دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا درس جديد من دروس المنهاج من ميراث النبوة، والباب الذي معنا بإذن الله سبحانه وتعالى اليوم هو الباب التاسع من أبواب الكتاب، وهو باب محوري ومركزي ومهم، ويعالج قضيتين أساسيتين تعتبران من كليات دين الإسلام. يقول الشيخ أحمد في عنونة الباب: باب في صدق النية، وأن العمل المقبول هو ما ابتغي به وجه الله تعالى ووافق السنة. فتلاحظ أن عنوان الباب هذا يركز على النية والسنة، وهو ما يعبر عنه في اللسان العلمي بـ "المتابعة".

أحد التعبيرات الدارجة أن شرطي قبول العمل: الإخلاص والمتابعة. فعنوان الباب يركز على هاتين القضيتين الأساسيتين؛ ما يتعلق بمعطيات الإخلاص لله تبارك وتعالى في العبادة، ووجوب أن يتابع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن العبادة، بحيث إذا اختل أحد المعنيين أدى ذلك إلى اختلال في قبول العمل الصالح. أحد التعبيرات التي ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى على عريضة رسالة مفردة في هذا المعنى، وهي الرسالة التبوكية أو عنوانها الآخر "زاد المهاجر إلى ربه"، ينطلق منها ابن القيم في هذا الكتاب: أن الإنسان في هذه الحياة الدنيا في مشوار هجرة، وأن كل مؤمن في هجرته ينبغي عليه أن يكون له عملياً هجرتان: هجرة إلى الله تبارك وتعالى بالإخلاص، وهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمتابعة.

هذا الموضوع يعالجه ابن القيم في رسالته التبوكية، بالإضافة إلى كتابه الموسع الآخر "طريق الهجرتين"؛ لأنه يتكلم عن طريق الهجرتين: هجرة إلى الله عز وجل بالإخلاص، وهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم بالمتابعة. ولخص ابن القيم رحمه الله هذا المعنى في كتاب الروح فقال: "فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سبباً لقبول الأعمال، فإذا فقدا لم تقبل الأعمال".

ما معنى الإخلاص لو أراد الإنسان أن يعبر عنه؟ الإخلاص لله تبارك وتعالى يعني أن تخلي قلبك ممن سوى الله. وهذا ليس مجرد خلو القلب من أي نية أو محرك، وإنما يكون المحرك والمراد هو الله تبارك وتعالى. فيستطيع الإنسان أن يعبر عن الإخلاص بأنه أن يبتغي الإنسان ويريد ربه تبارك وتعالى بأعماله الظاهرة وأعماله الباطنة، بحيث تكون جميع عبودياته خالصة لله تبارك وتعالى. وهذا من ناحية الاشتقاق اللغوي هو تخليص العمل من الشوائب. والشوائب التي تعصف بمادة الإخلاص هي أن يزاحم إرادة الله عز وجل إرادة غيره تبارك وتعالى، وهذه المزاحمة لها درجات؛ قد تكون مزاحمة تخرج العبد من دائرة الإسلام بالكلية فيكون مقصوده بالعبادة الله عز وجل وغير الله على جهة العبودية لغير الله، وقد تكون أدنى درجة من ذلك وهو أن يشيب الإنسان أو يخلط مادة إخلاصه بالرياء، بحيث لا يصرف عبادة لغير الله سبحانه وتعالى، وإنما هنالك نوع من أنواع الإرادة والنظر المتعلق بالخلق الذي يراد لأجله العمل، لكن لا يلزم بضرورة أن يخرج الإنسان من دائرة الإسلام.

الأدلة الشرعية الدالة على هذين المعنيين كثيرة، ومن الملاحظات المتعلقة بتبويبات الكتاب أن الشيخ أحمد اختصر في هذا التبويب على ذكر آية قرآنية واحدة فقط. وهذا الاختصار سببه كثره الدلائل القرآنية المعضدة للمعنى، لأن مادتي الإخلاص والمتابعة مادتان محوريتان ومركزيتان في الوحي وقضية كبرى؛ وطبيعة القضايا الكبرى في شريعة الإسلام أن يتم التركيز عليها في خطاب الوحي. فكلما عظمت القضية يكون من رحمة الله تبارك وتعالى تفخيم وتعظيم لما يتعلق بها، وكلما كانت القضية أدنى درجة قل خطاب الشارع المتعلق بها.

من أبرز الأدلة القرآنية الدالة على هذا المعنى الآية التي ذكرها الشيخ أحمد، وهي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. ما وجه الدلالة والشاهد من هذه الآية؟ دلالة الإخلاص في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ظاهرة ومكشوفة. أما العلماء فيقولون إننا نستطيع انتزاع مادة المتابعة من الشق الأول وهو قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾. والسبب أن الأصل في التعبدات أنها ليست معقولة المعنى من جهة التفصيل؛ بمعنى هل يستطيع الإنسان أن يدرك صلاح العمل وفساده بمجرد عقله؟ مثلاً صلاة الظهر أربع ركعات؛ لماذا ليست خمساً أو ستاً؟ هل نستطيع أن ندرك وجه الصلاح في هذا قبل ورود خطاب الشارع؟ لا يستطيع الإنسان. فلما يأمرك الله سبحانه وتعالى بأن تعمل عملاً صالحاً، فليس لك سبيل أن تطلع على مراد الله عز وجل وأن هذا العمل يتسم بسمة الصلاح إلا إذا أتاك من جناب النبي صلى الله عليه وسلم.

لذلك تلاحظ أن أحد التدليلات الأساسية التي سيردها الشيخ أحمد بما يتعلق بشق المتابعة هو حديث عائشة رضي الله عنها: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». هنالك ارتباط عضوي بين صلاح العمل وفساد العمل وباب البدعة؛ لأن المبتدع يدعي صلاحاً في عبادة هي في نفس الأمر ليست صالحة، ولماذا خرجت عن موطن الصلاح؟ لأن خلا منها معنى المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

من الإشارات القرآنية التي استخدمها العلماء كذلك لذكر هذين المعنيين قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، فنقل عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: "أحسنه أخلصه وأصوبه". فـ "أخلصه" واضحة، و"أصوبه" أي متابعاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك أدلة قرآنية كثيرة تدل على مادة الإخلاص، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]، وقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾ [الليل: 19-20]، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]، وغير ذلك من الآيات التي تبين حبوط العمل إذا خلا من الإخلاص.

أما قضية المتابعة، فيقول ابن تيمية: "أفضل العبادات ما وافق هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة". كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». وقال صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم». فموجب المتابعة إدراك المسلم أن خير الهدي هي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم. يقول ابن القيم في كتابه "المدارج": إن تفاضل الأعمال ليس بكثرتها وعددها، وإنما هو بإكمالها وإتمامها وموافقتها لرضا الرب وشرعه. فكلما عظمت مادة الإخلاص في عبادة معينة عظمت عند الله، وكلما عظمت مادة المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في عبادة معينة عظمت تلك العبادة عند الله. فالعمل اليسير الموافق لمرضاة الرب وسنة رسوله أحب إلى الله من العمل الكثير إذا خلا من ذلك أو عن بعضه.

ولذا من الإشارات التي ذكرها الله عز وجل في سورة الكهف لما تكلم عن الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ الإشكال المحوري أنهم استثمروا جهدهم في هذا العمل الذي ليس بمثابة الصواب الذي يأتي به العمل المشروع. فخسروا الدنيا وخسروا الآخرة، أضاعوا الجهد والمال والوقت والعمر، ثم أفضوا إلى الله سبحانه وتعالى واكتشفوا الحقيقة.

إن هذه الأعمال لا قيمة لها، الأمر واضح الإشكال؛ فلما تنظر إلى تراتبية البشر ستجد أن هؤلاء تصنفهم وتقول: هؤلاء هم الأخسرون أعمالاً. هي أحط الدرجات المتعلقة بالعمل. ما هو الموجب لهذا المعنى؟ أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، لكنهم في نفس الأمر لم تكن هذه الأعمال من الصنيع الحسن.

لماذا لم تكن هي من الصنيع الحسن؟ لأنها خلت من مادة المتابعة، متابعة النبي ﷺ. يقول ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى: «والأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة والتعظيم والإجلال وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه حتى تكون صورة العملين واحدة وبينهما في الفضل ما لا يعصيه إلى الله تعالى». فينبه إلى الشرط الأول وهو شرط الإخلاص. ثم يقول: «وتتفاضل أيضاً بتجريد المتابعة، فبين العملين من الفضل بحسب ما يتفاضلان في المتابعة، فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلاً لا يحصيه إلا الله تبارك وتعالى».

من الأدلة التفصيلية المتعلقة كذلك بمادة المتابعة حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وهو قول النبي ﷺ في الحديث المشهور، حديث العبادة بن الصامت رضي الله عنه: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة». وقول النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي، خذوا عني مناسككم من توضؤكم نحو وضوئي هذا». ثم صلى ركعتين لا يحدث بها نفسه، وغفر له ما تقدم من ذنبه.

