دخولتسجيل الدخول

الدرس 12 - ضبط الأفهام على معيار الوحي 2

عبدالله بن صالح العجيريالشيخ عبدالله بن صالح العجيري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». أخرجه مسلم.

الدنيا سجن المؤمن، طبعا هناك اتجاهان كبيران كما يقال في مقاربة هذا الحديث. الاتجاه الأول: أن هناك اعتبارات موضوعية متعلقة بطبيعة الحياة الدنيا؛ فإذا نظرنا إليها من زاوية المؤمن، فالمؤمن يعتبر في حالة ضيق بالمقارنة بالكافر. الاعتبارات الموضوعية التي يذكرها العلماء يقولون: أول قضية وهي أظهر قضية أن المؤمن محكوم في هذه الحياة الدنيوية بأحكام التكليف، بأحكام الشريعة، وبالتالي هي مثل القيود المفروضة؛ فتلك القيود تمنعه من ممارسة بعض الحريات، فهو كالمسجون في تلك التكاليف الشرعية بالمقارنة بحال الكافر الذي لا يلتزم بتلك القيود، فيمارس حرياته بطريقة أوسع من ممارسة الإنسان المؤمن.

الاعتبار الثاني الذي ذكره بعض أهل العلم، قالوا: إن هذه الحياة الدنيا مؤسسة على قضية البلاء، وأن نصيب الإنسان المسلم من البلاء في الحياة الدنيا أوفر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن يبتلى الرجل على قدر إيمانه»؛ فمثلاً أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر إيمانه. فقالوا: إن موجبات الابتلاءات موجودة في هذه الحياة الدنيا وعذاباتها، فكأنه في سجن بالمقارنة بحال الكافر.

ومن الاعتبارات التي ذكرها العلماء أن حال السجين هو في حالة خوف وترقب. إن حال الإنسان المؤمن في هذه الحياة الدنيا أنه لا يزال في حالة من حالات الخوف والقلق، لا يعرف ما يختم له في هذه الحياة الدنيا، فهو كالسجين بهذا الاعتبار. فتلاحظ هذه كلها أقوال تبني اتجاها واحدا.

القول الثاني الذي يختلف جذريا، أو مقاربة مختلفة تماماً، هو أن المقصود أن المؤمن في هذه الحياة الدنيا في سجن بالمقارنة بأحواله في الآخرة، يعني ليست القصة اعتبارات متعلقة بالدنيا بقدر ما هو إذا قارنا بين حال المؤمن في هذه الحياة الدنيا وحال النعيم والرفاه الذي يحصل له في الجنة، فهو كالسجين في هذه الحياة الدنيا، وإنما يطلق وثاقه حين يدخل الجنة. وبالتالي نفس القضية تنعكس على جنة الكافر بالاعتبارات التي ذكرناها سابقاً للخروج عن التكليف، أو أن بالمقارنة بما يناله الكافر في الحياة الأخروية فهو كان في الجنة.

ولذا من المعاني المعززة والمؤكدة لقضية النسبية حتى يعرف الإنسان الفرق ما بين الحياة الدنيا والآخرة من جهة النعيم والعذاب، ورد في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا ربي ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط». رواه مسلم.

هذا يعزز، إذا فسرنا الحديث بالتفسير الثاني، هذا يعزز هذا التفسير؛ أن أنت جبت أكثر المؤمنين بؤساً في هذه الحياة الدنيا، بين قوسين سجن، غمست بس غمسة في الجنة شوف تبدل الأحوال، والكافر بالعكس، يعني كان عايش في جنة الدنيا، لما أدخل جحيم الآخرة بغمسة واحدة شوف تبدل الأحوال.

ومن القصص التي تذكر في ترجمة الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تبارك وتعالى، وذكرها المناوي في فيض القدير، يقول: ذكروا أن الحافظ ابن حجر لما كان قاضي القضاة مر يوماً بالسوق في موكب عظيم وهيئة جميلة، فهجم عليه يهودي يبيع الزيت الحار، وأثوابه ملطخة بالزيت وهو في غاية الرثاثة والشناعة، فقبض على لجام بغلة الإمام الحافظ ابن حجر، وكان وقتها الحافظ ابن حجر قاضي القضاة، وخرج كما يقال في الطريق في أبهة عظيمة، وقال: يا شيخ الإسلام، تزعمون أن نبيكم قال: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فأي سجن أنت فيه، وأي جنة أنا فيها؟ يعني الفرق الاجتماعي كبير بين الطرفين. فقال: أنا بالنسبة لما أعد الله لي في الآخرة من النعيم كأني الآن في السجن، وأنت بالنسبة لما أعد لك في الآخرة من العذاب الأليم كأنك في جنة. وورد في الرواية فأسلم اليهودي على هذا التفسير.

الحديث التالي حديث أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». أخرجه البخاري ومسلم. طبعا جاء في حديث آخر حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما يقارب هذا المعنى مع إضافة علمية، فجاء عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تعدون الرقوب فيكم؟» قال: قلنا الذي لا يولد له، قال: «ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً. قال: فما تعدون الصرعة فيكم؟» قال: قلنا الذي لا يصرعه الرجال، قال: «ليس بذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب». رواه مسلم.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة». المقصود بالشديد هنا ليس القوي، ما معنى الصرعة؟ الذي يصرع غيره. الصرعة على وزن فُعَلَة الذي يصرع غيره بالتسكين. وهذا لازم يضبط الإنسان الألفاظ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة»، أحياناً ممكن يقرأها الإنسان على وجه تعجل ما مشكلة، يقول ليست شديدة بالصرعة، لا، الصرعة يغير المعنى جذرياً. الصرعة هو الذي يصرع، وهذا وزن موجود في اللغة العربية، فلما تقول مثلاً الضحكة، ما معنى الضحكة؟ هو الذي يضحك غيره، والضحك هو الذي يضحك منه أو يضحك عليه، لاحظ. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الشديد بالصرعة»، يعني ليس القوي الذي يصرع الناس، وإنما القوي هو الذي يستطيع أن يملك نفسه عند الغضب، الذي يستطيع أن يكبح جماح غضبه.

قال ابن الجوزي في كشف المشكل من حديث الصحيحين: فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه ليس العجب في قوة البدن، إنما العجب في قوة النفس، فاعتبر قوة المعنى دون الصورة.

قال ابن عبد البر في الاستذكار: وفيه دليل على أن مجاهدة النفس في صرفها عن هواها أشد محاولة وأصعب مراماً وأفضل من مجاهدة العدو، والله أعلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل للذي يملك نفسه عند الغضب من القوة والشدة ما ليس للذي يغلب الناس ويصرعهم. وقوله عليه السلام: «الصرعة» يريد الذي يصرع الناس ويكثر ذلك منه، كما يقال للرجل الكثير النوم نومة، وللكثير الحفظ حفظة.

