بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الباب الذي توقفنا عنده هو الباب الثالث، باب تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. استعرضنا بحمد الله عز وجل الآيات الثلاث التي أوردها الشيخ أحمد في بداية هذا التبويب، ثم استعرضنا حديث عائشة رضي الله عنها في قصة المرأة المخزومية، وعالجنا المعالجات المعمقة والمطولة فيما يتعلق بهذا الحديث، خصوصًا مسألتين: مسألة ما الذي وقع من هذه المرأة، هل وقع منها جحد المتاع أم وقع منها السرقة، وما هي التداعيات الفقهية المترتبة على اختيار أحد التوجيهين، والمسألة الثانية هي قضية أحكام الشفاعة بالذات فيما يتعلق بالحدود والتعزيرات. اليوم بإذن الله سبحانه وتعالى نستانف ما يتعلق بالأحاديث المتعلقة بهذا الباب، ونشرع في أثر أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما قال: «فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ» [أخرجه البخاري ومسلم].
علاقة هذا الحديث بالباب هي التحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. وقول أبي بكر: «فإني أخشى»، أي أخاف، «إن تركت شيئًا من أمره»، أي من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وشأنه، سواء كان الشأن المتعلق بالجناب النبوي أمرًا بشيء يُفعل أو نهيًا عن شيء يُجتنب، «أن أزيغ». معنى الزيغ في اللغة العربية هو الميل عن الحق. يقال مثلًا: زاغت الشمس عن كبد السماء، أي مالت. وذكر اللغويون أن فيها لغتين: زاغ يزيغ كباع يبيع، وزاغ يزوغ كقال يقول. هذا اللفظ ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سياق قصة مطولة استوجبت منه أن يعبر بهذا التعبير الجميل.
لنقرأ الحديث بشكل كامل كما أورده الإمام البخاري ومسلم، يقول عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أخبرته أن فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة». فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهاجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر.
قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر رضي الله عنه عليها ذلك وقال: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ. هذا اللفظ شاهد. فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، فأما خيبر وفدك فأمسكها عمر وقال: هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم.
أحد المسائل التي يستعرضها أهل العلم فيما يتعلق بهذه القصة التي جرت، هو الخلاف الذي حصل بين أبي بكر الصديق وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم. من الأصول التي ينبغي أن تُستصحب في مناقشة هذه المسألة: إدراك التوافق العقدي والمنهجي الموجود بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ما في هذه الانقسامات المدعاة التي حصلت لاحقًا؛ ففاطمة رضي الله عنها وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ينطلقان من رؤية عقدية منهجية واحدة.
القضية الثانية أن الأصل في العلاقة بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان مبنيًا على حسن العلاقة، وشواهد هذا متعددة وكثيرة جدًا. ومن المؤشرات التي تدل على هذه القضية المصاهرات الواقعة بينهم، وحسن العشرة؛ فمن القصص اللطيفة التي وردت في السيرة أن أبا بكر رضي الله عنه كان يمشي في الطريق فرأى الحسن بن علي رضي الله عنه، فأخذه ووضعه على كتفه، فقال: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيهًا بعلي، ويضحك علي بن أبي طالب من مثل هذا التعبير. ولذا ورد عن الصديق أبي بكر بخصوصه أنه قال: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي» [رواه البخاري].
فمن المصاهرات المشهورة التي وقعت بينهم تزوج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أم كلثوم بنت علي وفاطمة، وفي كتاب في هذا الباب اسمه "الأسماء والمصاهرات بين أهل البيت والصحابة" لأبي معاذ السيد بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي. ومما يؤكد هذه القضية كذلك، ويكشف عن حسن العلاقة والود الذي جعله الله عز وجل بين آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، تسمية آل البيت أبناءهم بأسماء عيون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه عنده ثلاثة أبناء: أبو بكر وعمر وعثمان. والحسن بن علي رضي الله عنه سمى بأبي بكر وعمر وطلحة، والحسين بن علي سمى ولده بعمر. هناك مؤلفات تعتني بهذا الباب تكشف عن هذه الحقائق. فهذا مدخل ضروري؛ فالأصل في العلاقة الموجودة بين آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم كان مبنيًا على الحب، مبنيًا على الود، مبنيًا على حسن العشرة القائمة بين الطرفين.
طبعًا القصة التي حصلت متعلقة بـ "فدك" التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم. فدك هذه عبارة عن واحة تقع في أطراف الحجاز قرب مدينة خيبر في شبه الجزيرة العربية، وكان سكانها القدماء من العماليق ثم استوطنها اليهود، واشتهرت هذه المدينة بزراعة القمح والتمر. وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تبعد عن المدينة النبوية تقريبًا يومين أو ثلاثة أيام، وهي اليوم تبعد تقريبًا 280 كم عن المدينة النبوية، ويحتاج الإنسان للوصول إليها تقريبًا ثلاث ساعات من المدينة، وتتبع إداريًا في المملكة لمنطقة حائل، وتسمى مدينة فدك اليوم مدينة الحائط.
أول قضية تحتاج إلى تحرير فيما يتعلق بمبنى حكم أبي بكر الصديق رضي الله عنه في عدم توريث فاطمة، هو حديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». هذا الحديث النبوي لم يتفرد أبو بكر الصديق رضي الله عنه وحده بروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل رواه غيره من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في المعجم الأوسط للطبراني عن حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركناه صدقة». وفي الطبراني أيضًا جاء عن ابن عباس. وقال الشيخ في صحيح الجامع إن الحديث روي عن عمر وعثمان وسعد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعائشة وأبي هريرة.