ومما يؤكد هذا المعنى على جهة التفصيل، هو ظاهر حرص صحابة النبي ﷺ على نقل دقائق ما يتعلق بهدي النبي ﷺ في شأن تعبده. ولله تبارك وتعالى نقل الدقائق المتعلقة بهذه المسألة. ما هو المحفز للصحابة لنقل دقائق ما يتعلق بالنبي ﷺ؟ لماذا كانوا حريصين جداً جداً على نقل كل صغيرة وكبيرة متعلقة به؟ هذا طبعاً من مادة المحبة للنبي ﷺ، فلما كانوا يحبون النبي ﷺ كانوا يحبون أن يتكلموا بالتفصيل المتعلق بجناب النبوي، لكنهم يراعون كذلك أن النبي ﷺ هو رسول من عند الله عز وجل، فأفعاله وتقريراته وأقواله ﷺ هي مادة تشريع، وبالتالي كان عندهم حرص كبير على نقل هذه المادة التشريعية للأمة. فتجد دقة جداً فيما يأتي؛ يعدون سكتات النبي ﷺ في الصلاة، ويعرفون مثلاً تلاوته وقراءته من اضطراب لحيته، يلاحظون ملاحظة فيرتبون عليه أثراً معيناً، وتحصل أشياء كثيرة متعلقة بهذا الباب.

الآية الأولى التي ذكرها الشيخ أحمد في هذا التبويب هي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، وفي تفسير "يرجو لقاء ربه" ثلاثة أقوال عند أهل العلم.

القول الأول: أن معنى "يرجو لقاء ربه" أي الجنة؛ أي من كان يؤمل في لقاء ربه تبارك وتعالى فليترتب عليه هذا الأثر، وهذا هو الأقرب دلالة. والقول الثاني: أن بعض العلماء قالوا إن أحياناً في العربية تستخدم مادة الرجاء للدلالة على ضدها على نحو مجازي، يقول مثلاً: «ومن المجاز استعمال الرجاء في الخوف والاكتراث». قال الطيبي في حاشيته على الكشاف: «ومن المجاز استعمال الرجاء في الخوف والاكتراث»، وقال البغوي: «الرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعاً»، فمعنى ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: من كان يخاف أو يخشى لقاء ربه. والقول الثالث: أن من كان يصدق أو يؤمن بلقاء ربه. وكل الدلائل هذه فيها قدر من التلازم.

هذه الآية القرآنية كما ذكرنا اشتملت على شرطين لقبول العمل: الإخلاص والمتابعة. الإخلاص من خاتمة الآية ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، والمتابعة في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾. وبيّنها ابن كثير رحمه الله تبارك وتعالى بقوله: «فمن كان يرجو لقاء ربه أي ثوابه وجزائه الصالح فليعمل عملاً صالحاً أي ما كان موافقاً لشرع الله، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل: لابد أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله ﷺ».

ومثلما ذكرنا، أحد الملاحظات اللافتة للنظر فيما يتعلق بتبويبات الكتاب عموماً، وهذا التبويب على وجه الخصوص، هو أن الشيخ لم يحرص على ذكر مادة قرآنية من الدلائل الدالة على الإخلاص، واقتصر على ذكر عدد من الأحاديث النبوية الدالة على كلا المعينين، وإن كانت مادة الأحاديث تلاحظ أنها مركزة بشكل أكبر على ركن الإخلاص، فتجد الدلائل المتعلقة بمادة الإخلاص أكثر من المادة المتعلقة بالمتابعة، وحتى من جهة الترتيب.

يقول الشيخ في الحديث الأول المتعلق بهذا الباب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» [أخرجه البخاري ومسلم].

ومن الأمور الطريفة واللافتة في تخريج الحديث، أن هذا أول حديث ذكره الإمام البخاري في صحيحه رحمه الله تبارك وتعالى عليه، وهذا حديث محل حظوة كبيرة جداً عند أهل العلم، حتى صنفوا فيه مصنفات، ما بين كتب صغيرة وكتب متوسطة وكتب كبيرة. ولأنه أورده الإمام النووي رحمه الله تبارك وتعالى في كتابه الأربعون النووية، فقد حظي كذلك بمادة واسعة وكبيرة من الشروح. وإذا كان أحد المعاني التي يذكرونها العلماء عادة في أول تناول لهذا الحديث هو منزلة هذا الحديث عند أهل...

العلم يقول مثلا الإمام أحمد رحمه الله تبارك وتعالى: إن أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث؛ حديث عمر: "أصول الإسلام"، يعني إذا أراد الإنسان أن يرد دين الإسلام إلى أحاديث يقول لك ابن حنبل: أهم الأحاديث المحورية التي يقوم عليها دين الإسلام ثلاثة أحاديث: حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث عائشة: «من أحدث أمراً ليس منه فهو رد»، وحديث النعمان بن بشير: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات».

يقول النووي: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وصحته. قال العراقي: هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام، حتى قيل إنه ثلث العلم، وقيل ربعه، وقيل خمسه. وقال الشافعي وأحمد إنه ثلث الإسلام. قال ابن حجر: وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث. قال أبو عبد الله: «ليس في أخبار النبي ﷺ شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث». واتفق عبد الرحمن المهدي والشافعي -فيما نقله البويطي عنه- وأحمد بن حنبل وعلي المديني وأبو داود والترمذي والدارقطني وحمزة الكناني على أنه ثلث الإسلام، ومنهم من قال ربعه، واختلفوا في تعيين الباقي.

وقال ابن مهدي أيضاً: يدخل في ثلاثين باباً من العلم. قال الشافعي: يدخل في سبعين باباً، ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة؛ يعني يقول الحافظ ابن حجر: يعلق على عبارة الشافعي لأن من المعاني الدارجة عند العرب أنهم إذا أرادوا المبالغة في عدد معين جعلوه سبعين، مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 10]، فليس المقصود الاستغفار لهم سبعين مرة إذا تحقق هذا العدد، وإنما هو المبالغة، مثل ما يقول مثلاً: اتصلت عليك عشرين ألف مرة، على سبيل المبالغة. فيقول الحافظ ابن حجر: إن عبارة الشافعي يحتمل أن لا يقصد بها سبعين باباً، وإنما المقصود بها الدلالة على كثرة دخول هذا الحديث في أبواب الشريعة وباب العلم.

قال عبد الرحمن المهدي أيضاً: ينبغي أن يُجعل هذا الحديث رأس كل باب. ووجه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها؛ لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها. لاحظ هذا أحد المعاني الجميلة المتعلقة بمادة الإخلاص لله عز وجل مراعاة جانب النية. فلاحظ أن النقل عن عدد غير قليل من الأئمة أن وصفوا هذا الحديث بأنه يمثل ثلث الإسلام.

فالبيهقي يخرجه ويقول: لأن إذا نظر الإنسان في طبيعة العبادة يجد أن في غالب الأحيان، في كثير من الأحيان، تشتمل على ثلاثة مواد أساسية: إما أن تكون معنى متعلقاً بالقلب، أو باللسان، أو بالجوارح، فلما كانت متعلقة بالقلب صارت ثلثاً. ثم أبرز ملاحظة جميلة للتنبه لها هي أن ميزة هذا البعد أنه أفضل ما يتعلق بالأقسام الثلاثة؛ ما هو المعنى الذي لأجله جعله فاضلاً ولا في عدة معاني متعلقة بالأعمال القلبية، خصوصاً ما يتعلق بمادة الإخلاص والنية؟

يقول البيهقي: لأن العمل الظاهر لا يصح إلا بالنية الباطنة، لكي تكون متقبلة عند الله عز وجل، لكن الإنسان قد يبلغ بنيته ما لا يبلغ بعمله؛ يعني لو عجز الإنسان عن تحقيق العمل مع إرادته تحقيق العمل، هل يثاب أم لا يثاب؟ يثاب. لاحظ أن العمل ليس موجوداً والنية موجودة، فقد يثاب الإنسان على مجرد النية من غير عمل. طيب، إذا كان العكس، الآن العمل موجود والنية غير موجودة، ايش اللي يحصل؟ لا ينتفع بهذا العمل.

فبهذا يستدل على أحد جوانب التفاضل بين العبودية الباطنة والعبودية الظاهرة، وبين مادة النية ومادة العمل. قال: ومن ثم ورد: «نية المؤمن خير من عمله»، فإذا نظرت إليها كانت خيراً من خير الأمرين. وكلام الإمام أحمد يدل على أنه بكونه ثلث العلم، إنه أراد أحد القواعد الثلاث التي ترد إليها جميع الأحكام عنده، وهي: «ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

ثم إن هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ، ووهم من زعم أنه في الموطأ مغترّاً بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك؛ لأن هذا الحديث معروف عند مالك، وأخرج البخاري ومسلم والنسائي من طريق الإمام مالك. فالحافظ ابن حجر ينبه أن الحديث على التحقيق ليس موجوداً في موطأ الإمام مالك، ووهم من نسبه إلى الموطأ لأن الشيخين والنسائي قد رووه عن طريق مالك فظنوا أن روايتهم له عن طريق مالك لوجوده في الموطأ. هذا مجرد تنبيه ولا يضر بطبيعة الحال بصحة الحديث. فالحديث عظيم، حديث كبير، حديث جليل، حديث مهم جداً فيما يتعلق بأبواب العلم، ومثل ما ذكر الأئمة أن ينبغي أن يوضع على رأس كل باب؛ لأن كل عمل صالح يحدثه الإنسان المسلم يشترط له بالضرورة أن يتحقق بمعنى هذا الحديث.