وقال في التمهيد ابن عبد البر: وفي هذا الحديث من فقه فضل الحلم، وفيه دليل على أن الحلم كتمان الغيظ، وأن العاقل من ملك نفسه عند الغضب؛ لأن العقل في اللغة ضبط الشيء وحبسه، ومنه عقال الناقة، ومنه الإبل المعقلة أي المربوطة، وهذا معنى العقل في اللغة، ومعناه في الشريعة ملك النفس وصرفها عن شهواتها المردية لها، وحبسها عما حرم عليها والله أعلم. وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يملك نفسه ويغلبها من القوة ما ليس للذي يغلب غيره، وفي هذا دليل على أن مجاهدة النفس أصعب مراماً وأفضل من مجاهدة العدو والله أعلم.

قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله تبارك وتعالى عليه في كتابه الإفصاح، وبالمناسبة كتاب الإفصاح من الشروحات الحديثية الماتعة واللذيذة التي فيها فوائد علمية ومقاربات مختلفة عن أحياناً السائد العلمي، يقول: وفي هذا الحديث من الفقه نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الشدة عن قوة أعضاء الإنسان وإثباتها في عقله الذي يصرع هواه عند الغضب. والذي أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الغضب من أجل أن النفس إذا غضبت فإنما يكون ذلك منها لأذى اتصل بها، فيفور إلى الانتقام، ولا يكون ذلك في الأكثر إلا على مقدور عليه؛ فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العارض منبهاً لها أنه إن كان عن خوف أو عن طمع، أو كان في كل ذلك مكابداً بها منها ما لا يلحق درجة الغضب؛ لأنها لا تغضب إلا في مقام تظل فيه متسلطة. والمؤمن يذكرها عند اشتطاطها بالغضب ما في عاقبة الكظم واطلاع الله عز وجل، مع كونه قد أتى من مساخط الله تعالى أضعاف ما إليه أتاه مسخوط عليه، فأمهل سبحانه وسامح، فليتمثل في نفسه عفواً لعفو وانتقاماً بانتقام.

وقوله الشديد بالألف واللام المعرفتين يريد أن الرجل ذلب مسلط عليه الغضب أكثر من غيره، لأنه كله حسن وجملته فطن، فإذا أتى عليه ما يغضبه ثار في طلب الانتقام بجملته وأحس بالمؤذي؛ فجميع أجزائه حينئذ ينبغي أن تشكر نعمة الله عليه في تعزيز لبه وزيادة حسّه بأن يكف عن غرة غضبه، وليكن أشد كفاً؛ فلما كان أشد قدرة ليحظى بالإخلاص في العفو لوجه الله عز وجل. ويقول أيضاً: وأما ذكر الصرعة فتنبيه على معالجة النفس وقهرها، فإن ذلك أشق وأشد من معالجة المصارعة للناس؛ لأن النفس عدو خفي، والذي يصارع خصم ظاهر، ومعالجة العدو الخفي أشق من معالجة الخصم الظاهر، وفيه أنك إذا غلبت نفسك فقد تبعها بدنك، وإن غلبتك نفسك فقد تغلب عليها بدنك لأن النفوس تستخدم الأبدان وتصرف فيها ما تريد.

ما العلاقة وهذه أغلب الأحاديث الآتية يصير الرابطة بينها وبين الباب من هذا المعنى الذي هو تصحيح النبي صلى الله عليه وسلم من مقاييس النظر؟ تلاحظ الحين أن أعاد النبي صلى الله عليه وسلم إنتاج مفهوم القوي، لما تقول فلان قوي، أول ما يخطر على بالك هي القوة البدنية، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقيم معياراً آخر متعلقاً بتقييمات القوة بين البشر وهو القوة النفسية، هل تستطيع تضبط نفسك ولا ما تستطيع تضبط نفسك؟

الحديث الذي بعده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون الرقوب فيكم؟» قالوا: قلنا الذي لا يولد له، قال: «ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً». أخرجه مسلم. الرقوب في اللغة الذي لا يعيش له ولد.

في معنى هذا الحديث ورد أحاديث متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم تكشف عن فضل أن يصبر الإنسان ويحتسب على فقدان أولاده، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرقوب الذي لا فرط له». رواه البخاري في التاريخ الكبير. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال البوصيري: سند رجاله ثقات، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع. والفرط هو الطفل الذي يموت قبل أبويه أو أحدهما.

وجاء عن أبي حصبة عن رجل شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: «تدرون ما الرقوب؟» قالوا: الذي لا يولد له، فقال: «الرقوب كل الرقوب، الرقوب كل الرقوب، الرقوب كل الرقوب الذي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئاً»، يعني أن رزقك الله عز وجل بأولاد ومع ذلك مات قبض أحد منهم. قال: «تدرون ما الصعلوك؟» قالوا: الذي ليس له مال. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصعلوك كل الصعلوك، الصعلوك كل الصعلوك، الصعلوك كل الصعلوك الذي له مال فمات ولم يقدم منه شيئاً». قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما الصرعة؟» قال: الصريع، يعني على وزن فُعَلَة اللي هو يبالغ في صرع الناس، قال: فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الصرعة كل الصرعة، الصرعة كل الصرعة الرجل يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر شعره فيصرع غضبه». رواه الإمام أحمد في المسند.

لأن اللفظ الذي عندي من أحمد أبو حصة، والهيثمي أبو حصنة أو ابن حصنة قال: الحسيني مجهول، وبقية رجاله ثقات، وقال الألباني: صحيح لغيره، وقال شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره دون قصة الصعلوك التي في الوسط. وجاء في حديث بريدة بن الحصيب: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهد الأنصار ويعودهم ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعاً شديداً، فأتاها النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فلما بلغ باب المرأة قيل للمرأة: إن نبي الله يريد أن يدخل يعزيها، فدخل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك»، فأمرها بتقوى الله وبالصبر، فقالت: يا رسول الله، مالي لا أجزع وأنا امرأة رقوب لا ألد ولم يكن لي غيره؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الرقوب الذي لا يبقى له ولد».

ثم قال: «ما من امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة»، فقال عمر وهو عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: «واثنين». قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال الألباني: على شرط مسلم، فإن رجاله كلهم رجال صحيح، لكن أحد الرواة فيه ضعف من قبل حفظه، لكن لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن.

واضح؟ فهذه أحاديث تدل على أن من الأجور العظيمة التي يرتب الله سبحانه وتعالى عليها الصبر على فقد الأولاد، وهذا في نفس الشيء الذي قلنا: إن إعادة إنتاج مقاييس النظر أنكم تعدون الرقوب (كذا)، فالشريعة تقلب المعنى وتلاحظ هذا في أحاديث متعددة، مثلاً حديث لما أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم شاة، فتصدق النبي صلى الله عليه وسلم بها كلها، وما بقي منها إلا جزء، فقال: «كم بقي منها؟»، فقال: بقي منها الذراع وكذا، قال: «بل بقيت كلها»، إلا يعني قلب المعادلة.

