دخولتسجيل الدخول

الدرس 11 - ضبط الأفهام على معيار الوحي 1

عبدالله بن صالح العجيريالشيخ عبدالله بن صالح العجيري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

باب ضبط الأفهام على معيار الوحي وتصحيح النبي صلى الله عليه وسلم لمقاييس النظر، وإن من أسباب الضلال رد الحق بمعايير نظر خاطئة. هذا من التبويبات المهمة جداً الموجودة في هذا الكتاب، وتلاحظ أن في ثنايا هذا العنوان ثلاث قضايا: القضية الأولى: ضرورة أن يضبط المسلم نظره لهذا الوجود من خلال معايير الوحي، وهذا الرقم واحد. القضية الثانية: أن من الأدوار الأساسية والوظائف التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم تصحيح مقاييس النظر، وهو إعادة إنتاج المعايير التي تريد الشريعة تحاكم العباد إليها. القضية الثالثة: أن من الأسباب الموجبة للوقوع في الضلال والانحراف محاكمة الواقع وفق معطيات ومعايير خاطئة، وهو ما يعبر عنه الشيخ برد الحق بمعايير نظر خاطئة.

من المداخل حتى نفهم هذه القضية أن الإنسان إذا تأمل في موجبات الخلاف بين البشر يجد أنه إجمالاً تعود إلى قضيتين أساسيتين: قضايا معرفية علمية، وقضايا نفسية عاطفية. إن الأسباب الموجبة لوقوع الخلاف بين البشر إما أن تكون خاضعة لمعطيات المعرفة والعلم، أو تكون خاضعة لمعطيات العاطفة والاعتبارات النفسية. وإذا تأمل الإنسان في الجانبين، في الموجبات المعرفية العلمية وفي الموجبات النفسية العاطفية، فيمكن كذلك تقسيمها إلى قضايا كلية وقضايا جزئية.

لِنُسمِّ القضايا الكلية القضايا المتعلقة بالجوانب المعيارية؛ أي إما أن يكون هناك اختلال يدخل على الإنسان من خلال إقامة معيار خاطئ لاعتبار شبهة أو لاعتبار شهوة. هناك أناس معينون يحاكمون الواقع لمعايير معينة، هذه المعايير إما أن نشأت عندهم وفق إشكال معرفي؛ أنهم تبنوا معياراً ينظرون إلى الوجود من خلاله وهذا المعيار خاطئ، لكن سبب وقوعهم في هذا الخطأ هو المعرفة والعلم أنهم ضلوا في هذا الباب. أو اعتبار نفسي، أن الإنسان يقيم معيار الوجود على اعتبارات نفسية؛ أي شيء يصب في مصلحتي، أي قضية، مثلاً أي إنسان يوافق محبوبي فأنا أحبه، أي إنسان يخالف محبوبي فأنا أبغضه. فتلاحظ أنه ممكن يكون كذلك معتمداً على معامل العاطفة أو معامل الشهوة أو غير ذلك من القضايا الأساسية.

هذا من الامتيازات الموجودة في هذا العنوان: وتصحيح النبي صلى الله عليه وسلم لمقاييس النظر. هذا يفتح أفقاً للدعاة للاستنان بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في تصحيح نظرهم للمعاير، وهذه قضية مهمة جداً؛ هي من القضايا الأساسية التي يحتاج أن يدركها الإنسان؛ أن العناية بالقضايا الكلية مقدمة على العناية بالقضايا التفصيلية الجزئية. حفاوة الشريعة بالقضايا الكلية المنهجية أكثر من حفوتها بإصابة الحق الجزئي، لأن إصابة الحق المنهجي مقدمة على إصابة الحق الجزئي؛ لأن إصابة الحق المنهجي من امتيازاتها أنها تعصم الإنسان من الوقوع في ضلال جزئي متعدد؛ لأن الإنسان إذا وقع في خطأ منهجي، فالأخطاء التي تتناسل عبر بوابة هذا الخطأ المنهجي ستكون كثيرة ومتعددة. وبالتالي أحد الضمانات لعدم وقوع هذا التمدد في الأخطاء أن يضمن الإنسان قاعدة كلية منضبطة حقيقية تعصمه عن الوقوع في مسلسل الأخطاء التالية؛ هذه قضية من الضروري ملاحظتها.

ولذا حتى من الآثار المنقولة، مثلاً منقول على ضعف فيه لكن معناه متفق عليه بين أهل العلم: «من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ». الحفاوة الشريعة بقضية استقبال القبلة في الصلاة لأنها أحد شروط الصلاة، لكن الشريعة عينها على تطلب منهجية سليمة في إصابة القبلة مقدم على تحقق إصابة القبلة أو عدها، وهذا تجده في كثير من القضايا. وبالتالي وقوع الإنسان في خطأ جزئي أهون من وقوعه في اختلال كلي؛ بمعنى أن الإنسان صاحب المعايير الصحيحة قد يقع في خطأ في تطبيق ذلك المعيار في الواقع، لكن على الأقل خطأه سيكون محدوداً بالمقارنة بالمشكلة الموجودة عنده في المعيار نفسه.

ولذا لما يقول الشيخ في بداية التبويب: باب ضبط الأفهام على معيار الوحي. إذا نظر الإنسان في معايير الوحي سيجد أن هناك معايير متعددة كثيرة جداً، لكنها مردودة في الجملة إلى أصلين كبيرين وهي الثنائية الكبرى الموجودة في الوحي: الإيمان بالله عز وجل والإيمان باليوم الآخر. الإيمان بالله عز وجل والإيمان باليوم الآخر هما أكبر قضيتين ينبغي على الإنسان دائماً تعاهدهما في محاكمة الوجود، محاكمة هذه الحياة الدنيوية عبر بوابة الإيمان بالله عز وجل والإيمان باليوم الآخر.

ولذا من الأحاديث التي تدل على خطورة هذا الباب، على خطورة الاختلالات المعيارية، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُعرَضُ الفِتَنُ علَى القُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إلَّا ما أُشْرِبَ مِن هَوَاهُ». فتلاحظ أن أحد المسببات للوقوع في الاختلالات المعيارية هو ما يقع للقلب بسبب الذنوب والمعاصي، بحيث يصل الإنسان إلى حالة معينة يصير المعيار المحكم في حياته وفي وجوده معيار هواه؛ كل ما وافق هواي فهو حق، وكل ما خالف هواي فهو باطل، بحيث يصل إلى حالة لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً بسبب الاختلال المعياري العميق الذي وقع لهذا الإنسان.

