال: قال الرسول ﷺ: «من تقبلت له بواحدة، تقبلت له بالجنة»، قال: قلت: أنا؟ قال: «لا تسأل الناس شيئًا». فكان ثوبان يقع صوته وهو راكم فلا يقول لأحد ناولني حتى ينزل فيتناول، رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.

وعن سهل بن الحنظلية قال: قدم على رسول الله ﷺ عينه بن حصن والأقرع بن حابس فسأله، فأمر لهما بما سأله وأمر معاذ فكتب لهما بما سأله. فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، وأما عينه فأخذ كتابه فأتى النبي ﷺ بكتابه فقال: يا محمد، أراني حاملاً إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس. فأخبر معاوية بقول الرسول ﷺ: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار»، وفي لفظ: «من جمل جهنم». قالوا: يا رسول الله، ما يغنيه؟ وفي لفظ: «ما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟» قال: «قدر ما يغذيه ويعشيه»، وفي لفظ: «أن يكون له شبع يومه وليله»، رواه أبو داود والإمام أحمد، وصححه أحمد شاكر والألباني وشعيب الأرناؤوط.

وعن ثوبان عن النبي ﷺ قال: «من سأل مسألة وهو عنها غني، كانت شيئًا في وجهه يوم القيامة»، رواه الإمام أحمد، وقال البزار: ثابت، وصححه الألباني والأرناؤوط.

وعن عبد الرحمن بن عوف، النبي ﷺ قال: «ثلاث، والذي نفس محمد بيده: إن كنت لأحلف عليهن لا ينقص مال مصدقة فتصدق، ولا يعفو عبد عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا رفعه الله بها، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر»، رواه الإمام أحمد، واختلف العلماء في تصحيح الحديث، فهو ضعيف.

ومن الأحاديث عن عاد بن عمرو: أتى النبي ﷺ فسأله فأعطاه، فلما وضع رجله على إسقفة الباب قال الرسول ﷺ: «لو تعلمون ما في المسألة، ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئًا»، رواه النسائي، وصححه الطبري، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة.

وعن سمرة بن جندب قال: قال النبي ﷺ: «إن المسألة كدّ يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانًا أو في أمر لا بد منه»، رواه الإمام أحمد في المسند والنسائي والترمذي، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الطبري والألباني وشعيب الأرناؤوط. وفي جامع الترمذي قول النبي ﷺ لابن عباس في الحديث المشهور: «وإذا سألت فاسأل الله».

حكى الحافظ ابن حجر اختلاف العلماء في حكم سؤال الناس؛ هذه كلها أحاديث النهي عن السؤال المالي. فذكر أن المعروف عند الشافعية أنه جائز وأنه مباح؛ لأنه طلب مباح، فجعله أشبه بالعارية عنده، وحمل الأحاديث الواردة في النهي عن المسألة على سؤال الزكاة الواجبة، يعني لا يجوز للإنسان ممن لا يعد من مصارف الزكاة أن يسأل الزكاة، فهذا اتجاه فقهي يرى عدم الحرمة.

لكن النووي رحمه الله تعالى حكى اتفاق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، فقال: «واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب على وجهين: أصحهما التحريم لظاهر الأحاديث، والثاني يجوز مع الكراهة بشروط ثلاثة: ألا يلح، ولا يذل نفسه زيادة على ذل نفس السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد شرطًا من ذلك حُرّم».

النووي يقول إن في اختلافًا موجودًا؛ بعض العلماء يرى حرمة سؤال الإنسان القادر على طلب الرزق، وهو الذي يرجحه النووي، ومن لم يرَ حرمته قال بالكراهة، وأنه يحرم إذا اختلت الشروط التي ذكروها: أن لا يلح في المسألة، وأن لا يذل نفسه ذلاً زائدًا عن ذل السؤال؛ لأنه يقول مجرد أنه يسأل فيه قدر من الذل، فهذا الذل محتمل عند أصحاب هذا القول، لكن لا يذل نفسه بمقدار زائد على هذا الإذلال، ولا يترتب على سؤاله إضرار أو إيذاء للمسؤول.

