بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
هذا أحد المجالات المتعلقة في كتاب "المنهج من النبوة" للشيخ أحمد السيد، وبإذن الله سبحانه وتعالى نشرع اليوم في الحديث عن الباب الخامس. وكلما يقول الإنسان إن هذا من الأبواب المهمة يقع في بابه ويرى أن هذا باب مهم، لكنه باب مهم من جهة التصور ومن جهة الأثر العملي، خصوصاً فيما يتعلق بتعبد الإنسان الذاتي وما يتعلق بدعوته للخلق. فعنوان الباب: "باب في أن الدين على مراتب متفاوته في الأمر والنهي والخبر، وأن الفقه في الدين والدعوة تبع لإدراك هذه المراتب".
لو يلاحظ الإنسان في هذا العنوان، يلاحظ أنه نبه إلى معنيين في الجملة. المعنى الأول: أنه هنالك تفاوت في رتب الديانة؛ مسائل الشريعة ليست كلها على وزن واحد. ثم إذا أدرك الإنسان هذه الحقيقة المتعلقة بطبيعة الدين، يكون هناك انعكاس في فقه الإنسان لهذا الدين وفي طبيعة الخطاب الدعوي الذي يقدمه، خصوصاً إذا استحضر الإنسان أن مادة الكتاب قُصد بها إيجاد رافد مهم لمن يريد إحداث الفعل الإصلاحي، فقال: "وأن الفقه في الدين والدعوة تبع لإدراك هذه المراتب".
أول ملحظ في العنوان لما قال: "باب في أن الدين على مراتب متفاوته في الأمر والنهي والخبر"؛ فعندنا ثلاثة أركان متعلقة بطبيعة الخطاب الشرعي والديني: عندنا أوامر يجب أن تلتزم، وعندنا نواهي يجب أن ننتهى عنها، وعندنا أخبار يجب أن نصدق بها. لو دقق الإنسان فيما يتعلق بطبيعة الأمر وطبيعة النهي وطبيعة الخبر، سيجد أن طبيعة الأوامر الشرعية، وطبيعة النواهي الشرعية، وطبيعة الأخبار الشرعية ليست كلها على وزن واحد.
ولذا المعاني الأولية التي يدركها الإنسان فيما يتعلق بأصول الفقه، وهي الأحكام التكليفية، تفيد أن ما أمرت به الشريعة لا يلزم بالضرورة أن يكون أمر إيجاب، بل قد يكون أمر استحباب؛ ومعناها أن الشريعة لا يلزم أن يكون أمر أو نهي تحريم، يمكن أن يكون نهي تنزيه أو نهي كراهة، وعندنا القسم المتعلق بقضية الإباحة. وبالتالي من ناحية النظر الشرعي وفقه مراتب التعبد ومراتب الديانة، فبطبيعة الحال أن ما كان واجباً من الشرعيات مقدم في الاعتبار على ما كان من قبيل النوافل والمستحبات، وما كان من المحرمات الدينية والشرعية وجوب الانتهاء عنها أبلغ من المعاني المتعلقة بالكراهة التنزيهية. هذه معاني يحتاج الإنسان أن يلاحظها وأن يدركها.
وإذا نظر الإنسان في طبيعة الأخبار، الأخبار ليست كلها على وزن واحد؛ فعندنا أخبار من أركان الإيمان على سبيل المثال، وعندنا قضايا معينة قد تدخل في باب الأخبار وقد تدخل في باب العقائد إن صح التعبير، لكن تعتبر عند العلماء من فروع العقائد. فما يصح أن يتعامل الإنسان مع قضية فرعية عقدية كما يتعامل مع قضية أصلية عقدية. وإذا نظر الإنسان أصلاً في طبيعة التدين نفسه من جهة قربه وبعده عن الرب تبارك وتعالى، يجد أن هناك حالة من التفاوت، وبالتالي ينعكس ذلك على فقه الإنسان في تدينه الذاتي، هو يطمح أن يتلقى في مجالات التدين.
فالقاسم المشترك للمنتسبين لهذا الدين هو عنوان الإسلام، لكن هنالك مقام ديني أرفع من مقام الإسلام وهو مقام الإيمان، وعندنا مقام أرفع من مقام الإيمان وهو مقام الإحسان، الوارد مثلاً في حديث جبريل. فتلاحظ أن في معطيات كثيرة يحتاج يراعيها الإنسان في إدراك أن مراتب الديانة ومراتب الأحكام الشرعية ليست كلها على وزن واحد ومرتبة واحدة، وينعكس ذلك في تعاطي الإنسان مع تلك الأحكام الشرعية.
مثلاً، العلماء يتكلمون عن قضية المحرمات، أن هنالك محرمات "تحريم المقاصد" وهنالك محرمات "تحريم الوسائل"، وهنالك أحكام وآثار تترتب على التفريق بين المقامين. المكان محرم تحريم المقاصد له معنى لا يلزم بالضرورة أن يكون منطبقاً على ما كان محرماً في الأحكام الشرعية تحريم الوسائل. فهذه قضية مهمة؛ القضية الأولى: الإدراك أن طبيعة الدين وطبيعة الشريعة التي أوحى الله سبحانه وتعالى بها إلى البشر ليست كلها على وزن واحد. وأحد قراءات الطفولة للأحكام الشرعية ولأحكام الدين هو التعامل مع كل حكم شرعي تعاملاً واحداً. حتى من الأشياء المستطرفة التي تقع للأطفال أحياناً: مثلاً طفل يرى امرأة غير محجبة فيصف هذه المرأة غير المحجبة بأنها كافرة، لأن ما عنده ذلك الإدراك للفرز؛ هو لا يستطيع أن يدرك أن ليست كل القضايا على درجة واحدة.
وأنا أزعم أن الداخل الجديد في الإسلام قد يصعب عليه ابتداءً، ممن هو مدمن لذنب أو معصية معينة، أن يدرك أن الله عز وجل قد يتقبل منك إسلامك، وهذا الواجب الديني الشرعي الذي يجب عليك أن تعقد قلبك عليه، وإن عجزت عن ترك تلك المعصية، فلا تجعل عجزك عن ترك المعصية عائقاً عن تحقيق ذلك الواجب الديني الشرعي. وما المأخذ المتعلق بهذا الباب الذي هو إدراك أن الأحكام الدينية الشرعية ليست على أصل واحد؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هي أعظم الواجبات الدينية الشرعية، ثم تأتي بعد ذلك بقية القضايا الدينية الشرعية تباعاً كما يقال.
هذا إذا دقق الإنسان النظر، وهو أحد المجالات التي قد لا يدركها الإنسان فيما يتعلق بالطبيعة ونظرة الإسلام للحقائق الأخلاقية. فدائماً لما تطرح القضية الأخلاقية، أول ما يقفز إلى الذهن فيما يتعلق بالركائز الأخلاقية هو علاقة البشر فيما بينهم البعض، في حين كثير من القضايا الأخلاقية يتمدد صداها خارج هذا الإطار. فلما تنظر إلى هذه القضية، وهو إدراك أن طبيعة الدين وطبيعة التدين يكون على مراتب متفاوتة، هنالك قيمة أخلاقية مركزية في التصور الإسلامي وهي قضية العدل. ينبثق من إدراك الإنسان المسلم لقيمة العدل أن من الطبيعي أن يراعي الإنسان طبيعة التفاوت، وأن من مقتضى العدل أن يعطي الإنسان كل قضية حقها ومستحقها كما يقال.
ولذا من التعبيرات المستخدمة في قضية العدل هو وضع الشيء في موضعه، وقضية الحكمة كذلك؛ مثلاً لما يتم تعريف الحكمة ذلك التعريف الطريف: "أن الحكمة هي فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي". كيف يدرك الإنسان أن أحد الانعكاسات التي تعبر عن حكمة الإنسان وعقله في التعاطي مع الأحكام الشرعية هو أنه يدرك طبيعة التفاوت القائم، وأنه من مقتضيات الحكمة المتعلقة بتدينه الذاتي أو من مقتضيات الحكمة في تعبيده للخلق الله عز وجل، أن يراعي هذا التفاوت الواقع في رؤية الديانة.
ومن المعاني التي أشرنا لها في دروس سابقة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]، أحد التفسيرات الشهيرة جداً الواردة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. فتلاحظ "صغار العلم" و"كبار العلم"، فمعناه أن هنالك نوعاً من أنواع التفاوت، ولابد أن يدركه الإنسان ويدركه الداعية فيما يتعلق برتب التفاوت.
مثلاً لما يتكلم الفقهاء والعلماء، أظن سفيان الثوري له العبارة المشهورة يقول: "ليس الفقيه الذي يعرف الخير من الشر، لكن الفقيه الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين". فتلاحظ الآن أن عندنا خيرين لكن أحدهما خير من الآخر، وعندنا شرين لكن أحدهما شر من الآخر، فهنالك جهة مفاضلة فيما يتعلق بهذه المسألة. وهذا طبعاً يفتح أفقاً لحديث مطول، وأرجو أن ييسر الله سبحانه وتعالى الحديث عنه تفصيلاً، فهو مبحث مهم جداً ومحوري، وله انعكاسات فيما يتعلق بتعبد الإنسان الذاتي لله تبارك وتعالى وسعيه في تعبيد الخلق لله سبحانه وتعالى، وهو مبحث تفاضل الأعمال وتفاضل العبادات، أن هنالك قواعد تضبط علاقة الإنسان بهذه الأحكام الشرعية، ومن خلال هذه القواعد يستطيع أن يدرك ما هي العبادة الفاضلة، وما هي العبادة المفضولة، وما هو الواجب الوقتي.
أورد في التبويب هذا ثلاث آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى، نشرع في تفسيرها. وتلاحظون القضية التي يحتاج الإنسان ربطها فيما يتعلق بتلك الدلائل القرآنية أو الأحاديث النبوية الموردة في هذا الباب، أن علاقتها إما أن هذه الآية تدل على وقوع التفاوت، وتلاحظون الدلائل التي استخدمها الشيخ في هذا التبويب تدل على وقوع هذا التفاوت، أو انعكاس إدراك هذا التفاوت على فقه الإنسان ودعوته.
فالآية الأولى يقول الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32]. فما وجه الشاهد المتعلق بهذا الباب؟ التفاوت؛ فبين بنص الآية القرآنية أن هناك تفاوتاً بين المعاصي، فعندنا ما يعبر عنه بالكبائر، وعندنا ما يعبر عنه باللمم. واللمم على الأقل في الآية، ما مدلول كلمة اللمم؟ يقول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾؛ والاجتناب طبعاً معناه المجانبة وهو بعد الشيء، يعني يبتعدون بذواتهم وبأنفسهم عن فعل الكبائر، كبائر الإثم والفواحش.
طبعاً هنالك اختلاف علمي مشهور وواسع، ويحتاج إلى تحقيق علمي موسع، لكن نحن نذكر بعض المسائل المتعلقة باختصار، أنه ما ضابط وما حد الكبيرة؟ لأن الله عز وجل في بداية الآية يقول: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾، ففي خلاف علمائي فيما يتعلق بطبيعة الكبائر، وما هو الضابط وما هو المعيار الذي يستطيع الإنسان من خلاله أن يدرك أن هذا الذنب والمعصية يدخل في إطار الكبائر أو أنها خارجة عن إطار الكبائر؟
يقول ابن عطية في تفسيره لهذه الآية القرآنية: "واختلف الناس في الكبائر ما هي؟ فذهب الجمهور إلى أنها السبع الموبقات التي وردت في الأحاديث". وما عندي تحقيق علمي في نسبة هذا القول للجمهور، وإن كان هذا قولاً مشهوراً أن بعض العلماء يرى أن الكبائر في الإسلام محصورة في سبع، لقوله: "إياكم والسبع الموبقات"، فبعض العلماء فهم من تلك الدلالة أن انحصار الكبائر فيها. يقول: "وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة النساء، وتحرير القول في الكبائر"، وهذا أحد الأقوال المحققة المحررة فيما يتعلق بطبيعة الكبائر: أنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا، أو توعد بنار في الآخرة، أو لعنة، أو نحو هذا خاص بها.
