دخولتسجيل الدخول

الدرس 9 - تعظيم حدود الله 1

عبدالله بن صالح العجيريالشيخ عبدالله بن صالح العجيري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، نشرع الله سبحانه وتعالى في الباب الثالث من كتاب المنهج ميراث النبوة، باب تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. طبعاً الملحظ متعلق بهذا العنوان الذي هو معنى حدود الله عز وجل، يعني هنالك شيء معظَّم وهي حدود الله سبحانه وتعالى، فما هي حدود الله عز وجل؟ ما معنى حدود الله عز وجل؟

هي محارم الله.

هي نوع من أنواع الاستعارات التي أُسبغت ووُصف بها أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه الشرعية. ووجه الاستعارة أن الحدود الأصل فيها هي الحدود الفاصلة بين الأشياء، ولذا حتى يتخذها الإنسان في شأن العقار على سبيل المثال فيفصلون بين حدك وحدي. وبالتالي لأن الشريعة من طبيعتها أن تفصل بين الحق والباطل، بين الأمر والنهي، بين ما كان عليه أحوال البشر في الجاهلية والإسلام، فاستعير هذا المعنى في حق شريعة الله سبحانه وتعالى، فسميت حدود الله سبحانه وتعالى ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]، فيصير قربها أو الاعتداء بحسب طبيعة ذلك الحد المتحدث عنه.

فكيف يمكن للإنسان المسلم أن يعظم حدود الله سبحانه وتعالى؟ يكون تعظيم حد الله سبحانه وتعالى عن طريق أولاً الاعتقاد القلبي، أن يشعر الإنسان في قلبه بتعظيم هذه الشريعة، وأن حقيقة تعظيم هذه الشريعة هو فرع عن تعظيمه لربه تبارك وتعالى. ثم يظهر ذلك التعظيم بلسانه، بحيث من الجانب الإيجابي هو يظهر تعظيماً لهذه الشريعة، ومن الناحية السلبية أنه لا يظهر شيئاً يناقض هذا التعظيم؛ فمثلاً أحد موجبات الخروج من ملة الإسلام السخرية والهزء بالدين وبالشريعة وبحدود الله سبحانه وتعالى. أحد المعطيات المتعلقة بموجب الكفر أنه لم يظهر التعظيم الشرعي الواجب لشريعة الإسلام، فأن هنالك حداً أدنى من التعظيم يجب أن يتحقق في قلب الإنسان المسلم، وإذا لا يتحقق هذا التعظيم من الإنسان المسلم لا يعد مسلماً. والثالث هو التعظيم عن طريق العمل، عن طريق الانقياد الفعلي العملي لأوامر الله سبحانه وتعالى.

وبالتالي إذا أدرك الإنسان هذا المعنى، يدرك أن هنالك نوعاً من أنواع التراتبية وهنالك نوعاً من أنواع التفاوت في إمكانية ودرجات الناس في تعظيم الشرع. فحتى الإنسان المسلم الذي واقع ذنباً ومعصية، هل يلزم بالضرورة أنه تخلى عن كل قيمة من قيم تعظيم الوحي أو تعظيم الشريعة؟ نقول: لا. ولذا أحد المشكلات الحقيقية الموجودة في أرض الواقع ما يتعلق بهذا المعطى؛ فالعصاة قديماً -لا أقول قديماً أقصد يعني حتى لازال موجوداً- بس أحد الظواهر المستجدة المؤذية الموجودة في المشهد، وهو أبعد عن رحمة الله سبحانه وتعالى، أن العاصي عندما يعصي وهو يعتقد أنه يعاصي لله سبحانه وتعالى، فهو في هذه الحال يخاف ربه تبارك وتعالى ويرجو رحمة الله عز وجل ويرجو هداية الله سبحانه وتعالى. يعني قديماً إذا وقع الإنسان في ذنب ومعصية ونُصح: يا فلان اتق الله؛ فيقول: الله المستعان، الله عز وجل يهدينا وكذا، هذا أقرب إلى رحمة الله عز وجل من عبد يريد أن يتأول لموقفه، يحاول أن يبرر موقفه، يغطي على موقفه؛ هو أبعد عن مجال التوبة لأنه يوهم نفسه ويتأول لنفسه ويقنع نفسه بأنه لم يلابس خطأ أصلاً، فهذا موقع إشكالي. وبالتالي جزء من تعظيم الشريعة الحاصل للأول أنه تحقق منه هذا المعنى، حتى مع وقوع المخالفة فهو يعظم الله عز وجل، يعظم النبي صلى الله عليه وسلم، يعظم شرع الإسلام، لكن لشهوة أو طغيان أمر معين غلب عليه حاله.