طيب، نرجع إلى قضية الرقوب، يقول الإمام القرطبي في المفهم تعليقاً مهماً من ناحية اللغة، وحتى في فائدة متعلقة بعلاقة الحديث النبوي في الاستنباطات اللغوية، يقول القرطبي: الرقوب فعول وهو الكثير المراقبة. الحين فعول من أوزان المبالغة، فما اشتقاق الرقوب؟ يقول لك: هو من المراقبة، طيب ما وجه علاقة الترقب؟ لاحظ الحين دلالة لغوية، يقول: كضروب وقتول، لكنه صار في عرف الاستعمال عبارة عن المرأة التي لا يعيش لها ولد، كما قال عبيد بن الأبرص: كأنها شيخة رقوب. قلت: هذا نقل أهل اللغة، لاحظ الحين أهل اللغة يقولون: هي المرأة التي لا يعيش لها الولد، هذا الرقوب المرأة التي لا يعيش لها ولد.

يقول القرطبي: قلت: هذا نقل أهل اللغة، ولم يذكروا أن الرقوب يقال على من لا يولد له؛ لأن لاحظ في الحديث قلنا: الذي لا يولد له، فهذا استشكال يقيمه الحين الإمام القرطبي، يقول: اللغويين يفسرون الرقوب بطريقة معينة، ولم يذكروا المعنى الذي ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، قال: مع أنه كان معروفاً عند الصحابة رضي الله عنهم، ولذلك أجابوا به الرسول صلى الله عليه وسلم لما سألوه عن الرقوب، قالوا: الذي لا يولد له، فهذا إشكال من جهة اللغة أو من جهة الاشتغال اللغوي.

بعدين يؤكد يقول لك: إذا كان الرقوب بلفظه مشتقاً من المراقبة، فمن جهة القياس ومن جهة النظر، لفظة الرقوب ألصق بأي البابين؟ الثاني. ما السبب؟ أن الإنسان الذي لا يولد له يترقب الولد، فيقول القرطبي: والقياس يقتضيه؛ لأن الذي لا ولد له يكثر ارتقابه للولد وانتظاره له ويطمع فيه إذا كان ممن يرتجي ذلك، كما يقال على المرأة التي ترقب موت زوجها رقوب، وللناقة التي ترقب الحوض فتنفر منه ولا تقرب، رقوب.

قلت: ويحتمل أن يحمل قولهم في الرقوب أنه الذي لا يولد له بعد فقد أولاده. يقول لك: احتمال الحين نوع من أنواع المراجعة للدلالة اللغوية، يحتمل اللغويين إنما قصدوا أنه الذي لا يولد له بعد فقد أولاده، ويفقد له أولاد لكن بعد ذلك يصير عنده حالة من حالة الترقب لأولاد لكن لا يحصل له الولد، بحيث إنه على الأقل تجتمع عليه المصيبة. قال: لوصوله من الكبر إلى حال لا يولد له، فتجتمع عليه مصيبة الفقد ومصيبة اليأس، وهذا هو الأليق بمثاق الحديث، ألا ترى قوله: «ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لا يقدم من ولده شيئاً»؟ أي هو أحق باسم الرقوب من ذلك؛ لأن هذا الذي أصيب بفقد أولاده في الدنيا ينجبر في الآخرة.

فلاحظ الحين كأنه يجمع بين دلالتين، فيقول: الحين جواب الصحابة "الذي لا يولد له" ليس المقصود به العقيم الذي لا يولد له هو، بل هو الرجل الذي أصيب بمصيبة في هذا الباب، بمعنى ما الذي حصل؟ أنه ولد له وقبضوا، وبعدين دارت مصيبته التي هي أنه لا يطمع بوجود أولاد له في المستقبل، فيجتمع عليه مصيبتان، قال: ينجبر في الآخرة بما يعوض على ذلك من الثواب، وأما من لم يمت له ولد فيفقد في الآخرة ثواب فقد الولد، فهو أحق باسم الرقوب من الأول.

وقد صدر هذا الأسلوب من النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً كقوله -بيقول لك لاحظ هذا الأسلوب الذي هو من تصحيح مسارات النظر- هذا من إعادة إنتاج المفاهيم، لأن الشيخ هنا ذكر بس أمثلة محدودة، وإلا الأمثلة لو أراد الإنسان ذكر ما ورد في سنة صلى الله عليه وسلم من الأمثلة تراها أكثر بكثير من هذا، اللي هو ماذا؟ أن يجاوب الصحابي بمقتضى معين أو مقتضى الدلالة اللغوية، فيعيد الشريعة إنتاج هذا المفهوم في ضوء مرجعية الوحي، في ضوء معيارية الإيمان بالله عز وجل والإيمان باليوم الآخر.

فقال: كقوله: «ليس المسكين بالطواف عليكم»، ليس المسكين بالطواف عليكم -اللي هو أذكر رواية: الذي ترده اللقمة واللقمتان-، ولكن المسكين الذي يكون في حالة فقر ولا يتنبه له، وقال: «وليس الشديد بالصرعة، وليس الواصل بالمكافئ». يعني اللي هو في قضية صلة الرحم أن الإنسان يصل من وصله، لكن الواصل هو الذي يصل من قطعه. بعدين قال تعليق مهم وجميل في هذا الصدد: ولم يرد بهذا سلب الأصلي، لكن سلب الأولى والأحق. لم يقصد بهذا المعنى سلب الأصلي ولكن سلب الأولى والأحق. وهذا يعني جيد التنبه له، يعني ليست نفياً للدلالة اللغوية، ليست هذه مسألة متعلقة بالثنائيات.

يعني ما الذي حاصل في مثال الثنائيات؟ أذكر قديماً من السجالات الفكرية التي عصفت بالمشهد المحلي عندنا في المملكة، كان سجال كتاب مآلات الخطاب المدني للشيخ إبراهيم السكران، وأحد الأفكار المحورية الموجودة -إن لم تكن هي الفكرة المحورية الموجودة في هذا الكتاب- أن ما يقال العمادة الأخروية من العمادة الدنيوية؛ هذا يعني في قضيتين مركزيتين حاول كتاب مآلات الخطاب المدني أن يعالجهما.

إحداهما قضية استغرقت أكثر الكتاب، والأخرى استغرقت حصة لابس الكتاب، ما الحضارة المدنية من خارطة الإسلام؟ القضية الثانية: ما طبيعة العلاقة مع الآخر؟ أياً كان هذا الآخر، سواء كان آخر كافراً، آخر مبتدعاً، آخر امرأة، أياً كان. فتكلم على قضية إنسانية العلاقات وكذا فيما يتعلق بالقضية الثانية وأشياء كثيرة. لكن القضية الأولى: هل نزل الوحي، هل نزلت الشريعة من أجل تحقيق العمارة والنهضة الدنيوية؟ هذا هو المقصد الشرعي، ولا نزلت الشريعة من أجل العمارة الأخروية؟ فيناقش المسألة هذه.

فأحد الاعتراضات المشهورة التي وجهت لهذا الكتاب أن هذه مشكلة عميقة متعلقة بلعبة الثنائيات؛ بمعنى لما تضع الخيار أمامي: الدنيا أم الآخرة، ما الذي يحصل؟ إذا لعبت عليه لعبة الثنائيات بيصير كأنها معادلة صفرية متعلقة بهذا وبهذا. طيب ما المانع أن يقال: نعم، الشريعة ما أتت كليةً من أجل مجرد تحقيق النهضة الدنيوية، وإنما هي تحقق النهضة الدنيوية وتحقق العمارة الأخروية؟ ليش في خيار بديل؟ ما يحتاج أن تخيرني بين ألف وبين باء، أستطيع أني أختار ألف وباء.