طيب، هذا هو الضابط؛ أن أي ذنب ومعصية وجد لها حد في الدنيا، أو ترتبت عليها عقوبة مخصوصة في الآخرة، وهذه العقوبة المخصوصة في الآخرة إما أن تكون وعيداً بالنار أو لعنة "لعن الله" أو نحو هذا. فمثلاً من الأشياء التي أحياناً يذكرونها حتى في ضابط الكبيرة أن يرتب عليه غضب. وأيضاً إذا وجد الإنسان أن الشريعة قالت: إن هذه المسألة فيها حد في الدنيا، مثلاً إقامة حد الزنا، حد شرب الخمر، حد القذف؛ فنُدرك أن شرب الخمر من الكبائر، ونُدرك أن القذف من الكبائر، ونُدرك أن الزنا من الكبائر. وقال: "أو توعد بنار في الآخرة"، لما يقول الله: ﴿فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، فنُدرك أن قتل النفس المعصومة من الكبائر؛ لأن الله عز وجل وعد قاتل النفس المعصومة بأن جزاءه جهنم. أو لعنة، "لعن الله آكل الربا وموكله"، فندرك هذا، أو الغضب، مثل قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾، فهذا يدل على كبر الذنب.
يقول ابن عطية: "فهي كثيرة العدد". يعني إذا تبنى الإنسان هذا المعيار وهذا المقوم، ستكون الكبائر غير محصورة في السبع، وأن تكون أكثر من ذلك. وهذا يعني لمن تتبع من ألّف في كتب الكبائر كالامام الذهبي رحمه الله عليه، وابن حجر الهيتمي في كتابه "الزواجر"، وغيرهما من أهل العلم، سيجد أن بطبيعة الحال أن الكبائر كثيرة العدد. ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما حين قيل له: "أسبع هي؟"، فقال: "هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع". هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وليس مقصود ابن عباس أن الحصر في سبعين.
لاحظ قفز بالرقم إلى رقم بعيد ممن حقق هذه المسألة تحقيقًا بديعًا الإمام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى عليه؛ لأنه سُئل سؤالًا مفصلًا فيما يتعلق بهذه المسألة، فقدم إجابة مفصلة، والإجابة المفصلة إذا طالعها الإنسان سيجد أن ابن تيمية يتجلى فيه جزء من منهجياته في التعامل مع المقولات العلمية وأقوال السلف. وكذا فيها بصراحة فوائد، أنا ما أستطيع استعراض تفصيل ما ذكرها الشيخ، بذكر بس بعض الإشارات، لكن مما يحسن مراجعة هذا الموضع في كتب الإمام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى عليه؛ لأن سؤاله كان السؤال الآتي: قال عن الذنوب الكبائر المذكورة في القرآن والحديث، هل لها حد تعرف به؟ وهل قول من قال إنها سبع أو سبع عشرة صحيح، أو قول من قال إنها ما اتفقت فيها الشرائع على تحريمها، أو أنها ما تسد باب المعرفة بالله، أو أنها ما تذهب الأموال والأبدان، أو أنها إنما سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها، أو أنها لا تعلم أصلًا، أو يحكي بعضهم أنها إلى التسعين أقرب، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وأنها ما رتب عليه حد، أو ما توعد عليه بالنار؟ فتلاحظ الحين نستعرض له جملة من الأقوال التي قيلت في هذه المسألة.
فأجاب الإمام ابن تيمية كما ذكرنا بإجابة مطولة، افتتح بالإجابة الآتية -أنا بختصر بعد بقليل-: قال أمثل الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس، وذكره أبو عبيد، وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو أن الصغيرة ما دون الحدين. يقول أمثل ما قيل في هذا الباب أن الصغيرة هو ما دون الحدين. يفسر الحين أيش يقصد بهذا الكلام؟ قال حد الدنيا وحد الآخرة. يعني بمعنى بيقول ابن تيمية: كل ما رتبت الشريعة عليه عقوبة خاصة في الدنيا أو عقوبة خاصة في الآخرة، فهو من جملة الكبائر. فأحد التعريفات المختصرة -وهذا لما ابن عطية ما أحب أنه يستعرض كل أنماط العقوبات الدنيوية والأخروية- فقال لك: حد في الدنيا، بعدين خاتمة العباد قال: أو نحو ذلك، أساس أنه يستطيع إدخال ما لم ينص على ذكره من ذكر التوعد بالنار ومن ذكر اللعنة. فقال ابن تيمية: وهو أن الصغيرة ما دون الحدين، حد الدنيا وحد الآخرة.
وهو معنى قول من قال -الحين يفسر أن ترى لا يوجد تعارض بين من عرف الكبيرة بهذا التعريف وقول من قال ما ليس فيها حد في الدنيا- وهو معنى قول القائل: ما في حد، وهو معنى قول من قال: إن الصغيرة ما دون الحدين. فقال: وهو معنى قول من قال: ما ليس فيه حد في الدنيا، وهو معنى قول القائل: كل ذنب ختم بلعنة أو غضب أو نار فهو من الكبائر، ومعنى قول القائل: وليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة؛ أي وعيد خاص. وهذا ملحظ مهم؛ لأن الحين الصغائر الآن ذنوب ومعاصي، هل الصغيرة معصية وليست معصية؟ معصية، صح ولا لا؟ طيب هل يصلح أن المعصية لا يكون لها وعيد؟ باعتبار كونه معصية معناتها هي ذنب متوعد فاعله إذا فعل محرمًا.
طيب إذا راعى الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، أن هنالك وعيدًا ترتب على الذنب والمعصية، فمعناته عمليًا سيجعل كل الذنوب والمعاصي هي من قبيل الكبائر، بس الملحظ الذي يريد التأكيد عليه ابن تيمية، اللي هو فكرة الوعيد الخاص؛ أن في فرق بين الوعيد العام المتعلق بجنس الذنوب والمعاصي، وبين ما رتب من العقوبات الخاصة بأنماط وأنواع وأفراد من الذنوب والمعاصي. فيقول: وعيد خاص كالوعيد بالنار والغضب واللعنة؛ وذلك لأن الوعيد الخاص في الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا، فكما أنه يفرق في العقوبات المشروعة للناس بين العقوبات المقدرة بالقطع والجلد، وبين العقوبات التي ليست بمقدرة وهي التعزير، ولذا حتى أحد الملحوظات التي حررها الشيخ العجلان في رسالته التي هي التحريم والتجريم: فكرة أن كل الذنوب والمعاصي فيها وعيد عام، وكل الذنوب والمعاصي كذلك فيها عقوبة غير مقدرة في الدنيا إلا ما تناولها الشرع بالتقدير. ولذا هذا ضبط لقضية أن خلاص يصير الحد الكبير هو ما ترتب عليه عقوبة خاصة في الدنيا بين قوسين الحد، وبالتالي نخرج ما لم ترتب عليه حد مخصوص في هذه الحياة الدنيا، أنه يخرج عن إطار الكبائر إذا لم ترتب له عقوبة أخروية بالإضافة إليه.
طيب هذا الذنب والمعصية لما رتب عليه عقوبة خاصة في الآخرة، هل له عقوبة كذلك دنيوية إذا ثبتت عند القاضي؟ فنقول: نعم، يدخل في باب آخر اسمه باب التعزير، وهذا زي ما قلت لكم أحد القضايا التي حققها الشيخ، أن كل ما كان محرماً شرعاً وديناً فهو مجرم شرعاً وديناً، مجرم دنيوياً؛ بمعنى أن إذا لم ترتب له الشريعة حداً مخصوصاً، فهنالك عقوبة مقدرة فيما يتعلق في هذه المسألة، عنوان لها بالتعزير. فيقول: وبين العقوبات التي ليست بمقدرة وهي التعزير، فكذلك يفرق في العقوبات التي يعزر الله بها العباد في غير أمر العباد بها بين العقوبات المقدرة كالغضب واللعنة والنار، وبين العقوبات المطلقة. وهذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره، فإنه يدخل كل ما ثبت في النص أنه كبيرة. ثم بعد ذلك ذكر بعض من هذه الكبائر وأدلتها، وبعد ذلك أراد الحين أن يحقق القول؛ يعني ما هو الموجب؟ ما هي الأدلة الدالة على صوابية هذا القول الذي اختاره؟ الذي هو فكرة أن الكبيرة أو الصغيرة ما كان دون الحدين؛ فكان واقعاً تحت الحدين، حد الدنيا أو حد الآخرة، فهو داخل في حد الكبيرة، أو بالتعبير الذي يستخدمه بعض أهل العلم: أن كل ذنب معصية رتب عليه حده في الدنيا، أو ختم بلعنة أو غضب أو بعذاب النار ونحوه. لاحظ ابن تيمية قاعد يوضح أن ترى هنالك مقولات متقاربة، لكن قد تقارب الزاوية أو تبدي جزءاً من الموضوع من غير أن يستغرق القائل في ذكر الموضوع كاملاً.
قال: وإنما قلنا هذا الضابط أولى من تلك الضوابط المذكورة لوجوه، الوجه الأول: أن هذا القول أو هذا الضابط هو المأثور عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، بخلاف كثير من الضوابط التي قيلت بالذات لو استعرض الإنسان السؤال؛ أن قيلت من قبل أهل الكلام والتصوف من غير أن تكون مرسخة في أقوال السلف. لاحظتوا لو تذكرون الذي ذكرنا في السؤال؛ مثلاً أعطيكم أمثلة إشكالية، قال: ما اتفقت الشرائع على تحريمه يكون من حد الكبيرة، أو لأنها تسد باب معرفة الله سبحانه وتعالى، أو أنها ما تذهب الأموال والأبدان. فتلاحظ المشكلة، ابن تيمية كما سيتضح الذي هو قضية إيش؟ أن كل مقولة من هذه المقولات من الناحية الفعلية العملية لو طبقناها سنخرج أو سندخل؛ يعني سنخرج جزءاً من الكبائر من حد الكبيرة مع كونه كبيرة، أو سندخل جملة من الصغائر في حد الكبيرة وليست كبيرة، بيتضح بعد قليل.
الذي يؤكد هذا ابن تيمية يقول: مثلاً لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]. فالآن الشخص الذي وعده الله سبحانه وتعالى بأن يدخله مدخلاً كريماً، هل هذا المعنى مناسب لترتيب العقوبة الدنيوية أو الأخروية؟ فيقول ابن تيمية: فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضي ذلك، فإنه خارج عن هذا الوعد، فلا يكون مجتنب الكبائر. وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر؛ إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه. فيقول: ظاهر الآية القرآنية يدل على أن الإنسان إذا التزم ترك الكبائر، فإن الله سبحانه وتعالى يكفر عنه بقية ذنوبه ويدخله مدخلاً كريماً، فترتيب العقوبة الأخروية أو العقوبة الدنيوية يدل على وجود ذنب غير مكفر، فلا يدخل في دلالة هذه الآية. يعني ما يتحقق فيه الوعد الإلهي بتكفير خطاياه وإدخاله المدخل الكريم.
المسألة الثالثة: أن يستطيع الإنسان أنه يرسي هذه أو هذا التعريف في دلالات الوحي من القرآن والسنة، بخلاف كثير من تلك المقولات التي قيلت، يعني هي راجعة إما إلى الرأي أو إلى الذوق كما عبر الإمام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى عليه. القضية التي بعدها: وهي إمكان التفريق في ضوئه بين الكبائر والصغائر، بخلاف غيره؛ أنه هو ميزة التعريف هذا أنه يضع عندنا كما يقال حداً واضحاً فيما يتعلق بين الكبائر والصغائر، بخلاف غيره من التعريفات. مثلاً من التعريفات التي قيلت: أو أنها إنما سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها. طيب إذا قلنا إن المسألة نسبية إضافية، إيش معناته؟ لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً في حديث: «من أكبر الكبائر»، فمعناتها عندهم رتبة أعلى، صح ولا لا؟ لما يقول: «السبع الموبقات»، فمعناتها السبع الموبقات هي رأس الكبائر، طيب في كبائر أخرى صح ولا لا؟ بس كأنه بيقول لك: أن هذه سميت كبيرة، هي كبيرة بالنسبة لغيرها، بس إذا دخلت معامل نسبية فانت عملياً تلغي وجود الصغائر، يعني أن خلاص بتصير الكبيرة هي صغيرة باعتبار، وكبيرة باعتبار؛ إذا نظر الإنسان للذنب والمعصية باعتبار ما دونها من ذنوب ومعاصي صارت هي كبيرة، وإذا نظر الإنسان إلى ما فوقها من الكبائر صارت صغيرة. وهذا يعني موضع إشكالي.