أول لفظة يقول فيها النبي ﷺ في هذا الحديث: «إنما الأعمال بالنيات». طيب، ما دلالة كلمة "إنما"؟ الحصر. يقول ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" -وهذا ملحظ لغوي مهم استحضاره في تناول أحاديث النبي ﷺ أو شروحات أو تفسير القرآن الكريم- يقول: إنما للحصر على ما تقرر في الأصول. فإن ابن عباس يستدل على دلالة "إنما" في اللغة العربية على الحصر من خلال هذا الأثر؛ يقول: فإن ابن عباس رضي الله عنهما فهم الحصر من قوله ﷺ: «إنما الربا في النسيئة».

كان من المعاني المشهورة، الموجود فيها الخلاف المتقدم، أن نُقل عن معاوية وعن ابن عباس أنهم يرون أن الربا المحرم في الشريعة -وهو ما كان من قبيل ربا النسيئة وربا الفضل- ليس محرماً. طيب، لماذا تعتقد هذا يا ابن عباس؟ يقول: لأن النبي ﷺ قال: «إنما الربا في النسيئة». طيب، ما هو وجه الشاهد أو وجه الدلالة من قول النبي ﷺ: «إنما الربا في النسيئة»؟ فيقول لك: "إنما" في اللغة العربية تدل على الحصر، فالنبي ﷺ حصر مادة الربا في النسيئة، هذا وجه الدلالة.

فيقول ابن دقيق العيد: وعرض دليلاً آخر يقتضي تحريم ربا الفضل ولم يعارضه في فهمه للحصر، وفي ذلك اتفاق على أنها للحصر. يعني الصحابة الذين خالفوا ابن عباس، وهم الجمهور من الصحابة، خالفوا ابن عباس لما اعترضوا عليه في قول النبي ﷺ: «إنما الربا في النسيئة». ما هي طبيعة الاعتراض الذي قدموه له؟

أحضروا دليلاً آخر، أحضروا الأدلة الدالة على تحريم ربا الفضل، مثل قول النبي ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير...» الحديث، يداً بيد مثلاً، فاشترط فيه التقابض، واشترط التماثل. لاحظ أن التماثل هو المعنى المتعلق بقضية تحريم الفضل.

فعارضوه بأدلة ثانية؛ يقولون لو كانت «إنما» تدل على الحصر، فماذا يفترض أن يعارضوه؟ يقولون: كيف فهمت من قول النبي ﷺ «إنما الربا نسِيئة» أن «إنما» تدل على الحصر؟ من قال لك إن «إنما» تدل على الحصر؟ فيقول ابن دقيق العيد: لما استدل ابن عباس في هذا الدليل وتمت معارضته من أهل العربية بأدلة أخرى وسعت من دلالة الربا إلى تلك المنطقة الأخرى، دل ذلك على أن ابن عباس وهلك الصحابة كلهم متفقون على أن «إنما» في اللغة العربية تدل على الحصر.

الحافظ ابن حجر رحمه الله تبارك وتعالى عليه في الفتح، لما شرح هذا الحديث، له بحث متوسع ومطول في تحرير دلالة «إنما». يقول ابن دقيق العيد: إذا ثبت أنها للحصر، قال: «فتارة تقتضي الحصر المطلق، وتارة تقتضي حصراً مخصوصاً». لاحظ من المعاني المهمة: أن «إنما» تدل على الحصر، وهذه الدلالة في قضية الحصر إنما تكون حصراً مطلقاً أو تكون حصراً مخصوصاً، لكن هي لا تخرج في الوجهين عن إعطاء معنى من معاني الحصر؛ هذه قضية أساسية.

ويُفهم ذلك بالقرائن والسياق؛ يعني كيف يستطيع الإنسان الاستدلال على أن «إنما» هنا تدل على الحصر المطلق أو تدل على الحصر المخصوص؟ يقول لك من خلال السياق، ومن خلال طبيعة القواعد المحتفة بهذا الخبر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: 7]. هذا حصر مطلق أم حصر مخصوص؟ هو مخصوص؛ لأن النبي ﷺ له وظائف كثيرة متعلقة بالجناب النبوي، وليس الأمر متعلقاً فقط بمجال الدعوة.

لنأخذها على مستويين؛ أول شيء على مستوى الإطلاق بشخص النبي ﷺ، في آيات أخرى يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: 110]. الله عز وجل قال «منذر» ولم يقل «بشر»، فلو قدر الإنسان فهم معنى الحصر المطلق لحدث تعارض، فنقول: لا، ليس مقصود الحصر المطلق، وإنما هو معنى من معاني الحصر المقصود.

فلما تأخذها على مجال الدعوة، هل وظيفة النبي ﷺ محصورة في الإنذار فقط؟ لا، إن في وظائف متعددة للنبي ﷺ في مجال الدعوة، ومما يقابل الإنذار كذلك من وظائف النبي ﷺ التبشير. ثم من وظائف النبي ﷺ كذلك بيان الأحكام الشرعية الدينية، والتي لما جاءت لحظة البيان لا يلزم أن تكون متعلقة بمادة الإنذار أو البشارة.

يقول ابن دقيق العيد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾: «وظاهر ذلك حصر الرسول ﷺ في النذارة، والرسول لا ينحصر في النذارة، بل له أوصاف كثيرة كالبشارة وغيرها». ولكن لاحظ الملحوظة المهمة: إذا أدرك الإنسان هذا المعنى، ما يصح له الانقلاب على أصل المفهوم بحيث يقول إن «إنما» في اللغة العربية في هذا السياق لا تدل على الحصر؛ لا، ابن دقيق العيد يقول: لما استخدم الله عز وجل «إنما» استخدمها للإبانة عن معنى من معاني الحصر، لكن لا يلزم بالضرورة أن يكون حصراً مطلقاً، لكن في معنى الحصر شيء؛ يقول: «ولكن مفهوم الكلام يقتضي حصره في النذارة لمن يؤمن، ونفي كونه قادراً على إنزال ما شاء الكفار من الآيات».

لاحظ لما تنظر إلى سياق الآية القرآنية، ماذا حدث؟ الكفار يطلبون من النبي ﷺ أن يأتي بآيات، فالله عز وجل يخاطبهم ويقول: ترى قل لهم إنما أنا منذر، أنت مجرد منذر، ما تستطيع أن تأتي بالآيات؛ فكأنه حصر وضيّق من وظيفة النبي ﷺ من هذا المجال، لكن فيه معنى من معاني الحصر في مقابل المعنى الذي أشاروا إليه، يعني لا يمكن أن يتحقق للنبي ﷺ إنذار من لا يؤمن به للاعتبار المذكور.

وكذلك قوله ﷺ: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي»، يقول معناه: حصره في البشرية بالنسبة للاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيء، فإن للرسول ﷺ أوصافاً أخرى كثيرة. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾ [محمد: 36]، يقول: يقتضي -والله أعلم- الحصر باعتبار من آثارها، وأما بالنسبة لما هو في نفس الأمر فقد تكون سبيلاً للخيرات، أو يكون ذلك من باب التغريب، الأكثر في الحكم على الأقل.

فإذا وردت لفظة «إنما»، فاعتبرها؛ فإن دل السياق والمقصود من الكلام على الحصر في شيء مخصوص فقل به، وإن لم يكن في شيء مخصوص فاحمل الحصر على الإطلاق. ومن هذا قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، والله أعلم. هذا بحث مهم فيما يتعلق بأن «إنما» تدل في اللغة على الحصر، ثم هذه الدلالة على الحصر قد تكون حصراً مطلقاً أو تكون حصراً مخصوصاً بحسب السياق وبحسب القرآن.

يقول ابن دقيق العيد كذلك في تحرير الأعمال: لما قال النبي ﷺ «إنما الأعمال»، ما الذي تشتمل عليه دلالة لفظة «الأعمال» في هذا الحديث؟ يقول: «ما يتعلق بالجوارح وبالقلوب، فقد يطلق عليه عمل، ولكن الأسبق إلى الفهم تخصيص العمل بأفعال الجوارح». ابن دقيق العيد يشرح الآن الدلالة الثانية؛ يقول: «إنما الأعمال»، هذه الأعمال أول ما يتبادر للذهن ويقفز الذهن إليه هي الأفعال أو ما يتعلق بأعمال الجوارح، فينبّه ابن دقيق العيد الآن: هل الأعمال في دلالة هذا الحديث من حصرة في مجرد الأعمال الظاهرة أم لا؟ فهو يقول إن هنالك أعمالاً باطنة وأعمالاً ظاهرة، فيقول: «ما يتعلق بالجوارح وبالقلوب».

لما يقول «ما يتعلق بالجوارح وبالقلوب»، فما الذي يدخل في نطاق ما يتعلق بالجوارح؟ هو يريد الإشارة إلى هذا المعنى، لأن عندنا التركيبة ثلاثية، أما أن يكون أعمال الإنسان...

فعلا ظاهرا أو قولا لسانيا أو عملا قلبيا باطلا. قال فقد يطلق عليه عمل، ولكن الأسبق للفهم تخصيص العمل بأفعال الجوارح، وإن كان ما يتعلق بالقلوب فعلا القلوب أيضا. ورايت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصص الأعمال بما لا يكون قولا وأخرج الأقوال من ذلك، وفي هذا عندي بعض، فبعضهم يقول إنما العلامة بالنيات أن يخرج القول اللساني لأن عندنا عمل وقول.