أحد المقالات الظريفة التي وقعت عليها فيما يتكلم عن قضية الشريعة وعلاقتها بتصحيح مقاييس النظر للوجود، وإعادة إنتاج المعايير بطريقة الشريعة، مقالة عنوانها: ميزان النظر للأستاذ عثمان العمودي، من الفوائد الجميلة التي ذكرها أن أحد التبويبات الأساسية، أحد القضايا الوظيفية الأساسية للنبي صلى الله عليه وسلم، هي تصحيح مسالك المعايير المتعلقة بمحاكمة الواقع. فقال: لما كان يطالع باب المراثي في ديوان الحماسة، ومن المراثي الحلوة والجميلة ومن أعظم ما رُثِي به الرجل قصيدة الشماخ في رثاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيها: جَزَى اللهُ خَيْراً مِنْ أَمِيرٍ، وَبَارَكَتْ يَدُ اللهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ المُمَزَّقِ فمن ضمن الأبيات التي ختمها قال: وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُ بِكَفَّيْ سَبَنْتَى أَزْرَقَ العَيْنِ مُطْرِقِ

فكرة البيت هذا؛ "بكفي سبنتى"، السبنتى الجريء، "أزرق العين" يريد الإشارة إلى عجمته، والعرب عندهم موقف من أزرق العينين، "مطرقي" أي أن الأجفان فيها نوع من أنواع الإطراق. ففكرة الشماخ أنه ما كنت أتخيل في يوم من الأيام أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ستكون نهايته على يدي مثل هذا. ما السبب؟ لأن أحد القضايا التي كان يحتفي بها العرب أن الإنسان يُقتل بمثله، يُقتل بقرنه، كانوا يحبذون أن يُقتل الإنسان إذا كان عظيماً أن يقتله عظيم، وكانوا لا يحبون مثل هذه الميتة. ولذا حتى مثلاً من الآثار المنقولة، مشاعر الألم التي كانت تعصر بنفس أبي جهل لما ارتقى عبد الله بن مسعود على صدره، فقال: لقد ارتقيت مرتقىً صعيباً يا رويعي الغنم. كان متألماً أنه كان يتمنى أبو جهل أن تكون وفاته قتله ليس على يدي عبد الله بن مسعود أو ليس على يدي غلامين، وهما معوذ ومعاذ ابنا عفراء.

فالشماخ يلتقط هذه الإشارة وفق الضغط الاجتماعي الذي كان موجوداً في زمن الجاهلية. ضع هذا في كفة، إذ جرى الشماخ على معهود العرب في استعظام هذه الميتة. لما تأتي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه صاحب الحكاية والقصة، تجد أن في اللحظات الأخيرة من وفاته، لما سأل: من قتلني؟ فذهب عبد الله بن عباس فرجع إليه قال: غلام المغيرة. قال له: الصنيع؟ فقال له: نعم. فقال: قتله الله، لقد أمرت به معروفاً. هو جاء يشتكي المغيرة فرددته عليه رداً، لكن رحت للمغيرة بن شعبة وحاولت أني ألطف العلاقة، كما قال، أن أمرت به معروفاً. بل قال عبارة مؤثرة عمر بن الخطاب قال: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على يدي رجل مسلم، ورد في رواية أن قال: الحمد لله الذي جعل ميتتي على يد رجل يقول: لا إله إلا الله يحاج بها عند الله عز وجل.

تلاحظ ما الذي حصل؟ قفز إلى ذهن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن قاتلي غلام المغيرة، وفق العرف الذي كان موجوداً، أول قضية انتزعت من نفسه تصحيح النظر، أن الحمد لله أنه ليس بمسلم الذي قتلني، الحمد لله الذي ينظر للوجود بطريقة مختلفة جذرياً عن الطريقة التي كانت معهودة جاهلياً. فهذا يؤكد أن أحد الأدوار العميقة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في صحابته هي إعادة تشكيل هذه المعايير، ولذا الصحابة كانوا يستجيبون هذه الاستجابة.

مثلاً من الأشياء العجيبة، من المواقف الغريبة، سبحان الله، صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القضية، هو تهيؤ نفوسهم لاستقبال التغييرات النبوية المتعلقة بمقاييس النظر. ولذا ورد مثلاً في حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الصحابة قال لهم: أي يوم هذا؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أي شهر هذا؟ نفس الشيء، أي بلد هذا؟ نفس الشيء. لاحظ لما يسألهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال، هل يعرفون الجواب؟ يعرفون الجواب أن هذا يوم النحر، وهذا شهر الله عز وجل الحرام، وأي بلد هذا، يعرفون الإجابة، بس الفكرة أنه حتى ظننا أنه سيغير سميه بغير اسمه، أننا متهيئون نفوسنا لاستقبال معيار جديد، قضية جديدة، نظرة للوجود مختلفة، عن أنه حصل عندهم هذا التهيؤ.

من اللقطات كذلك التي التقطها حبيب بن عثمان من التاريخ والسير والأدب، نص بديع لمحمد بن سيرين رحمه الله عليه، قال: وانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار: حسان بن ثابت، كعب بن مالك، عبد الله بن رواحة، كانوا يهجون قريشاً، كفار قريش. فكان حسان وكعب بن مالك يعارضونهم بمثل قولهم في الوقائع والأيام والمآثر، ويذكران مثالبهم؛ يذكرون ما يجري في زمن الحرب، ومقامات الجبن والخور، يصير المغمز في هذه الجوانب. وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر وعبادة ما لا يسمع ولا ينفع. يقول محمد بن سيرين لاحظ ملاحظة مبكرة: فكان قوله، أي عبد الله بن رواحة، يومئذ أهون القول عليهم، ما كانوا سائلين كفار قريش بقصة عبادة الأوثان وكذا، ما يشعرون أن في مغمز عليهم في هذه القضية، وكان قول حسان وكعب أشد القول عليهم. يقول محمد بن سيرين: فلما أسلموا وفقهوا، كان أشد القول عليهم قول عبد الله بن رواحة. تغيّرت الحين معايير النظر، صار الشيء الذي يؤلمهم قديماً ما عاد يؤلمهم، صار الحين القضية التي تمنوا أنه ما قالها وما تكلم عليه عبد الله بن رواحة لما كان يعيرهم بمثل هذه المسائل؛ لما أسلموا وفقهوا رضي الله عنهم. فهذه مسألة ضروري ملاحظتها وإدراكها.

من القضايا المتعلقة بالجوانب المعيارية مسارات القرآن الكريم في الإبانة عن الاختلالات المعيارية؛ كيف يبين القرآن الكريم المشكلات التي تقع في معايير محاكمة الوجود. فإما، وهذا ما سيظهر من خلال بعض الدلائل القرآنية في بداية المقطع هذا، إما بالحديث المباشر عنها، أن الله عز وجل يخبرنا أن في خطأ واختلالاً في وقوع معيار، المعيار الذي ينبغي أن يحاكم إليه هو المعيار الفلاني، وهو أحد المسارات الأساسية الجذرية التي يحسن أن يقرأها الإنسان ويطالعها عبر هذه البوابة وعبر هذه الزاوية، وهي قصص الأنبياء. قصص الأنبياء مليئة جداً بهذا، وتجد أن جزءاً كبيراً، بل الجزء الأكبر من الاختلافات الواقعة بين الأنبياء وأقوامهم تعود إلى اختلالات معيارية موجودة عند الأقوام، أن هذه المشكلة الأساسية. وبالمناسبة هذه قضية مع بدء الخلق مع بدء الوجود؛ لاحظ الموقف الأول الذي حصل بين أبينا آدم عليه الصلاة والسلام وبين إبليس لما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: 12]. هذه قضية جزئية، صح؟ لكن إذا فتش الإنسان نظر يكتشف.

هي عائدة لها اختلال معياري؛ أن في مشكلة معيارية موجودة، أنا خير منه. ما السبب؟ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]. فالمعيار الأفضلية في عقل إبليس أنه أصل المادة التي خلق منها المخلوق، فإذا خلق الإنسان من مادة أشرف يدل ذلك على كون المخلوق منه أشرف من غيره. فنقول: هل يلزم هذا أن يكون بالضرورة أم لا؟ هذا جانب، وبعدين في نقاش أصلاً علمي مشهور جداً في قضية أن هل فعلاً النار أفضل من الطين ولا لا؟ فهذا ما يتعلق بالتبويب.

الآية الأولى التي أوردها الشيخ أحمد: قال قوم نوح ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]. يقول الله سبحانه وتعالى كما يحكيه عن قوم نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾.