مثلاً الخامس أو من الاعتبارات التي ذكرها ابن تيمية: هو أن السعي إلى إفساد الأقوال الأخرى؛ يعني بمعنى أن ما قيل من أقوال أخرى في حد الكبيرة، إذا خرجنا عن هذا القول فلا يستقيم لنا قول. فمثلاً قول من قال: "إنها ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه". إيش مثلاً من الإشكاليات الواردة على هذا التعريف؟ أنه كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو كبيرة، وما اختلفت الشرائع في تحريمه فليس بكبيرة. إيش المشكلة؟ هم يحطون إطاراً، يقول لك: كل ما اتفقت الشرائع -مثلاً هل يوجد شريعة من الشرائع أباحت الزنا؟- فيقول لك: خلاص، فطر أن كذا، خلينا نبنيها بطريقة تحول منطقها، بيقول لك الحين: أن إذا اتفقت الشرائع على تحريم شيء معين، دل ذلك على كون هذا الشيء مقتضى الحكمة، مقتضى الحكمة في تحريمه يدل على أن هنالك فساداً عظيماً ترتب على هذا الشيء، ولذلك وقع التفاوت بين الأمم بين الشعوب فيما يتعلق بهذه القضية، وبالتالي يظهر أنها ستكون هذه من قبيل الكبائر.
فهو طريقة النقض المشهورة فيما يتعلق بهذه الإطارات الكلية، هو قضية إيش؟ إبراز مثال أو فرد أو مجموعة أفراد ينقض هذه الكليات العامة؛ لأن الدعوة الموجودة: "كل ما اتفقت عليه شرائع كبيرة". طيب إذا استطاع الإنسان أن يبرز مثلاً من خلال شريعة الإسلام أن هذه الشريعة إما أن متفق عليها ومع ذلك لا تتعامل مع شيء باعتباره كبيرة، أو العكس، أن هذه قضية عدتها الشريعة كبيرة مع عدم اتفاق الشرائع عليها. فمثلاً من الأمثلة التي يذكرها العلماء، ذكرها الإمام ابن تيمية: أنواع السرقات المتعلقة بما دون النصاب الشرعي؛ فمثلاً ما حكم أكل مال اليتيم؟ حرام، كبيرة. طيب لو أخذ الإنسان حبة من مال يتيم وأكلها، هل يعتبر وقع في كبيرة من كبائر الذنوب؟ العلماء لا يتعاملون معه، يعني الحين مثلاً السرقة كبيرة، صح ولا لا؟ هل الحين كل سرقة تعتبر كبيرة مهما قلت؟ واضح، فهذا مثال.
ناخذه في المقابل، يصير أوضح، مثلاً من الكبائر المتعلقة بشريعة الإسلام: الفرار يوم الزحف، صح ولا لا؟ أن هي من السبع الموبقات، الفرار من الزحف ورد في أحاديث ودلائل متعددة، وحتى القرآن الكريم مشير إلى هذا المعنى. فابن تيمية يورد أن شريعة الجهاد أصلاً ما ألزم بها كل الأمم السابقة، وإذا كانت شريعة الجهاد لم تكن واجبة عند كل الأمم والشعوب، وبالتالي لو قدرنا فراراً من الزحف، هل يلزم أن يقع في كبيرة؟ لا يقع في كبيرة مع كونه كبيرة عندنا، وبالتالي هذا ينقض التعريف الذي اتفقت عليه الشرائع كمثال. يعني ناخذ مثالاً آخر، يعني مثلاً الذي ذكرناه: قضية القول بالنسبة. وذكروا عدة أمثلة؛ فمثلاً لما قلنا الحين القول بنسبية الكبائر، إيش المشكلة فيه؟ نحن أشرنا إشارة، لكن إيش ممكن يضاف عليه؟ إيش المشكلة الكبيرة الموجودة في دعوى أن الكبائر بالنسبة إلى غيرها سميت كبائر؟
معناها أنني ألغيت التقسيم، أي لا يوجد تقسيم حقيقي؛ وبالتالي لما يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32]، لا نطبق الدلالة القرآنية لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37]، و﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]. الدلالة القرآنية متنوعة، والذي واضح أنه يرتب الله عز وجل أحكامًا على جنس من الذنوب والمعاصي يفارق بها أحكامًا متعلقة بجنس آخر؛ فهذه ملحوظة تحتاج كذلك أن يراعيها الإنسان. فيرجع الإنسان إلى مجموع الفتاوى مجلد 11، صفحة 650، فهو بحث ممتع صراحة وطبيعة المعالجة قدمت معالجة ظريفة فيما يتعلق بهذا الإطار.
لكن من التعبيرات التي تدل على احتياج هذا الباب لنوع من أنواع التحقيق والتحرير العلمي وأن هناك قولًا يمكن أن يقال فيه، أن كذلك هنالك تحقيق بديع ومهم وفي ملحوظات جيدة أبداها العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام، لكن ختمها بالعبارة الآتية، قال: الأولى في ضبط الكبيرة أن تضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها في دينه، إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك، ولم أقف لأحد من العلماء على ضابط لذلك. هو أبدى مقاربة مختلفة عن المقاربة التقليدية التي ذكرناها قبل قليل، التي نقلنا عن ابن عطية وابن تيمية وغيره من الأئمة أن كل ما ترتب عليه عقوبة خاصة في الدنيا وفي الآخرة، خلينا بس نختصر الموضوع بهذه الطريقة. مقاربة العز بن عبد السلام تقول: خلونا نحاول نستقرئ كل ما سمته الشريعة وجزمنا بكونه كبيرة من الكبائر؛ هذه الكبيرة لماذا كانت كبيرة عند التحقيق؟ ما الموجب؟ ما هو المعنى الموجود في الكبيرة الذي جعلها كبيرة؟ أن اقتراف الإنسان لهذا الذنب والمعصية يدل على حالة من حالات التهاون الديني، يدل على حالة من حالات الجرأة على الله عز وجل. فأي ذنب ومعصية يتحقق فيه ذات معنى التهاون أو ذات معنى الجرأة فينبغي أن يتعامل معه تعامل كونها كبيرة. هذه مقاربة جديدة، ما بالضرورة موافقة، بس هي إبداء أن هنالك ما يمكن أن يقال.
قال الله عز وجل بعدها: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. الرازي له عبارة لطيفة في التفسير يقول: إذا ذكرت الكبائر، فما الفواحش بعده؟ الحين هل الفواحش خارجة عن حد الكبيرة ولا لا؟ الفواحش داخلة في الكبيرة، طيب لكن الله عز وجل قال ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، كانت تشعر أن الفواحش أمر منفصل عن الكبيرة، ما واضح؛ فلماذا جرت الآية بهذا؟ فقال يقول الرازي: نقول الكبائر إشارة إلى ما فيها من مقدار السيئة، والفواحش إشارة إلى ما فيها من وصف القبح. الحين الكبائر يريد أن يقول إن عندنا ذنب ومعصية، فأحد الدلائل التي تدل على عظم مقدار الفساد ومقدار السوء الموجود في هذا الذنب والمعصية تسميته كبيرة، ولفظة الفواحش لفظة مناسبة للدلالة على القبح المتعلق بهذه الكبيرة.
فيقول: كأنه قال عظيمة المقادير، قبيحة الصور. والفاحش في اللغة مختص بالقبيح الخارج قبحه عن حد الخفاء، وتركيب الحروف في التقاريب يدل عليه؛ يقول لك هذا الحين لفظة الفاء والحاء والشين في اللغة العربية تدل على معاني القبح؛ فحتى العلماء يقولون الفواحش ما فحش في العقل فساده، فيه بداهة، فيه وضوح. ليست كل الكبائر بالضرورة، قد تفحش؛ فيصير في إشارة إلى ما يتعلق بهذا المعنى. قال: فإنك إذا قلبتها وقلت حشف، كان فيه معنى الرداءة الخارجة عن الحد، ويقال فحشت الناقة إذا وقفت على هيئة مخصوصة للبول؛ فالفحش يلازمه القبح، ولهذا لم يقل الفواحش من الإثم، وقال في الكبائر كبائر الإثم. ليش لاحظوا الحين، ليش ما قال فواحش الإثم؟ ليش قال كبائر الإثم؟ لأن الإثم متعلق بحجم الذنب والمعصية.
الحين سؤال: لما قال الله عز وجل ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾، فالله عز وجل أضاف الكبائر معنى، وهو الإثم، بخلاف الفواحش؛ ما قال الذين يجتنبون كبائر الإثم وفواحش الإثم. فالرازي يبدي معنى لطيفًا، أن ليش ذكر الإثم هنا وما ذكر الإثم هنا؟ فيقول هذا الشق الثاني، وهو أن فيه استغناء؛ لأنه بمجرد ما تقول الفواحش، ما فيها من ماهيتها، من طبيعتها، من المعاني الداخلة فيها ضرورة، هو القبح. طيب نرجع الحين، فكروا فيها، يعني أحد الأساليب تقرب المدلول، لو قرأنا الآية: الذين يجتنبون كبائر والفواحش، الكبائر لا تدل على أنها شيء، كبائر إيش؟ أنا قصدي الحين كبائر من ناحية الدلالة العربية لا بد أنها تضاف إلى شيء معين؛ عرفت قصدي؟ فافترض لو قلت لك مثلاً: من أحسن الناس إيمانًا الذين يلتزمون كبائر الطاعات والقربات، المشكلة هذه؛ لأن دلالة لغوية؛ لاحظت؟ فالكبائر ما تعطي هذا المدلول.
طيب، يقول بعدها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. طبعًا اختلف في اللمم على أقوال متعددة، من أهم ما قيل فيها: أن ما ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية، فإنه يغفر لهم بالإسلام. ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ يعني إيش؟ يعني إلا الذنوب والسيئات التي قارفوها في جاهليتهم، فإن الله سبحانه وتعالى يغفرها ويكفرها لهم إذا دخلوا في الإسلام. الثاني: أن يلم أو يلم بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود، اللمم فيه معنى العود؛ بمعنى فهو يلم بالذنب والمعصية المرة بعد الأخرى لكن لا يعود بعد ذلك. الثالث: أنه صغار الذنوب؛ كالنظرة والقبلة وما كان دون الزنا، أن المقصود إلا اللمم يعني إلا الصغائر. الرابع: أنه ما يهم به الإنسان. الخامس: أنه ما ألم بالقلب أي خطر، لاحظ فيه تقارب. السادس: أنه النظر من غير تعمد. طيب لاحظ الحين، لو دقق الإنسان النظر، وبعيد لكم إياها وركزوا فيها، بتلاحظون أن اللمم، يعني أنه فيه فرق بين جنسين في طبيعة الذنوب والمعاصي ذكرت في الأنواع الستة التي ذكرناها: الأول ما ألم به في جاهليته من الذنوب والمعاصي، الثاني أن هو الذنب يلم به العبد مرة بعد أخرى ثم يتوب إلى الله سبحانه وتعالى منه، الثالث أنه الصغائر، أنه ما يهم الإنسان، أنه ما يخطر بقلب الإنسان، أن النظرة من غير تعمد. هذا اللمم، فتلاحظ الحين هذه التنويعات الستة إيش علاقتها بقضية الكبائر؟ التوبة كيف؟
لا تلاحظ النوع الأول الذي ذكرناه القول الأول والقول الثاني، هل يخرجه عن حد الكبيرة ولا لا؟ الحين لاحظ دقق القول الأول والثاني: القول الأول قلنا الذنوب والمعاصي التي اقترفوها في جاهليتهم. الحين سؤال: الذنوب والمعاصي التي اقترفوها في جاهليتهم هل هي موصوفة بالكبيرة ولا الصغيرة؟ قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة. طيب القول الثاني: هو الذنب يلم به العبد، هل يمكن يكون كبيرة؟ يكون كبيرة، ممكن يكون صغيرة، صح ولا لا؟ فتلاحظ بناء على القول الأول والثاني يكون الاستثناء عدم التوبة. الحين في عندنا أنواع للاستثناء، فيصير الاستثناء الذي يقول ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، فيصير يعني كأن الآية تقول: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا كبائر معينة، لأن استثناء من الجنس نفسه؛ يعني مثل مثلاً: جاء الرجال إلا أحمد، معناه أنت تستثني من الرجال أحمد، صح ولا لا؟ فيصير هو من قبيل أنه مستثنى من نفس الجنس على القول الأول والثاني، صح ولا لا؟ يعني بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يرتب العفو، يرتب المغفرة، يثني على من كان مجتنب الكبائر والصغائر، ولا يذم سبحانه وتعالى من وقع في الكبيرة في جاهليته أو وقع في الكبيرة ثم تاب إلى الله عز وجل منها. واضح هذا القول، على الأقوال الأخرى يصير لا، ليس استثناء من الجنس؛ لأن كأن الله عز وجل يقول الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم أي إلا الصغائر، فتلاحظ أن المستثنى ليس هو المستثنى منه.