ولذا كما ذكرنا أن أحد المعاني الأساسية المتعلقة بتعظيم الشريعة وإمكانية وقوع التفاوت أنه فرع تعظيم الله سبحانه وتعالى. ولذا من التعبيرات الدارجة المشهورة في أبواب الذنوب والمعاصي: أن لا تنظر إلى صغر المعصية، لكن انظر إلى عظمة من عصيت. فهذا الجانب الأول من المقامات التعبدية المهمة والمركزية والمحورية التي يجب بث الوعي حيالها في نفوس المسلمين لضرورة أن يعظموا حدود الله سبحانه وتعالى. وإنما نتكلم عن تعظيم حدود الله عز وجل لا بد أن تكون أولاً منبثقة عن تعظيم حقيقي في قلب الإنسان المسلم. هذا التعظيم المنقدح في نفس الإنسان المسلم له موارد، أحد مواردها الأساسية هو تعظيم الحق تبارك وتعالى؛ لأنه يعظم الله سبحانه وتعالى فهو يعظم كلامه ويعظم شريعته. وجزء من الموارد التي تعزز هذا المعنى أن تعظيم الله عز وجل هو فرع معرفته تبارك وتعالى، مما يخلق الطمأنينة عند الإنسان المسلم في تعظيم الوحي وشريعة الإسلام أنه يتعبد بهذه الشريعة لله تبارك وتعالى كامل في علمه كامل في حكمته تبارك وتعالى. استقرت حقيقة قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]، ينظر الإنسان لنفسه بعين الضآلة والحقارة والصغر في مقابل علم الله سبحانه وتعالى، فحتى لو قدر استشكل شيئاً من شريعة الإسلام فأنا أعرف أن هذه الشريعة إنما انبثقت من العليم الحكيم تبارك وتعالى وأنا لا أعلم شيئاً. وبالتالي مقتضى العقل أني أتبع من هو عليم في مقابل جهلي؛ واضح ويقيس الإنسان هذا المعنى على معطيات كثيرة متعلقة بمعرفته.

ثم من المعاني كذلك الجميلة التي يذكرونها أهل العلم والتي يحتاج الإنسان أن يخلق لنفسه موقفاً متزناً، بمعنى مما يخلق الطمأنينة بكمال هذه الشريعة لمعرفة بعض الحكم الإلهية للتقريرات الشرعية؛ لما يقول الله سبحانه وتعالى للعباد ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179]، لاحظ لما يبين الله سبحانه وتعالى معنى الحكمة يعزز من تعظيم هذه الشعيرة. لكن جهة الاتزان -ولا أريد الاسترسال فيه- جهة الاتزان أن لا يصح للإنسان أن يقيم تعظيمه على إدراك وجه الحكمة؛ يعني نعم من المعززات من المطمئنات يوجد هذا، لكن لا يرتهن الإنسان تعظيمه للوحي؛ إذا لم تقنعني بهذه الشعيرة وبهذا الشرع فما أستطيع الاستجابة له حتى تقنعني، هذا لا، مشكلة إيمانية أخرى.

بعد ذلك يقول الشيخ أحمد: باب تعظيم حدود الله، فلاحظ الحين هذا الجانب الإيجابي تعظم حدود الله سبحانه وتعالى بدرجاته الثلاث، والتحذير من مخالفة أمره وأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ أن واجباً عليك أن تعظم، وكذلك يحذر الإنسان قدر وسعه وطاقته أن يخالف أمر الله سبحانه وتعالى ويخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم. العلماء يقولون أن أصل مأخذ المخالفة، يقول لك مثلاً المخالفة في الطريق أن إنساناً يمضي في طريق ويمضي الآخر في طريق آخر أو في طرائق غيره، هذا أصل مبدأ أو معنى المخالفة. فكان الإشارة الموجودة أن لا يتجه أمر الله سبحانه وتعالى باتجاه معين وأنت على ضده، على مخالفته. أورد بعد ذلك ثلاث آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى في تقرير معنى هذا التبويب، وأنا أذكر بهذا المعنى أن الشيخ أحمد من المقاصد الأساسية الموجودة في هذا الكتاب الاختصار، فهو لم يشترط على نفسه الاستيعاب، وإنما انتخب من الآيات القرآنية ما يظن أنه أقرب للدلالة المقصودة المعقدة لهذا الباب. لذا هذا العنوان العظيم باب تعظيم حدود الله والتحذير، لو أراد الإنسان باستقراء المادة القرآنية وانتزاع المادة القرآنية فيما يدل على هذا العنوان فهو بطبيعة الحال أكثر بكثير جداً من مجرد ثلاث آيات من كتاب الله عز وجل.