قالوا: أنؤمن لك، أي ما معنى أنؤمن لك؟ لاحظ الحين لأنه في تعبير آخر كان ممكن نستخدم أنؤمن بك أو أنؤمن لك، واضح في فرق بين التعبيرين. ما الفرق؟ أنؤمن بك، أيش معناه؟ الإيمان بالشيء والإيمان للشيء؛ قد يقال مثلاً أنؤمن بك فنسلم لك. فالحين أنؤمن بك يصير الإيمان متعلقاً بالموضوع نفسه، الموضوع اللي هو الرسول، أنؤمن بك يعني أتريد منا أن نصدق أنك رسول من عند الله عز وجل؟ هذا المعنى لو قال أنؤمن بك. أنؤمن لك، أي نصدق بقولك، نصدق برسالتك.

ومنشأ التصديق بالرسالة في الحالة هذه هو الإيمان به، يصير استفادة اللزوم من أحد الطرفين، بمعنى إذا قالوا أنؤمن بك، فيصير إذا آمنوا به وبأن الرسول من عند الله عز وجل فيلزمهم تصديق بقوله. لكن إذا قال الله عز وجل أنؤمن لك، معناه أتريد منا أن نصدق بقولك؟ وتصديقنا بقولك ناشئ من تصديقنا بك.

يقول الطاهر بن عاشور: يقال للذي يصدق المخبر فيما أخبر به: آمن له؛ فيعد فعل آمن باللام على اعتبار أنه صدق بالخبر لأجل المخبر، أي لأجل ثقته في نفسه، فأصل هذه اللام لام العلة والأجل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: 26]، وقوله: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: 21]. وأما تعدية فعل الإيمان بالباء فإنها إذا علق به ما يدل على الخبر، تقول آمنت بأن الله واحد. وبهذا ظهر الفرق بين قولك آمنت بمحمد وقولك آمنت لمحمد؛ فمعنى الأول آمنت بمحمد أنك صدقت شيئاً، صدقت أنه رسول من عند الله عز وجل، ولذلك لا يقال آمنت لله وإنما يقال آمنت بالله، وتقول آمنت بمحمد وآمنت لمحمد؛ ومعنى الأول يتعلق بذاتي وهو الرسالة، ومعنى الثاني أنك صدقته فيما جاء به.

يقول الله عز وجل: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾، يعني أتريد منا أن نصدق قولك؟ ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، الواو واتبعك قيل إنها واو الحال، يعني أتريد منا أن نؤمن لك حال كون اتباعك من الأرذلين، أي هم الذين اتبعوك. ما معنى الأرذلون؟ هي لفظة تدل على الرذالة؛ الخسة، الحقارة. هذا ابتداءً، الحين ايش وجه الاحتقار الذي وقع منهم؟ في اختلاف، كله يعود إلى معاني متقاربة؛ بعضهم قال إن الاحتقار بسبب الفقر أو بسبب الضعف الاجتماعي الرتبة الاجتماعية، أو أنهم كانوا من أصحاب المهن التي اعتبر المجتمع وضيعة مثل ما يذكرون نماذج وأشياء معينة.

لكن في حقيقة الأمر كل الاعتبارات التي ذكروها ليست اعتبارات موضوعية حقيقية، ولذا حتى يبين ايش علاقة الآية هذه بالباب؟ قوم نوح تعاطوا معياراً خاطئاً في محاكمه نوح ودعوته. لاحظ عندهم معايير خاطئة متعددة؛ المعيار الخاطئ الأول محاكمة الحق، ما وجه الاختلال المعياري؟ أنه على أساس أقيم الحق صواباً وخطأً أنظر إلى أتباعه؛ فإذا كانوا أتباعه من طبقة اجتماعية معينة فمعناتها حق، إذا كانوا من طبقة اجتماعية أخرى فمعناتها باطل. هل هذا معيار صحيح أن الإنسان يحاكم الفكرة بناءً على مجرد الاتباع؟ لا، يحاكم الفكرة وفق المعطيات الموضوعية المتعلقة بالفكرة. هذا الاختلال الأول، أنؤمن أتريد منا أن نصدقك واتبعك الأرذلون؟ هذا الاحتجاج الذي أقامه.

طيب في اختلال معياري ثاني؛ حكمت هؤلاء الناس، أي الحساب عليهم على أساس ضعف، حكم عليهم بالخسة والحقارة بناءً على معطيات غير موضوعية، معايير غير شرعية. ومن الجوانب التفسيرية المتعلقة بهذه الآية، قول الله عز وجل ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، طبعاً في قراءة أخرى ﴿وَاتِّبَاعُكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، أي ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتِّبَاعُكَ الْأَرْذَلُونَ﴾.

إذا اعتبرنا الواو واو العطف، المعنى أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد من الأرذلين؟ واضح هذا الوجه الأول. الوجه الثاني أن الواو تكون على الاستئناف، بمعنى أن في جملتين، أنؤمن لك انتهت الجملة، واتباعك الأرذلون جملة ثانية، فيصير المعنى أنؤمن لك أتريد منا أن نصدق بقولك وأنك رسول من عند الله عز وجل؟ واتباعك الأرذلون. من هم أتباع نوح عليه الصلاة والسلام؟ قيل إن الذين آمنوا بنوح عليه الصلاة والسلام هم بنوه ونساؤه وكناته، واختلف العلماء هل معهم غيرهم أم لا، وأياً ما كان فالذين آمنوا بنوح عليه الصلاة والسلام هم الصالحون. ولذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 72].

قال القرطبي وهذا الجانب متعلق بموضوع الاختلال المعياري: ولا يلحقهم من قول الكفرة شيء ولا ذنب، بل الأرذلون هم المكذبون له. طبعاً من الآيات القرآنية الشبيهة بهذه الآية، يقول الله عز وجل: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: 27]. هذه مفيدة لأن فيها عدة إشكالات معيارية؛ مليئة جداً هذه الآية بحكم على معطيات متعددة وفق معايير خاطئة.

والآية الثانية: ﴿وَقَالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91]. ما معنى ضعيفاً؟ في طبعاً عدة أقوال تفسيرية، مما قيل في ضعيفاً: إما أن يكون إشارة إلى أن شعيباً كان فاقد البصر أو ضعيف البصر؛ وقيل ضعيفاً بمعنى مهين؛ وقيل ضعيفاً بمعنى ضعيف البدن؛ وقيل ضعيفاً أي وحيداً لا أنصار لك؛ وقيل ضعيفاً أي ضعيف الرأي، ضعيف العلم ما عندك خبرة ومعرفة بمصالح الناس وطرق سياستهم. وطبعاً جملة هذه الاتهامات إما أن تكون اختلالات موجودة في قصة قوم نوح، أو خطأ في وصفه بالضعف؛ فمثلاً افترض أن شعيباً كان أعمى، الحين ما الاختلال؟ أنهم أعطوه وصفاً بالضعف وهو غير مستحق له، لكن الاختلال أنكم تردون دعوته لأنه أعمى، ايش الرابط بين كونه أعمى وأنه كذب على الله عز وجل؟

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: 91]. موطن الشاهد من هذه الآية القرآنية هو ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، يعني أحد الموجبات لرد دعوتك أننا نعتقد ضعفك، وبناءً على الضعف المزعوم المدعى نرى عدم صحة هذه الدعوة.