وجاء في موطأ مالك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقسم ورثتي دينارًا ما تركت بعد نفقة نساء ومؤونة عاملي فهو صدقة». وورد الحديث هذا بلفظ: «لا يقتسم ورثتي دينارًا ما تركته بعد نفقة النساء ومؤونة عاملي فهو صدقة» [رواه البخاري]. وفي البخاري حديث طويل في وقوع منازعة بين علي والعباس عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان في هذا المجلس عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام، فقال لهم عمر رضي الله عنه: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركناه صدقة»؟ يريد الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه قالته، قد قال ذلك. فأقبل عمر على العباس وعلي، قال: أنشدكما بالله أتعلمان أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك. وهذا يدل على إقرار المذكورين بصحة هذه الرواية الحديثية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتعدد الروايات يؤكد هذا المعنى، ويؤكد عدم تفرد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ببناء هذا الحكم الشرعي على هذا الحديث النبوي.
بل الأغرب أن حتى في مدونات الطائفة الشيعية موجود ما يدل على هذا المعنى؛ فمثلاً الكليني صاحب الكافي، وهو من أصح الكتب المدونة عند الطائفة الشيعية ويتعاملون معه بمستوى علمي رفيع، روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر». قال المجلسي في مرآة العقول عن هذا الحديث: إن له سندين، الأول مجهول والثاني حسن أو موثق، لا يقصران عن الصحيح. تلاحظ أن هناك نوعًا من أنواع التقوية لهذا الحديث الذي مضمونه عدم الوراثة من النبي صلى الله عليه وسلم. بل الأغرب أن الخميني استشهد بهذا الحديث في "الحكومة الإسلامية" على جواز ولاية الفقيه لاعتبار معين؛ فعلق عليه وقال: رجال الحديث كلهم ثقات، حتى إن والد علي بن إبراهيم، إبراهيم بن هاشم، من كبار الثقات المعتمدين في نقل الحديث، فضلًا عن كونه ثقة. فتلاحظ أن هناك نوعًا من أنواع التقوية الحديثية، وتجد أن الحديث موجود عند الشيعة لكن يتعمدون إغفاله فيما يتعلق بالسياق الذي نعالجه.
خلينا نعالج هذه الشبهة أو هذا الإشكال. أول قضية وهي أحد المداخل الأساسية التي يحتاج الإنسان أن يدركها فيما يتعلق بهذه المسألة: أن أحد المشكلات العميقة الموجودة عند الشيعة في مقاربتهم لهذه المسألة أنهم يضعون فاطمة رضي الله عنها بمنزلة رفيعة، وهي مستحقة رضي الله عنها أن تكون في تلك المنزلة الرفيعة، لكن ليس على الطريقة التي هم يعتقدونها، وبالتالي يرون أن أي مساس برأيها هو مساس بالدين والشرعة؛ في حين نحن نقارب الموضوع ونتعامل معه في ضوء أي الطرفين أقرب للجناب النبوي. أبو بكر الصديق عندنا هو أفضل عند الله عز وجل من فاطمة، وما يستوجب هذا أن يكون معصومًا رضي الله عنه. فإن بدرت فاطمة رضي الله عنها بالحجة فنحن تبعًا لفاطمة إن كانت الحجة معها، لكن لما ننظر في طبيعة الحجة التي قدمها أبو بكر الصديق رضي الله عنه على الطاولة، فالخطاب في مقاربة هذه المسألة هو: كيف نستطيع إيجاد خطاب اعتدال؟ فاطمة رضي الله عنها لا تطلب العذر لأبي بكر الصديق في ترك ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم به، ولذا لاحظ اللفظة: «فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ». فما يُلام أبو بكر الصديق رضي الله عنه على الالتزام بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وبينه، هذه قضية مدخلية أولى.
من القضايا الثانية التي تكشف عن إشكاليات هذه الشبهة: الدعوى الموجودة أن فاطمة رضي الله عنها أتت أبا بكر الصديق رضي الله عنه من أجل المطالبة بميراث أبيها، صح؟ طيب السؤال الآن: هل هي الطرف الوارث الوحيد من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عدة أطراف أخرى وارثة من النبي صلى الله عليه وسلم؟ في عدة أطراف، فاطمة هي البنت الباقية، وعندنا العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم هم أطراف الوارثة، وكذلك زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. فمن الأشياء التي تؤكد صوابية موقف أبي بكر رضي الله عنه، وأن المسألة تحتاج أن نركبها على جهتين.
صوابيته من جهة أن العباس بن عبد المطلب وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالبوا.
القضية الثانية هي رفع وهم الاستهداف؛ فالشيعة يحاولون تصوير الموضوع أن كان هنالك إرادة لاستهداف بيت النبي صلى الله عليه وسلم، واستهداف عائشة، واستهداف فاطمة رضي الله عنهم وأرضاهم. إن كان هنالك استهداف وحرمان، فأبو بكر بمثل هذا القرار سيحرم من؟ كذلك سيحرم عائشة ابنته من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، كما سيحرم بقية زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ويحرم العباس. فما وقعت المطالبة بما يؤكد على صوابية الموقف الذي اتخذه أبو بكر.
المسألة الثالثة أنه جاء في بعض الروايات والأحاديث ما يدل على احتمالية وقوع حالة الرضا من فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، وهذا المظنون بها رضي الله عنها حيال ما جرى. فقد جاء عند البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن على علي، فقال علي: يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له. فدخل عليه يترضاها، فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت. ثم ترضاها حتى رضيت. هذه رواية أوردها الإمام البيهقي. الإشكال في هذه الرواية أنها مرسلة؛ لأن من رواية الشعبي أنه قال لما مرضت فاطمة. فيقول البيهقي: مرسل حسن بإسناد صحيح.