فمن دقيق العيد ينبه أن بعضهم اختار هذا القول ولكن هو يرى أن في هذا بعد، وينبغي أن يكون لفظ العمل يعم جميع أفعال الجوارح، لو كان خصص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب، لو قال إنما الأفعال لكانت دلالتها أكثر وضوحا على أفعال الجوارح ويخرج القول اللساني، لكن الأعمال قال فإنهم استعملوها متقابلين فقالوا الأفعال والأقوال، ولا تردد عندي في أن هذا الحديث يتناول الأقوال أيضا والله أعلم.

وهذا معنى ظاهر؛ لأن لما ينظر الإنسان في العبوديات إما أن تكون عبودية متعلقة بالقلب، أو عبودية متعلقة بالجوارح، أو متعلقة باللسان، وهذه المعاني الثلاثة من شرطها أن تكون خالصة لله عز وجل، ولا تقبل عند الله سبحانه وتعالى إلا إذا كانت خالصة لله. الحديث يدل على هذا المعنى، ويمكن نشير له بعد قليل لما نتكلم في دلالة هذا الحديث على مفهوم النية.

ما هو مفهوم النية المدرج في دلالة هذا الحديث؟ لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، ما هو معنى النية في هذا الحديث؟ هو عمل النية، عمل من أعمال القلب، لكنه الباعث للفعل. فعندما يتكلم العلماء في النية ترى النية مشتركة في دلالتها على أحد معنيين: إما أن تكون النية المقصود بها «ماذا أردت بهذا الفعل؟»، أو «من أردت بهذا الفعل؟».

الواضح أن «من أردت بهذا الفعل» يؤثر، وهو ما يعبر عنه في لسان الشريعة بالإخلاص؛ أن يكون الله عز وجل مقصودا بهذه العبادة. أما «ماذا أردت بهذا الفعل؟»، فلو صلى الإنسان أربع ركعات، هل تجزئ عن صلاة الظهر؟ متى تجزئ عن صلاة الظهر؟ إذا نوى بها صلاة الظهر أو فرض الوقت، لاحظ أنه يؤثر.

لو مثلا صلى الإنسان ركعتين راتبة الفجر، ثم تكاسل عن أداء صلاة الفجر فقال: أنا صليت لله عز وجل ركعتين، هل يقبل منه؟ لا يقبل منه، مع أن نيته في ركعة الفجر كانت لله عز وجل، لكن هل هذه النية كافية في تحقيق تلك العبودية الخاصة؟ نقول لا. ترى في قضية معينة تنقل الفعل من معنى إلى معنى؛ تنقل الفعل من كونه مثلا قضية مباحة، كأن يغتسل الإنسان لمجرد التبرد، كيف يجعل الإنسان هذا الاغتسال مسقطا للغسل الواجب عنه بالنية؟ لما أقول يسقط عنه الواجب الشرعي بالنية، إيش المقصود بالنية؟ ماذا أراد؟ لماذا أراد بالفعل؟ هل أراد بهذا الفعل رفع الحدث الأكبر مثلا؟ أم لا؟ واضح الفرق، ففي فرق بين معني النية.

حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لما قال: «إنما الأعمال بالنيات»، أي المعنيين هو المقصود؟ لاحظ من ناحية تركيب الألفاظ، فهو يمكن أن يشتمل على المعنيين؛ «إنما الأعمال بالنيات» و«إنما لكل امرئ ما نوى». أنا أتكلم من ناحية تركيب هذه الألفاظ، هذه الأجزاء دالة على المعنى (أ) ودالة على المعنى (ب)، ولذا تناول أهل العلم هذا الحديث بهذه الدلالات العامة.

فإذا نويت بهذه العبادة (أ) تحقق لك (أ)، وإذا أردت بها الله عز وجل تحقق المطلوب، وإذا أردت بها البشر فلك ما نويت. لكن ضرب المثال الذي حصل في خاتمة الحديث: ﴿فَمَن كَانَ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَمَن كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة: 218]، يدل على أن المعنى الذي قصد أصالة التنبيه عليه والإرشاد فيه الحديث هو مادة الإخلاص، ولذا يصير الحديث الأخص بمقصود الباب؛ لأن مقصود الباب ليس الحديث عن أحكام النيات بالإطلاق، وإنما الحديث عن نوع من أنواع النيات المخصوصة، وهي النية الباعثة على الفعل وهو الله سبحانه وتعالى، أو إرادة وجه الله سبحانه وتعالى، أو الإخلاص لله تبارك وتعالى.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، قال الحافظ بن حجر لما أراد أن يذكر سياق الروايات التي وردت لهذا الحديث، لأن ورد هذا اللفظ بالنيات بألفاظ مختلفة، قال: أورد هنا «إنما الأعمال بالنيات»، وقال: «وهو من مقابله الجمع بالجمع»؛ أي كل عمل بنيته، فكل عمل مرتض بنيته. وقال الخويي كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله أو تحصيل موعوده أو الارتقاء لوعيده، فنبه إلى أن ما هو الموجب لجمع النيات هو إمكانية أن يقع هنالك نوع من التغاير أو التباين أو التنوع في أنواع النيات.

قضية الأعمال ظاهرة، عندنا عمل الصلاة، وعندنا عمل الزكاة، وعندنا عمل الصيام، فهل النية شيء واحد؟ أم يمكن كذلك أن يقع فيها قدر من التنوع؟ فيقول لك: «إنما الأعمال بالنيات»، فمعناها -كما قال بعض العلماء- أنه يمكن أن يشار إلى أن يقع في النيات تنوع كالتنوع الواقع في الأعمال. وقال: وقع في معظم الروايات إفراد النية: «إنما أعماله بالنية»، ووجه ذلك -إذا استلهم الإنسان إشارة من جمع النيات وأن هنالك حكمة ومغزى- أن الروايات التي ذكر فيها النية مفردا، ما هي الدلالة التي أجلت؟ قال: وجه أن محل النية القلب، وهو متحد، فناسب إفرادها من جهة.

الأعمال الظاهرة أعمال تتعلق بمختلف الجوارح ومساراتها متباينة متنوعة من حيث هي؛ فعندك مثلا الصلاة عبودية، وعندك الزكاة عبودية مالية، وعندك الصيام عبودية معتمدة على مادة الإمساك فقط، وعندك الحج عبودية مركبة من المعنيين، أن في نوع من أنواع البذل للمال وفيها من نوع العمل الظاهر.

بخلاف النية، فهو عمل متعلق بعضو واحد في جسد الإنسان وهو قلبه، فلاجل ذلك ناسب أن يفرد بالنية لاعتبار اتحاد محل النية وهو القلب، قال: بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر وهي متعددة فناسب جمعها، ولأن النية ترجع للإخلاص الواحد الذي لا شريك له.

وقعت في صحيح ابن حبان بلفظ «الأعمال بالنيات» بحذف "إنما" وجمع "الأعمال والنيات"، وهي ما وقع في كتاب الشهاب للقضاعي ووصله في مستدرك كذلك، وأنكره أبو موسى المديني كما نقله النووي وأقره، وهو متعقب برواية ابن حبان. بل وقع في رواية مالك عن يحيى عند البخاري في كتاب الإيمان بلفظ «الأعمال بالنية»، وكذا في العتق من رواية الثوري، وفي الهجرة من رواية حماد بن زيد، ووقع عنده في النكاح بلفظ «العمل بالنية» بإفراد كل منهما. فتلاحظ أن في عدة روايات: «العمل بالنية»، «الأعمال بالنية»، «الأعمال بالنيات».

قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، الباء هذه باء تشبيه، فبعض العلماء يقول إنها باء سببية، أي بمعنى أن الباعث على الأعمال أن سبب وقوع العمل هو النية، فلو عدمت النية لما وقع العمل، أي فُسرت النية بإرادة العمل. وبعضهم قال الباء للمصاحبة، أي مما يصاحب العمل النية. يقول الحافظ ابن حجر: «الباء للمصاحبة، ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقومة للعمل فكأنها سبب في إيجاده». وعلى الأول فهي من نفس العمل فيشترط أن تتخلف عن أوله، أما إذا قيل بالمصاحبة فمعناه أن المفترض أن تكون النية مستصحبة من لحظة العمل، وهذا أما إذا قيل سببية فيتصور أن تكون سابقة لوقوع العمل.

معنى النية في اللغة العربية معناها القصد، ولذا لما تنظر إلى النية بهذا اللحاظ اللغوي تدرك أن عندك سؤالين متعلقين بالقصد: من قصدت بهذا العمل؟ وماذا قصدت بهذا العمل؟ لاحظ يرد السؤالان. وشرعًا هي اعتقاد القلب فعل شيء وعزم عليه من غير تردد.

ومعنى «إنما الأعمال بالنيات» أن صحة الأعمال معتمد على النية. طيب، لماذا اخترنا لفظة صحة العمل دون قبول العمل في هذا التركيب؟ لأن القبول هو فرع الصحة، والصحة متعلقة بكل دلالتين؛ يعني إذا خلت النية عن المعنى الأول المتعلق بالإخلاص ما عاد العمل صحيحًا، وإذا وقع العمل من غير نيته التي أراد الشارع تحقيقها من العبد ما وقع صحيحًا كذلك كما ذكرنا.