فأحد الإجابات الذكية التي أجاب بها الشيخ إبراهيم على هذه الأطروحة وهذا الاعتراض أن في خلط بين مقامين: مقامات الثنائيات؛ في ثنائيات بين قوسين صفرية، وفي ثنائيات تمثل الأولوية ما تمثل المعادلة الصفرية، وهذه ثنائية حاضرة بكثرة في القرآن الكريم، وخصوصاً فيما يتعلق بموضوع الدنيا والآخرة. ولذا لما يأتي مثلاً الله عز وجل في علاقة الدنيا بالآخرة، قال الله عز وجل في غير ما سياق قرآني هذا المعنى، قال: ﴿مِّنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152].

صح ولا لا؟ الحين هل المقصود بالآية إقامة المعادلة الصفرية بين البابين؟ منكم من يريد الدنيا فقط، منكم من يريد الآخرة فقط؟ هل هذا المقصود؟ ولذا الله عز وجل لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاد رابطة أو علاقة بين دنياه وأخراه ماذا قال؟ قال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. لاحظت، فمعناتها ليس بالضرورة نحن أمام معادلة صفرية متعلقة بعلاقة الإنسان المسلم مع الدنيا والآخرة، بحيث إنه لا بد يختار الآخرة 100% ويختار الدنيا 0%. ربنا قال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201].

فالفكرة لاحظ الآية هذه ﴿مِّنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، ففي آيات متعددة لو أراد الإنسان يتعامل معها وفق هذه الثنائيات الحادة قد يفسد المعنى، فهو يطرح نفس الإشكالية. فأنت الحين لما تجي نفس المقاربة، منها الحين النبي صلى الله عليه وسلم لما يريد إنتاج هذه المفاهيم، أيهما أولى باسم الرقوب؟ أيهما أولى باسم كذا؟ أيهما أولى بكذا؟ ولا يلزم بالضرورة سلب مطلق المعنى المتعلق بالدلالة الأولى.

طيب الحديث الذي بعده، الذي هو حديث حذيفة بن اليمان، عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه. طيب قبل الحديث هذا، ما موطن الشاهد من الحديث الماضي؟ لأن في أثناء الكلام والسرسال سبحان الله تنبهت إلى معنى أضفته، أضفت معنيين؛ المعنى الأول الواضح الذي كررناه، تصحيح مقاييس النظر. المسألة الثانية: نعم نعم، لأن ذكرتها كذا إشارة جاءت في سياق الكلام، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما يصحح هذا النظر يصحح في ضوء ماذا؟ في ضوء مرجعية، صح ولا لا؟

الحين لما قال: «ما تعدون الرقوب فيكم؟» قال قلنا: الذي لا يولد له. قال: «ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم ولده شيئاً». ما طبيعة الجواب النبوي؟ يعني في ضوء ماذا أعاد النبي صلى الله عليه وسلم إنتاج هذا المفهوم؟ هو الذي ليس عنده شيء في الآخرة، أي هو يعني النظر للمسألة هذه عبر موضوع الآخرة، ضبط الأفهام بمعيار الوحي، ونحن ذكرنا أن إحدى المعايير الكبرى الموجودة في الوحي هو التعامل مع الوجود وفق المعطى الأخروي. فإذا نظرنا إلى قضية الرقوب وفق المعطى الأخروي، فيعاد إنتاجه بهذه الطريقة.

عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن رفع الأمانة من الناس قال: «فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله، ما أظرفه، ما أجلده! وما في قلبه من الإيمان مثقال حبة خردل» أخرجه البخاري ومسلم. هذا الحديث طبعاً ناقشناه بالتفصيل في الباب الثاني، لكن ما وجه الشاهد من ذكره في هذا التبويب؟ أن نظرتهم للإنسان: "ما أعقله، ما أظرفه، ما أجلده"، كأنها نظرة خاطئة. طبعاً أنها نظرة خاطئة، لكن هذه النظرة الخاطئة ما الذي أوقعهم في الخطأ؟ معيارهم في محاكمة الخلق معيار خاطئ. ما المعيار الخاطئ؟ مفهوم الأمانة الدنيوي، أو الاقتصار على المعطيات الدنيوية، فتدخل فيها قضية الاكتفاء بظاهر الإنسان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في خاتم الحديث قال: «وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان». أي يرجعنا هذا إلى الآية التي ذكرت في أول الكلام، التي هو قول الله عز وجل: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221].

الحديث التالي الذي هو رقم 24، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» رواه مسلم. طيب، رب في اللغة العربية، رب في اللغة العربية تطلق للتقليل من الشيء، وقد تطلق أحياناً للتكثير من الشيء، يعني أحياناً إما أن يعظم من الشيء أو يقلل.

رب أشعث مدفوع بالباب، أقسم على الله لأبره. هل هو للتقليل أم للتكثير؟ لاحظ العلماء يقولون الظاهر المقصود به أصالة الذي يقفز للذهن مباشرة هو للتقليل. ما وجه التقليل؟ لأنه مدفوع بالباب. إن هذا إنسان محتقر، رب أشعث مدفوع بالباب لو أقسم على الله لأبره، يعني تقليل من هو بهذه الحال. وقيل لا، هو للتكثير، يعني بمعنى أن كثيراً ممن هذه حاله، رب أي كثير ممن هو أشعث مدفوع بالباب لو أقسم على الله لأبره.

ما معنى الأشعث؟ هو الذي شعره متلبد، أي الشعر غير المدهون وغير المُرَجَّل. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: رب أشعث بمعنى أنه شعره أشعث، بمعنى أنه غير مُرَجَّل وغير مدهون، مدفوع بالباب. ما معنى مدفوع بالباب؟ أي مردود، يعني مدفوع عن الأبواب، وقيل مدفوع بالباب.

لاحظ المعنى الأول هو الذي يقفز للذهن، مدفوع بالباب أي مدفوع عند الأبواب، أي مغلقة الأبواب في وجهه لا تفتح له. والمعنى الكلي واضح، النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن هنالك فئة من البشر محتقرة في هذه الحياة الدنيا من قبل البشر، وهم عند الله عز وجل كرماء عظماء.

القول الثاني قالوا إن مدفوع بالباب، أي لما يجي بيدخل لشيء شو يسوون؟ يدفعونه بالباب نفسه، عرفت قصدي؟ أنه يصير مشهد أكثر حدة، أن فيه فرقاً بين أنه مدفوع عن الأبواب وبين أنه يدفع بالباب، يعني افترض مثلاً تعازم الناس فيدخل واحد، فلما يجي بيدخل تغلق الباب في وجهه فتدفعه به.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: لو أقسم على الله لأبره. ما معنى أقسم على الله؟ بعض العلماء قال أقسم على الله أي دعا، لو دعا الله عز وجل لأجابه. لكن القرطبي قال: وهذا عدول عن أصل وضع الكلام من غير ضرورة بل هو على أصله. يرى أن تفسير أقسم على الله بأن دعا الله عز وجل يرى أن هذا خطأ، وقال في عبارة أخرى: ولقد أبعد من قال إن القسم هنا هو الدعاء لجهد اللفظ والمعنى.