طيب هذا ما يتعلق بالآية الأولى. الآية الثانية يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. قال جمال الدين القاسمي في تفسير هذه الآية القرآنية: جامع، يعني هذه الآية جامعة للتخويف والترجية؛ من حيث قيد غفران ما سوى الشرك بالمشيئة. فيقول لك هذه الآية من الأوجه البلاغية الجميلة المتعلقة بها أن فيها تخويفًا وفيها ترجية. إيش وجه التخويف الذي فيها؟ أن الله عز وجل قد توعد على ذنب ومعصية بأن الله عز وجل لا يغفره، والترجية ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ أن إذا تجنب الإنسان ذلك الذنب والمعصية فهو معرض لمغفرة الله سبحانه وتعالى؛ فتلاحظ أن الآية نبهت إلى معنى من المعاني المفزعة المخيفة للإنسان المؤمن، وفي المقابل كذلك هي تطمعه وترجيه في رحمة الله سبحانه وتعالى ومغفرته تبارك وتعالى. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، يعني هذا الذنب وهذه المعصية اللي هو الشرك بالله تبارك وتعالى رتب الله عز وجل عليه أحكامًا تخصه متعددة كثيرًا جدًا، فهو جنس خاص من الذنوب والمعاصي، تترتب عليه آثار مختلفة عن الآثار المترتبة على غيره من أجناس الذنوب والمعاصي. فالله عز وجل قد حتم على من وقع في الشرك ألا يغفر له، وأن يخلده تبارك وتعالى في نار جهنم. ثم بعد ذلك لما يقول الله عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ﴾، ما دون ذلك كبائر أو صغائر؛ كبائر وصغائر ﴿لِمَن يَشَاءُ﴾، وهذا يدل على كمال رحمة الله سبحانه وتعالى بخلقه وعبيده.
طيب هذه الآية طبعًا أحد الملحوظات الأساسية المنهجية المتعلقة بهذه الآية القرآنية أن هذه الآية القرآنية إنما تتحدث عن رحمة الله عز وجل أو مغفرة الله سبحانه وتعالى وتعلقها بذنب العبد إذا لم يقع منه توبة؛ وإلا الدلالة القرآنية تدل على مغفرة الله سبحانه وتعالى لذنوب التائبين، وهو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. تلاحظ لأن إيش الذي يصير الإشكال؟ يعني إذا لم يفهم الإنسان هذه الآية القرآنية في ضوء هذا المعنى الذي هو قضية وجود التوبة وانعدام التوبة، تكون الآيتان كالمتعارضتين؛ لأن في آية تقول الله لا يغفر أن يشرك به، وفي آية تقول إن الله يغفر الذنوب جميعًا، صح ولا لا؟ يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في الآية الثانية: فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بمن لا يتعاظمه ذنب، ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباد متجهين إليه في طلب العفو، المتجهين له في مغفرة ذنوبهم. ومن الأدلة التي تدل كذلك على هذا المعنى، هو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110]، فظاهر هذه الآية القرآنية تدل كذلك أن الله سبحانه وتعالى يغفر للعبد كل ذنبه إذا استغفر الله عز وجل وتاب إليه سبحانه وتعالى، ويقول الله عز وجل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ [طه: 82].
طيب إيش معنى المغفرة؟ المغفرة في اللغة العربية إيش؟ أصل المغفرة باللغة العربية مأخوذ من الغفر، وفيها معنى التغطية الذي يلزم منها قضية الحماية والستر؛ لكن هي أصل معناها التغطية والستر، فيترتب، ولذا مثلاً من الاشتقاقات اللغوية المتعلقة بهذه المسألة تسمية المغفر بالمغفر، صح ولا لا؟ فيحتاج يربطها الإنسان. يقول الحليمي: الغافر هو الذي يستر على المذنب ولا يؤاخذه فيشهره فيفضحه، وأما الغفور فهو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته. فتلاحظ أن وبالتالي عندنا من أسماء الله سبحانه وتعالى الغافر، وعندنا الغفور، وعندنا الغفار. إيش الفوارق الموجودة بينها؟ الغافر اسم فاعل يدل على صدور فعل المغفرة منه، والغفور على وزن فعول يدل على وزن من أوزان المبالغة، والغفار كذلك يدل على كثرة صدور فعل المغفرة منه تبارك وتعالى.
طيب لما نقول طبعًا المغفرة أنها مأخوذة من قضية التغطية والستر، طيب قد يلي الحين سؤال: ما فائدة التغطية والستر؟ يعني هل المغفرة هي مجرد تغطية الستر على ذنب العبد، ولا هو يتضمن معنى العفو والمسامحة؟ لاحظتم الحين؟ الحين مثلاً لما تقول الغفر أو المغفرة باللغة العربية تدل على التغطية والستر، طيب قد يرد سؤال: يقول طيب التغطية والستر لا يلزم منها بالضرورة أن يقع العفو، بس أنه يغطي الموضوع، هو يغطي أو يستر هذا الذنب ولكن يغطيه بحيث لا يحدث منه الأثر؛ أي أن تشكل مغفرة الله عز وجل حجابًا للعبد من التأثر بأثر الذنوب والمعاصي، بحيث إن أحد الآثار المترتبة على الذنوب والمعاصي معاقبة الرب تبارك وتعالى؛ فالله عز وجل لما يغفر له سبحانه.
نعم، هو يغطى لكنه يغطى بستر يقيه من أثر الذنب والمعصية، فهو ليس مجرد الستر أو مجرد العفو؛ فالمغفرة لأن من أسماء الله عز وجل الستير، قد يمارس الإنسان ذنبه ومعصيته، فالله عز وجل من رحمته أن يستر على عبده. والستر على العبد لا يلزم بالضرورة أن يكون عن عفو ومسامحة؛ فإنسان منهمك في المعاصي لكن الله عز وجل ساتر عليه. لكن لما نقول الله عز وجل قد غفر لفلان، لا؛ فالمغفرة ليست القضية أنها مجرد غطته وسترته من جنس اسمه الستير.
طيب، من الإشكاليات التي يذكرها بعض أهل العلم هو توهم أن الشرك لا يغفر. نحن جبنا دلالة يقول الله عز وجل: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]، صح ولا لا؟ فجميع الذنوب تغفر. طيب، ما المانع للإنسان أن يقول الجمع بين هذه الدلالة القرآنية وقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، من قبيل العام والخاص؟ إن وردت الآية بالدلالة أن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك، فإنه لا يغفر للإنسان حتى لو تاب إلى الله سبحانه وتعالى.
الحين لو نجي للآيتين، الآية الثانية يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، فهي دعوة من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين أن يتوبوا إليه سبحانه وتعالى؛ لأن بالتوبة الله عز وجل يغفر لهم ذنوبهم جميعاً. لكن ورد في القرآن الكريم قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48]، فحتى إذا تبت إلى الله سبحانه وتعالى، فالله لا يغفر أن يشرك به. ما أدري واضح؟
واضح الاعتراض أو الإشكال أو الوهم، فكيف يمكن أن يدفع هذا الإشكال؟ لو واحد فهم إطلاقية الآية الأولى، أنا أسألك الحين هل يغفر الله عز وجل لمن تاب ولا لا؟ يغفر. بس الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، فأنا بأخذ بعموم الدلالة، عموم الآية تدل على أن الله عز وجل لا يغفر للإنسان سواء تاب أو ما تاب. دلالة الشرع الأخرى أن الله عز وجل تقبل من الصحابة وممكن.
ماشي، بس أنا قصدي إيش اللي ممكن يزيل للإنسان هذا الوهم المتعلق بالدلالة؟ المعنى الذي ذكرته معنى صحيح، وهو معنى محكم. ربما من مات على معصية ارتكب أي خطأ، فربما الله سبحانه وتعالى يغفر له، إلا من مات على الشرك. هذه النتيجة النهائية التي نريد الوصول إليها من الجمع بين الدلالتين: أن هناك فرقاً بين مقام التوبة وغير مقام التوبة. إذا تحدث الإنسان عن علاقة الله عز وجل بالعبد من جهة المغفرة؛ فإذا تاب إلى الله سبحانه وتعالى فإن الذنوب جميعاً تغفر، لكن إذا لم يتب الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى فهو في كل الذنوب والمعاصي معرض لرحمة الله عز وجل ومغفرته تحت مشيئته سبحانه وتعالى، إن غفر له وإن لم يغفر له، لكن الشرك شأنه لا يغفر الله عز وجل بحال من الأحوال.
لاحظ، هذا متفقون عليه. الحين للاعتراض الذي يرد، يقول لك إن عموم هذه الآية القرآنية يمكن أن يفهم منها أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر الشرك؛ لأنه ذنب ومعصية كبيرة عند الله عز وجل إلى المستوى الذي حتى لو تبت إلى الله سبحانه وتعالى فإن الله لا يغفر لك. أنا قصدي هل في شأن البشر هل ممكن للإنسان عنده خط أحمر معين، يقول لك: هذا الخط الأحمر حتى لو جئت تطلب مني العفو لن أسامحك؟ ما يحصل هذا، ما يحصل. في ناس يقول لك إن فلان الفلاني أخطأ علي ولن أسامحه إلى يوم القيامة، وبيني وبينه الله عز وجل، ويجي فلان يقول له: طيب اغفر لي سامحني، يقول: والله لا أغفر لك. أنا قلت قبل ما أُسوي ذنب المعصية: ترى إذا فعلت هذا المعصية فعلت هذا الخطأ، لا ترجع.
مثلاً من الاعتراضات الحسنة الجميلة، أن لما ينظر الإنسان في استقراء أحكام الشريعة المتعلقة بهذا الباب، سيجد أن من المحكمات الدينية الشرعية بأن الله عز وجل قد يغفر للمشرك ذنبه قطعا. دلائل كثيرة جداً، وإلا إذا لم نسلم بهذا لا يكون هناك معنى لفكرة الدخول في دين الإسلام، فكرة «أسلمت لله» وأن محمداً رسول الله، وأن الإسلام يجب ما قبله، يكون بلا معنى؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به، فما لم تولد على الإسلام ابتداء فإن لا سبيل لك إلى التخلص من هذه الورطة. فنقول واضح أن هناك محكمات. بس في من الإجابات، إجابة ظريفة وطريفة ذكرها بعض العلماء لرد هذه الدلالة الإشكالية المتعلقة بخصوص هذه الآية، أن حتى ما نحتاج إلى تلك الدلالة، نستطيع أن نزيل الإشكال بفكره معينة.