وقال ابن كثير -مورداً احتمالاً لأن الفجوة كما يقال ليست كبيرة-: إسناده جيد قوي، والظاهر أن الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي، لأن الشعبي كان يستطيع سماع هذا الأثر عن علي، وعلي قريب من القصة وهو ممن سمع منه. فاحتمال أن يكون تلقى هذا الخبر من علي أو أحد ممن سمع علي قائم، فهو ليس في أرفع درجات الصحة كما يقال، أو أن فيه قدراً من الانقطاع، لكن فجوة الانقطاع ليست كبيرة، مع تحسين الظن أن صفت الأمور كما يقال بينهما رضي الله عنهما وأرضاهما. جاء كذلك عند البيهقي عن فضيل بن مرزوق قال: زيد بن علي بن الحسين بن علي -الذي تنتسب إليه الطائفة الزيدية-: أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر رضي الله عنه لحكمت بما حكم به أبو بكر رضي الله عنه. هذا رجل من آل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يصوب الموقف الذي اتخذه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.
في هذه القضية، من الشبهات والاعتراضات التي تعتاد ذكرها في بحث هذه المسألة أن الله سبحانه وتعالى قد نص في آيات قرآنية نصاً ظاهراً بيناً على أن الأنبياء يورثون. ولذا مما ورد في القرآن الكريم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16]. وقال الله عز وجل في حق نبي الله زكريا عندما سأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقه ولداً فرزقه يحيى، فكان من ضمن دعوات زكريا عليه الصلاة والسلام: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 6]. فأنتم تلاحظون الآن الإشكال؛ يقولون إن في القرآن الكريم تنصيصاً على وقوع الوراثة من جناب الأنبياء، وأنتم تقولون وتروون عن أبي بكر: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». فأي الخبرين نقدم؟ نقدم كتاب الله عز وجل المقطوع بصحته على مثل هذه الدلالة.
فالجواب عن هذه الشبهة والإشكال من عدة جوانب. الجانب الأول الذي يحتاج أن يراعيه الإنسان: أننا لا نلغي كل نمط من أنماط الوراثة من الأنبياء والرسل، لا نلغي ذلك، بل نتكلم على نمط معين مخصوص من أنماط الوراثة. ولذا من الأحاديث التي نرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة»، صحيح، وأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فورثوا العلم. فهنالك وراثة، وبالتالي نحن نحمل هذه الدلالة القرانية المنقولة في القرآن الكريم على وراثة النبوة ووراثة العلم. ولذا من مقامات تحسين الظن في الأنبياء أن الله عز وجل يحكي قصة زكريا عليه الصلاة والسلام، وأنه يدعو ربه تبارك وتعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾، هل يتصور منه عليه الصلاة والسلام أنه يطمع في وقوع ولد له حتى يرث عنه المال، حتى لا يضيع المال بعده، وأن ينتقل ماله إلى ابنه؟ أم المظنون به صلى الله عليه وسلم أنه يطمع من الله سبحانه وتعالى أن يرزقه ولداً ليرث عنه العلم ويستمر هذا العلم في نفسه عليه الصلاة والسلام؟ فالمظنون الثاني هو الصحيح، لا المظنون الأول. ويؤكد هذا المعنى أن مما يذكره أصحاب القصص والأخبار والمعتنيين في سير الأنبياء وقصصهم أن زكريا عليه الصلاة والسلام كان خياطاً، وإن لم يكن صاحب كثير مال، وبالتالي هذا يؤكد قضية أنه يستبعد أن يسأل المال.
هذا ما يتعلق، خلينا نفككها إلى قضيتين: القضية الأولى أن لفظة الوراثة في لسان الشريعة لا يلزم منها أن تكون وراثة مال، ولذا ورد حتى في القرآن الكريم مثلاً قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32]، وقال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: 10-11]. فلفظة الوراثة لا يلزم بالضرورة أن تكون دالة على ذلك المعنى المادي المقصود. المعنى الثاني، ذكرنا أن المظنون بزكريا عليه الصلاة والسلام أنه يسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل له ولداً يتلقى عنه العلم، لأن تلقي العلم من مقامات الكمال، أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقه ولداً من أجل أن يرث منه المال، خصوصاً إذا أدرك الإنسان أن زكريا عليه الصلاة والسلام لم يكن يعرف بكثير مال.
من الأشياء كذلك، بالذات فيما يتعلق بقصة داوود وسليمان عليهما الصلاة والسلام: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، أن نقول إن هنالك إشكاليتين؛ الإشكالية الأولى أن داوود عليه الصلاة والسلام كان له ورثة غير سليمان عليه الصلاة والسلام، فلماذا التخصيص بسليمان؟ مما نُقل عن داوود عليه الصلاة والسلام أنه كان له مئة زوجة وله ثلاثمئة سرية، فما المعنى من تخصيص سليمان عليه الصلاة والسلام بوراثته إن كان من قبيل وراثة المال؟ أحد الاعتراضات المحتملة يقال إنه يمكن أن يُقال إن في شريعتهم مثلاً لهم شريعة معينة متعلقة بتوزيع التركة وتوزيع المال، بحيث إنه لم يُشرك سليمان عليه الصلاة والسلام في تركة والده شيئاً. فالإجابة الأخرى التي ممكن أن يجيب الإنسان عليها، وهي لطيفة، حتى ولو كان موجوداً عند الأنبياء الآخرين، ليس بالضرورة أن يكون محل حفاء، يصير نلتزمها من طرفين بمعنى إذا كانت شريعة، فورد في شريعتهم ما يدل على هذا. بس هو صعب حمله على هذا المعنى؛ لأن ورد في حديث أن «معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة». أهو في ملك سليمان عليه الصلاة والسلام؟ أم هو الأظهر والله أعلم أن ورث منه النبوة وورث منه العلم؟ إن هذا محل الحفاوة.