قال الفكهاني: «لماذا بعض الفقهاء نحوا منحى الإباحة مع أن ظواهر الأحاديث تدل على حرمته؟». قال الفكهاني يتعجب ممن قال بكراهة السؤال مطلقًا مع وجود السؤال في عصر النبي ﷺ ثم السلف الصالح من غير نكير، فالشرع لا يقر على مكروه. تلاحظ الآن أنه إن كان يقول إن هناك آثارًا بأنهم كانوا يسألون النبي ﷺ، فما وقع ما يدل على منعه، فكيف يمكن القول بإطلاق التحريم أو حتى نقول بالكراهة مطلقًا؟

قال الحافظ ابن حجر يفسر ذلك: «لعل من كره مطلقًا أراد أنه خلاف الأولى». لأن هذا خلاف بين الأصوليين؛ هل خلاف الأولى من ناحية الأحكام التكليفية (لأن عندنا الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والتحريم)، فهل خلاف الأولى هو قسم من الأحكام التكليفية أم هو بمعنى الكراهة؟ فالحافظ ابن حجر يقول لعل من قال ذلك من أصحاب الاتجاه الأصولي يرى أن الكراهة مساوية لخلاف الأولى، فيجب علينا على الأقل أن نتفق أن سؤال المال من الغير خلاف الأولى.

وقال: «ولا يلزم من وقوعه أن تتغير صفته، ولا من تقريره أيضًا»، وهذا ملحظ آخر يقول: «وينبغي حمل حال أولئك على السداد، وأن السائل منهم غالبًا ما كان يسأل إلا عند الحاجة الشديدة». يعني الفكهاني عندما استدل بوجود السؤال في زمن النبي ﷺ، تساءل: لماذا لا نحمل تلك السؤالات على من كان مستحقًا للسؤال أو جائزًا له السؤال؟ وفي قوله «من غير نكير» النظر؛ ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في ذم السؤال كفاية في إنكار ذلك.

وقال ابن حجر: «جميع ما تقدم فيما سأل لنفسه، وأما إذا سأل لغيره فالذي يظهر أيضًا أنه يختلف باختلاف الأحوال». قال ابن تيمية: «مسألة المخلوق»، وهذه قاعدة عند شيخ الإسلام مضطردة في مؤلفاته وكتبه؛ ابن تيمية يرى أن مسألة المخلوق محرمة في الأصل، وإنما أُبيحت للضرورة، وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد. الأصل أن الإنسان لا يسأل الله سبحانه وتعالى ولا يسأل الخلق شيئًا، وأن هذا الأصل إنما خالفته الشريعة بمقتضى الضرورة، هذا الذي يراه ابن تيمية، قال: «والسؤال محرم إلا عند الحاجة».

إليه، وظاهر مذهب أحمد أنه لو وجد ميت ميتة عند الضرورة ويمكنه السؤال، جاز أكل الميتة. لاحظ، يقول ظاهر هذا، ولا يسأل الناس شيئًا. وطبعًا هذا أحد المعاني التي تدل على أن الإسلام يريد أن يرسخ جانب العزة للإنسان المسلم، أن حتى لو كانت عندك ميتة ولا تستطيع أن تأكل الميتة، فإن الأكل منها جائز؛ لأن الشريعة تراعي ذل السؤال. قال: وليس شيئًا، ولو ترك أكل الميتة ومات عاصيًا، ولو ترك السؤال ومات لم يمت عاصيًا.

والأحاديث في تحريم السؤال كثيرة جدًا، نحو بضعة عشر حديثًا في الصحيح والسنن. وفي سؤال الناس مفاسد: الذل لهم، والشرك بهم، والأذى لهم، وفيها ظلم نفسه بالذل لغير الله عز وجل، وظلم الخلق بسؤالهم أموالهم. قال النبي ﷺ لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بتحريم مسألة الناس إلا عند الضرورة، وقال: «لا تحل المسألة إلا لذي غرم، أو مضعف، أو دم موجع، أو فقر متقع». قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 7-8]، فأمره أن تكون رغبته إلى الله وحده.

قال ابن القيم في مدار السالكين: «المسألة في الأصل حرام، وإن مبيحه الحاج والضرورة؛ لأنها ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق المسؤول، وظلم في حق السائل. أما الأول؛ فلأنه بذل سؤاله وفقره وذله واستعطائه لغير الله، وذلك نوع عبودية، فوضع المسألة في غير موضعها وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه وفقره إلى الله وتوكله عليه ورضاه بقسمه، واستغنى بسؤال الخلق عن مسألته، وذلك كله هضم من توحيده، يطفئ نوره ويضعف قوته.

وأما ظلمه للمسؤول؛ فلأنه سأله ما ليس له عنده، فأوجب له بسؤاله عليه حقًا لم يكن عليه، وعرضه لمشقة البذل أو لؤم المنع، فإن أعطاه أعطاه على كراهة، وإن منعه منعه على استحياء، هذا إذا سأله ما ليس عليه. وأما إذا سأله حقًا هو له عنده، لم يدخل في ذلك ولم يظلمه بسؤاله.