فيرجع السؤال، ما معنى أقسم على الله؟ أقسم على الله يعني يحلف أن الله سيفعل كذا، أو يقسم بالله العظيم أن هذا الأمر لن يحصل أو أن هذا الأمر سيحصل. وله صيغتان؛ إما أن يقول أقسمت عليك يا رب أن تفعل كذا، أو يقسم على أمر مستقبلي أنه سيقع أو لا يقع. وكلا المعنيين وردا بما يدل على هذا المعنى.

استدل الإمام القرطبي بحديث أنس بن النضر حين قال: والله لا تكسر ثنية الربيع، ثم لما رضوا بالدية قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره. فتلاحظ أن النبي ذكر معنى هذا الحديث لما قال والله لا تكسر ثنية الربيع، أن هنالك مقام قصاص، فالنبي عرض عليهم الدية بدلاً من أن تكسر ثنيتها، فرفضوا، فلما بلغ الخبر أنس بن النضر قال والله لا تكسر ثنية الربيع. فالذي حصل بعد ذلك أنهم رضوا بالدية، فتذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث فقال: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، كأنه يقول أنس بن النضر من عباد الله الذين لو أقسم على الله واعتبر ما جرى منه قسماً على الله.

وكذلك ما اتفق للبراء بن عازب لما التقى الكفار فاقتتلوا فطال القتال، فقال البراء: أقسمت عليك يا رب لتمنحنَّ أكتافهم ولتلحقنَّ بنبيك، فأبرَّ الله قسمه فكان كذلك. فزي ما ذكرنا، صورة الأقسام إما أن يقول أقسمت عليك يا الله كذا، أو أن يقول الإنسان لشأن مستقبلي والله لا يحصل كذا أو والله يحصل كذا.

هذا التركيب وهذه الصيغة لما يقول الإنسان أقسمت على الله أو والله لا يقع هذا الأمر، ما حقيقة هذا الخطاب؟ هو متضمن معنى التوكل بشكل عالٍ جداً. هل هو مشتمل على معنى الدعاء؟ من جانب أنه يسأل الله عز وجل أن يحقق هذا، نعم. لكن التركيب اللغوي لا يتضمن الطلب أو السؤال. فمن جهة المعنى كانما يسأل الله سبحانه وتعالى أن يقدر أمراً فلا يقع هذا الأمر، فهو من جهة معينة يتضمن خبراً على المستقبل، وهذه الصيغة الجازمة بواعثها شدة اليقين والثقة وحسن الظن في الله عز وجل والرجاء.

ما حكم الأقسام على الله عز وجل؟ يقول العلماء: إذا كانت بواعث الأقسام على الله عز وجل حالة إيمانية وليست ناشئة عن عجب ولا عن غرور ولا عن رؤية نفس، وإنما هو نوع من أنواع حسن الظن والثقة في الله عز وجل، فيكون ذلك جائزاً.

قال الحافظ ابن حجر في حديث سليمان عليه الصلاة والسلام: والله لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأة، كل تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله. قال: واختلف بالذي حلف عليه هل هو جميع ما ذكر أو دورانه على النساء فقط دون ما بعده؟ والثاني أوجه؛ لأنه الذي يقدر عليه، بخلاف ما بعده فإنه ليس إليه، وإنما هو مجرد تمني حصول ما يستلزم جلب الخير له. أو لو كان حلف على جميع ذلك لم يكن إلا بوحي، ولو كان بوحي لم يتخلف، ولو كان بغير وحي لزم أنه حلف على غير مقدور له، وذلك لا يليق بالأنبياء.

قلت: وما المانع من جواز ذلك؟ ويكون لشدة وثوقه بحصول مقصوده وجزم بذلك وأكد بالحلف. فقد ثبت في الحديث الصحيح أن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره.

وقال أيضاً في موضع ثانٍ وقد استشكل إنكار أنس بن النضر كسر سن الربيع مع سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالقصاص، فقيل: إنما أشار بذلك إلى التأكيد على أن يقبلوا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في طلب العفو عنها. وقيل لم يرد الإنكار المحض، بل قالوه توقعاً ورجاء من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش. وبهذا جزم الطيبي، قال: لم يقله رداً للحكم، بل نفى وقوعه، ولما كان له عند الله من اللطف به في أموره والثقة بفضله ألا يخيبه فيما حلف به ولا يخيب ظنه فيما أراده بأن يلهمهم العفو، وقد وقع الأمر على ما أراد. وفيه جواز الحلف بما يظن وقوعه والثناء على من وقع له ذلك عند أمن الفتنة بذلك عليه.

الغرور والعجرفة والإعجاب بالنفس وغيرها من المعاني، لكن إذا كان ناشئًا عن إعجاب الناس، فما حكمه؟ يكون محرمًا ويكون من الكبائر. ولذا ورد في الحديث ما يدل على هذا، وهو أنه كان من عباد بني إسرائيل رجل له صاحب، كلما مر عليه يعصي، فيذكره بالله عز وجل.

فورد في الروايات أن الله عز وجل بعث عليه وكيلًا، فقال: اذهب، والله لا يغفر الله لك. لاحظت؟ والله لا يغفر الله لك. فتلاحظ من ناحية التركيب، واحد قد يقول لك إن هذا من قبيل الإقسام على الله. فحين قال: والله لا أغفر، فقال الله عز وجل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ﴾.

طبعًا في جدل طويل في الحديث هذا من جهة "أحبطت عملك"، هل المقصود به إحباط العمل كليًا؟ بعضهم استشكل: كيف يحبط العمل؟ وبالتالي قوله "عملك" المقصود به الحلف، أي سأجري العمل على خلاف ما ظننت فيه، إن سأغفر له، ويمينك هذه ستكون يمينًا فاسدة. وبعض العلماء قالوا: إن الأمر على ظاهره، خصوصًا في حديث أبي هريرة: «تكلم بكلمة أوبقت دنياه وأخراه».

بعيدًا عن هذا، القسم الذي وقع من ذلك الرجل، هل هو جائز أم محرم؟ محرم. وما وجه التحريم المتعلق به؟ هو كله "التألي"، ذكرنا التألي وحقيقته. التألي هو الحلف. لا تقدر أن تقول إن المشكلة التألي على الله عز وجل، لأن اللفظة دخلت في معجمنا بأن التألي على الله لفظة مبشعة.

إذا فسرت التألي بمعنى الحلف، يصير المعنى متقاربًا. الفرق الموجود بين الرجلين أن في رجلًا فعل هذا من غير، لاحظ مبعثه تحسين الظن في الله سبحانه وتعالى والثقة فيه وعدم الغرور والعجب. حتى بمقامات ثانية، هل من مقتضى حسن الظن أنك تعتقد أن الله عز وجل لا يغفر للعاصي؟ هذا ليس حسن ظن.