ولذا من الإشارات التي يذكرونها العلماء فيما يتعلق بهذه المسألة، وهو قضية قصة داوود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، أن يقال الآتي: لو كانت الوراثة وراثة المال، لكانت هذه الوراثة وراثة طبيعية لا تستدعي التنبيه عليها. خلينا نأخذ احتمالين: الاحتمال الأول أن نقول المقصود بوراثة سليمان لداوود هو مذهبنا؛ أن ورث منه العلم، ورث منه النبوة، فهذا شأن يستحق الحفاوة به، وهو قضية لا يلزم بالضرورة أن تقع، فإنه قد يولد للإنسان ولد معين ولا يرث من والده العالم علمه، وبالتالي هو محل حفاوة وتقدير لما يقع هذا الأمر، أنه يحتفى بالولد كالاحتفاء بالأب، أن الولد استطاع أن يستن بسنة أبيه في العلم فورث منه علمه. الاحتمال الثاني: لا، أنه ورث سليمان داوود؛ أي ورث والده مالاً، فنقول طيب إذا كان الشأن كذلك، وبالذات لما تنظر في منطلقات الطرف الآخر الذي يزعم عدم الإيمان بفكره وراثة العلم، وأن من الوراثة التي يجب أن تقع وراثة المال، طيب هل هذا معنى يستدعي ذكره في القرآن الكريم؟ أنا أقول لك لا يستدعي ذكره في القرآن الكريم، ما السبب؟ لأن هذا أمر بين قوسين طبيعي. إذا أنتم تؤمنون بالقضية الطبيعية، فلماذا التخصيص والتنبيه على هذا المعنى؟ سيجري الاعتراض أن الكل يرث، أن ما في امتياز، ما في معنى، ما في شيء قيمة إضافية. القيمة الإضافية إنما تحصل من خلال الإدراك أن المقصود بها وراثة العلم.
من الأشياء كذلك التي ممكن ينبه عليها في مناقشة هذه المسألة، أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، وعمر بعده، وعثمان رضي الله عنه، هل أخذوا المال، مال فاطمة المدعى، لأنفسهم وذواتهم ولا تصرفوا فيه في مصلحة المسلمين؟ فتصوير الموضوع أنه كان استيلاءً وكان سرقة، تعتبر قضية فيها قدر من الغرابة. من الأشياء كذلك التي تؤكد على هذه المسألة، أنه لو قُدر التسليم بحق فاطمة رضي الله عنها وأرضاها في تلك الوراثة، طيب لما ماتت رضي الله عنها وأرضاها أليس لها ورثة؟ لها ورثة، ورثتها الحسن والحسين مثلاً وأم كلثوم، أبناؤها من ورثتها. فالآن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه تولى الخلافة، فلماذا لم يجعل ذلك النصيب يرجع إلى ورثة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها؟ طيب، بعده الحسن تولى الأمر كذلك، ولم يجعل الأمر في ورثة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، بما يؤكد على نفس هذا المعنى الذي ذكرناه قبل قليل.
فمن الآثار مثلاً يذكرون عن حبان بن هلال قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر، أرأيت حين ولي العراقين وما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذي القربى؟ قال: سلك به طريق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. قلت: وكيف؟ وأنتم تقولون؟ قال: أما والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه. قلت: فما منعه؟ قال: كان والله يكره أن يُدعى عليه خلاف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. فمضى علي بن أبي طالب على سياسة الشيخين.
هذه القضية الأولى واضح السياق الذي لأجله ذكر أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه هذا الأثر، وهو سياق الدعوى المدعاة في قضية حرمانه لفاطمة من ميراثها. ومن الدعاوى التي ينتقلون إليها، يقولون لا لم تكن القضية من قبيل الوراثة وإنما كانت من قبيل الهبة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وهب فدك لفاطمة رضي الله عنها وأرضاها، فأتت أبا بكر الصديق تطالب به. مع أن لاحظ هذا الحين يُشكل من جهة الروايات، تطلب ماذا؟ ولذا من الاعتراضات الموجودة: إذا كان المال قد وهب إليها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم واستقر ملكه في يدها، فلماذا تأتي أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه بعد ذلك تطالب؟ تطالب بماذا؟ يعني هو حقها، وما نُقل في روايات شيء يدل على أنه أُغتصبت الأرض هذه من قبل مثلاً أبي بكر أو الدولة بحيث إنها تأتي مطالبة، وسينعكس هذا على طبيعة المطالبة، القصة والحكاية بالاضافة طبعاً إلى معطى ضروري ملاحظته، أن النبي صلى الله عليه واله وسلم متى تملك فدك؟ تملكها في خيبر، صح ولا لا؟ وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم في وقت خيبر من أبنائه أو أولاده كان من موجود؟ كانت موجودة فاطمة، طبعاً موجودة زينب وموجودة أم كلثوم رضي الله عنهم وأرضاهم، ثلاثة. ومن المعلوم من شريعة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصح للوالد أن يفاضل بين أبنائه في العطية، وورد في ذلك قصص وأخبار تشهد على هذا، «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، وآثار متعددة. فما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرق هذا الأمر.