الذي تاب من الذنب لا يطلق عليه الشخص أنه مشرك. الجواب يقول الواحد، وهو نفس كلام المفسرين في التفسير البسيط: "فإن قيل: أليس يغفرها بالتوبة، فلما أطلق القول بأنه لا يغفر أن يشرك به؟ قيل: إنه بمعنى أن الله لا يغفر للمشرك به، وإذا تاب المشرك زال عنه هذا الوصف ولا يسمى مشركاً ما أقام على الشرك". ويقول: "هذا الإطلاق مقيد بالآيات الدالة على قبول التوبة كقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا﴾ [الأنفال: 38]، وقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: 3]، وقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾". تلاحظ هو أبدى معنيين؛ المعنى الأول يقول: نعم، إن الله لا يغفر أن يشرك به ما دام الإنسان مستمراً على قضية الشرك، إن الله لا يغفر، إذا تاب الإنسان من الشرك لا يكون مشركاً، فلا تتناول هذه الدلالة القرآنية.
طيب، إشكال آخر بعضهم قد يورده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، صح ولا لا؟ فمن أكبر ومن أعظم الكبائر التي لا يغفر الله سبحانه وتعالى الشرك به سبحانه وتعالى. طيب، الكفر يغفر أو لا يغفر؟ الكفر هل يغفر أو لا يغفر؟ لا يغفر، صح ولا لا؟ يعني مثلاً إنكار وجود الله سبحانه وتعالى، هل هو شرك ولا كفر؟ هو من قبيل الكفر.
إذاً الحين الإشكال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾؛ فالله عز وجل يغفر الشرك، لكن هل يمكن أن يغفر الله عز وجل؟ هل الواقع في الكفر واقع تحت المشيئة؟ ليس واقعاً تحت المشيئة. فإيش ممكن يقال؟ طيب هي الآية قالت يغفر ما دون ذلك، والكفر ليس دون الشرك هو فوق الشرك؟ فالكفر مو بالضرورة أن فوق الشرك، هو في نفس رتبة الشرك. الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، فما كان دون الشرك من ذنوب المعاصي يكون تحت المشيئة، لكن إذا كان كفراً في الدعوى أنه دون الشرك، ليست الدعوى صحيحة، نقول هو في رتبة الشرك، وبعض قد يكون أعظم من بعض أجناس صور الشرك.
طيب، الخلود في النار يدخل في الموضوع هذا؟ يعني مثلاً أن المشرك والكافر لن يخرج من النار، بينما القاتل والزاني، وهذا سيخرج من النار، هل مثلاً لها ضابط؟ ممكن، يعني مثلاً أن العبد واقع تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، حتى لو عذب بعذاب معين فخروجه من النار دال على لحوق معنى العفو والصفح والمغفرة، بخلاف المشرك أن الموجب لتخليده في النار أنه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أن ما يقع.
طيب، الآية القرآنية الثالثة؛ الدلالة من هذه الآية على الباب الذي هو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، الذي هو مراتب ذنوب المعاصي، أن عندنا شيئاً ذنوباً أعظم من ذنوب أخرى، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]. الآية هذه فيها مقاربة وفيها بعض الأوجه التفسيرية للآية الأولى، يقول الراغب الأصفهاني من المفسرين وهو أكثرهم من حمل السيئات التي في خاتمة الآية: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، يعني نكفر عنكم صغائركم، وقال معنى الآية: اجتنبوا كبائر الذنوب نكفر عنكم صغائرها. ثم اختلفوا على أي وجه اعتبار الصغيرة والكبيرة، وذلك أن الصغير والكبير من الأسماء المتضايفة التي لا يعرف أحدهما إلا باعتبار الآخر. فهو بس يورد أن إشكالية من جهة الدلالة اللغوية لما تقول كبائر وصغائر، يقول لك الأصل في لفظ الكبير والصغير أنها من الأسماء المتضايفة، من الأسماء النسبية التي يستفاد منها معنى بالمقارنة بغيره، فهو هذا كبير بالنسبة لشيء، وقد يكون صغيراً بالنسبة لشيء آخر، فلا بد من وضع معيار، وضع حد معين يستطيع الإنسان في ضوئه أن يفرق بين هذا وبين هذا، وذكرنا كلام ابن عطية، وذكرنا كلام الإمام التيمي رحمه الله تبارك وتعالى وتحدثنا فيما يتعلق بقضية الضوابط.
طيب، الحديث الأول الذي هو حديث أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، أو الحديث الأول من حديث هذا الباب رقم 27 في الكتاب، يقول عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. قال: فضرب في صدري وقال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر». رواه مسلم، والعلم الممتدح هنا هو المتعلق بإدراك أعلى الآيات القرآنية مرتبة.
بدايه هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه: "يا أبا المنذر"، أبا المنذر هو كنية أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك اشتهر بكنية أخرى "أبو الطفيل"، وهو كما عبر الإمام الحافظ ابن حجر في الإصابة هو سيد القراء. يقول بقرأ بس جزء من ترجمته في الإصابة: "أبي بن كعب بن القيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن نجار الأنصاري، أبو المنذر وأبو الطفيل، سيد القراء، كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدراً والمشاهد كلها، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ليهنك العلم أبا المنذر، وقال له: إن الله أمرني أن أقرأ عليك". أورد بس طرفاً من الحديث، تمام الحديث الذي أورده الحافظ ابن حجر من رواية أنس: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: 1]، قال أبي للنبي صلى الله عليه وسلم: وسماني؟ فقال: نعم. فبكى رضي الله عنه وأرضاه"، والحديث رواه البخاري ومسلم. وكان عمر يسميه سيد المسلمين ويقول: "اقرأ يا أبي"، رواه البخاري، ويروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً.
وأخرج الأئمة أحاديث في صحاحهم وعده مسروق في الستة من أصحاب الفتيا، قال: "الواقع قدي، وهو أول من كتب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأول من كتب في آخر الكتاب وكتب فلان بن فلان، وكان ربعه أبيض اللحية لا يغير شيبه". ممن روى عنه من الصحابة عمر رضي الله عنه وأرضاه وكان يسأله عن النوازل ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبو أيوب وعبادة بن الصامت وسهل بن سعد وأبو موسى وابن عباس وأبو هريرة وأنس وسليمان بن صرد وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: "مات أبي بن كعب سنة 20 أو 19". وقال الواقدي: "ورأيت آل أبي وأصحابنا يقولون مات سنة 22". وقال عمر: "اليوم مات سيد المسلمين". قال: وقد سمعت من يقول مات في خلافة عثمان سنة 30، وهو أثبت الأقاويل، وقال ابن عبد البر: "الأكثر على أنه في خلافة عمر". قلت: وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان سنة 30، واحتج له بأن زر بن حبيش لقيه في خلافة عثمان. وروى البخاري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبزى قال: "قلت لأبي لما وقع الناس في أمر عثمان، فذكر القصة"، يعني فذكر عدة شواهد التي تتعلق بهذه المسألة. قال: وروى البغوي عن الحسن بقصة له أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة، وقال ابن حبان: "مات سنة 22 وفي خلافة عمر". وقد قيل إنه بقي لخلافة عثمان، وثبت عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من المسلمين قال: يا رسول الله، أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا فيها؟ قال: «كفارات». فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وإن قلت؟ يعني هذه الأوجاع والأمراض كفارات وإن قلت؟
وشوكة فما فوقها، فدعا أبي ألا يفارقه الوعك حتى يموت، وألا يشغله عن حج ولا عمرة ولا اجتهاد ولا صلاة مكتوبة في جماعة؛ دعا الله عز وجل أن يبتليه بالمرض، لكن ليس مرضًا يقعده عن القيام بالتعبدات. يقول: فما مس إنسان جسده -يعني أبي- إلا وجد حره، وحتى مات، رواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي الدنيا، وصححه ابن حبان، ورواه الطبراني من حديث أبي بن كعب بمعناه، وإسناده حسن. وللذهبي تعليق في السير عن المولى يمكن مراجعته.
يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بن كعب: يا أبا المنذر، والعلماء يقولون إن من الأساليب العربية في الحفاوة بالإنسان وبالرجل أن يكنيه يا أبا المنذر، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: أتدرِي أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ أتدرِي أي آية؟ أتدرِي أي آية؟ قال الطيبي: أي أي معرب. ما معنى معرب؟ ليست مبنية. أي يتغير آخرها على حسب ما وضع في الجملة، أي تتغير حركتها الإعرابية بحسب موضعها من الجملة؛ هذا معرب. كما ذكرنا أنه يقابل المبني، يُستفهم به، وهي إحدى الأدوات التي تُستخدم من أجل الاستفهام. اتدري أي؟ فإنه ستطرح سؤالًا استفهاميًا، لازم للإضافة. ما معنى لازم للإضافة؟ يلزم أن يأتي بعدها اسم؛ أي لا تتصور إلا مضافة، فلا تقدر أن تقول تدري أي، فلا بد: أيُّ آيةٍ، فآية هي المضاف إليه. قال: ولك أن تلحق به تاء التأنيث في إضافته إلى المؤنث، ولك أن تتركها. الحين آية مؤنث ولا مذكر؟ مؤنث، فتقدر تقول هذه آية، وبالتالي تستطيع تقول أتدري آية، وتقدر تقول أتدري أي آية، هذا أحد الأشياء المتعلقة بأي.
فيقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ الحين إشارة كلمة معك، المعية تدل على المصاحبة؛ فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما تحفظه من كتاب الله سبحانه وتعالى، هنالك آية عظيمة هي أعظم آية في كتاب الله عز وجل من تلك الآيات الموجودة معك. يقول الطيبي: وقع موقع البيان لما كان يحفظه من كتاب الله؛ لأن معه كلمة تدل على المصاحبة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟
أحد المسائل العلمية التي يتناولها أهل العلم بالبحث، هو قضية: هل في القرآن الكريم تفاضل أم لا؟ لأن ظاهر هذا الحديث النبوي يدل على التفاضل، بمعنى أن كل كتاب الله سبحانه وتعالى عظيم، ووصف القرآن الكريم بأنه عظيم، لكن هل يمكن أن يكون في هذا القرآن العظيم شيء أو شأن أعظم من غيره؟ يقول القاضي عياض رحمه الله تبارك وتعالى عليه في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: حجة للقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض وتفضيله على سائر كتب الله تعالى، لأن الله عز وجل تكلم؛ فالقرآن الكريم أعظم من غيره من الكتب مع كون الكتب جميعًا من كلام الله تبارك وتعالى. يقول وتفضيله على سائر كتب الله تعالى قال: وفيه خلاف للعلماء؛ فمنع منه أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني وجماعة الفقهاء والعلماء؛ لأن تفضيل بعضه يقتضي نقص المفضول، وليس في كلام الله نقص، وتأول هؤلاء ما ورد من إطلاق أعظم وأفضل في بعض الآيات والسور بمعنى عظيم وفاضل، أي لا يلزم بالضرورة أن يحمل على الظاهر الدلالي، فنقول إن أي آية من كتاب الله أعظم أي أي آية من كتاب الله عظيمة أو فاضلة.
وقال وأجاز ذلك إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء المتكلمين، قالوا وهذا ملحظ آخر، قال: وهو راجع إلى عظم أجر قارئ ذلك، قال: وجه التفاضل الواقع أن الله عز وجل رتب على بعض الآيات القرآنية ثوابًا أعظم من ثواب آخر، فبهذا الاعتبار صارت تلك الدلالة القرآنية أعظم، أو تلك الآية أعظم من غيرها وجزيل ثوابه، والمختار الذي هو القاضي عياض يقول: جواز قول هذه الآية أو السورة أعظم أو أفضل بمعنى أن الثواب المتعلق بها أكثر، وهو معنى الحديث والله أعلم. هذا تخريج القاضي عياض؛ حكى الخلاف وحكى الاتجاهات ورجح أن نعم هنالك من القرآن ما هو أفضل من بعض، لكن وجه الأفضلية من جهة أن الله سبحانه خص بعض الدلائل القرآنية بأجر وبثواب أعظم من غيره، فمن هذه الحيثية صار بعض القرآن فاضلًا على بعض، لا من جهة ظاهر الكلام، وإنما من جهة الآثار المترتبة على هذا الخطاب والمعاني الخارجة عن هذا الخطاب.