لكن لاحظ منزع الكلمة، هل ذكرها تعظيمًا للوحي وتعظيمًا للشرع وللدين، أم تعظيمًا للنفس؟ غضبًا للنفس وتعظيمًا للنفس، أن رأى نفسه يقول: أنت العاصي؛ بين قوسين بيقول هذه الأشكال الله عز وجل ما يغفر لها. هذا نبعث يعبر عن حالة نفسية إشكالية موجودة عند هذا الطرف. ولذا البواعث التي تحمل على الإقسام على الله سبحانه وتعالى بطريقة مشروعة -كما ذكرنا- هو نوع من أنواع حسن الظن في الله عز وجل، وثقة في الله لما شاهد العبد من ألطاف ربه تبارك وتعالى عليه مع تواضع للنفس، وهي إلى حد ما حالة وجدانية.

لنذكر مثلًا موقف الإمام ابن تيمية؛ يقول ابن كثير في البداية والنهاية: وحرض ابن تيمية السلطان على القتال، وبشره بالنصر، وجعل يحلف له بالله "إن شاء الله" تحقيقًا لا تعليقًا. لاحظت؟ أن هذا معنى لا يستطيع أحيانًا العابد والزاهد والعالم أن يدافع عن نفسه من شدة ثقته بالله سبحانه وتعالى، فيحلف أن هذا الأمر سيكون، "إنكم منصورون في هذه الخرجة والله العظيم إن شاء الله". يقولون: طيب قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا؛ أن نذكر "إن شاء الله" في هذا المقام على سبيل التبرك بذكر اسم الله عز وجل، لا أنه معلق؛ لأنه كان يقول لك إن مشيئة الله عز وجل قد نفذت، وإن هذا الأمر سيقع.

قال: وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وأفطر هو أيضًا، وكان يدور على الطلاب والأمراء فيأكلوا من شيء معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليتقووا على القتال أفضل، فيأكل الناس. فتلاحظ أن المعاني المتصلة بهذا الباب، أن أحيانًا مقتضى الاعتبارات المصلحية، ابن تيمية لماذا كان يستخدم هذا الأسلوب؟ ما كان يحلف له من جهة معينة، عنده ثقة. وليرجع إلى الأدبيات التي سطرها ابن تيمية في ذلك القتال، يعرف أن هذه معاني منتزعة من خلال الوحي، وأنه رأى أن موجبات نصر الله عز وجل وسننه قد تحققت، بحيث لا تتخلف نصرة الله سبحانه وتعالى. وهنا الاعتبار المصلحي أن إشاعة هذا المعنى في الجند من الضروري أن يكون تثبيتًا لهم وتثبيتًا للأمراء على القتال.

الحديث الذي بعده عن سهل رضي الله عنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما تقولون في هذا؟». قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع. قال: ثم سكت. فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: «ما تقولون في هذا؟». قالوا: حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يستمع. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا». أخرجه البخاري.

مر رجل، يقول الإمام البخاري: لم أقف على اسمه. مر رجل على الرسول صلى الله عليه وسلم، طبعًا محضر من الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تقولون في هذا؟». فقالوا: حري، يعني جدير، إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع -يعني أن تقبل شفاعته-، وإن قال أن يستمع، إذا تكلم في المجلس هو جدير أن يستمع له الناس، أو إذا طلب أمرًا أن يجاب إلى طلبه. قال: ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم.

فمر رجل من فقراء المسلمين، وفي رواية: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل. قال ابن حجر: لم أقف على اسمه. وفي مسند الروياني وفتوح مصر لابن عبد الحكم ومسند الصحابة، الذي ذكره مسلم من طريق أبي سالم الجيشاني عن أبي ذر أنه جُعيل بن سراقة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما مر الرجل الثاني من فقراء المسلمين قال: «ما تقولون في هذا؟». فقالوا.

النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تقولون في هذا؟»، وفي رواية فقال للرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟». لاحظ الرواية الأولى لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما تقولون في هذا، كان يخاطب الجمع. وفي الرواية الثانية فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا. فالعلماء يقولون: كأنه جمع هنا باعتبار أن الجالسين عنده كانوا جماعة، لكن المجيب واحد، وقد سُمي من المجيبين أبو ذر فيما أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عنه.

فقال: حري إن خطب ألا ينكح، يعني على نقيض الأول، هذا رجل جدير إذا تقدم لخطبة امرأة معينة ألا يزوج، وإن شفع ألا يشفع -لا تقبل شفاعته-، وإن قال ألا يستمع، أي لا يسمع لقوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا الملحوظة المتعلقة بإعادة إنتاج المعايير التي يحكون فيها الخلق، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» -مثل الرجل الغني الأول-.

طبعًا أحد الإشكالات التي أوردها الحافظ بن حجر من قول الكرماني: كيف يكون الثاني خيرًا من ملء الأرض من الثاني؟ قال: إن كان الأول كافرًا فوجهه ظاهر، وإلا فيكون ذلك معلومًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي. يعني هذا ملحظ إيماني مهم، معرفة مقامات المفاضلة عند الله سبحانه وتعالى.

في الآية القرآنية التي عالجناها، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]، وبالتالي هذه قاعدة ينبغي أن تكون مضطردة وواضحة عند المسلم، أن محاكمتي للخلق على ميزان المفاضلة الأخروية عند الله سبحانه وتعالى. إذا كان رجل مؤمن، فأدنى المؤمنين إيمانًا هو خير عندي من أرفع المشركين رتبة. هذا أحد المعايير الأساسية التي ينبغي أن تكون حاضرة في النفس.

فيقول الحافظ بن حجر: إن كان الأول كافرًا فوجه ظاهر، ما في إشكال في معرفة الفرق الموجود بين الرجلين، لكن إذا كان مؤمنين، صح ولا لا؟ فلاحظ الحين هذا الملحظ الغريب الذي أبداه الكرماني الذي نقل كلام الحافظ بن حجر، قال: وإلا فيكون ذلك معلومًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي. الحين السؤال يطرح نفسه، معناه أنه كان بعد الشريعة أحد المعايير التي يحتاج يراعيها الإنسان أن هنالك فرق بين مقامات التفاضل عند الله سبحانه وتعالى، وما قد يظهر لنا من مقامات التفاضل الدنيوية.

بمعنى يستطيع الإنسان استنباط إشارة من هذا الكلام أن لا ينبغي أن تحكم حكمًا مطلقًا بناءً على مقتضيات الظاهر فقط، فما تعرف ما الذي يخبئ هذا الطرف أو ذاك الطرف من خبيئة عند الله سبحانه وتعالى. نعم، الإنسان المسلم ليس له إلا الظاهر كما يقال، لكن لا يصح للإنسان أن يغلب تحسين الظن في نفسه على غيره، يقول لك هذا سمته ظاهر، هذا أنت لا تعرف مقامه عند الله عز وجل، لا تعرف خبايا العمل الموجودة عنده.