طبعاً تبقى بس مسألة أخيرة يذكرونها وينبه إليها بعض أهل العلم، وهي قضية موضوع غضب فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، غضب فاطمة وأنه يطعن في مقام الصديق رضي الله عنه وأرضاه في مقتضى غضب فاطمة، خصوصاً أن عزز هذا الغضب بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها». فهم يصورون الموضوع بهذه الطريقة أن النبي صلى الله عليه وسلم يغضب لغضب ابنته، وإذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم لغضبته على شخص، فالله عز وجل يغضب لغضب رسوله صلى الله عليه واله وسلم، فالله عز وجل غاضب على أبي بكر. يسوون مسألة بهذا التسلسل، فمن أنماط قلب الحجة على الخصوم التي يمارسها الإمام ابن تيمية في منهاج السنة وهو يناقش هذه المسألة، يقول لهم: إذا كنتم ستبنون المسألة بهذه الطريقة، فأصل غضب فاطمة رضي الله عنها.
التي انتُزع من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث كان في حق علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، من القصة المشهورة أن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل فبلغ الخبر فاطمة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن الناس يقولون إنك لا تغضب لبناتك. فقال: وما ذاك؟ فأخبرته الخبر، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فحدث بحديث أن فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها.
وما بندخل في تفاصيل الحديث هذا، بس إذا كان هنالك مغمز ومطعن يطعن فيه أبو بكر بهذا المقتضى فسيلحق هذا المغمز والمطعن علي بن أبي طالب. فالاتجاه الذي نتبناه في هذه المسألة أن علي بن أبي طالب غير مطعون عليه رضي الله عنه وأرضاه، وأبو بكر الصديق غير مطعون عليه. لا ينبغي أن يبالغ كثيرًا في قضية هذا الغضب، ثم يقال مثل ما ذكرنا قبل قليل هو قضية احتمال وقوع حالة المصافاة والرضا بينهما رضي الله عنهما وأرضاهما على الأثر.
من المسائل كذلك على أساس ندرك طبيعة القصة وطبيعة الحكاية، هل يتصور فاطمة رضي الله عنها وأرضاها أن تطالب بميراث أبيها؟ نقول نعم من جهة الابتداء، ما السبب؟ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، فربما أنها فهمت مدلول ظاهر القرآن الكريم أن لها حقًا في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم. أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه عنده مزيد فيما يتعلق بهذه المسألة عن جناب النبي صلى الله عليه وسلم أن: «معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». فبين لها هذا الخبر.
ما حصل بعد ذلك لما يقال إن فوجدت فاطمة، عليه راوية الحكاية وراوية القصة هي عائشة رضي الله عنها وأرضاها، لاحظ ما عندنا دلالات تفصيلية تدل أن فاطمة قد قالت كلامًا أو قامت بممارسات معينة تدل على أنها كانت غضبى على أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه. قصار ما عندنا أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها فهمت أن حصل حولها نوع من أنواع الجفوة، حالة من حالة المغاضبة من فاطمة رضي الله عنها وأرضاها. فهذا الفهم إما أن يكون مؤسسًا على معلومات بمعنى أن هنالك موقف اتضح منه هذا الأمر، أو احتمال أن هذا معنى انقدح في نفسها لقراءة معينة وقد تكون واهمة فيه رضي الله عنها وأرضاها، محتمل خصوصًا أن ما حصل شيء يعني ما نقل في الأخبار، وهذا معنى حتى يشير له العلماء.
مثلاً يقول القرطبي: ثم إنها أي فاطمة لم تلتقِ بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله صلى الله عليه وسلم ولملازمتها بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكأنه يقول طبيعة العلاقة بين أبي بكر الصديق وفاطمة لا تملي على كثرة التردد وكثرة الزيارة أصلاً؛ لأنه ليس من خاصته، ليس من أهل بيتها أنه بيدخل عليه وبيخرج عليه، مش هذا الأصل في طبيعتها.
وما نقل زي ما ذكرنا في الأخبار مثلاً أن ماضيًا في الطريق أبو بكر فأعرضت عنه فاطمة، أو سلم عليها فلم ترد عليه السلام، إن كانت تطعن عليه في غيبته ما حصل شيء، ما عندنا أي شيء يدل على هذه المسألة. قصار ما نعلمه من وقوع المغاضبة أن احتمال أن الأمر وقع هذا بناءً على ما فهمته عائشة من سياق هذه القصة والحكاية، والله عز وجل أعلم بحقيقة هذا الموضوع. لكن في نهاية المطاف واجب الالتزام بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ومكانة الصديق رضي الله عنه وأرضاه أن يخرج عن شأن النبي صلى الله عليه وسلم وأمره، فهذا ما يتعلق بهذا الأثر وهذا الحديث.
الحديث رقم 17 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شبانًا. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر. فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله. أخرجه البخاري.
موطن الشاهد من هذا الحديث «وكان وقافًا عند كتاب الله»؛ يظهر معنى تعظيم أوامر الله سبحانه وتعالى وتعظيم كتاب الله عز وجل، والقضية الثانية كان وقافًا بمعنى أنه ما تقع منه مخالفة لأمر الله عز وجل أو من النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن هبيرة في الإفصاح عن معاني الصحاح في ذكر بعض الفوائد المكتسبة من هذا الحديث: في هذا الحديث من الفقه استحباب مجالسة الإمام للقراء وإن كانوا أحداثًا، وفيه جواز الإيقاع بمن يسيء أدبه على الإمام لأن عمر هم بذلك، وفيه أيضًا جواز العفو عمن يسيء أدبه إذا خرج مخرج العفو عن قدرة؛ فإن الحر أراد استعطاف عمر بأن دعاه إلى أدب الله والأخذ بمكارم الأخلاق التي فيها الإعراض عن الجاهلية.