يقول ابن تيميه رحمه الله تبارك وتعالى عليه وهو يبحث المسألة: هل يتفاضل في نفسه فيكون بعضه أفضل من بعض؟ قال: وهذا فيه للمتأخرين قولان مشهوران، منهم من قال: لا يتفاضل في نفسه؛ لأنه كله كلام الله، وكلام الله صفة له، وقالوا صفة الله لا تتفاضل، لا سيما القول بأنه قديم، فإن القديم لا يتفاضل.
حين يقول ابن تيمية: لاحظ، وليس من قبيل الصدفة أن أبا الحسن الأشعري وأبا بكر الباقلاني يمنعان الحكم بالتفاضل؛ أحد الاعتبارات التي نبه إليها القاضي عياض مما ينبهون عليه أنهم يلتزمون أو يرون لزوم إلحاق النقيصة بما كان مفضولًا إذا جعلت هذا أفضل. أحد الاعتبارات التي نبه إليها ابن تيمية أنه قاعد يربطها ببحث عقدي، وهذا أحد الملحوظات الذكية التي يبديها ابن تيمية في كثير من معالجات المسائل حتى في هذه المسألة، أن ترجع عند ابن تيمية إلى أصل يخالف فيه القاضي عياض. يقول ابن تيمية: وصفة الله لا تتفاضل، إذا تبنى الإنسان القول بقديم القرآن الكريم فإن إمكانية الحكم بالتفاضل تكون أصعب، يقول: لا سيما مع القول بأنه قديم، فإن القديم لا يتفاضل، وكذلك أي وجه كون القديم لا يدخله التفاضل؟ كونه قديم، يبقى أصلًا، ما معنى القول بأن القرآن الكريم قديم؟ أي أنه كان موجودًا من الأزل.
أيها الإخوة، ما لوازم الحكم بأزلية القرآن الكريم؟ أنه لا يتجزأ من الله، لا يقبل التبعيض. خلينا نأخذ الآية القرآنية لما يقول الله عز وجل في أول القرآن الكريم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. الآن الباء قبل السين ولا لا؟ والسين جاءت بعد الباء صح ولا لا؟ والميم بعد السين والباء. إذا كانت الباء والسين والميم أزلية، فما معنى هذا؟ هل هنالك أسبقية زمنية بينها؟ إذا كانت الباء والسين والميم أزلية، فمعناته لا يوجد تفاضل زمني، وإذا لم يقع التفاضل الزمني هل يقبل التبعيض في القرآن؟ خلاص ما تستطيع. هذا ليش مثلًا الأشاعرة يقولون القرآن الكريم هو معنى قديم قائم بنفس الله سبحانه وتعالى؛ وبالتالي هذا المعنى القديم القائم بنفس الله سبحانه وتعالى هل يتصور فيه التفاضل؟ ما يتصور فيه التفاضل؛ لأن المعنى قديم، لا يوجد منه بعض يمكن أن يفضل هذا البعض على بعض آخر، لأن الكل أزلي. فهذا الوجه الذي نبه إليه ابن تيمية، كأنه يقول إذا لاحظنا ذلك الملحظ العقدي فيصير القول بإمكانية الحكم بالتفاضل في كتاب الله عز وجل أبعد.
فيقول: لا سيما مع القول بأنه قديم فإن القديم لا يتفاضل كذلك. قال هؤلاء بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]. فظاهر هذه الآية القرآنية تدل أن الله عز وجل إذا نسخ آية قرآنية يأتي الله سبحانه وتعالى بآية خير منها أو مثلها، قالوا فخير إنما يعود إلى غير الآية، مثل نفع العبادة وثوابه، أي نأتي بخير منها أي نأتي بآية معينة تدل على حكم من هذا الحكم خير للعباد، لا كون الآية من حيث هي خير؛ فتلاحظ أنهم يضطرون كذلك لتأويل تلك الدلالة القرآنية.
والقول الثاني يقول ابن تيمية: إن بعض القرآن أفضل من بعض، وهذا قول الأكثرين من الخلف والسلف؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح في الفاتحة: أنه لم يزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، فنفى أن يكون لها مثل، فكيف يجوز أن يقال إنه متماثل؟ ويستدل بحديث، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال لأبي بن كعب وحديث الباب: يا أبا المنذر، أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، فضرب بيده في صدره وقال له: ليهنك العلم أبا المنذر. فقد بين أن هذه الآية أعظم آية في القرآن، وهذا بين أن بعض الآيات أعظم من بعض؛ فظواهر النقل متعلقة لهذا الباب دالة.
بعدين طبعًا فصل الكلام، أنا ما بقرا كله، بس الفكرة الأساسية التي أراد التنبيه إليها ابن تيمية يقول لك إن شرف الكلام ناشئ من أحد اعتبارين؛ الاعتبار الأول: قد يكون شرف الكلام ناشئًا من جهة المخبر بالكلام، أو قد يكون شرفًا لطبيعة المخبر به. فيقول: الحين إذا نظر الإنسان من زاوية كون القرآن المتكلم به الله سبحانه وتعالى، فهل هنالك تفاضل من القرآن بهذا الاعتبار؟ لا يكون اعتبار؛ لأن الكل تكلم الله عز وجل به، يعني كلام الله عز وجل مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الحاجة: إن خير الكلام كلام الله، كلام الله خير من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وخير من كلام البشر جميعًا. طيب هذه المفاضلة، هذه الخيرية ناشئة من أي شيء؟ أي من المتكلم؛ أن خير الكلام كلام الله؛ لأن الله عز وجل قد تكلم بهذا الكلام، فكلامه خير من كلام خلقه. هذا وجه من أوجه تفضيل الكلام، لكن هنالك ملحظ آخر في إمكانية دخول المفاضلة في الكلام من جهة طبيعة المخبر به، وبالتالي ما كان من القرآن الكريم موضع الإخبار فيه عن الله عز وجل فيكون الإخبار عن الله عز وجل أفضل من الآيات المتعلقة بخلقه؛ ولذا حتى طبيعة الأوامر؛ مثلاً الآيات القرآنية التي يتحدث سبحانه وتعالى فيها عن توحيده تبارك وتعالى ووجوب توحيده أعظم من الآيات القرآنية المتحدثة في أحكام الدين مثلاً في القرآن الكريم.
فالمحظ أو الزاوية التي قاعد يدخل لها ابن تيمية يقول: نعم القول الذي يجب الالتزام به الذي هو الالتزام بمقتضى ظواهر النقل فيما يتعلق بهذا الباب، وهو الحكم بالتفاضل الواقع في كتاب الله عز وجل. طيب ما وجه هذا التفاضل الواقع في كلام الله سبحانه وتعالى؟ عمليًا كأنه يقول ابن تيمية إن بعض القرآن أفضل من بعض من جهة الموضوعات التي تتناولها هذا القرآن الكريم، فإذا كان الموضوع شريفًا فالآيات القرآنية المتحدثة عن الموضوع الشريف أعظم من الآيات المتحدثة بما كان دونَه من الموضوعات. واضح هذا الملحظ، ولذا مثلاً لما يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]، لاحظوا هذا مطرد حتى في طبيعة الشريعة في ترتيب الآثار المتعلقة بالآيات القرآنية. ولاحظ لما تتكلم عن آية الكرسي، تتكلم عن الفاتحة، تلاحظ هذا المعنى أنها أفضل من قول الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 1-4]، ليش؟ لأن موضوع الآية الثانية أبو لهب، وموضوع الآية الأولى هو الرب تبارك وتعالى. يقول ابن تيمية: وإنما غلط من قال.
لأنه نظر إلى إحدى جهتي الكلام وهي جهة المتكلم به، وأعرض عن الجهة الأخرى وهي جهة المتكلم فيه، وكلاهما للكلام به تعلق يحصل به التفاضل والتنازل.
قالوا وهذا ملحظ آخر، لأن لاحظ الحين إذا حقق الإنسان الاتجاهات التي تبحث قضية تفاضل القرآن الكريم، فالقاضي عياض نفسه حكم أن في قولين في المسألة؛ في منع وفي من جوز. فعملياً ابن تيمية داخل في إطار التجويز، لكن هل قول ابن تيمية بالتجويز هو مطابق لاختيار القاضي عياض؟ ما الفرق؟ القاضي عياض قال إن هناك تفارقاً فقط في شيء خارج عن الآية وهو الأجر؛ بمعنى أن الله عز وجل قد رتب على هذه الآية القرآنية أجراً لم يرتبه على غيرها، فهذا هو جهة التفاضل. فلاحظ في معنى خارج عن الموضوع هو الذي جعله أفضل من غيره، في حين ابن تيمية لا يريد أن يجعل الآية غير متعلقة بالموضوع نفسه.
ولذا وهنا يجيء بحث عقدي آخر، فيقول ابن تيمية: ومن عدَّ التفاضل مجرد لكثرة الثواب أو قلته من غير أن يكون الكلام في نفسه أفضل، كان بمنزلة من جعل عملين متساويين وثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر، مع أن العملين في أنفسهما لم يختص أحدهما بمزية؛ بل كدرهم ودرهم تصدق بهما رجل واحد في وقت واحد ومكان واحد على اثنين متساويين في الاستحقاق ونيته بهما واحدة، ولم يتميز أحدهما عن الآخر بفضيلة، فكيف يكون ثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر؟ بل تفاضل الثواب والعقاب دليل على تفاضل الأعمال في الخير والشر. يعني بيرجع إلى قاعدة ابن تيمية ويقول الآتي: يقول لا يصلح الآن اللازم الذي يقول به القاضي عياض ومن تبنى الاختيار هذا، اللي هو جعل وجه التفاضل منوطاً ومرتبطاً بقضية الثواب، يقول اللازم المترتب على هذا أنهم يقولون في حقيقة الأمر إن الكلام من حيث هو متساوٍ، أي لا يوجد هنالك فارق موضوعي بين هذه الآية القرآنية وهذه الآية القرآنية.
فابن تيمية يرد بإشكال عقدي آخر، فابن تيمية عنده قاعدة أصلاً تحكم نظره للشرعيات، وبعدين يربطها بالبحث العقدي: أن الله سبحانه وتعالى لا يفارق بين المتماثلين أو يسوي بين المفترقين، هذه قاعدة موجودة؛ يعني إذا كان الموضوع (أ) هو عين الموضوع (ب)، فلا بد أن الحكم الشرعي إذا تناول (أ) يكون هو عين الحكم الشرعي المتناول لـ (ب). طيب لماذا ينطلق ابن تيمية من هذه الرؤية؟ ينطلق من هذه الرؤية لأنه يعتقد أن الله سبحانه وتعالى من صفاته الحكمة، وأن الله عز وجل حكيم، ولا يعتقد ابن تيمية أن أفعال الله سبحانه وتعالى صادرة بمقتضى المشيئة المحضة، أنه بس اختار هذه الآية، فتقول: طيب ما هو المعنى المناسب في هذه الآية القرآنية؟ يقول: ما فيه. وإذا هذا ينجر إلى أبحاث كثيرة؛ يعني مثلاً الحين أي الأشهر أفضل عند الله سبحانه وتعالى؟ ما هو أفضل شهور العام؟ شهر رمضان، صح ولا لا؟ طيب لاحظ الحين الفرق في الرؤيتين، ففي اتجاه مثلاً العز بن عبد السلام والإمام القرافي يقولون: من ناحية الموضوعية لا يوجد فرق موضوعي بين أول رمضان وثاني وثالث رمضان وعشر رمضان و30 من رمضان وأول يوم من شوال وثاني يوم من شوال وثالث يوم من شوال، ولا فارق موضوعي بين واحد محرم واثنين محرم، كلها أيام ما يوجد فيها فارق، لكن تعلقت مشيئة الله سبحانه وتعالى بهذا الشهر فجعل الأحكام أو جعلت الآثار مترتبة عليه بهذا الاعتبار. ابن تيمية لا، وجهة نظره أن هنالك اعتباراً موضوعياً يتعلق بهذا الشيء.