كلنا كما يقال صاحب ذنب ومعصية، وتتفاوت الذنوب والمعاصي، فمن جهة معينة يدرك الإنسان إذا تجرأ الإنسان على إقامة معصية ظاهرة دخل بها في حكم الفاسقين، وبالتالي ترتب عليه أحكامه، هذا مفهوم. لكن نحن نتكلم على قضية كيف يستطيع الإنسان القطع والجزم بأن هذا المؤمن خير عند الله عز وجل من هذا، أو أن هذا الإنسان المؤمن خير من ملء الأرض مثل هذا، أن الفرق بينهم بهذه الطريقة؟

فيقول الكرماني: إن كان الأول كافرًا فوجه ظاهر، وإلا -يعني بيقول لك إن ما عندنا أداة للحكم بهذا الوجه من أوجه المفاضلة المفرطة بين الطرفين إلا إذا كان متلقيًا بوحي-. ثم علق الحافظ بن حجر على قول الكرماني: يعرف المراد من الطريق الأخرى التي تأتي في كتاب الرقاق بلفظ: قال رجل من أشراف الناس هذا والله حري إلى آخره. فحاصل الجواب أنه أطلق تفضيل الفقير المذكور على الغني المذكور، ولا يلزم من ذلك تفضيل كل فقير على كل غني، وقد ترجم عليه مصنف كتاب الرقاق "فضل الفقر"، ويأتي البحث في هذه المسألة هناك إن شاء الله.

الحديث الأخير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». أخرجه البخاري.

يبدأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث مشهور بـ "تعس". العلماء لما ذكروه، ذكروا عدة معاني محتملة للفظ التعس في هذا الحديث النبوي. فبعضهم قال تعس، ما عكس السعادة؟ التعاسة. فتعس ضد سعد، وبعضهم قال: تعس بمعنى هلك، وقيل: تعس بمعنى سقط، وقيل هو الكب على الوجه، لأن تعس في اللغة العربية لها علاقة بقضية التعثر والسقوط.

فتلاحظ في تدقيقات مهمة في التفسير، وبعدين أنه انتكس، فقيل سقط. بعض العلماء يفسر تعس باعتبارات معنوية، بمعنى نالته التعاسة ونالته الشقاوة، هلك. وبعضهم يجعلها من قبيل تعس حساً، أن وقع له تعثر أو أن انكب الشخص على وجهه. قال الخليل: التعس أن يعثر فلا يفيق من عثرته. وقال ابن الأنباري: التعس الشر، منهم قول الله عز وجل: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد: 8]، أي شرًا لهم.

فيقسم الإنسان "تعس" إلى معنيين، إما اعتبارات معنوية ومتقاربة المعنى؛ فشراً لهم، فهلاكاً عليهم، فشقاوة لهم، أو أن تعساً لهم يعني وقع منه تعثر، وقع منه تعثر. هذه تفاصيل متعلقة بدرجات هذا التعثر. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم داعياً على هذه الطوائف وهذه المجاميع من الناس: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم».

فعبد الدينار والدرهم المقصود به المال، ولفظة "عبد" لماذا اختيارها؟ أن تنقلب الآية، بدل ما يستخدم الإنسان المال لمصالحه يصير هو عبد للمال.

إن المال إذا حُكِم فيه، أي كأن النصارى كأنما هو مملوك للمال مش مالك له، وهل ملك المال مذموم مطلقا؟ هو إنما يكون مذموما إذا كان على جهة التوسع فيه توسعا مذموما، وإذا دخل هذا المال في قلبه بحيث إنه صار متعلقا به تعلق العبد بسيده. ولذا هذا نمط من أنماط العبوديات المنبه عليها في خطاب الوحي، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43]. وبالتالي من الناس من يصل به محبة المال والشغف به إلى مستوى اتخاذه إلها، اتخاذه معبودا، ولذا هذا الملحظ يجرنا إلى الباب.

يصير معيار محاكمته للوجود هو المال، فأي شيء يسهم في زيادة ثروته يصير حسنا مقبولا، وأي شيء يسهم في تقليل ثروته يصير مبغوضا غير مقبول، لاحظ يصير يحاكم الوجود إلى هذا الاعتبار. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة». ما هي الخميصة؟ هو نوع من أنواع الثياب. فورد في بعض الروايات: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة». فالعلماء يقولون القطيفة هي الثوب المخمل، الذي هو الثوب الذي له أهداب. تعرفون الأهداب؟ يصير مثل الزوائد، مثل الخيوط تطلع منه. والخميصة يقولون العلماء إنها كساء أسود مربع مُعلَم، أي عليه أعلام معينة.

وهو سبحان الله من مجالات التأليف والكتابة النافعة استعراض هذه الأحاديث النبوية، بالذات فيما يتعلق بالملبوسات وتصويرها بحيث يصير استيعاب الإنسان لها أفضل، لأنني لا أخفيكم أنك تذكر هذا المعنى أن هو كساء أسود مربع مُعلَم، فتصير تتخيل شيئا عاما بس ما تشعر بالطمأنينة أن الشيء الذي تتخيله هو مطابق لما يتحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم. ولذا حتى لاحظ لما ذكرت حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، لا أخفيكم أنا قفزت على مسألة معينة.

فلاحظ الحين في أول حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك وهو مضطجع على الحصير، فالشراح قالوا على حصير وهي البرية، وجمعها حصر مثل بريد وبرد. فتلاحظ أحيانا أيهما أظهر في النفوس حصير ولا برية؟ أنا لا أعرف البرية، فلو قلت برية فإن المعنى على الأقل الذي ندركه إجمالا بيصير أبعد عن إدراكي، فنفس الإشكال أحيانا يمر بالإنسان في الألفاظ والكلمات ويحاول شرحها بطريقة معينة فيصير على حالة من عدم الطمأنينة إلى صحة التصور وفهمه. بس المقصود به أن كذلك من الأصناف أن في إنسانا معينا عنده قدر عال من محبة التجمل، محبة الثياب النفيسة، محبة الثياب الغالية، إلى درجة التعلق بها تعلقا مرضيا بحيث إنه يكون عبدا لها.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: «إن أُعطي رضي وإن لم يُعطَ سخط». ولذا يصير محاكمة الوجود وفق هذه المعايير، بحيث إذا أُعطي مما يحب رضي، وإذا لم يُعطَ مما يحب سخط، وأن يمتد حاله الرضا وحالة السخط ليست إلى المخلوقين والبشر فقط، بل يمتد إلى الخالق تبارك وتعالى، فيرضى عن الله سبحانه وتعالى إذا أكرمه بما يحب، وإذا لم يُعطِ الله عز وجل ما يحب يحصل منه حالة السخط، وهذا طبعا يؤكد عمق الإشكال وشدة الارتباط الموجود سواء بالمال أو بالملابس والثياب. يقول ابن هبيرة: وفي الحديث ما يدل على أن علامة هذا العبد الذي تملكه هذه الأشياء ألا يرضى إلا إذا أُعطي ولا يسخط إلا إذا مُنع وحُرِم، فمن وجد في نفسه ذلك فليحذر أن يكون ممن يتناوله هذا الدعاء.