لاحظ التنبيه إذا خرج مخرج العفو عن قدرة، أن هنالك فرقًا بين عفو القادر وعفو العاجز؛ عفو القادر هو القادر على أن ينفذ العقوبة، أما العاجز فتأثير معاملة العفو أو عدم تأثيره لا يؤثر كثيرًا في قضية الواقع. وفيه أيضًا أن عمر كان وقافًا عند كتاب الله؛ أي أنه لا يتجاوزه إلى غير قناعة به ورضا بحكمه.
أطراف القصة هذه ثلاثة أطراف أساسية؛ عندنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وعيينة بن حصن، والحر بن قيس. قال ابن حجر في الفتح في عيينة بن حصن: معدود في الصحابة، وكان في الجاهلية موصوفًا بالشجاعة والجهل والجفاء، وله ذكر في المغازي، ثم أسلم في الفتح وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينًا، فأعطاه من المؤلفة، وآذاه عن العباس بن مرداس السلمي بقوله: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع؟ وله ذكر مع الأقرع بن حابس، وله قصة مع أبي بكر وعمر حين سأل أبا بكر أن يعطيه أرضًا يقطعه إياها فمنعه عمر، وقد ذكره البخاري في التاريخ الصغير، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الأحمق المطاع.
وكان عيينة ممن وافق طليحة الأسدي، طليحة الأسدي ادعى النبوة، فلما غلبهم المسلمون في قتال أهل الردة فر طليحة وأسر عيينة، فأتي به أبا بكر فاستتابه فتاب، وكان قدومه للمدينة على عمر بعد أن استقام أمره وشهد الفتوح، وفيه من جفاء الأعراب شيء. هذا الحين عيينة. الطرف الثاني الحر بن قيس، قال ابن حجر في الفتح قوله «على ابن أخيه الحر» بلفظ ضد العبد، وقيس والد الحر لم أرَ له ذكرًا في الصحابة، وكأنه مات في الجاهلية، والحر ذكره في الصحابة أبو علي بن السكن وابن شاهين. وفي العتبية عن مالك: قدم عيينة بن حصن المدينة فنزل على ابن أخ له أعمى فبات يصلي، فلما أصبح غدا إلى المسجد، فقال عيينة: كان ابن أخي أربعين سنة لا يطيعني، فما أسرع ما أطاع قريشًا! وفي هذا إشعار بأن أباه مات في الجاهلية؛ إذا كان يطيعني أربعين سنة فمعناته ليس صغيرًا.
قوله: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، نزله في داره في المدينة، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه وأرضاه، وكان من القراء، يعني أن القراء أصحاب مجالس عمر؛ ليش ذكر القراء؟ إشارة إلى أن الحر بن قيس كان من القراء، والقراء هم علماء تلك الطبقة، ويطلق في الغالب على -طبعًا- القراء مبتدأ الأمر، وهذا يؤكد على شرف القرآن أن كان يوصف بالأعلمية من له اتصال بالقرآن الكريم من جهة تلاوته وقراءته وحفظه وكان عبادًا. وكانوا القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شبانًا؛ يعني سواء كانوا مقدمين في العمر أو كانوا شبانًا، ولذا كان من سادس القراء الذين يشهدون مشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كما سيأتي ذكره في أبواب لاحقة.
فقال عيينة لابن أخيه الحر بن قيس: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير؟ يعني هل لك حضور، هل لك جاه عند هذا الرجل بحيث تستطيع أن تتشفع لي حتى ألتقي به؟ وطبعًا استخدام لهذه اللفظة "هل لك وجه عند هذا الأمير" يدل على قدر من الجفاء الذي كان موجودًا، إذ كان يستطيع التعبير بتعبير أفضل في حق عمر رضي الله عنه وأرضاه، فتستأذن لي عليه. ومعلوم من سيرة عمر بن الخطاب أنه ما كان يتجنب مجالسة الناس، لكن المقصود واضح أنه يريد مجلسًا فيه قدر من الخصوصية بعمر بن الخطاب من أجل أن يطرح له قضية ما، فواضح سياق القصة.
فلما دخل عليه، إن في نوع من أنواع الطي في القصة، بمعنى أن الحر بن قيس قد خاطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهذا الخطاب فاختصرت القصة وقفزت إلى هذه اللحظة، يقول فلما دخل عيينة بن حصن على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قال: هي يا ابن الخطاب! وفي روايات هي يا ابن الخطاب، والعلماء يقولون كلمة "هيه" يستخدمونها للاستزادة، يعني حتى ورد أظن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن في رجلًا كان ينشد الشعر على النبي صلى الله عليه وسلم فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: هيه، يعني زيد. وهذا ما نقل عن الإمام النووي فذكر أن كلمة قالوا في الاستزادة.
لكن لما جاء يشرحها ابن الملقن قال: "هيه يا ابن الخطاب" بمعنى التهديد له. وقال الحافظ ابن حجر ملحظًا: والذي يقتضيه السياق أنه أراد بهذه الكلمة زجرًا وطلب الكف للازدياد، أن "هيه يا ابن الخطاب" يريد زجره عن شيء معين، يريدها أن يكف عن أمر معين، ليس مطلوبًا منه أنه يستزيده. وقوله "يا ابن الخطاب" بدل "أمير المؤمنين" هذا يدل كذلك على قدر من الجفاء. فالآن سيعرض قضيته، قال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله -يقسم بالله عز وجل- ما تعطينا الجزل، ما تعطينا الكثير، "ولا تحكم بيننا بالعدل". وهذه تهمة قد برأ الله عز وجل منها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. قال: فغضب عمر حتى هم به، وجاء في رواية حتى هم بأن يقع به، وفي رواية حتى هم أن يوقع به، والمعنى أن "حتى هم به" يعني حتى هم أن يضربه، ومشهور عمر ودرته رضي الله عنه وأرضاه.