طيب لماذا بعث الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقول لك: أنت لاحظت أن في قضية مسبقة تعلقت الحكمة الإلهية ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها، ليست المسألة خاضعة لمجرد مشيئة الله عز وجل أن بس تعلقت به من غير موجب ومن غير معنى موجود. فابن تيمية اعتراضه هنا، يقول: هذه المشكلة موجودة، أنتم تجعلون وجه التفضيل من جهة الثواب المترتب عليه. فيرد السؤال ويقول: ما عندي مشكلة، نحن كنا متفقين على هذا، أن الثواب المتعلق بقراءة سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] تعدل ثلث القرآن من ناحية الأجر والمثوبة؛ يقول متفقين لأن الله عز وجل قد رتب أثراً على هذه الآية القرآنية أعظم من الأثر المرتب على تلك الآية القرآنية، بس يرد السؤال المهم الذي يحتاج للمعالجة، وهذا لضرورة ربط بعض الأبحاث العلمية بأصوله العقدية: أن ما هو الموجب الذي لأجله ترتب هذا الثواب؟ لماذا ترتب الثواب؟ هل تعتقد أن ترتب الثواب لأن تعلقت المشيئة الإلهية بهذا الموضع فقط من غير وجود معنى موضوعي متعلق بالموضوع نفسه؟ إذا قلت هذا، فابن تيمية عنده الحين مشكلة، عنده تحسس واضح.
لاحظ المثال الذي ضربه ابن تيمية، مثال ذكي على أساس يبرز لك الإشكال، فيقول لك: الحين خلينا نأخذ مثال من جعل عملين متساويين وثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر، مع أن العاملين في أنفسهما لم يختص أحدهما بمزية، بل كدرهم ودرهم تصدق بهما رجل واحد في وقت واحد ومكان واحد على اثنين متساويين في الاستحقاق، ونيته بهما واحدة، ولم يتميز أحدهما عن الآخر بفضيلة، يعني عنده فقيران وعنده درهمان فأعطاهما بنفس النية، ما يعرف كل الظروف، ملابسات متساوية، فيقول ابن تيمية: عنده أن من المستقبح أن يقول الله عز وجل: أثيبك على الدرهم الأول 100 حسنة وبالثاني 10 حسنات، لماذا وقع الأمر بهذه الطريقة؟ قال: ولم يتميز أحدهما عن الآخر بفضيلة، فكيف يكون ثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر؟ بل تفاضل الثواب والعقاب دليل على تفاضل الأعمال في الخير والشر. قال: وهذا الكلام متصل بالكلام على اشتمال الأعمال على صفات بها كانت صالحة حسنة وبها كانت فاسدة قبيحة، وقد فصلت هذا في غير هذا الموضع.
وقول من قال وهذا ملحظ الحين لأن هذا أحد الاعتراضات التي قيدت في أول الكلام، قلت لكم ركزوا في الكلمة هذه، أن قالوا صفات الله لا تتفاضل. أحد الاعتبارات التي ذكرت في أول الكلام أن ابن تيمية ذكر الاتجاهين، قال: منهم من قال لا يتفاضل في نفسه لأنه كلام الله، وكله كلام الله، وكلام الله صفة له، وقالوا: وصفة الله لا تتفاضل. إيش الاعتراض على هذا؟ كيف يمكن يجاب على هذا الذي يقول لك إنه لا يتصور وقوع التفاضل في كلام الله عز وجل؟
نحن نعلم أن هناك تفاضلاً في صفات الله عز وجل، فمثلاً، لا ماشي هذا اعتراض، بس يعني لا في ملحظ قبل هذا الكلام لأن هذا صحيح، ممكن نذكره بس في شيء يجب أن يقال قبل ما يقال هذا الكلام. هذا من علم الغيب، نعم. في مصطلح يستخدمونه بالذات في العلوم العقدية والفلسفية والكلامية والمنطقية، اللي هو المصادرة على المطلوب. إيش معنى المصادره على المطلوب؟ ما معنى كلمة المصادرة على المطلوب؟ أنا ولا عندي. المصادرة على المطلوب أننا أصلاً نتكلم في المفاضلة بين القرآن وهو صفة الله عز وجل، فأنت تمنع هذا الأمر من أصله، فخلاص كأنك منعت الجواب بالجواب. يعني الحين هل قدم دليلاً؟ واحد يقول لك الحين مثلاً، القرآن كلام الله عز وجل، والكلام صفة من صفات الله عز وجل، وإذا كان صفة من صفات الله سبحانه وتعالى واختار الله عز وجل أن يفضل بعض كلامه على بعض، فليتفاضل بظاهر الحديث. واحد يقول لك: لا يجوز تفاضل في كلام الله عز وجل. تقول: طيب هذا البحث الذي قاعد نبحثه، واضح الملحظ؟ واضح الفكرة؟ يقول هذا هو بحثنا، أنت قاعد تصادر على المطلوب.
فيقول ابن تيمية: وقول من قال إن صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك قول لا دليل عليه، بل هو مورد النزاع، ومن الذي جعل صفته التي هي الرحمة لا تفضل على صفته التي هي الغضب؟ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله كتب في كتاب، فهو موضوع عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي». وفي رواية: «تسبق غضبي». وصفة الموصوف من العلم والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب وغير ذلك من صفات تتفاضل من وجهين. ذكر أن يمكن أن يقع تفاضل بين صفات الله عز وجل، أو الصفات فيما بينها البعض، ويمكن أن يقع تفاضل في الصفة الواحدة. فيقول مثلاً في الصفة الواحدة، ولذا حتى من الأدلة تدل عليه أن سأل الله عز وجل باسمه الأعظم. طيب إيش وجه الأعظمية المتعلق بهذا الاسم؟ لما اشتمل عليه من الصفة. والثاني أن الصفة الواحدة قد تتفاضل؛ فالأمر بمأمور يكون أكمل من الأمر بمأمور آخر، والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عن من دونهم، والرحمة لهم أكمل من الرحمة لغيرهم، إلى آخر كلامه رحمه الله تبارك وتعالى عليه.
هو البحث مسألة طويلة، فموضع الشاهد بس أختم، موضع الشاهد أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لما تدري أي آية من كتاب الله معك أعظم، أن الواجب هو الجريان على ظواهر النقل فيما يتعلق بهذا الباب، وأن هنالك تفاضلاً يُقال في كتاب الله عز وجل، وأن هذا ظاهر لما يُسأل، وهذا يعني يأتي بعد قليل نتكلم على آية الكرسي أن ما وجه المفاضلة الواقع؛ لأن موضوع آية الكرسي هو الرب تبارك وتعالى وصفاته سبحانه وتعالى.
طيب يقول بعد ذلك في الحديث، نرجع يقول: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم. وهذا يعني من طبيعة الإنسان أنه يرد العلم إلى علمه تبارك وتعالى، وفيه من التأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم. طيب بس السؤال الآن، لاحظ الحين الذي وقع من النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بن كعب، أنه سأل: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ فقال له: الله ورسوله أعلم. فإيش فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ كرَّر عليه نفس السؤال بنفس الحروف حتى بنفس التكني في بداية الحديث، قال: قلت ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255].
طيب لماذا أجاب أبي بن كعب بما أجاب به أولاً ثم أجاب على السؤال النبوي ثانياً؟ هم ذكروا العلماء ثلاثة معاني يمكن أن يحتمله أبي بن كعب؛ لماذا ما بادر النبي صلى الله عليه وسلم بالجواب؟ مع أن كان مقصد النبي صلى الله عليه وسلم من طرح السؤال ابتداء أنه يبادر بالجواب الظاهر، صح ولا لا؟ يعني فإيش السبب لماذا قال الآن ظاهر الحديث يدل على أبي بن كعب، هل كان عنده علم بهذه المسألة ولا لا؟ نعم، يعني هل كان في نفسه جواب ولا ما في نفسه جواب؟ بدليل أنه جاوب بعد قليل. لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم السؤال الأول يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم، هل كان بمقدوره يقدم جواباً لو ما كان يعرف جواباً؟ أيوه بس ما جاوب، قال الله ورسوله أعلم. فلما كرَّر عليه النبي صلى الله عليه وسلم السؤال أجاب، فما هو الموجب؟ لماذا؟
الذي هو الأدب، صح ولا لا؟ لأنه لما يطرح عليهم النبي صلى الله عليه وسلم سؤال هم مربون على موضوع أنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد إفادته بعلم، ويحتمل أن قصد النبي صلى الله عليه وسلم الامتحان أو الاختبار أو التقييم العلمي، أياً كان، يتطلب الجواب. فلما سأله المرة الأولى غلب جانب الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله ورسوله أعلم، فلما كرَّر النبي صلى الله عليه وسلم السؤال عرف أنه يريد استنطاقه بما عنده من الجواب فجاوب.
حلو طيب هذا الوجه الأول، قيل قول ثانٍ، الوجه الأول عندي هو الوجه الأظهر، في قول ثانٍ أضعف، في قول ثالث أضعف بس يذكرون العلماء، ميزة بعض المقولات هذه أنها لا تكون راجحة لكن تدل على التدقيق العلمي، تدل أنه كيف العلماء يمكن أن يغوصوا على المعاني أو يحاولوا ينبهوا أن الاحتمالات قد لا تخطر على بال الإنسان ابتداء. الحين قلنا الوجه الأول يدخل في كل الإطار الذي تصور، أحمد ذكر معنى، لما سألتهم قلت لهم: هل كان أبي بن كعب يعرف الجواب لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أول مرة؟ كلكم قلتم نعم كان يعرف الجواب، أحمد قال لا، أنا أظن أنه لم يكن يعرف، فلما أشار إليه الرسول مرة أخرى وسأله فهو اجتهد.
هذا القول قيل فيه: إن ما كان عنده جواب لما سأله المرة الأولى، فلما كرر عليه السؤال استحضر جوابًا فأجاب. هذا ما ذكره بعضهم، وإن كنت أنا أميل للمعنى الأول؛ لأن الفارق أو الفاصل الزمني بين «أ» وبين «ب» يصعب تفسيره بأن الآن عرفت أنه ما كان متنبهًا بتاتًا، هل يحتمل؟ محتمل، بس الأظهر أن المقام الأول تقدم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ما أحب أن يبادر بالجواب، فلما عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد استنطاقه بالجواب، أجاب في الثالثة. هذا ذكرناه أن ما كان يعرف الجواب، ثم حضر الجواب لما سأله في المرة الثانية.
هذا الوجه الثالث بعيد، يعني غريب شوي وصعب. الوجه الثالث ذكره بعض العلماء قالوا الآتي: قالوا احتمال أن أبي بن كعب كان عنده الجواب، لكن قدر في نفسه احتمال أن يتجدد شيء من الشريعة على خلاف الجواب الذي موجود عنده؛ واضح؟ يعني أن الآية التي تتقدح في نفسه هي آية الكرسي، بس ما أعلمه يمكن أن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن شيء، يعني في احتمال تجدد شيء في هذا الموضوع، فما بادر بالجواب. أبي بن كعب لما قال له هذا، اضطر أبي بن كعب وفق الرأي الثالث أن يقدم الجواب الذي كان حاضرًا في نفسه، فكان جوابًا صوابًا. هذه ثلاث اتجاهات، ومثل ما ذكرت أنا أميل إلى ما يتعلق بالجواب الأول.