والآية الثالثة: ﴿قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: 247]. أنى يكون له الملك علينا؟ لها دلالتان، والعلماء يفسرون الآية كيف أن كيف يكون له الملك، يعني كأنهم يقولون على أي وجه استحق هذا الأمر؟ فكيف يكون له هذا الملك؟ يعني إذا فكرنا بأي معطى، فكرنا بأي جانب، فكرنا بأي مجال معين فلا يوجد هنالك شيء يستحق لأجل هذا الرجل أن يكون ملكاً. وهذا يعزز المعنى المتعلق بالتبويب، لاحظ عمق الإشكال الموجود عندهم؛ على أي وجه غلبنا هذا الأمر؟ وفق أي معيار نتحاكم إليه؟

هم ذكروا اعتبارات؛ الاعتبار الأول: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ لأنهم أبناء الملوك، هم الفرع الذي كان فيه الملك، فاعتبروا الجانب النسبي فهو ليس من هذا النسب وبالتالي لا يكون مستحقاً للملك. الاعتبار الثاني: المال، ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾، فكانت المشكلة المعيارية الموجودة أن مستحق الملك هو الرجل الذي يخرج من نسب شريف أو على الأقل يكون عنده مال وفير، إذا عدم الأول أو عدم الثاني فلا يتصور بأي وجه من الوجوه أن يكون مستحقاً للملك.

أقام الله الحجة عليهم: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 247]. لاحظ جمالية لفظة ﴿اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ النبي يقيم لهم القاعدة التي يحتاج أن ينطلقوا منها في محاكمة هذه الأمور، ففي نهاية الأمر المفترض أن يكون عند المسلم مقام التسليم لله عز وجل. لما قال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، ما الواجب الشرعي عليكم؟ المفروض تسلموا؛ خلاص إن الله بعث لكم انتهى الموضوع، لكن الذي حصل منهم الاعتراض.

أن يكون له الملك. لاحظوا حتى أن مش بس أن بمعنى كيف يعني كانه يمتنع؛ لا يمكن أن يقع هذا الأمر. ماشي، لاحظ الحين حجم الاعتراض، فالنبي يذكرهم: لا، ترى أنتم مش واعين أن الذي اصطفى هذا الرجل هو الله عز وجل. وبالتالي عندنا عبوديتين مفترض تراعونها في المعادلة: العبودية الأولى عبودية التسليم لله عز وجل، أنه مفترض بمجرد ما قلت لكم أن الله بعثه انتهى الموضوع بالنسبة لنا. رقم اثنين: إدراك الإنسان المسلم أن كل أفعال الرب تبارك وتعالى ومنها الاصطفاء واقع بحكمة الله عز وجل وواقع بكمال علم الله عز وجل، فهنالك أمور مستحقة في هذا الرجل هي التي جعلته مؤهلا للقيام بهذا الدور.

ولذا لاحظ، وهذا جزء من رحمة الشريعة، أن الإنسان المسلم لا ينبغي أن يكون مرتهنا في تسليمه للشارع بمعرفة وجه الحكمة من التكليف الشرعي. ولكن من رحمة الشريعة في كثير من المناط على أساس ينتزع من الناس عبودية التسليم؛ يجعل عندهم نوعا من أنواع الطمأنينة والثقة بحكم الله عز وجل، يبين له عن شيء من حكمة الله عز وجل بحيث إنه حتى لو جهل الإنسان وجه الحكمة فيه، يصير ما الموجود عنده؟ أنني اطمأننت لوجود الحكمة في ألف وباء وتاء، فما حتى لو عجز عقلي عن الوصول إلى الحكمة في هذا الأمر هذا لا يلغي وجود حكمة في نفس الأمر، لأن الله عز وجل قد أمر به الحكيم سبحانه وتعالى وكل أفعاله مبنية على الحكمة.

فمن كمال رحمة الله عز وجل لأولئك القوم أن مع اكتفاء -بمعنى أنه المفترض أن يكون في اصطفاء لله عز وجل كفاية- لكن الله عز وجل قد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]، أن يوضح لهم أن المعايير التي يستحق لأجلها الإنسان وصف الإمامة ليست عائدة للاعتبارات النسبية ولا المالية، وإنما الأحق بمثل هذه القضية هو الذي توفر له بسطة العلم وبسطة الجسم.

الحين ولذا بعض العلماء لما يناقشون مسألة طالوت، تسمية طالوت ايش السبب هذا؟ فقالوا طالوت بسبب الطول، وهذا يدل على البسطة الحاصلة. وبعض العلماء قال لا يلزم أن يكون بسطة في الجسم على الحقيقة وإنما يدل ذلك على جسارته وشجاعته وإقدامه. ولذا من الأبيات الشعرية التي تذكر في هذا المقام: ترج النحيفة فتزريه وفي أثوابه أسد هصور، ويعجبك الطرير فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير، وقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالصغر البعير. لكن الأظهر والله أعلم أن مثل ما ذكر الله عز وجل على ظهر القرآن أن زاده بسطة في العلم والجسم، أن جسمه فيه بسطة، أن جسمه فيه قوة، وهذا معنى مراعى ومعتبر بطبيعة الحال.

طبعا بعض العلماء الحين لما قال زاده بسطة في العلم والجسم، فبعض العلماء قال زاد بسطة في العلم اللي هو العلم الشرعي، العلوم الدينية، العلم بالله عز وجل. وبعضهم قال زاد بسطة في العلم اللي هو في السياسة والتدبير وشؤون الحرب، لأن سياق القصة وسياق الحكاية أنهم يريدون ويطمعون بوجود ملك حربي، ملك عسكري، حتى يقاتلوا معه، فبعض العلماء قالوا هذا المعنى. وبعض العلماء قالوا أن زاده بسطة في العلم والجسم أن زيادة العلم هي بوحي من عند الله عز وجل؛ فبعض العلماء يرى أن كان طالوت نبيا، والأظهر والله أعلم أننا لا نعرف على جهة التفصيل ما هو العلم الذي أعطاه الله عز وجل إياه، لكن ليس ظاهرا أنه مختص بالعلم العسكري فقط، وإن كان مما يمكن أن يكون مشتملا في هذه الدلالة، والأظهر والله أعلم أن طالوت لم يكن نبيا.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 247]، ولما نقول يؤتي ملكه من يشاء ليس المقصود أن يؤتي ملكه معلقا بالمشيئة المحضة من غير اعتبار العلم والحكمة، يعطي الملك من يشاء وفق حكمته تبارك وتعالى. طيب من قال هذه العبارة: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾؟ النبي، فقيل أنه النبي، اللي هو طبعا في كتب الإسرائيليات وكذا اللي هو النبي هذا صمويل أو شمويل، وقيل أن الله عز وجل يقولها للنبي صلى الله عليه وسلم، كانها جملة معترضة في سياق القصة، ثم يقول الله: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾، أو لأن في سياق المجادلة والمحاورة التي وقعت بين ذلك النبي وبين قومه جاء سياق: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾. فواضح علاقة هذه الآية القرآنية بالباب الذي نناقشه.

الآية الرابعة يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ مُشْرِكُ قُرَيْشٍ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 7] تمام. الآيات القرآنية يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 7-9].

فتلاحظ الحين الشيخ لما اختصر الآية ذكر أحد الاختلالات المعيارية، لكن عمليا إذا استمر الإنسان في سياق هذه الآية القرآنية تتكشف له أن مشكلات كثيرة. ذكر ابن إسحاق في السيرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع سادة قريش فقالوا يا محمد إن كنت تحب الرئاسة وليناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك رجعوا في باب الاحتجاج معه فقالوا: ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام وتقف بالأسواق؟ فعيروه بأكل الطعام.