وأما ظلمه لنفسه؛ فإنه أراق ماء وجهه، وذل لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالتين، ورضي بإسقاط شرف نفسه وعزه، وتعففه وراحته، وقناعته، وباع صبره ورضاه وتوكله وقناعته بما قسم له، واستغناءه عن الناس بسؤالهم، وهذا عين ظلمه لنفسه؛ إذ وضعها في غير موضعها، وأخمل شرفها، ووضع قدرها، وأذهب عزها، وصغرها وحقرها، ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسؤول ويده تحت يده. ولولا الضرورة لم يبح ذلك الشرع».

بمعنى كلام ابن القيم، حين ذكر المفاسد المترتبة، قال: «واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلًا وشرعًا، وذلك من وجوه متعددة»، وهو ذكر أن فيه بذل ماء الوجه وذلة السائل، وذلك لا يصرح به، أن في سؤال الله عبودية عظيمة بإفتقار، وأن ما يتحقق في هذه المعاني من معاني العبودية لله عز وجل بسؤاله. ومنها أن الله يحب أن يُسأل، ويغضب على من لا يسأله. والرابع أن الله تعالى يستدعي من عباده سؤاله وينادي كل ليلة: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟».

يقول المعلم اليماني رحمه الله تبارك وتعالى: «إليه كلام مهم في رفع الاشتباه عن معنى العبادة؛ قال: جاءت أحاديث كثيرة في تحريم سؤال الناس، أي أن تسألهم أن يعطوك شيئًا من أموالهم، واستثني في بعضها السؤال من السلطان، والسؤال عند شدة الحاجة. وقد نظرت في وجوه السؤال فوجدته على أقسام.

القسم الأول: ما هو من باب سؤال الإنسان حقًا له عند المسؤول، كأن يكون له دين عند إنسان فيطلبه منه، فهذا ليس داخلًا في حد المسألة. القسم الثاني: ما جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة، كقول التلميذ لزميله: ناولني الكتاب، فهذا جانب ثالث: سؤال الإنسان ما ليس بحق له، ولا جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة، وذلك كقول من: «من يجد الكفاية من العيش؟» لغني لا حق له عليه، كأن يقول: «أعطني دينارًا» مثلاً. ومن هذا القسم سؤال الإنسان من ربه تعالى؛ لأنه لا حق له على ربه تعالى.

فأما الأول؛ فلا يسمى استعانة، ولا يلزمه التذلل والخضوع. وأما الثاني؛ فإنه سمي استعانة، لكنه لا يلزمه التذلل والخضوع، إلا أن فيه رائحة من ذلك، وهو سؤال المناولة على وجه المكافأة. وأما الثالث؛ فهو الذي يلزمه التذلل والخضوع.

وقد يكون السؤال من القسم الأول، ولكنه يصحبه تذلل؛ وذلك سؤال الناس أنبياءهم عن أمور دينهم، وقد يكون السؤال من القسم الأول أن يقع ما هو ليس من باب سؤال الإنسان حقًا له عند المسؤول، كأن تسأل النبي ﷺ ليعطيك جوابًا، فيقول: «إن سؤال المستفتي لا يخلو من قدر من تذلل للمفتي، أو خضوع ذل الجهل لذل العلم». وكذلك سؤال العامة علمائهم عن أمور الدين، وكذلك سؤال المحتاج العاجز حاجته من الغني.

والحق أن سؤال الأنبياء والعلماء إنما يصحبه الإكرام والاحترام الذي أمر الله عز وجل به، وأما سؤال المحتاج العاجز، فإن عند التحقيق هو ليس ذلًا بقدر ما هو إظهار للحاجة والتكريم. وقال: «وأما سؤال المحتاج العاجز فإنما يصحبه التذلل لجهل الأغنياء بما عليه من الحقوق»، فالتذلل الواقع إنما هو تذلل ناشئ من إشكالية عند الغني لا من الفقير؛ لأن هذا الفقير المضطر لما يسأل الغني مالًا هو يسأل حقًا له، فالمفترض أنه لا يشعر بالذل، لكن لجهل الأغنياء بما عليه من حقوق يقع الإشكال. ونظير ذلك أن يكون له دين على الجبار، فإنك تحتاج عند طلبك حقك منه إلى إظهار التذلل.

ومن القسم الأول ما أُبيح من سؤال السلطان، فالمراد إباحته أن يسأله من كان له حق في بيت المال، فأما من لم يكن له حق أصلًا، فسؤاله للسلطان كسؤاله لغيره».