يقول الله سبحانه وتعالى في الآية الأولى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]. هذه الآية طبعاً سبق أننا توقفنا معها، طيب ايش وجه الشاهد منها ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وجلت قلوبهم؟ أن أحد موجبات وجل القلب هذا الخوف المنعقد هو حاصل بسبب التعظيم، صح ولا لا؟ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً. فذكرنا تذكرون لما تكلمنا على ذكر الله عز وجل، فإما المقصود به ذكر أن العبد يذكر الله عز وجل يعني عند ذكر الله يحصل الوجل والقلب أو عند مواعظ الله عز وجل، فيصير المعنى مشتملاً داخل في إطار الشريعة. مما يعني خليني بذكر دلالتين في كلام للإمام الطبري وبعد ذلك في إشارة لطيفة للإمام القرطبي تعزز من دلالة هذه الآية للباب. لأن لاحظ إذا أردناها بالطريقة هذه الظاهرة اللي حكيناها قبل قليل، فالدلالة ليست دلالة مرة واضحة، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، يقول لك أن هذا يدل على تعظيم الله عز وجل، صح ولا لا؟ فأنت الحين عن طريق اللازم فتقول: فإذا عظمت الله عز وجل عظمت حدوده. فتلاحظ أنه لا يقول أن فيه بعداً بس جالس تنتزع المادة، ومن طبيعة الاستدلال القرآني على التبويبات أنها لا تنتزع بهذه الطريقة، بل بلوازم بعيدة.

قال الطبري: يقول تعالى ذكره ليس المؤمن بالذي يخالف الله ورسوله ويترك اتباع ما أنزل إليه في كتابه من حدوده وفرائضه والانقياد لحكمه، ولكن المؤمن هو الذي إذا ذكر الله وجل قلبه وانقاد لأمره وخضع لذكره خوفاً منه وفرقاً من عقابه، وإذا قرئت عليه آياته -آيات كتابه- صدق بها وأيقن أنها من عند الله، فازداد بتصديقه ذلك إلى التصديق بما كان قد بلغه منه قبل ذلك تصديقاً، وذلك هو زيادة ما تلي عليهم وتلي عليه من آيات الله إياهم إيماناً. فكلام جميل ويبين لك أن اللوازم -يعني إذا وقع الوجل للقلب- هي أصول متعلقة بالتعظيم؛ وجل القلب يحمل الإنسان على الانقياد للأمر، وهذا معنى كذلك ظاهر.

قال القرطبي -ولاحظوا الأمر الطريف-: قال العلماء هذه الآية ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، هذه الآية تحريض على إلزام طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. طيب ايش وجه التحريض على طاعة النبي صلى الله عليه وسلم؟ أن فيها إشكالاً، صح؟ لكن ما دام كان القرطبي قال: العلماء هذه الآية تحريض على إلزام طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، خلينا نتفق إذا ثبت أن الآية فيها دليل على التحريض على إلزام طاعة النبي صلى الله عليه وسلم فمطابقة الآية هذه لمعنى الباب تصير ظاهرة. يقول: فيما أمر به من قسمة تلك الغنيمة؛ لأن هذه الآية شوف الأنفال آية رقم اثنين، الأنفال آية رقم واحد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 1-2]، فيصير الآية هذه مرتبطة بسياق الآيات فيتضح من سياق الآيات كذلك ما يدل على المراد من هذا التبويب.