طيب أيش السبب؟ يعني الحين قالوا كيف تريد أن نصدقك ونتبعك وأنت رجل تأكل الطعام وتمشي في الأسواق؟ وهذه كلها تعبر عن مشاكل معيارية، فموضوع أكل الطعام ايش مشكلتهم؟ يعني شو المشكلة في صدقية النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره رجل أن يأكل الطعام؟ عنده حاجة، بس ايش؟ أنه ليس ملكا. وتمشي في الأسواق، طيب ايش المشكلة في المشي في الأسواق؟ أنهم قاسوه على الأكاسرة والأباطرة الذين يترفعون عن المشي مع الناس، لاحظ، ولاحظ الغرابة الحين، يعني الأمر الذي مفترض أن يكون مما يمدح به الجناب النبوي صار محل ذم بسبب الاختلالات المعيارية.

يقول: وعيروه بالمشي حين رأوا الأكاسرة والقياصرة والملوك يترفعون عن الأسواق، فإن عليه الصلاة والسلام يخالطهم في أسواقهم ويأمرهم وينهاهم، فقالوا: هذا يطلب أن يتملك علينا، فماله يخالف سيرة الملوك؟ فأجابهم الله بقوله وأنزل على نبيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 20]. فلا تغتم ولا تحزن فإن شكاه ظاهر عن كلك؛ لأن الآيات التالية...

يقول الله سبحانه وتعالى في البداية: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾. ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، يعني هلا أنزل الله سبحانه وتعالى مع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ملكا فيكون شريكا معه في النظارة، والجواب هذا الاستفهام، هذه الشبهة شبهة غريبة وشبهة عالجها القرآن الكريم في بعض المواطن في القرآن الكريم وقدم بعض الإجابات عليه.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: 8-9]. لاحظ الآية ترى تقدم عدة معجزات، شبهت لماذا لم يبعث الله عز وجل مع النبي صلى الله عليه وسلم ملكا؟ يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي مفسرا هذه الآية: قال الله في بيان رحمته ولطفه بعباده حيث أرسل إليهم بشرا منهم، يكون الإيمان بما جاء به عن علم وبصيرة وغيب، وهذه الكلمة المحورية الحين الغيب، يعني أحد الحكم الإلهية أصلا في إقامة هذا الوجود الدنيوي أن يكون إيمان الإنسان بجملة من أركان الإيمان مؤسسا على إيمان بالغيب حتى يكون موضعا للابتلاء والاختبار.

فإذا أنزل الله عز وجل ملكا انتقل الحين هذا الإيمان بعالم الملائكة من إيمان بالغيب يبتلى الإنسان ويختبر به إلى إيمان مشاهدة لا تتحقق فيه وجه الحكمة. يقول: ولو أنزلنا ملكا برسالتنا لكان الإيمان لا يصدر عن معرفة بالحق ولكان إيمانا بالشهادة الذي لا ينفع شيئا وحده. هذا إن آمنوا والغالب أنهم لا يؤمنون بهذه الحالة، يعني بسبب العصبية الشديدة الموجودة عندهم، مثل ما قلنا وقالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: 32]. يعني لاحظت أنك أنت تتوقع أن خلاص لو حقق الله عز وجل لهم مطلوبهم أن سيؤمنون، لكن من المشكلات أن هنالك احتمالا عاليا أنهم لا يؤمنون.

فيكون من رحمة الله سبحانه وتعالى أن لا يستجيب لطلبهم، لأنه لو استجاب لطلبهم وأنزل ملكا فكفروا بعد ذلك، مثل ما قال الله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾. يقول: والغالب أن هذا فإذا لم يؤمنوا قضي الأمر بتعجيل الهلاك عليهم وعدم إنظارهم، لأن هذه سنة الله في من طلب الآيات المقترحة فلم يؤمن بها. فإرسال الرسول البشري إليهم بالآيات البينات التي يعلم الله أنها أصلح للعباد وأرفق بهم مع إمهال الله للكافرين المكذبين خير لهم وأنفع؛ فطلبهم لإنزال الملك شر لهم لو كانوا يعلمون. ومع ذلك فالملك لو أنزل هذه الآية التي بعدها، فالملك لو أنزل عليهم وأرسل لم يطيقوا التلقي عنه ولا احتملوا ذلك، ولا أطاقته قواهم الفانية، لأن في فرقا هائلا في طبيعة الخلقة الموجودة بين خلقة الملائكة وخلقة بني آدم.

قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، رحمة بالخلق، لأن الحكمة لا تقتضي سوى ذلك؛ بمعنى أن لو كان هنالك ملك يمشي على الأرض لكان في صورة رجل. قال: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾، أي ولكان الأمر مختلطا عليهم وملبوسا، وذلك بسبب ما لبسوه على أنفسهم، فإنهم بنوا أمرهم على هذه القاعدة التي فيها اللبس وبها عدم بيان الحق.

يقول الله عز وجل في آية أخرى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 95]، يعني يبين أن الأصل في الرسول أن يكون مأنوسا لمن يرسل إليهم، يكون من طبيعتهم، من هيئتهم، من جنسهم، لأن أحد أغراض الرسالة أصلا هو ليس مجرد تبليغ الوحي وإنما إقامة قدوة يستطيع البشر أن يقتدوا به بحيث إنه ما يعتذر الإنسان يقول في نهاية المطاف أولئك ملائكة والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؛ إحنا بني آدم ضعفاء، عندنا أهواء، عندنا غرائز، ما استطيع أني أتبع أو أقتدي بملائكة، فالله عز وجل يقول لو كان في الأرض ملائكة يمشون لأنزلنا إليهم ملكا، لكن في الأرض بشر، وبالتالي من الطبيعي أن ينزل إليهم بشر.

يقول الله عز وجل: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، أو تكون للرسول صلى الله عليه وسلم جنة يأكل في قراءة وفي رواية، وفي قراءة: نأكل منها. ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾. قال عبد الله بن الزبعرى فيما ذكره الماوردي: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾، أي انظر كيف ضربوا الأمثال ليصدوا عن سبيلك ليكذبوا بدعوتك، فضلوا بسبب ضرب تلك الأمثال، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، ايش معنى ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾؟ يعني لا يستطيعون سبيلا لتصحيح ما قالوه، يعني لما ضربوا أمثالا باطلة لا يستطيعون سبيلا لإقامة حجتهم فيما يريدونه ويطمعونه من النيل من مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الآية الخامسة يقول الله عز وجل: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]. الآية لأن سبحان الله بداية الآية أصلا سارية في نفس المضمر، مرة قال: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.

فتلاحظ الحين الآية ميز فيها ميزتين، الميزة الأولى أن تبين جزءا من الاختلالات المعيارية الموجودة عند البشر، ثم تبين المعايير الصحيحة التي ينبغي أن تحاكم إليها البشر. ولذا لاحظ في بداية الآية لما يقول لك إن مجرد الإعجاب وفق المعطيات الدنيوية ليس هو المعيار الذي ينبغي أن تتحاكموا إليه في تصنيف الخلق وتصنيف البشر. ولذا لما قال ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾، لاحظ الحين أن أحد المشكلات أن الشخص الذي يدعو إلى النار هنالك مشكلة في هذا الشخص ينبغي أن تحكم عليه وفق الحكم اللائق به.