قال الخطابي: «معناه أن صحة الأعمال ووجوب أحكامها إنما يكون بالنية، فإن النية هي المصرفة لها إلى جهاتها». وقال الحافظ العراقي: «المراد بالأعمال هنا أعمال الجوارح كلها حتى تفر بذلك الأقوال». وقال ابن هبيرة: «لا يقبل الله عملًا إلا بنية، حتى إن المسلم يضاعف له الثواب على أكله وشربه وقيامه وقعوده ونومه ويقظته على حسب نيته»، وذلك وربما يجمع الشيء الواحد عدة وجوه من العبادات بالنية، فهذا كذلك وجه آخر من أوجه التفاضل بين الأعمال الظاهرة وبين الأعمال الباطنة أو بين النية.

البيهقي أشار إشارة بأن إذا وجدت النية وعدم العمل فقد يكون محلًا للإثابة بخلاف العكس. الملحوظ الذي يبديه ابن هبيرة هو أن العمل قد يكون عملًا واحدًا لكن تعظم مثوبته لله عز وجل لهذا العمل بتعدد النيات. لاحظ بتعدد النيات؛ متصور أن الإنسان يحدث العمل فينوي به شغلة معينة فيثاب عليها، ثم إذا أحدث نية أخرى أثيب الحينتين، ثم الإثابة الثالثة والرابعة، فهذا يكشف عن أحد الأوجه المتعلقة بفضل النيات.

يقول ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه: «تداخل العبادات في العبادة الواحدة هو باب عزيز شريف لا يعرفه إلا صادق حاذق الطلب متضلع في العلم عالي الهمة، بحيث يدخل في عبادة يظفر فيها بعبادات شتى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». فينبه إلى معنى مهم متعلق برتب تفاضل العبادات، أن من الجوانب التي يحتاج الإنسان مراعاتها أن مهما استطاع الإنسان أن يكثر من نياته الحسنة في عبودياته فذلك أعظم لمثوبته وأجره.

فمثلاً لو أراد الإنسان الإقدام على مشروع الزواج، ما هي النيات التي ممكن أن يحدثها الإنسان فيما يتعلق بهذه العبودية لله عز وجل؟ مثلاً أنه يحصن نفسه ويعف، هذه نية، ويؤسس لبنة اجتماعية لبيت مسلم، ونية إعفاف الزوجة، ونية تكثير المسلمين، وهكذا. فتجد لو ما استحضر الإنسان هذه المعاني بالكلية قد لا يكون محل إثابته لهذا المعنى، ثم إذا استحضر معنى المعاني أثيب، ثم إذا زاد في الاستحضار زادت تلك المعاني.

يقول ابن رجب رحمه الله تبارك وتعالى عليه في كلام مهم: «والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين؛ أحدهما بمعنى تمييز العبادات بعضها عن بعض»، اللي هو الإشارة إلى ماذا أردت بالفعل، كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلا، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف ونحو ذلك. وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم، فتلاحظ همة الفقهاء منصرفة إلى ملاحظة هذا المعنى المتعلق بالنية أكثر من التنبيه أو التذكير بمادة الإخلاص المتعلقة بالعبادة. مادة الإخلاص متعلقة بأبواب العقائد، مادة متعلقة بباب الرقائق، باب الوعظ، باب التذكير في أشياء مثارات معينة. الفقهاء لما يقولون مثلا من شرط الصلاة أو من أركان الصلاة النية، أو لما يذكرون الصيام أن من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له فيقول لك إنه يشترط للصيام النية، فالتركيز الذي يركزون عليه في قضية النية ليس قضية الإخلاص، ليس هذا أصل حديثهم.

اللي هو النية اللي يقع بها التمييز بين العبادات، والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له أم غيره، أم الله وغيره؟ وهذه النية هي التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهو البحث الذي يُعقد ويُبحث فيه غالبًا في علم السلوك، أو كما ذكرتُ أن في كتب العقائد.

وقد قال وهي التي توجد كثيرًا في كلام السلف المتقدمين، وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفًا سماه «كتاب الإخلاص والنية»، وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي ﷺ تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك؛ فتلاحظ أنه كان كذلك يشير إلى أن الغالب من مادة النية في الأحاديث النبوية أن تشتمل أصلًا على هذه الدلالة.

قال: وقد جاء ذكرها كثيرًا في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية أيضًا من الألفاظ المقاربة لها، وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوها لظنهم -لاحظ ابن رجب يريد أن ينبه- أن تناول الشريعة لما يتعلق بمفرده النية لا يلزم بالضرورة أن يكون واقعًا باسم النية أو بعنوان النية، بل قد يكون بعنوان القصد، قد يكون بعنوان الإرادة أو غيرها من الألفاظ، فأن وقع بعضهم في إشكال، فيريد أن ينبه لهذا الخطأ وهذا الإشكال فيقول: «وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوه لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول».

إنما لما رأوا تناول الفقهاء للنية بدلالة تمييز العبادات بعضها عن بعض، انصرف ذهنهم لما تقول النية، ومع كثرة الطرق في الدراسة الفقهية على النية بالدلالة الأولى، صار انصرف ذهنهم إلى هذا المعنى، فلما تقول الإرادة والقصد ينصرف ذهنهم إلى المعنى الثاني.

قال: والذي يذكره الفقهاء فمنه من قال: النية تختص بفعل الناوي، والإرادة لا تختص بذلك، كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له ولا ينوي ذلك، وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي ﷺ وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبًا. تناول الشريعة وعبارات السلف الغالب لما يستخدمون فيه لفظ النية يقصدون المعنى الثاني، الذي هو عندك موافق لمعنى القصد والإرادة؛ فهي حينئذ بمعنى الإرادة، ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿مِنكُمْ مَن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152]، وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [النساء: 94]، وقوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20].

فلاحظ الدلائل الآن التي أوردها، أن الشريعة استبدلت لفظ النية بالدلالة المشار إليها في الحديث بلفظ الإرادة: «إن من الذي أردت بهذا الفعل؟»، فمن الناس من يريد بأفعاله الله، ومن الناس من يريد بأفعاله الدنيا، هذا بحسب الدلالة. يقول: وقوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 18-19]، وقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15-16].

وقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28]، وقوله: ﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [هود: 15]، وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39].

وقد يعبر عنها -يقول ابن رجب- في القرآن بلفظ الابتغاء، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 20]، وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 265]، وقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 272]، وقوله: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114].

فهذا كلام مهم جدًا في تحرير دلالة «إنما الأعمال بالنيات»، أن النية قد تكون منصرفة في دلالتها إلى المعنى الأول أو المعنى الثاني؛ إما أن تكون مقصودة بالنية: تمييز العبادات، ما الذي يريده الإنسان بهذا العمل؟ والمعنى الثاني: ما هي الوجهة التي يبتغيها ولأجلها أحدث هذا العمل؟ ومن الذي يريد بهذا العمل؟

يقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». أول شيء: «إنما لكل امرئ»؛ التي هي لكل إنسان، «وإنما لكل إنسان ما نوى»؛ فإذا نوى بهذا العمل الله عز وجل والدار الآخرة فله ما نوى، وإذا نوى غير الله تبارك وتعالى فله ما نوى، يعني أن هنالك ارتباطًا عضويًا بين العمل وبين طبيعة النية؛ فإذا نوى الإنسان وجه الله عز وجل بعمله صار هذا العمل متقبلًا عند الله عز وجل، وإذا نوى غير الله عز وجل فله ما نوى، فلا يكون مما يرضيه الله تبارك وتعالى.

يقول ابن دقيق العيد: قوله ﷺ «وإنما لكل امرئ ما نوى» يقتضي أن من نوى شيئًا يحصل له، وكل ما لم ينوِه لم يحصل له، فيدخل تحت ذلك ما لا ينحصر من المسائل، ومن هذا عظموا هذا الحديث. فتلاحظ الآن الإشارة التي يريد استنباطها، كما قلنا الحديث من خلال التمثيل الأخير، مادته الأساسية تدور حول مفردة الإخلاص؛ لما قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، كان النبي ﷺ يشير إلى أن الأعمال بالنيات إنما الأعمال بحسب إخلاص العبد فيها، فإذا أخلص العبد فيها صارت متقبلة عند الله عز وجل فله ما نوى.

لكن تركيب هذه الألفاظ، ولا تتعامل مع نص المعصوم ﷺ، يستطيع العلماء أن يوسعوا الدلالة إشارة إلى ما هو خارج عن المعنى المراد أصلًا، فيقولون العلماء يمكن أن يستنبط من هذا الحديث -وهذا هو الواقع في المدونة الفقهية- أن نستنبط أحكامًا شرعية دينية في رتبة تمييز العبادات، ومتى تنتقل العبادة من حيز الأمر المباح إلى حيز العبادة، وكيف نستطيع أن نميز بين هذه العبادة وبين تلك العبادة تكون بالنية. ومن المعاني كذلك التي أراد أن يدرجها ابن دقيق العيد في دلالة الحديث المعنى الذي أشرنا إليه من كلام بعض الأئمة كابن القيم ومن قبله، وهو قضية تكثير النيات.