وهذا معنى ذكره الله عز وجل في القرآن الكريم، مثلا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: 58]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11].

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: «تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش». تعس عرفنا معناها، وانتكس، فبعضهم فرق بين المعنيين، فبعضهم قالوا لا توجد رابطة بين الانتكاسة وبين التعاسة، تعس يدعو عليه بجنس آخر من المصائب الدنيوية، وهو انتكس، فبعضهم يقول انتكس يعني عاوده المرض، كان في مرض معين ثم انتكست حالته أي عاوده المرض. وبعضهم قالوا لا، إن هنالك رابطة، فلما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل هذا بأن يتعثر تعس، دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم بمزيد من التعثر والسقوط وهو انتكس، فيقولون بعض العلماء: تعس أي تعثر فانكب على وجهه، وانتكس أي زاد توغلا في حاله السقوط، أو أنه حين تعس قام مرة ثانية فانتكس، فيذكرون عدة معاني. يقول الحافظ ابن حجر: ثم وجدته في شرح الطيبي قال في قوله تعس وانتكس فيه الترقي في الدعاء عليه لأنه إذا تعس انكب على وجهه، فإذا انتكس انقلب على رأسه.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا شيك فلا انتقش». ايش معنى وإذا شيك فلا انتقش؟ إذا شيك أي أصابته شوكة، فلا انتقش أي لا يجد طبيبا أو لا يجد شخصا يعالجها فيخرج الشوك منه، وبعضهم يقول هو دعاء عليه بألا تخرج الشوك منه سواء وجد ذلك الشخص أو ما وجد، والثاني أشد. قال ابن حجر: وفي الدعاء بذلك إشارة إلى عكس مقصوده؛ لأن من عثر فدخلت في رجله الشوكه فلم يجد من يخرجها يصير عاجزا عن الحركة والسعي في تحصيل الدنيا. وقال أيضا: وفيه إشارة إلى الدعاء عليه بما يثبطه عن السعي والحركة، وسوّغ الدعاء عليه كونه قصر عمله على جمع الدنيا واشتغل بها عن الذي أُمر به من التشغل للواجبات والمندوبات. قال الطيبي: وإنما خَص انتقاش الشوكه بالذكر لأنه أسهل ما يتصور من المعاونة، فإذا انتفى ذلك الأسهل انتفى ما فوقه بطريق الأولى.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: «طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله». طوبى، قيل فيها اتجاهات: الأول أنها على وزن فعلى، وهو وزن من أوزان المبالغة الدال على الطيب من كل شيء، أي شيء حسن طيب، وقيل بمعنى فرح وقرة عين لهم أو نعمة لهم، والقول الثاني أنها شجرة في الجنة، والقول الثالث أنها الجنة نفسها. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أخذ بعنان فرسه» أي بلجام فرسه. قال الطيبي وجماعة من الحديث: الحث على المجاهدة لأعداء الدين وعلى مجاهدة النفس والشيطان والإعراض عن استيفاء اللذات العاجلة.

«أشعث رأسه»، قلنا أشعث أي غير مسرح وغير مرجل وغير مدهون. «مغبرة قدماه»، العلماء اختلفوا على وجهين، المعنى الظاهر أنها لقيها الغبار، وبعض العلماء يقول مغبرة قدماه إشارة إلى عدم وجود حذاء، أنه ما عنده خف، فما في شيء يحجب رجله عن الأرض، ودلالة في ذلك على فقره.

قال النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: «إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة». هنا العلماء يقولون إن هذه من المواضع التي اتحد فيها الشرط والجزاء، يعني تركيب الحديث مشكل من جهة الفهم العربي. فالعلماء يقولون إن هذا التركيب لا بد أن يُقدّر فيه معنى إضافي ليستطيع استيضاح المعنى، فهو في الحراسة أي فهو في أجر الحراسة.

الحراسة، إن كان هذا الموقع الذي يتطلب الشارع وجوده فيه فهو يؤدي وظيفته في هذا المجال، فهو حقيقة في الحراسة. وإن كان في الساقة كان في الساقة يؤدي الدور المطلوب منه، هذا معنى جيد.

أما الملمح النفسي المتعلق به لما يطيع، بمعنى أن فيه نوعاً من أنواع التواضع، نوعاً من أنواع التطاوع؛ بحيث إذا طلب منه أن يكون في هذا الموقع يكون فيه، إذا طلب منه أن يكون في الحراسة فهو في الحراسة، وإذا أردتم أن أكون في الساقة فأنا في الساقة. هذا نوع من التواضع، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الموقع بحيث إنه ما عنده تشفٍّ للنفس، لا بد أني أنا أكون في الموقع الفلاني، بل حسب مقومات المصلحة وحسب المكان الذي أوضع فيه سأكون فيه، وسأؤدي الدور الذي يطلب مني في هذا الموضوع.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». يؤكد نفس المعاني السابقة، نفس المعاني السابقة، فكرة مدفوع بالأبواب، فكرة أنه لا يشفع. ما علاقة هذا الحديث بالباب؟ هو في الدنيا، ولأن هذا الحديث ليس قصيراً ففيه عدة شواهد تدل على معنى التبويب، فقير قد يكون أحسن من الغني.

طوبى لعبد، لاحظ الشق الثاني من الحديث هو إقامة المعيار الأخروي؛ بمعنى أن من مقامات المفاضلة بين الخلق هو المعيار الأخروي، فالنبي صلى الله عليه وسلم يثني ويدعو، لاحظ هنا أن في الثنائية دعاءً على ودعاءً لـ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهذا الشخص. لماذا يدعو له؟ يدعو له لأن المعيار الذي استحق لأجله دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أمر طيب. ما هذا الأمر؟ إن الأمور التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي ملمح طيب، وهي إقامة هذا المعيار، فالأمور الثانية أن كل من يتحاكم في خياراته إلى الخيارات الدنيوية بحيث إنه يصير الإنسان مستغرقاً فيها استغراقاً كاملاً إلى درجة العبودية لتلك الملهيات الدنيوية كالدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فلا يستحق الدعوة النبوية بل يستحق ضدها وهو الدعاء عليه. هذا كذلك مرتبط بتبويب الحديث الذي هو ضبط الأفهام على معيار الوحي، وكذلك تصحيح النبي صلى الله عليه وسلم من قياس النظر، وأن من أسباب الضلال كذلك ورود النظر الخاطئ لقضية المعايير.

ذكر أنه عبد للدينار وليس مالكاً للدينار، فكرة أنه عبد للدينار. وجه المعيار أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر كلمة عبد للدينار، وهذا يمكن أن نفسره بالطريقة التي تكلمنا عنها في قضية الرقوب، لأن العبودية مفهوم يتعلق به دلالة معينة، فالشريعة توسع مما يتعلق بأنماط ومفاهيم العبودية، إن هنالك عبوديات خارج العبودية التي يقابل بها بين الحر والعبد أو المملوك.

هذا ما تيسر ذكره، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.