فلما شاهد المشهد الحر بن قيس وعرف أن الغضب في عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجد أن هنالك مبررات موضوعية استأهلها عليه عيينة بن حصن، قال الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين. ثم علق والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله سبحانه وتعالى.
فوالله ما جاوزها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه حين تلاها عليه، من قال هذا الكلام؟ قيل ابن عباس وقيل الحر بن قيس. قال ابن حجر: هو كلام ابن عباس فيما أظن، وجزم شيخنا ابن الملقن بأنه كلام الحر، وهو محتمل. طيب، ما معنى ما جاوزها؟ طبعًا النتيجة التي ترتبت أنه أعرض عن الجاهلين. معنى "ما جاوزها" يعني ما عمل بغيره، يعني ما تجاوزها إلى غيره ليعمل به. طبعًا يقول الله سبحانه وتعالى: خذ العفو.
في قولين، خذ العفو يعني في اتجاه يرى خذ العفو يعني خذ ما سهل من الناس؛ لأن هذه أحد الدلالات فيما يتعلق بالعفو، يعني الأمر اليسير الأمر السهل. وخذ العفو يعني تعاطى العفو مع الناس، خذ العفو يعني خذه لتتعامل مع الناس وفق هذا المبدأ الأخلاقي بأن تعفو عن الناس.
الحديث الذي بعده هو الحديث الأخير في هذا الباب، وهو حديث معقل بن يسار رضي الله عنه وأرضاه. يقول الحديث: زوجت أختا لي من رجل، فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبدا. كان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232]. فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجها إياه. أخرجه الإمام البخاري.
بداية هذا الحديث من رواية الحسن البصري عن معقل قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال: زوجت أختا لي وذكر آخر القصة. يقول معقل بن يسار في أول القصة: زوجت أختا لي من رجل فطلقها، قيل إن الأخت هذه اسمها جميلة، وقيل إن اسمها جميل، وقيل إن اسمها ليلى، وقيل إن اسمها فاطمة. قال الحافظ بن حجر معلقا على الاتجاهات المتعلقة باسم هذه المرأة: ويحتمل التعدد بأن يكون لها اسمان ولقب، أو لقبان واسم؛ لأن كان من الموجود عند العرب أنه ممكن يسمون بأكثر من اسم وبطبيعة الحال بأكثر من لقب.
فبداية القصة أن معقل بن يسار عنده أخت معينة، هذه الاخت بغض النظر عن اسمها زوجت إلى رجل، هذا الرجل قيل إنه أبو البداح بن عاصم الأنصاري، وقيل إنه عبد الله بن رواحة. وهنالك جدل مطول فيما يتعلق بهذه المسألة؛ لأن هنالك من التابعين من اسمه أبو البداح بن عاصم، ففي بعض العلماء يخطئ هذا لأنه يظاهره قد يدل من الصحابة؛ يعني فيها بحث معين. لكن ليس مهما كثيرا التوقف مع الاسم.
فيقول معقل بن يسار: زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها، وفي رواية: فاصطحب ما شاء الله ثم طلقها طلاقا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها. فهو من مشهور الأحكام المتعلق بقضية الطلاق أن إذا وقع الطلاق فإن هنالك فترة عدة، في فترة العدة هذه المفترض أن تسري أحكام الزوجية بين الطرفين، بمعنى أنه بالذات لم تكن هنا -إذا ما نتكلم عن قضية الطلاق البائن- نتكلم عن مثلا الطلقة الأولى، ففي فترة الطلقة الأولى للمرأة فيها حق السكنة وحق النفقة، وأن لا يجوز لها في هذه الحالة أصلا الخروج من البيت؛ لأن من مقاصد الشريعة أصلا في إيقاع هذه المدة الزمنية رغبة وقوع الألفة والائتلاف بين الطرفين فيمكن يتحقق قضية الرجعة. لكن إذا انقضت هذه العدة فخلاص تبت منه المرأة، ولا يصح للرجل هذا أن يتزوج هذه المرأة إلا بعقد جديد، أنه يعقد عليها عقد جديد، فهذا الذي حصل في هذه الحكاية.
بمعنى أن أخت معقل بن يسار تزوجت من ذلك الرجل، عاشوا مع بعض فترة زمنية معينة، طلقها، دخلوا في العدة، انقضت العدة. الأمر المفاجئ الذي وقع بعد ذلك أن جاء هذا الرجل خاطبا لتلك الأخت، هذه قضية تعتبر لافتة للنظر، وهو من جوانب العظمة المتعلقة بهذا الحديث؛ لأنه لاحظ من السياقات التي نناقشها في هذا الحديث، وهو باب تعظيم حدود الله وتحذير مخالفة أمره وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، من المجالات الأساسية التي يصعب على كثير من الناس أن يعظموا أمر الله سبحانه وتعالى وأن لا يقعوا في ورطة مخالفة أمر الله عز وجل ومخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأن يذعنوا لخطاب الوحي ويسلموا له تمام التسليم إذا أتى الأمر الشرعي على خلاف الأعراف الاجتماعية القائمة الموجودة بين البشر وبين الناس، هذه قضية فيها قدر عال من الصعوبة.