ما نشرناه هو ابن دقيق العيد. فلاحظ من كلام ابن دقيق العيد قوله: «إن كل ما نوى يقتضي أن من نوى شيئًا يحصل له، وكل ما لم ينوِه لم يحصل له»، فيدخل تحت ذلك ما لم يحصل من مسائل كثيرة. فكان كذلك يشير إلى معنى أنه فله ما نوى من تلك النيات الحسنة. كأنه يريد كذلك الإيماء أو الإشارة إلى إدخال هذا المعنى في دلالة هذا الحديث.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».

الهجرة في الدلالة العربية معناها الترك، أنا قصدي الدلالة على المعنى المحوري المتعلق بلفظ الهجرة، وهو قضية الترك أو قضية المفارقة. ثم استخدمت في قضية الانتقال، مثل الانتقال من مكان إلى مكان، ثم تصير بعدين الهجرة الشرعية بدلالة خاصة لأن الشريعة تناولتها. الهجرة قد يكون لها مستويان؛ في مستوى متعلق بهجرة الذنوب والمعاصي، وفي هجرة علقت بها أحكام شرعية مخصوصة.

تلاحظ أن الهجرة أحيانًا يتناول بدلالة عامة، وأحيانًا بدلالة خاصة. فالدلالة الخاصة المتعلقة بمفردة الهجرة هي الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ولذا ترتب عليها أحكام شرعية كثيرة جدًا متعلقة بهذا الباب.

يقول ابن دقيق العيد: اسم الهجرة يقع على أمور؛ فإذا وردت أو وقفت على لفظة الهجرة فهي في الغالب تنصرف إلى أحد المعاني الآتية: الأولى: الهجرة إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة. الثانية: الهجرة من مكة إلى المدينة. الثالثة: هجرة القبائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتعلم الشريعة ثم يرجعون إلى مواطنهم ويعلمون قومهم. الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى مكة. الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه.

ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع، غير أن السبب يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنهم نقلوا أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس. ولهذا خُص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما تنوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية، ثم أتبع بالدنيا. فلاحظ هنا ملحظًا بنعالجه بعد قليل، وهو ما يتعلق بسبب ورود هذا الحديث، فابن دقيق العيد ظاهر كلامه يدل على أن هنالك سببًا لورود هذا الحديث، ولأجل سبب ورود هذا الحديث خص النبي صلى الله عليه وسلم المرأة بالذكر.

فمن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله»، فهذا سيكون القدر محكمًا؛ هذا المعنى الذي الشريعة تتشوف إلى تحقيقه وإيجاده في نفس الإنسان المسلم. والشق الثاني في الحديث: «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها»، هل هذا مفهوم أم ليس مفهومًا؟ هو مفهوم من جهة أنه لفظ عام يشتمل على مرادات كثيرة جدًا، فكأنه يقيم الشريعة ثنائية بين الله تبارك وتعالى وبين الدنيا.

هنا ملحظ مهم، إدراك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله». هذه النية التي يريد الإشارة إليها، الباعث على الفعل، مرتبطة بمفردة أكثر دلالة على المعنى وهي مفردة الإخلاص. الإخلاص لله ولرسوله. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله».

هل واضح الإشكال؟ خلينا الآن نقرر المعنى المحكم: هل يجوز أن يراد وجه النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل الصالح؟ بطبيعة الحال لا يجوز، هذا محكم عقدي؛ هذا هو تحقيق مادة العبودية لله عز وجل وحده، وهذا أحد المعاني الداخلة في مفهوم لا إله إلا الله، أن الإنسان لا يبتغي بأعماله إلا الله تبارك وتعالى، وهذا محكم المعنى يستطيع الإنسان أن يقرره في عامة الدلائل الشرعية المتعلقة به، كما قال في الآية التي ذكرناها في أول الباب: ﴿وَلَا يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].

فما وجه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ يريد بها الوصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باب يريد بها وجه الله عز وجل. فإِن كان في ثنائية بمعنى الله عز وجل، فيكون: «فمن كانت هجرته إلى الله عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم»، أي بالإخلاص لله تبارك وتعالى.

طيب، لماذا ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم؟ يهاجر إلى الرسول يعني ماديا وحسيًا، مقصوده أنه ينتقل من دار إلى دار فيها النبي صلى الله عليه وسلم. ليس المقصود أن الرجل يهاجر طلبًا لمرضاة الله عز وجل وطلبًا لمرضاة النبي صلى الله عليه وسلم، ليس هذا المقصود.

«فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله». ثم قال: «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها»، فيكون هذا المعنى من أوسع الدلالات التي تقابل الإخلاص لله عز وجل، وهو إرادة العمل من أجل الدنيا، وهذا يشتمل على كثير من الأشياء، حتى المفردات المتعلقة بالرياء داخلة إجمالًا في هذا؛ إذا طلب الإنسان أن الناس يعظمونه من أجل هذه العبادة أو يحصل ماله. فلاحظ كل المعاني، ولكن بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أو امرأة ينكحها»، فهذا لفت نظر بعض العلماء: لماذا خص النبي صلى الله عليه وسلم المرأة؟

بالذكر، صح ولا لا؟ فبرروا ذلك، برروا؛ لأن هنالك قصة، هنالك حكاية، هنالك سبب. لماذا قال النبي ﷺ هذا الحديث؟ إن مع وجود مهاجرين اتهموا المدينة ليتقوا النبي ﷺ ويستقروا في المدينة، إلا أن رجلاً خرج من مكة إلى المدينة لا طلباً لمرضاة الله عز وجل، ولم يكن مخلصاً في هجرته، وإن كان يريد بانتقاله أن يتزوج امرأة يقال لها أم قيس، فصار يلقب بمهاجر أم قيس.

بمعنى أن كان مقصوده، فالنبي ﷺ يقول: «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»، أن لا يتحقق له أجر الهجرة لفساد نيته. هذا معنى الذي أشار إليه، وسنذكره بعد قليل.

نبه تنبيهاً الآن؛ أحد الإشكالات في الشق الأول: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ما الإشكال في هذا التركيب العربي؟ هل في معنى زائد إضافي؟ المفروض الإنسان عندما يقرأ هذا الحديث، إذا كان من عجمة اللسان، يصير رد فعله: فإنه إذا كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، فتقول: إن هذا بداه متحقق، إذا كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، فليس هناك فائدة علمية زائدة.

مثلاً، واحد يقول: «فمن أكل هذا الطعام فقد أكل هذا الطعام»، فتقول: عرفت، هناك إشكال في التركيب، في إشكال في الجملة. فما المعنى عندما قال النبي ﷺ: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»؟

يقول العلماء: في مثل هذه التراكيب لابد من أن تُقدّر، هناك شيء مقدر، محذوف، لأن العرب يعرفون مثل هذه المعاني المقدرة من خلال التركيب والسياق، فيستغنون في كثير من التراكيب عن التصريح بالذكر. فكان النبي ﷺ يقول: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله بالنية والقصد، فهجرته إلى الله ورسوله في الحكم والشرع. واضح أن لابد أن تُقدر شيئاً إضافياً حتى يُضاف إلى هذا الحديث معنى.

لذا يقول ابن دقيق العيد: المتقرر عند أهل العربية أن الشرط والجزاء والمبتدأ أو الخبر لابد وأن يتغايرا. لاحظ المتقرر في العربية؛ أن عندك الآن شرط وجزاء، مبتدأ أو خبر، لابد أن يقع بينهما تغاير، فلا يصح أن يصير الشرط هو عين الجزاء. وهنا في الحديث وقع الاتحاد في قوله: «فمن كانت إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، وجوابه أن التقدير: فمن كانت هجرته لله ورسوله نية وقصداً، فهجرته لله ورسوله حكماً وشرعاً.

نرجع الآن لموضوع سبب ورود الحديث؛ كما ذكرنا أن قيل إن هذا -وذكرنا المعطيات والملابسات التي تؤكد ذلك، وهي أكثر- روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: «من هاجر يبتغي شيئاً فإنما له ذلك». هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس، فكان يقال له مهاجر أم قيس. لاحظ ابن مسعود يقول: «من هاجر يبتغي شيئاً فإنما له ذلك»، وذكر قصة الرجل.

هذا الحديث أورده الحافظ في الفتح عن سعيد بن منصور، وقال رواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ: «كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس»، وهذا يقول ابن حجر: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأراد الحافظ الذهبي في السير في ترجمة سعيد بن منصور، قال القرطبي: «وإنما ذكرت في الحديث الهجرة...».

لاحظ ملاحظة ثانية؛ النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات»، ثم قال: «ومن كان... فمن كانت هجرته». طيب، لماذا خص النبي ﷺ بذكر الهجرة من بين مختلف العبادات؟ هناك عدة قرائن هي التي سببت أن بعض العلماء ذهب إلى هذا المعنى، فقال أول معنى: لماذا خص النبي ﷺ الهجرة بالذكر؟ ثم تعمق هذا المعنى وتجذر بشكل أكبر لما ذكر قضية المرأة.

يقول القرطبي: لأنه جرى سببها، وذلك أن رجلاً هاجر إلى المدينة ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فبلغ ذلك النبي ﷺ، وذُكر حديث، وسُمي الرجل مهاجر أم قيس على ما ذكر أئمتنا. قال ابن حجر: «وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سِيقت بسبب ذلك، ولم أرَ في شيء من الطرق ما يقصد التصريح بذلك».