يقول الله عز وجل ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ﴾، ايش معنى عبد؟ غير حر هو مملوك، والعبد مؤمن، يعني مملوك من المؤمنين خير من مشرك. طيب هل هذا يحصل؟ يحصل الإشكال عند المؤمنين؟ يعني هل يحصل الإشكال عند المؤمنين أنهم معجبين بأي مشرك؟ لاحظ الحين.

بمعنى أن مشرك حسيب، مشرك شريف، مشرك عرف قدر، لأن الآية دلت عليه من جهة ذكر الإعجاب. بمعنى هل يتصور المؤمنين يكون إعجابهم بالمشركين من حيث هم مشركون؟ كيف؟ فتقول لا، المقصود أن هنالك معنى، هنالك اعتبار يبعث على الإعجاب بهذا المشرك.

وقيل والعبد مؤمن خير من مشرك، يعني حسيب أو ذا مال أو ذا وجاهة أو غيرها. وقيل والعبد مؤمن، إن العبد الوجه الأول مملوك، الذي هو ضد الحر في هذه أحكام الشريعة. الثاني العبودية المطلقة لله عز وجل، والعبد مؤمن، يعني أن كل المؤمنين يندرجون في هذا الإطار. يعني تصير الآية إما أن تحمل أن الله عز وجل يريد تجديد المعيار في نفوس المؤمنين، بحيث إن ذلك الشخص الذي تحتقرونه من المماليك إذا كان مؤمنا ترى هو خير من أعظم سادة المشركين. هذا الاحتمال الأول وميزة هذا القول أنه يوسع الهوة بين الطرفين بحيث أن يستقر هذا المعنى بطريقة أوضح. القول الثاني الذي قاله بعض العلم أن بعض الأحيان العبد في لسان الشريعة لا يلزم بالضرورة أن يكون دالا على عبودية بمعنى المملوك، بل يمكن أن يكون العبودية المطلقة لله عز وجل، يعني مثل لما يقول الله عز وجل: «نعم العبد»، أو قول الله عز وجل مثلا في حق النساء: «ولا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، فهو من الألفاظ الواردة في لسان الشريعة، لكن ميزة المعنى الأول أنه يكشف عن الفرق بطريقة أوضح.

الآية السادسة يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96]. سياق الآية يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 95-96]. من الثنائيات الأساسية الموجودة في خطاب الوحي ثنائية الدنيا والآخرة. ولذا الآية القرآنية تقول ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، يعني ما يتعلق به الشؤون الدنيوية ينفد، وما يتعلق بشؤون الأخروية عند الله عز وجل فإنها باقية. ومثل ما ذكرت يقول الله عز وجل: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: 16-17]، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: 26]، ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [القصص: 60].

مفردة "عند الله" في الإشارة إلى هذا المعنى متكررة كثير جدا في القرآن الكريم، لكن ميزة هذه الآية القرآنية ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أنه يكشف عن أحد جوانب الخيرية المتعلقة بالحياة الأخروية بالمقارنة بالحياة الدنيوية. يعني لاحظ لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾، فيريد الحين سؤال في نفس المؤمن: ما وجه أفضلية وخيرية الآخرة؟ فأحد أوجه خيرية الآخرة أنها "أبقى". وفي الآية التي نعالجها ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾.

ما معنى ينفد؟ أي ينتهي وينقطع، يفنى. وما عند الله أي ما عند الله من الثواب والكرامة، باق أي دائم لا ينقطع. فبين الله سبحانه وتعالى المقارنة بالحال. هذا المعنى إذا أدركه الإنسان المسلم، أن ما عند الله عز وجل باق وما عنده في هذه الحياة الدنيا منته، ما الذي يحمله إدراك هذا المعنى من ناحية الممارسة الفعلية العملية؟ بمعنى أنه يعمل من أجل ابتغاء ذلك الدائم. يقول الطاهر بن عاشور: أي ما عند الله لا يفنى، فالأجدر الاعتماد على عطاء الله الموعود على الإسلام دون الاعتماد على عطاء الناس الذين ينفد رزقهم ولو كثر.

الآية الأخيرة التي أوردها الشيخ من ضمن الآيات المتعلقة بهذا الباب قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ [الجمعة: 11]. سياق الآية القرآنية هذه مشهورة في سورة الجمعة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ [الجمعة: 11]. ما معنى ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾؟ هناك اتجاهان تفسيريان.

الاتجاه الأول: ما عند الله عز وجل من الثواب خير مما تتحصلونه من هذه الحياة الدنيا من لهو وتجارة. فالله عز وجل يرشد عباده ويقول لا ينبغي لكم أن تنصرفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب متطلبين شأنا دنيويا، لأن المعنى أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق، فسينقطع هذا اللهو والتجارة وهذه الملاذ الدنيوية في مقابل بقاء ما وعدهم الله عز وجل به من الثواب والجنة في الآخرة.

التوجيه الثاني: يريد طمأنتهم، يقول لهم الله عز وجل إنكم تتطلبون من خلال تجارة رزقا، فاعلموا أن ما عند الله عز وجل بالتزام الطاعة والقربة من الرزق خير من ذلك. يختم الآية: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، أي أن الله عز وجل خير من رزق وأعطى، وبالتالي إذا أدرك الإنسان هذه المعاني، فمن الله سبحانه وتعالى يطلب الرزق.

ضابط هذه الآية القرآنية بالباب، أنك لا تستطيع أن تفاضل بين شيئين إلا في ضوء معيار. لما يقول الله سبحانه وتعالى ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾، فالمعيار الذي يريد الشارع ترسيخه هو أن النظر الوجودي عبر بوابة الدنيا والآخرة، فأي شيء يتعلق بالوجود الأخروي هو مقدم في الاعتبار والخيرية على الوجود الدنيوي. يترسخ هذا المعنى في النفس، فيصير الإنسان يمارس أفعاله وأعماله وفق هذا التصور، بحيث يدرك أن الحياة الأخروية هي خير من الحياة الدنيوية.

عن عمر رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظ في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق. قال فابتدرت عيناي، قال: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟» قلت: يا نبي الله ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته وهذه خزانتك! فقال: «يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟» قلت: بلى. أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث جزء من حديث مطول رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورواه عن عمر بن الخطاب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين. وهي قصة جميلة ولطيفة، تدل على شدة محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له، وهي قصة معروفة، ممكن نعنون لها بشائعة طلاق النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المراتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4]، حتى حج وحججت معه. فتلاحظ أول فائدة وقضية أن في سؤالا علميا يشغل بال عبد الله بن عباس، ومع ذلك ما وجد من نفسه الجرأة أن يطرح السؤال على شيخه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى حصل ظرف ملابسة معينة سمحت له بتقديمه هذه الفسحة. فقال: حتى حج وحججت معه، وعدلت معه بإداوة، فتبرز ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين، من المراتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ قال: وعجبا لك يا ابن عباس.

الآن واضح أن عمر متعجب، ما موجب هذا التعجب؟ فبعض العلماء قال: إن سبب التعجب لما لاحظه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من حرص عبد الله بن عباس على العلم والاستزداد منه، فكيف غاب عن معرفة سبب نزول هذه الآية أو المراتين اللتين تكلم الله عز وجل عليهما، وهما عائشة وحفصة. لكن قيل قول آخر، وحتى من ناحية التعضيد الرواية، راوي الحديث الإمام الزهري ذكر معنى يرشد، قال: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه. ما معنى لما قال له "وعجبا لك يا ابن عباس"؟ أن شعور عمر بالحرج، أن كيف تسألني هذا السؤال؟ فكره والله ما سأله عنه، لكن بموجب التقوى وبموجب التوجب الإيماني لم يكتمه العلم. فهذا القول الآخر في "وعجبا لك يا ابن عباس" أن السبب في ذلك أنه تعجب كيف تكاشفني بهذا السؤال، وهنالك على الأقل احتمال لأن في عقل ابن عباس لا يلزم بالضرورة أنه مدرك هذا المعنى جهة التفصيل، بس على جهة الاحتمال أن حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها لها صيت في الموضوع، فقال: هما عائشة وحفصة.