ثم قال بعد ذلك أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، وهو مفتتح آية الكرسي. طيب، ما وجه كون آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله عز وجل؟ هي تضمنت من صفات الله سبحانه وتعالى ما يجعلها تحظى بهذا المقدار وبهذا المقام عند الله سبحانه وتعالى. لما يتأمل الإنسان فيها ويتدبر، يجد كل من تكلم على شرح هذا الحديث يذكر هذه المعاني؛ أن بافتتاحها ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ وما في السماوات وما في الأرض، أن فيها جلالة وفيها عظمة من جانب ذكر عظمة الله سبحانه وتعالى وجلالته تبارك وتعالى، وما اتصف به سبحانه وتعالى من عظيم الصفات. العلماء يقولون إن الحي يدل على اشتمال ذات الرب العلي سبحانه وتعالى على كل الكمالات الذاتية، والقيوم يدل على كل الكمالات الفعلية؛ يذكرون معاني عديدة متعلقة بهذه المسألة.
طبعا هذا الجواب الذي قدمه أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه هو أحد تجليات العبقرية. أنا دائمًا أقدر هذا المعنى في نفسي، أننا مهيؤون لسرعة تقديم الجواب على هذا السؤال؛ لأن أبياً أجاب بهذا لما نسأل الحين أي مسلم نقول له: أيش أعظم آية في كتاب الله عز وجل؟ يقول لك: آية الكرسي. لكن الخلوص إلى هذه النتيجة من غير أن يكون عند الإنسان معرفة بمثل هذا الأثر والحديث، لا، هذه قضية صعبة؛ يحتاج الإنسان أول شيء أن يستحدث لنفسه معيارًا يحاكم الآيات القرآنية إلى هذا المعيار. فلاحظ العبقرية في معرفة المعيار؛ أول شيء أنه عرف المعيار، ما هو المعيار؟ أنه يكون الموضوع متعلقًا بالرب تبارك وتعالى؛ لأن موضوعات القرآن متعددة، القرآن مشتمل على ما يتعلق بأمور مغيبة، ما يتعلق بالله عز وجل، ما يتعلق بالملائكة، ما يتعلق باليوم الآخر، القرآن مشتمل على أوامر ونواهٍ، القرآن مشتمل على القصص. طيب ما هو الموضوع الذي إذا فتشنا في القرآن الكريم حتى نفاضل بين آي القرآن الكريم نتطلبه؟ فقال: أول شيء المعيار هو الله عز وجل. بعد ذلك حين انحصر عنده وضاق الباب، فبتجد أن في آيات -مثلاً يأتي الإنسان إلى مثلاً آخر سورة الحشر على سبيل المثال- تحصل أن فيها ذكرًا، مثلاً أتصور كذا العملية تفكير، تأمل تأمل تأمل، فآية الكرسي، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم الجواب. هذا لاحظوه، يعني أنا أقيم فعلاً أن في قدراً من الصعوبة القفز هذه والجزم بها، وهذا ليش كانت ردة فعل النبي صلى الله عليه وسلم هي رد فعل المبتهج الفرح بحسن إجابة التلميذ.
ولذلك وقع من النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم له هذا الجواب قال: «أبي!» فضرب في صدري. يقول العلماء إن هذه الضربة ليس المقصود بها الأذى، لا، هذا المقصود بها التلطف، المقصود بها إظهار الفرح والابتهاج، ويدل على طبيعة التفاعلات النفسية الوجدانية العاطفية للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المواقف. فموقف جميل لما ضرب في صدره، حتى العلماء يقولون لاحظ الحين الأصل التعدية المتعلقة بالضرب، ألا تقول الحين: هل تقول ضرب في صدري ولا تقول ضرب صدري؟ يقول ضربته، صح ولا لا؟ الأصل أنه يتعدى بنفسه، ما قال فضرب صدري، كان يقدر يوصل المعنى، طيب أيش فائدة لما قال فضرب في صدري؟ لاحظ؛ لأن العلماء ينبهون إلى معنى، وبعدين أنا قاعد أساءل هذا المعنى من جهة أن المخبر بهذا المعنى هو أبي بن كعب، فهل أبي سوى يعبر عن هذا المعنى؟ هم يقولون إن عبر عن ملاءة القلب والصدر بالعلم وانشراحه به وكذا، أن سبب ضربه في صدري، لكن الاشكال أن أباً هو الذي قاعد يخبر هذا الخبر، لكن يبدو أنه يمكن أن يقال إن من طبيعة الضربة التي ضربها كأنه كان يريد الإشارة إلى معنى موجود في هذا القلب، فهذا ليش استخدم هذا التعبير، قال: «فضرب في صدري» ما قال مجرد ضرب صدري.
مثلاً لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: 15]، صح ولا لا؟ الأصل أيش يقول؟ وأصلح لي ذريتي، طيب أيش الفائدة من قولها «وأصلح لي في ذريتي»؟ فيها فائدة إضافية، هذا ذكرنا أن ترى إذا حصل مثل هذه المعاني ففي شيء ينضاف إلى المعنى. فهم العلماء مثلاً يقولون ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أن يجعلهم موضعًا للصلاح، اجعلهم محلاً للصلاح، هذا أبلغ بمجرد الإصلاح، لا، هم صاروا محلاً للصلاح. فالحين «فضرب في صدري» هذا معنى يدل على التلطف، وكذا كذا، «فضرب في صدري» لا، إن في صدري معناته أن في إشارة إلى معنى مشتمل عليه هذا الصدر، في شيء زائد، اللي هو الدلالة على المعنى الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.
قال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر». حتى موضوع تدرج حرف النبي صلى الله عليه وسلم يدل على مزيد الحفاوة والابتهاج، «والله ليهنك العلم أبا المنذر». ليهنك، ورد في بعض الروايات أو في بعض النسخ: ليهنئك العلم أبا المنذر، يعني حذفت الهمزة بعد النون تخفيفاً. طيب أيش معنى ليهنك العلم؟ ليكن العلم هنيئاً لك. ليكن العلم هنيئاً لك، صح ولا لا؟ فظاهر هذا ليكن العلم هنيئاً لك، الآن خلينا نأخذ عدة مراتب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر العلم أن يكون هنيئاً لـ أبي بن كعب المنذر، صح ولا لا؟ هذا ظاهره. طيب أيش الظاهر من جهة المعنى؟ لما يقول ليكن العلم هنيئاً لك يا أبا المنذر، هذا ظاهر الدعاء، لكن إرادة الخبر؛ يعني كان المقام مقام الكشف عن أن العلم هو هنيء لك يا أبا المنذر، من واضح أنه يثني عليه وينبه ويرشد إلى وجود العلم عنده، ولذا استطاع أن يصمد إلى معرفة الجواب. ولذا يقول الطيبي: قال ظاهره أمر للعلم بأن يكون هنيئاً له، ومعناه الدعاء، وحقيقته إخبار على سبيل الكناية بأنه راسخ في العلم فيه؛ لأنه طبق المفصل وأصاب المحز.
طبعاً في هذا الحديث جمٌ من الفوائد؛ من الفوائد أنه يتضمن منقبة عظيمة لأبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، حيث هنأه النبي صلى الله عليه واله وسلم بكثرة علمه. وهذا من الفوائد التي يذكرونها العلماء اللي هو مشروعية ومناسبة طرح الأسئلة على التلاميذ، وهذا مقام يفعله النبي صلى الله عليه واله وسلم كثيراً، وفي كتاب لطيف للشيخ عبد الفتاح أبو غدة عنوانه "الرسول المعلم" يشتمل فيها على ذكر الأدوات والآليات التي كان يستخدمها النبي صلى الله عليه وسلم مستعيناً بها في صنعته التعليمية. الثالث أو من الفوائد هذا اللي هو تبجيل الشيخ، تبجيل الأستاذ لتلاميذه، ودلالة حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن استفتح الحديث بقول: «يا أبا المنذر»، أن فيها تكنية بالإضافة إلى إظهار حالة البهجة وحالة الفرح وحالة الاحتفاء بالتلميذ إذا أصاب.
من التنبيهات طبعاً اللي هو في وجهين من أوجه الدلالة الظريفة من هذا الحديث تدل على فضل علوم السلف عموماً وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، فما هو هذين الوجهين؟ الوجه الأول علمه بكتاب الله. طيب هذا المعنى الثاني؛ المعنى الثاني الذي كنت أشير له أن لما أحسن التلميذ تقديم الجواب أظهر المعلم حفاوة، يعني عرفت أن ليست المسألة مجرد أن الصحابة -تدري في معاني تذكر للتأكيد على فضل علومهم- أنهم مثلاً شهدوا التنزيل، أنه مثلاً هم معدن العربية، أنهم أتقى هذه الأمة، أنهم أحرص الناس على الخير، هذه معاني بس أنت تخيل الحين لما يكون تلميذ مثلاً في اختبار من الاختبارات ثم يحسن الجواب التلميذ، وتدرك من خلال الخبر أن المعلم الأستاذ الشيخ قد أثنى على جواب التلميذ، لاحظ هذا معنى الحين إضافي، عرفت أن قرار النبي صلى الله عليه وسلم لحسن جواب التلميذ بما يدل على فضل وشرف ذلك التلميذ من جهة علمية.
أبين بن كعب رضي الله عنه وأرضاه مما يدل على فضله في العلم الذي حتى ابتهج به النبي صلى الله عليه وسلم أنه استطاع أن يخلص إلى معرفة الجواب، وزي ما قلت أنا المعنى أن لو خلينا هذا الباب لأنفسنا لصعب علينا جداً أن نصل لهذا الجواب، مش بهذه البساطة ولهذه السهولة. فهو المعنيان اللذان يدلان على فضل وشرف علوم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا تجلي العبقرية التي بدأت من أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه في معرفته الجواب، ثم يؤكد هذا المعنى إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لما وفق إليه التلميذ من حسن الجواب، وحتى لاحظ حالة الابتهاج النبوي تعبر عن فضل علم أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه.
ولذا أنا ذكرت طرفاً من ترجمته، أنه يكفي أن ممن روى عن أبي بن كعب مين؟ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان يسأله في النوازل. فانت عرفت في بعض الصحابة للأسف الشديد ما أخذوا موقعهم كما يقال من الإعراب في معرفة حياتهم وتراجمهم وسيرهم، يعني يكفي تعرف أن هذا الرجل قد خاطب الله عز وجل النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يسمعه شيئاً من كتاب الله عز وجل؛ ترى هذا مقام عظيم. ولذا حتى أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه لما ورد في الحديث -طبعاً مختلف لكن في من أهل العلم يصححه ويقويه الشيخ الألباني- اللي هو: «أقرؤهم أبي»، أقرأ هذه الأمة هو أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه.
وإذا ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى مرة، فارتج على النبي صلى الله عليه وسلم في آية من كتاب الله عز وجل، فلما فرغ من الصلاة سأل أبيًّا فقال له: لِمَ لَمْ ترد عليَّ؟ فأنت تتكلم على حالة علمية متقدمة لأبي رضي الله عنه وأرضاه.
هل هو من باب الأدب أو شيء من هذا؟ ومن الفوائد طبعًا من الحديث هذا أيضًا جواز مدح الرجل في وجهه إذا أمنت الفتنة؛ ولأن ظاهر الحديث يدل على أن أبيًّا رضي الله عنه وأرضاه قد أثَّر عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الثناء العطر، الثناء العظيم.
بالتالي الأحاديث الواردة في قضية النهي عن المدح أحيانًا باعتبارات معينة؛ إنما يراعى فيها هذا البعد، وبالتالي من الملحوظات التربوية التي يحتاج يراعيها المربي أن يراعي هذا المقام، وأن نفوس البشر بطبيعتها تتشوف إلى حالة التناول والمدح، وأن هذا يعزز عندها الثقة، ويعزز عندها انطباعات إيجابية.
فالأصل أن يبذل المعلم ذلك، ما لم يخشَ المعلم أو يخشى الأستاذ من وقوع التلميذ في حال من حالات الكبر، أو الغرور، أو العجب، أو غيرها من المعاني التي تمثل حالة من حالات الفتنة. هذا ما تيسر ذكره، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
الشيخ عبدالله بن صالح العجيري