ما الملحظ الذي يبديه الحافظ ابن حجر؟ ليس بالضرورة أن الحديث سبب إيراده هذه. حتى لو قدرنا أن هنالك قصة وقعت، فربط الحديث بتلك القصة التي وقعت لا يلزم أن يكون ذلك بالضرورة. هل يوجد في الحديث قرائن تدل على وقوع هذه الاحتمالية؟ نعم، أنا أقول احتمال، لكن هل يستطيع الإنسان الجزم؟ لا يستطيع الإنسان الجزم.

فالإشكال الذي كان يعترض عليه ابن حجر هو للتنبيه عليه، وبنذكر الآن عبارة ابن رجب؛ إن طريقة كثير من العلماء عند ذكر حديث النيات أنهم يذكرون قصة سبب ورود هذا الحديث كالمسلمة، كأن قضية مثلما تستيقن من كلام بعض الأئمة. يقول ابن رجب: «وقد شاع أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي ﷺ: "من كانت هجرته إلى الدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها"، وذكر ذلك كثير المتأخرين في كتبهم، ولم نرَ لذلك أصلاً بإسناد يصح، والله أعلم».

حتى لو أخذناها في مستوى القرآن الكريم، نتكلم عن أسباب النزول؛ هل هو عملية ربط بين قصة لها قدر من المناسبة لآية قرآنية بحيث يدعي الإنسان أن هذا سبب نزول؟ ليست هذه الطريقة، إن أسباب النزول مبنية على باب يسميه العلماء التوقيف؛ أن يأتيك الصحابي فيقول لك إن حدثت القصة فنزل قول الله سبحانه وتعالى. يعني باب توقيفي وليس باب اجتهاد استنباطي. الإنسان ينظر ويتأمل، هذه الوجهة الاستنباطية الاجتهادية قد لا يستبعد فيها الإنسان احتمالية محتملة، لكنه لا يستطيع الجزم. فهذا قصارى الإشارة التي يريد التنبيه إليها.

الحديث الذي بعده، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» [رواه مسلم].

جاء هذا الحديث في روايات وكما جاء عن بعض الصحابة، بمعنى أن هذا الحديث جاء في رواية: قال الله عز وجل: «أنا خير الشركاء، من عمل لي عملاً فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء»، وهو للذي أشرك، رواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجه، وصححه الطبري وابن تيمية والبصيري والألباني، وشعيب الأرناؤوط. هذا اللفظ لفظ مختلف.

وجاء في حديث أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان من الصحابة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الناس يوم القيامة، ليوم لا دين فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك». فتلاحظ هذا لفظ مختلف لكن يدل على ذات المعنى، رواه الإمام أحمد في المسند والترمذي وابن ماجه، وقال عن إسناده: «صالح يقبله القلب، ورب إسناد ينكره القلب»، وزياد بن مينا مجهول، وقال الترمذي: «حسن حسن غريب لا نعرفه من حديث محمد بن بكر»، وقال ابن حجر: «سناده جيد»، وحسن إسناده الألباني.

وجاء في حديث الضحاك بن قيس أن الله تبارك وتعالى يقول: «أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكاً فهو لشريكي»، «يا أيها الناس، أخلصوا أعمالكم، فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا: هذه لله وللرحم، فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا: هذه لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس لله منها شيء»، رواه الدارقطني، قال المنذري: «إسناده لا بأس به لكن الضحاك بن قيس مختلف في صحبته»، وقال الدمياطي: «إسناده لا بأس به»، وقال الألباني: «صحيح لغيره».

قال ابن هبيرة في فقه هذا الحديث: «في هذا الحديث من الفقه أبلغ التشديد في أمر الشرك بأبلغ لطف في النطق، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حرم أن يشرك به، فإذا أشرك به أحد من عباده تنزه سبحانه عن ذلك الشرك نطقاً كما تنزه عنه سبحانه حقيقة».

الله عز وجل متنزه عن الشريك، فينبه تنبيهاً لطيفاً بقوله: كما أن الله عز وجل متنزه في واقع الأمر عن الشركاء، فالله عز وجل كذلك من رحمته بعباده أبان له نطقاً أنه متنزه عن ذلك. ثم إنه سبحانه لما كان جالب هذا الإشراك هو هذا العبد بجهله، مع كونه ملكاً لله عز وجل، تنزه الله عن ذلك بأن ترك العبد الذي جلب الشرك وما أثاره جهله. هذا ملحظ مهم؛ لأن لما قال النبي ﷺ: «تركته وشركه»، الحين من هو المتروك الذي فعله؟ العبد متروك، والعمل متروك، فهذا يعمق جانب الترهيب المتعلق بقضية الشرك.

يقول النبي ﷺ: «أنا أغنى الشركاء». فسر البعض بطريقة: أغنى من يزعم أنهم شركاء على فرض أن لهم غنى عن الشرك. الشرك المقصود به هو مشاركة العبد في عمله غير الله سبحانه وتعالى. ومعنى هذا الحديث لما يقول النبي ﷺ: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك»، كأنه يريد الله عز وجل في هذا الحديث القدسي التنبيه على ضرورة استحضار مادة الإخلاص، بمعنى أن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم تبارك وتعالى.

لما يقول النبي ﷺ: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك»، الشرك اسم مصدر، وقد يكون اسم المصدر دالاً على الفعل وقد يكون دالاً على المفعول، فأي الدلالتين مقصود؟ هل هو عن الفعل ولا عن الأثر المترتب على الفعل؟ الأثر هو العمل نفسه. الحين لما يقول النبي ﷺ: «تركته وشركه»، الشرك الذي يتنزه الله سبحانه وتعالى عنه هو قضية العبادة، أي العمل المفعول به.

ولذا يقول العلماء يؤيده ما وقع عن طريق الاستئناف: «من عمل عملاً أشرك فيه»، فيصير فيه إشارة إلى المفعول وهو العمل نفسه. يقول النبي ﷺ: «من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري»، أي قصد بذلك العمل غير وجه الله تبارك وتعالى، «تركته وشركه». فيكون «تركته وشركه» خبر من «من عمل». قال ابن هبيرة: «في تركته وشركه أي تركت المشرك لي والشرك أيضاً»، والواو هنا دلالة على المعية، أي أن تركته مع عمله، أو أن تقيم فرقاً بين الدلالتين؛ الدلالة الأولى أن تركت النظر إليه نظر رحمة وتركت عمله من القبول.

وجاء في رواية: «فأنا منه بريء». فما هو الامتياز لو وردت هذه الرواية؟ لو قال: «فأنا منه بريء»، لحدث خلاف بين العلماء: هل أنا من العمل بريء أم أنا من الشخص بريء؟ لكن لما وردت هذه الرواية دلت على أن البراءة في حقيقة الأمر واقعة من الأمرين جميعاً؛ فأنا منه بريء، أي من الشخص بريء، ويصح حمله كذلك على أنني من العمل بريء.

من المسائل المهمة المتعلقة بهذا الحديث هو دخول مادة الرياء على العمل والأحكام المتعلقة به. طبعاً في تفصيل ذكر الشيخ ابن عثيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه في مجموع فتاواه، أذكره ملخصاً. وإلا فإن الحافظ ابن رجب رحمه الله تبارك وتعالى عليه في جامع العلوم والحكم ذكر تفصيلاً علمياً دقيقاً من المهم الرجوع إليه.

على أساس سبيل الاختصار نذكر بعض المعاني، فالشيخ ابن عثيمين رحمه الله يقول الآتي: اتصال مادة الرياء بالعبادة على ثلاث صور، قد يكون مادة الرياء فيها هي الباعثة.

الصورة الأولى هي الباعثة على إحداث العمل، بمعنى أن الرياء إما أن يكون قبل العمل، أو أثناء العمل، أو بعد العمل. لنخلصها بالطريقة الآتية: إذا كان الرياء حاصلاً قبل العمل وهو السبب الموجب لإحداث العمل، فما حكم هذه العبادة؟ هي عبادة فاسدة، عبادة غير مقبولة، وهي فاسدة فقط ويأثم عليها الإنسان؛ وإثم هذا النوع أعظم من جنس الكبائر، لأن جنس الشرك الأصغر أعظم من الكبائر، فهذا أمر خطير جداً.

الوجه الثاني أو الصورة الثانية، أن يكون الرياء متصلاً بالعبادة أو حدث في أثناء العبادة. فإذا طرأ الرياء في أثناء العبادة فلها صورتان؛ حتى نصور الموضوع: إنسان معين لاحظ أنه في مجموعة معينة، ومن عادته أنه لا يتنفل أو لا يصلي الراتبة، فأقدم وصلى من أجل أن يروه، فهذا واضح. والصورة الثانية أن يصلي ثم دخلت جماعة فبدأ يحسن تلك الصلاة ليراه الناس، فهذه صورة أخرى.

فإذا دخلت مادة الرياء في أثناء العبادة، فعندنا حالتان: الحالة الأولى، يقول العلماء إن لا يرتبط أول العبادة بآخرها، إذ يتصور في هذه العبادة قدر من التجزئة. نضرب مثالاً: إنسان معين عنده مجموعة من العملات الورقية، وجلس يتصدق على فقير، فيريد أن يحسب كم سيعطيه، فافترضنا أنه سيعطيه مائة باوند، فأعطاه عشرة، ثم عشرة، ثم عشرة، ثم عشرة، وبعدين دخل شخص فأحب أن يشاهده وهو يعطيه، فأعطاه المبلغ الذي بعده.