إذا هنالك ضغط اجتماعي باتجاه ما، وأتت النصوص الشرعية على مخالفة ذلك الضغط الاجتماعي، يجد الإنسان في نفسه نوعا من أنواع الحرج أحيانا أنه ما يفعل أن يلتزم بالحكم الشرعي. هذه أحد المسارات الأساسية الإشكالية التي قد تقدح في نفوس كثير من المسلمين، ولذا إذا قيم الإنسان ما وقع من معقل بن يسار، يدري أن ردة الفعل التي وقعت منه رضي الله عنه وأرضاه ابتداء كانت ردة فعل متفهمة ومقبولة ومفهومة تماما. حتى يستوعب الإنسان طبيعة الموقف ليضع نفسه في موقف معقل بن يسار: تخيل أن عندك أخت معينة مزوجة لرجل ما طلقها، بطبيعة الحال المتصور أن هنالك نوعا من أنواع المشاكل التي فرضت بين الطرفين، ممكن بمقتضى العاطفة الموجودة عندك أن عندك قدرا من الانحياز إلى مربع أختك على حساب الطرف المقابل. بحمد الله عز وجل انفرجت هذه الغمة بانفصال الطرفين، انتهى الموضوع.
الذي يقع طبعا في المجتمع في الواقع أن لو قدر الإنسان مر على صاحبه، على ذلك الرجل في الطريق، ليس الأصل أنه بيروح له وبيصافح وبيسلم وكأن الأمور بالعكس، أنه في نوع من أنواع الرغبة بالصدود أنه ما عنده رغبة ويشعر بحرج أنه يقابله. طيب، تخيل هذه اللقطة وتخيل هذا الموقف أنه خلاص تكاد تنسى هذا الرجل، وفي ترتيبات ممكن جديدة متعلقة بهذه الأخت، وهذا الذي قاعد يحصل أن في خطاب قاعدين يتقدمون لها. فجأة ضرب جرس البيت، فتحت الباب، إلا في وجهك فلان، فلان احتملت قدرا من الأخلاق قدرا من الأدب، فقلت: ماذا عندك يا أبو فلان؟ قال: والله عندي موضوع تسمح لي أدخل؟ طيب تفضل، تحس أنت ما تشي القصة، جلس قدامك تفضل فلان، فقال: على قوة أخونا في لبنان ماذا يقولون؟ يقول: بدي القرب، أتزوج أختك. فأنت تحس الموضوع لما تبي تحسب حساباته تحس أنه في قدر من الغرابة.
ولذا الذي حصل من معقل بن يسار لما قال: زوجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبدا. لاحظ حينما يتكلم الإنسان عن الأبعاد العاطفية، الأبعاد الاجتماعية المتعلقة بنظرة الناس، كل الموقف متفهم وسياقه متعقل، لكن غير المتعقل الذي هو الامتياز الحقيقي الذي جعله الله عز وجل لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم هو في المواقف التالية، فيما جرى بعد ذلك من التزام بحكم الله عز وجل والالتقاطات العجيبة المتعلقة بهذه المسألة.
فيقول: فجاء يخطبها، أي جاء ذلك الرجل إلى ولي أخته وهو معقل بن يسار يخطبها، فلما طرح عليه موضوع الخطبة قال: زوجتك، أي هذا فيما سبق، وفرشتك أي جعلت أختي لك فراشا، وفي رواية: وأكرمتك وأثرتك بها على قومي، ثم قال: فطلقتها ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبدا. وفي رواية: لا أزوجك أبدا. تقول الرواية: وكان رجلا لا بأس به، وفي رواية: كان رجل صدق. قال ابن تيمية: كان جيدا، وجاء في رواية صحيحة: علم الله عز وجل حاجة الرجل وحاجة المرأة إلى زوجها، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232].
أصل لفظة العضل معناها الحبس، وهذه الآية وقع الاستشكال المتعلق بها، لأن ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، فلاحظ الآن ما الإشكال؟ الآن أن نزول هذه الآية القرآنية تدل على أن العضل أو النهي عن العضل واقع في حق من؟ الولي، أيها الولي لا تعضل موليتك لتتزوج أو لتعد إلى زوجها إذا وقع تراض بين المعروف. صح، لكن إذا رجع الإنسان لبداية الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. صح ولا لا؟ فيصير مبتدأ الآية إذا نظر الإنسان من سياق الآية فقد يتوهم أن العضل متعلق بمن؟ بالزوج؛ لأن الزوج هو المطلق، لكن السياق بعد ذلك ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، فمعناته أن المقصود هو الولي، حتى بتمام الآية وسبب النزول أصلا معزز لهذه الآية.
فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجها إياه، أي أعادها إليه بعقد جديد. وفي رواية: فقلت: الآن أقبل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: سمع لربه وطاع، فدعا زوجها فزوجها إياه. وفي رواية: فإني أؤمن بالله فأنكحها إياه وكفرت عن يميني. وفي رواية: فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.
طبعا هذه حتى الالتقاطة الأخيرة المتعلقة بالقصة تدل على تمام التسليم وتمام التعظيم لحكم الله عز وجل وعدم الوقوع في شرك المخالفة؛ لأن حتى لو أراد الإنسان أن يرغم نفسه على تسليم الله عز وجل، فالصحابة دائما يبهرونك كما يقال إلى الرمق الأخير، يبهرونك إلى اللحظة واللقطة الأخيرة المتعلقة بهذه الحكاية والقصة. لأن كان مقدورا لهذا الرجل ماذا يفعل؟ أنزل الله عز وجل هذه الآية القرآنية، صحيح هو خطبها في الأيام الماضية أن تقدم مرة أخرى وخطبها فسأزوج إياه، لكن إن لم يتقدم فلا شيء يوجب علي أن أذهب إليه وأدعوه وأقول له: نعم، أكرمك وأزوجك. لكن هو أخذ الموضوع أنه جاء في الرواية: فدعا زوجها، فلا ترى فيه نوعا من أنواع حمل النفس وإرغامه على خلاف المعهود الاجتماعي المتعلق به، طاعة لله عز وجل وطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم.
هذا ما يتعلق بالباب الثالث، وهذا ما تيسر ذكره، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
الشيخ عبدالله بن صالح العجيري