هذه تقسيمة ذكرها الإمام المعلم اليماني. المعنى الثاني الذي هو كثرة السؤال، وهو المحتمل أن يكون كثرة الأسئلة تنطعًا، أو كثرة السؤال عن أحوال الناس. فما صيغة الحديث بكليته في الباب؟

فهذا قصدي، يقصد مباشرة لأن كثرة السؤال، وكذلك القيل والقال؛ لأنه قال وأبعادهم عن القيل والقال، وبيّن وجه الشهادة، وكثرة سؤال -أظن في التعليقات الأولى- ما يبين طرفًا منه، يعني الذي يجمع الإشكال والذي ينافر به الإنسان مركزية العمل.

وأن النبي ﷺ سأل لتربية صحابته، اللي هو محاولة النبي ﷺ انتزاع الصحابة من تلك الروح ومن تلك النفسية المتشبعة بروح القيل والقال والاهتمام بكثرة السؤال؛ هي روح ليست عملية، والشريعة تتشوف إلى تخليق هوية عملية للإنسان المسلم، ما يكون اشتغال الإنسان المسلم في وجوده بمجرد ملاحقة القيل والقال والاشتغال بكثرة الكلام، وإنما يشتغل بما يعمل، ولا يكون سؤال الإنسان إلا عما ينفعه، ولا يقع في شرك يفقده بكثرة الأسئلة؛ لأن كثرة الأسئلة في كثير من الأحيان تعبر عن إشكالية خطيرة متعلقة بالمعامل العملي.

ولذا، مثلاً بضرب نموذج عملي له اتصال إلى حد ما، مثلاً تلاحظ أن في بعض الشباب يستغرق عمره وحياته في السؤال عن منهجيات طلب العلم، يقول: يجلس مع طالب علم فيقول له: أنا أبغى أطلب علم، ما أدري إيش وكذا وكذا، فبماذا تنصحني أبتدئ به مثلا في علم العقيدة وعلم الفقه وكذا؟ صح ولا لا؟ فتبين له منهجية معينة، تقول له مثلاً: إذا كنت مراغبًا تتفقه وفق السادة الحنابلة فابتعد بأقصى المختصرات، ثم الزاد، ثم المستقنع، ثم الروض، والمرجع، وبعد ذلك إن شاء الله تدك الدرب وتصل وكذا.

بعدين يجي مع طالب علم آخر فيقول إنه حدثني الشيخ بمنهجية معينة، بس أنا سمعت أن في كتابًا آخر غير الزاد اللي هو دليل الطالب مثلاً، فما هو الأفضل دليل الطالب أو الزاد؟ ويروح الطالب لعلم ثالث ورابع وخامس ومستمر في حلقة تطلب إيش؟ المنهجية، الخطة؟ زين.

تقول الحين بعد فترة معينة خلاص، مفترض أن يبدأ الإنسان، فهو من حيث يدري أو لا يدري أنه قاعد يوقع نفسه في هذه الدائرة بسبب تشوه هذه النفس اللي حاصل عنده، أن ما عاد الإنسان مهتمًا بالأبعاد الفعلية العملية بقدر ما يحب ويستهويه تخندق مربع السؤال؛ لأن مربع السؤال في كثير من الأحيان هو المربع الأكثر سهولة والأكثر بساطة والأكثر ارتياحًا.

لأن العمل في كثير من الأحيان يحتاج من الإنسان أنه ينزع نفسه من تلك الحالة، إلى حالة من المشقة إلى حد ما، فتقول إن خلاص إذا استوفى الإنسان جزءًا من الواجبات البحثية المتعلقة بطلب العلم، فليشق الطريق. وإن الفارق الموضوعي مثلاً إذا تكلمت عن منهجية طلب العلم، الفارق الموضوعي بين الكتاب (أ) والكتاب (ب) ليس فارقًا موضوعيًا كبيرًا يستدعي من الإنسان هذا النوع من أنواع التدقيق الزائد.

يبدأ طالب العلم، سواء زاد أو المستقنع أو دليل الطالب، ابن الحلال، يبدأ بين الكتابين وستفلح وستنجح، ما له داعٍ أن يستغرق الإنسان عمره في محاولة تطلب الفروق الدقيقة القائمة وأوجه المفاضلة القائمة بينهم. هذا ما ذكره من هذه الأحاديث، نسألك الله سبحانه وتعالى بالخير.

الله أعلم، محمد جزاكم الله خيرًا.