ثم استقبل عمر الحديث يرويه، قال: كنت وأنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل يوما وأنزل يوما. الفكرة أن عندهم احتياج لطلب العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كذلك عندهم قدوم الشغل المعيشي، فحصل بينه وبين جاره الأنصاري مخطط أنه ينزل اليوم يطلب العلم عند النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذ الحديث، وينزل هو في شغل معاشه ثم يعطيه ويلقنه ما تلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم، واليوم الثاني تنقلب الآية وهكذا.

يقول عمر: فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا معشر قريش نغلب النساء، يعني كان الرجل حضوره في البيت أقوى من حضور المرأة، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار. يقول عمر: فصخبت على امرأتي فراجعتني، فصخبت عليها مرة في البيت، فرفعت صوتي عليها فراجعتني؛ يعني ردت عليّ الكلام. قال: فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل؛ يعني المسألة متجاوزة حدود المراجعة، أن الواحدة منهن تضيق وتزعل إلى درجة تهجر النبي صلى الله عليه وسلم حتى الليل.

يقول عمر بن الخطاب: فأفزعني ذلك، وقلت لها: قد خاب من فعل ذلك منهن، ثم جمعت عليّ ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة. فزع من الخبر هذا، ويسأل كأنما يسأل الله عز وجل أن يسلم حفصة بنت عمر من هذه الورطة وهذه المصيبة، فقلت لها: أي حفصة، أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خبتِ وخسرتِ. طبعاً هنا ملحظ مهم في طبيعة البيت النبوي، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بشراً من البشر بالإضافة إلى وصف النبوة، وإذا هنالك جزء من الاغتفار لما يقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته باعتبار كونه بشراً، وباعتبار كونها إنساناً كذلك أنها تتفاعل في ظل هذه الظروف والملابسات الاجتماعية.

فيقول عمر الحين مخاطباً ابنته على اعتبار مقام النبي صلى الله عليه وسلم واستحضار النبوة فيه: خبتِ وخسرتِ، أتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتهلكي؟ لا تستكثري على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ يعني لا تطلبي منه الكثير، ولا تشقي على النبي صلى الله عليه وسلم في النفقة، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك. ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ يقصد عائشة رضي الله عنها.

قال عمر: وكنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فرجع إلينا عشاءً فضرب بابي ضرباً شديداً، وقال: أثم هو؟ يعني يسأل: أثم عمر موجود؟ قال: ففزعت فخرجت إليه، فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم. قلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ إن حدث اليوم عندهم شائعة وفي أخبار معينة أن غسان في شمال الجزيرة في بلاد الشام يهيئون لحرب النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة. فلما قال له حدث أمر عظيم اليوم، قال: يعني وصلوا خلاص يعني بتبدأ الحرب؟ فقال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول؛ وهذا الذي يكشف لك شدة اهتمام صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بطبيعة النبي صلى الله عليه وسلم وطبيعة تفاعلاته في بيته صلى الله عليه وسلم حتى في أموره الخاصة، أن لاحظ الحين حرب تقام على أهل البلد وهو قضية كبيرة، ومع ذلك يقول: لا، في أمر أعظم منه وأهول، طلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم نساءه.

فقلت على طول: خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون، فجمعت عليّ ثيابي فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مشربة له فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة، وهذا أحد المنهجيات الجيدة في التفاعل مع مثل هذه الأخبار. فدخلت عليها فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك؟ أطلقكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قالت: لا أدري. ها هو ذا معتزل في المشربة، فخرجت فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم؛ لاحظ وقع الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، أن صار أهل المدينة يبكون لطبيعة الاضطراب والاختلال الحاصل في بيت النبوة.

قال: فجلست معهم قليلاً ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر. الحين النبي صلى الله عليه وسلم معتزل الناس في مشربة وموجود حارس، فيقول: إن حاولت أنتظر النبي صلى الله عليه وسلم يخرج أو شيء معين، لكن غلبني ما أجد في توتر نفسي عميق سواء لمقام النبوة أو لعلاقة بيت النبوة بابنته حفصة، فغلبني ما أجد فرحت استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الغلام. قال: فدخل الغلام فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال: كلمت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرتك له فصمت. فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت فقلت للغلام: استأذن لعمر، فدخل ثم رجع فقال: قد ذكرتك له فصمت. فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم رجع إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت. فلما وليت منصرفاً إذا الغلام يدعوني فقال: قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم.

فدخلت على الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئاً على وسادة من أدم حشوها ليف. فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ فلاحظ إلى هذه اللحظة عمر لم يتفاعل مع الخبر باعتباره حقيقة محسومة، فرفع إليّ بصره فقال: لا. فقلت: الله أكبر. وورد في بعض الأخبار أن عمر خرج إلى الناس وبشرهم بالخبر أنه ما طلق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قلت وأنا قائم أستأنس يا رسول الله: لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم، أنا وإياك قريشي يا رسول الله وشوف ايش اللي حصل، فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم قلت: يا رسول الله، لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يريد عائشة- فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى. فجلست حين رأيته تبسم، يقول: فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت في بيته شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاث؛ فقلت: يا رسول الله، ادعُ الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم قد وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله. فجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان متكئاً فقال: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: يا رسول الله، استغفر لي.

اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعاً وعشرين ليلة، وهذا أحد المشكلات المتعلقة بقضية الشائعات، أن في كثير من الأحيان الشائعة يكون فيها أصل في قضية معينة حدثت هي التي ولدت الخبر، لكن ما الذي وقع من النبي صلى الله عليه وسلم؟ اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه إيلاءً، أي حلف أنه ما يقرب زوجاته لمدة شهر من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها.

فقالت له عائشة: يا رسول الله، إنك كنت قد أقسمت ألا تدخل علينا شهراً، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عداً. فقال: الشهر تسع وعشرون. فكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين ليلة، قالت عائشة: ثم أنزل الله تعالى آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترته، ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة. هذا الحديث طويل ومليء حقيقة.

فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره. في رواية: فإذا عليه إزاره. فاحتمال طبعاً ليس المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عارياً فأدنى إليه إزاره، وإنما احتمال أن الإزار قد عُدل من وضعه؛ وإلا كان الإزار عليه صلى الله عليه وسلم وليس عليه غيره، أي لم يكن على النبي صلى الله عليه وسلم رداء؛ ولذا لما نتكلم على تأثير الحصير في الجنب الشريف هو بسبب عدم وجود الرداء وعدم وجود فراش على الحصير.