عملياً، هل العبادة التي هي الصدقة بمائة باوند مرتبطة بآخر باوند يعطيه بأول باوند؟ لا يتصور فيها قدر من التجزئة، فيقال في هذه الحالة إن ما أحدثه من العبادة أولاً يكون مقبولاً، ثم من لحظة ما طرأت النية الفاسدة وما تلاه بعد ذلك مما تصحب فيه هذا المعنى الفاسد، يفسد عليه. فإذا صحح نيته بعد ذلك، فما بعده يصير كذلك، بهذه الطريقة الأمر واضح.

الصورة الثانية، إذا كانت العبادة لا يرتبط أولها بآخرها، فإن الحالة الثانية هي أن يكون هنالك ارتباط بين أول العبادة وبين آخرها، مثل الصلاة مثلاً، فهي مرتبطة. فالعلماء يقولون في هذه الحالة، إذا كانت العبادة آخرها مرتبط بأولها، ينظر في طبيعة ذلك الرياء واستقراره؛ فإذا عرض على النفس ثم سعى الإنسان إلى مدافعة ذلك العارض، فماذا يحصل له؟ تقبل منه تلك العبادة. أما إذا دخلت عليه مادة الرياء ثم استسلم له واستقر الرياء، فتفسد العبادة؛ لأن النبي ﷺ في هذا الحديث يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». فهل يصح في هذا الرجل أن يشرك في عبادته هذه الله وغيره؟ لا يصح، فإذا كانت العبادة هي عبادة يريد بها وجه الله عز وجل، فإنها تفسد.

إذن الصورة الثانية: إذا دخلت مادة الرياء على الإنسان في أثناء العبادة، فينظر إذا كانت العبادة هذه مما يتصل آخرها بأولها أو لا يتصل؛ فإذا كانت لا تتصل، فما صحت فيه نيته من تلك العبادة لم تخلص، وما فسدت فيه النية فسد. وإذا كانت العبادة مما يتصل آخرها بأولها، فينظر إلى طبيعة ذلك الرياء؛ فإذا جاهد الإنسان نفسه ومدافعتها وكره ذلك، فيرجى أن يعفو الله سبحانه وتعالى عن ذلك ويتقبل منه العبادة، ويدخل في هذه الحالة حالة المزاحمة والمدافعة، في قول النبي ﷺ: «إن الله عز وجل قد غفر لأمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». فيتسور أن يعرض للنفس هذا العارض ثم يدفعه الإنسان، فيغفر الله عز وجل له. أما الحالة الثانية، ألا يطمئن الإنسان إلى حالة الرياء وتستقر حالته، فهذا محل الإشكال.

الحالة الثالثة هي ما بعد العمل، أي أنه فرغ من العمل وانتهى، أحدث لله تبارك وتعالى، ثم أراد الإنسان استثمار العبادة التي وقعت للمباهاة، كأن يتصدق بصدقة حقيقية لله تبارك وتعالى، ثم سرّه بعد ذلك لو اطلع الناس عليه. فهل تصح العبادة منه في هذه الحالة أم لا تصح؟ ما رأيكم؟ أعطوني مثلاً أحكاماً كلية متعلقة بهذه الحالة؛ ما هو حال هذا الشخص؟

هي عملان مختلفان؛ عبادة صالحة، ثم ما حدث به إثم، فيأثم. فمعناه أنها عبادة صحيحة لكنه يأثم على النية الفاسدة، وهذا واضح. وهل هذه محل إجماع بين العلماء؟ طبعاً هذا معنى أشار إليه عدد من العلماء، مثلما ذكرنا من الشخصيات التي أشارت إلى هذا المعنى الذي قرره الإمام أبو حامد الغزالي، وابن مفلح صاحب الفروع؛ ذكروا الإشارة إلى هذين المعنيين.

لكن ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى، لما عرض لهذه المسألة في «بدائع الفوائد»، ذكر أن هذه مسألة خلافية بين العلماء، وهي إحدى القضايا التي تحتاج إلى نوع من التأمل والنظر فيما يتعلق بها، وقد تكون إحدى بواعث الاختلاف في تحقيق هذه المسألة. دققوا في دلالات هذه الآية وكيف يستطيع الإنسان أن يقلبها على الوجهين، بحيث نخرج منها بإطار ترجيح معين؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264].

رئاء الناس. ما هو المعنى؟ خلينا نأخذ المعاني الأولية الآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264]. هذه آية مهمة لأنها مشتملة على رئاء الناس، ومشتملة على الحكم المرتبط بالعمل، صح ولا لا؟

فما رأيكم في دلالة هذه الآية؟ هل تصرح هذه الآية القرآنية في الدلالة على إبطال العمل إذا طرأت النية الفاسدة بعدها أم لا؟ لا تصح. لماذا لا تصح؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾، يعني كون حاله ينفق فهو يرائي.

فلو اعترض عليك الآن: ما حكم أن يمن الإنسان بصدقته بعد الفراغ من هذه الصدقة؟ يعني واحد تصدق على فقير بمال، فعندنا احتمالين: إما أن يمن على الفقير لحظة التصدق، فما حكم المن لحظة التصدق؟ حرام، ويأثم، لكن هل تبطل صدقته؟ لا، تصح صدقته مع الإثم؛ بدليل يقول الله عز وجل: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾، فالمن مبطل للصدقة.

فالاحتمال الأول أنه يمن على الفقير في لحظة تصدقه، فنقول إنه يأثم من جهة المن وتبطل عليه صدقته، لا تتوقع أن يتركك الله عز وجل هذه الصدقة. أما إذا تصدق على الفقير ولم يمنّ عليه، ثم منّ عليه بعد ذلك، كلما جلس معه في مجلس ذكره باليوم الذي تصدق فيه، فما حكم تلك الصدقة؟ هل هي مقبولة أم غير مقبولة؟

جماهير المفسرين لما يستدلون بهذه الآية، وهم يقولون إن المن والأذى في الغالب يأتي بعد الصدقة، فتناولوا الآية بدلالة الغالب. فمعناه حين يتصور أن يقع أمر بعد العبادة يفسدها. ثم إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾، ثم ضرب المثال بالإبطال: ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. فهل يمكن أن يُنتزع من هذه الدلالة أن المرء قد يبطل عمله؟

فما وجه الاعتراض؟ في دفع التركيب: ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾، هذا كان عمله أولاً. إذاً أنا رتبت الموضوع بطريقة معينة؛ قلت لك إن المن يفسد العمل بعد الفراغ من الصدقة، وضرب الله عز وجل لتأكيد هذا المعنى بذكر المرآة، فالمرآة الواقعة بعد العمل تفسد العمل، كأنها المن الواقع بعد العمل فيفسد العمل. فأنا أقول لا مشكلة في هذا الاستدلال.

قال أحد الإخوة: ربما المقصد أنه يرائي أثناء الإنفاق، فإذا كان يرائي أثناء الإنفاق، فلماذا ذكر الله عز وجل قضية المرآة عندما ذكر قضية المن؟ بحيث يستطيع الإنسان من خلال ملاحظة هذا المعنى؛ لماذا ذكر الله عز وجل الرياء في سياق ذكر المن بحيث لا يلزم بالضرورة أن يكون الرياء الواقع بعد العبادة مفسداً للعبادة؟

الآن الإشكال واضح. الاستشهاد الأولي الذي ذكرت لكم إياه هو أن المن في الغالب إنما يقع بعد الصدقة، فإذا وقع بعد الصدقة أفسدها، فكان موجب التشبيه والتشابه بينهما أن يكون المن واقعاً بعد العبادة، والرياء واقعاً بعد العبادة. فإني أقول لا، هناك خطأ حصل، هذا الكلام ليس صحيحاً ولا ما يدل عليه.

لننظر ونتفق حبة حبة: المن الواقع بعد العمل هل يفسد الصدقة أم لا؟ يفسدها. فلماذا ذكر الله عز وجل المرآة للتنبيه على أثر المرآة في إفساد العمل لا في وقت المرآة؟ من المعاني التي يريد الله عز وجل الإبانة عنها معنى جديد، وهو أن ترى المن خطيراً، فالمن قد يفسد العمل كما أن الرياء يفسد العمل.

لكن، هل في دلالة الآية أن الرياء يفسد العمل بعد الفراغ من العمل كالفراغ من الصدقة؟ هل هناك ارتباط؟ أم يمكن أن يكون الله عز وجل ذكر قضية الرياء لمجرد التنبيه والتذكير بأن هنالك مواد تفسد الأعمال، فالمن يفسد العمل، ثم في أحكام خاصة متعلقة بقضية المن ما يختلف في قضية الرياء؟

فظهر والله أعلم في هذه المسألة، مثل ما ذكر الإخوان في بداية الحديث، أن العبادة تكون متقبلة إذا انتهى منها الإنسان مخلصاً لله تبارك وتعالى، ثم إذا وقع بعد ذلك الرياء، فيأثم من جهة الرياء مع صحة العمل. والله تبارك وتعالى أعلم. جزاكم الله خيراً وبارك الله عز وجل فيكم.