لأنه حتى ورد في الحديث: فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وفي رواية: فرفعت بصري في بيته. فلما رأى أو يلتقط الحين عمر بن الخطاب المشاهدات الموجودة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي خزانة النبي صلى الله عليه وسلم، أنها معبرة عن عزوف النبي صلى الله عليه وسلم عن الدنيا وقلة ما هو موجود في بيته من متاع الحياة الدنيا. فأول قضية التي وجدها: فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، أي شيء يسير من الشعير موجود في بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

بعدين قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ومثلها قرظاً في ناحية الغرفة. قرظاً يعني نحو الصاع كذلك من القرظ، وطبعاً أهل اللغة في نوع من أنواع الاختلاف في تفسير القرظ؛ بعضهم يقولون هو نوع من أنواع الحبوب، ولا أعرف على جهة التفصيل، وقيل من شجر العضاه، وبعضهم يقول القرض هو ورق من أوراق الشجر التي يدبغ بها، وبعضهم يعترض يقول: لا، الدباغ لا يكون بالورق وإنما يكون بالحب، وبعضهم يقول هو القرض نوع من أنواع الشجر. بعضهم يقول هذا فيه قدر من التجوز بسبب أنه يقال: جنيت القرض، والشجر لا تجنى، فالأقرب والله أعلم أن القرض المقصود هو نوع من أنواع الحبوب موجود في بيت النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية الغرفة.

وإذا أفيق معلق، والأفيق المعلق هو الجلد الذي دبغ؛ ومحل خلاف بين اللغويين، فبعضهم يقول هو الجلد الذي لم يتم دباغه، وبعض العلماء يقول: لا، هو الجلد الذي تم دباغه. وكلام طويل حقيقة، لكن المقصود أنه جلد. طبعاً وردت الرواية التي سقناها قبل قليل الطويلة لأن فيها اختلافات يسيرة أو بعض اللقطات، فقال: غير أهبة ثلاث ألاهاب. الحين ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». وهو الجلد نفسه.

طبعاً مسألة طويلة جداً قضية هل يطهر جلد الميتة أو لا يطهر؛ لأنه ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب». فبعض العلماء بناءً على هذا الحديث يقول إنه لا يجوز للإنسان أن ينتفع من الميتة بشيء، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتفاع من إهاب الميتة. وبعض العلماء قال: لا، بل ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، وبالتالي نحمل الحديث الأول على أنه لا يجوز للإنسان أن ينتفع من الإهاب إذا لم يدبغ. ويجي الاعتراض من الفريق الأول: يرحمك الله، اللي هو قضية أن إذا كان الأمر كذلك فهذا نوع من أنواع الانتفاع بالإهاب؛ لأنك أخذت الإهاب وانتفعت منه بدباغه والحديث يقول: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب». فيذهب يميناً وشمالاً، لكن الفائدة الموجودة هنا أن إذا كان الإهاب لأن بعض العلماء يقول الإهاب هو الجلد قبل الدباغ، إذا كان الجلد قبل الدباغ فهذا يرجح أن الأفيق هو الجلد قبل الدباغ، وبعضهم يقول إن الإهاب هو جلد الميتة سواء دبغ أو لم يدبغ، ولذا بعض العلماء هنا صار في قدر من الاستشكال: هل الجلد الذي موجود في بيت النبوة دبغ أو ما دبغ؟ فبعض العلماء يقول إنه لم يدبغ، وبعضهم يقول دبغ، وبعضهم يقول إن ابتدئ في دباغه لكن لم يتم، الله أعلم. لكن المقصود هو تقليل ما الذي كان موجوداً في بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول عمر: فابتدرت عيناي. أي بكى رضي الله عنه. ابتدرت عيني؛ الحين لما تقول مبادرة، لما أقول لك: بادري إلى الشيء، أي في نوع من أنواع السرعة؛ فكان بمجرد مشاهدة تلك اللقطات أسرعت عين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى البكاء ولم يتمالك عمر بن الخطاب نفسه من المشهد.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه يبكي: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟». طيب ما سبب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب؟ لأنه بكى فسأله، لأن العلماء يقولون ما الذي حصل في الموقف حتى يتدرج؟ ولاحظ طبيعة الإجابة النبوية؛ لأنه لما عرف النبي صلى الله عليه وسلم سبب بكاء عمر، هل اشتد عليه ولا ما اشتد عليه؟ في قدر من الاشتداد، بنجي العبارات لما يقول: «أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟». كان الذي وقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم أن احتمال أن بكاءه كان بسبب الإشكال الاجتماعي، ثم اكتشف لا، أن فيه معطى آخر متعلقاً بالموضوع، فعالج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المعطى الآخر.

فقلت: يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، أي لا أرى في هذا البيت إلا شيئاً يسيراً، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله وصفوته. صفوته يعني الأمر الخالص منه. فالخالص من هذه البشرية هو النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه خزانتك. والعلماء استدلوا بهذه الفقرة على مسألة لطيفة، أن يجوز للصاحب أن ينظر في بيت صاحبه إذا كان ذلك مما لا يضايق الطرف المقابل، ومع ذلك إذا كان هناك قدر من مصلحة، أحياناً قد يحتاج الإنسان للنظر في بيت صاحبه من أجل أن يطمئن لأحواله المعيشية أو الاقتصادية، فالحديث هذا النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهَ عمر بن الخطاب، أي أنه إذا كان يرضى صاحب البيت بمثل هذا فلا بأس من القيام به.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ابن الخطاب! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟». فقلت: بلى. فقال يا ابن الخطاب، وجاء في رواية فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً فقال: «أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟». والمعنى إذا حملناه على موضوع الشك، أنت في شك في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا؟ أو أن النبي صلى الله عليه وسلم خشي أن يتسرب إلى وهم عمر بن الخطاب أن التوسعة الواقعة للكفار في الحياة الدنيوية دالة على رضا الله عز وجل عنهم. وكما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أن ظن النبي صلى الله عليه وسلم في مبتدأ الأمر أن احتمال أن بكاء عمر كان بسبب اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، ثم بان للنبي صلى الله عليه وسلم أن سبب البكاء هو ما ذكره عمر بن الخطاب.

فمن الإجابات التي قدمها النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب مثبتاً له مطمئناً لفؤاده: «ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟»، وفي رواية: «إن أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا». وقلت بلى، وفي رواية قلت: يا رسول الله استغفر لي؛ لأن رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن كان هناك تجاوز وقع من طرفه فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار. فالعلماء قالوا إن احتمال طلبه الاستغفار: بعضهم قال إن طلب الاستغفار لجراءته على مقام النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم قال إن طلب الاستغفار لتوهمه أن التكمل في التجملات الدنيوية أمر مرغب فيه أو أمر حسن، أو أن بعض العلماء ذكر أنه استغفر من رغبته في مشابهة الكفار في ملابسهم ومعيشتهم ورفاهيتهم.

وتلاحظ بعدين لما ينظر الإنسان في سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعرف أنه يستن بسنة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ومن المعالم الأساسية في طبيعة الشخصية العمرية اللي هو العزوف والتقلل الشديد مما يتعلق بشؤون الدنيا والزهد، وهذا أمر مثل هذه المواقف التربوية التي ربى فيها النبي صلى الله عليه وسلم صحابته هي أحد المعاني التي جذرت هذه المعاني في نفوسهم رضي الله عنهم.

طيب هذا الحديث ما علاقته بالباب؟ عند الله خير وأبقى. جميل، أنه وقع هذا المعنى في نفس عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما عقد المقارنة، فعمر عقد مقارنة أن هذه حال النبي صلى الله عليه وسلم وهذه حال كسرى وقيصر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين له أن المعيار المحكم في مثل هذه القضية هو معيار الآخرة. ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا وتكون لنا الآخرة؟ هذا ما تيسر ذكره، والله أعلم، وصلى الله على نبينا.