الآية الثانية يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، وهذه الآية مطابقة لتعظيم حدود الله عز وجل، تعظيم شعائر الله عز وجل مطابقة للمقصود. يقول الإمام القرطبي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: ومن يعظم شعائر الله، الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم، يعني أي شيء أشعر الله سبحانه وتعالى بالمراد فيه أمراً أو نهياً فهو من شعيرة الله عز وجل أو شعار الله عز وجل. قال: ومنه شعار القوم في الحرب أي علامتهم التي يعرفون بها، ومنه إشعار البدنة، وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة، فهي تسمى شعيرة بمعنى المشعورة، فشعائر الله أعلام دينه، لا سيما فيما يتعلق بالمناسك. فلاحظ الشعائر مأخوذ من الإشعار، قال: وقال قوم: المراد هنا تسمين البدن والاهتمام بأمرها والمغالاة بها، قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة. وفيه إشارة لطيفة وذلك أن أصل شراء البدن ربما يحمل على فعل ما لا بد منه، فلا يدل على الإخلاص، فإذا عظمها مع حصول الإجزاء بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم الشرع، وهو من تقوى القلوب. والله أعلم، فبيقول ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾، فأحد الجهات التفسيرية يفسرون شعائر الله بالبدن -أي بمعنى الهدي- فإذا قُصد بالهدي، ففي ارتباط بين شعائر الله والهدي من جهة الإشعار، وبالتالي في معنى فائدة زائدة من ذكر الله سبحانه وتعالى لتعظيم البدن، بحسب ما يقوله الإمام القرطبي أن مجرد تأدية المطلوب من الإنسان أن يؤديه هذا الشيء، لكن إذا أظهر تعظيماً للبدن وتسميناً لها، فيدل ذلك على ما.

الإخلاص هو أن يعظم الله سبحانه وتعالى، فيعظم ما يهديه لله تبارك وتعالى، أو على المعنى العام، وهو مما يدخل في معنى دلالة الآية بطبيعة الحال. ومن الأشياء أنه حتى لو قدر أن سياق الآية القرآنية أو القصة أو سبب النزول لا يتعلق بالبدون، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ هذه قاعدة. يقول الله سبحانه وتعالى في آخر الآية: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. ما معنى ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾؟ أي أنها دليل تقوى القلوب.

أذكر المعنيين؛ الأول: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ يعني أن ذلك صادر عن تقوى القلب، واضح هذا؟ الدلالة الأولى: أن تعظيمكم للشعائر إنما يصدر عن تقوى قلوبكم. المعنى الثاني: أن هذا متضمن في تقوى القلوب؛ يعني أن المعنى الأول أن هذا المعنى لا يتحقق إلا بتقوى القلب، فهو ناشئ من تقوى القلب. المعنى الثاني: أن هذا من تقوى القلب، بمعنى أنه داخل في تقوى القلوب؛ أي أن المعنى الأول أن الله عز وجل يبين أهمية التقوى للتحريض على هذا الفعل، والمعنى الثاني يدل على دخول هذا الفعل في معنى التقوى، فيعرض لتحقيق التقوى. هل هي واضحة؟ سبب ونتيجة؛ الأول سبب ونتيجة، يعني أن تعظيم شعائر الله عز وجل هو ناشئ عن تقوى القلوب، هذا المعنى الأول. الثاني: تعظيم شعائر الله عز وجل هو مظهر من مظاهر تقوى القلوب، وهو داخل في هذا الإطار.

الآية الثالثة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. تمام الآية القرآنية: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وكما قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لأنه واضح أن السياق في سبب معين؛ أن كان النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الجهاد فيفر بعضهم لواذا، فالله عز وجل يأمرهم بعدم مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول إن عدم مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن وفي غيره واجب.

يقول الله عز وجل في أول الآية: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾. أول مسألة تفسيرية: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، أمر من؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الله عز وجل؟ يخالفون عن أمره يعني أمر الله عز وجل، أو أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وبينهما تلازم؛ لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله. الآن تركيب الآية القرآنية، الأصل يقول الله سبحانه وتعالى: فليحذر الذين يخالفون أمره. هل فيها إشكال من جهة التركيب العربي؟ للوهلة الأولى بالنسبة لكم، بحيث إنه يتطلب الإنسان فائدة من ذكر الله عز وجل لتركيب الآية بهذه الطريقة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾؛ ألا يقعون؟ الأصل كيف يعبر الإنسان؟ فليحذر الذين يخالفون أمره. صح ولا لا؟ تقول مثلاً: احذر أن تخالف أمري. فتلاحظ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ما قال فليحذر الذين يخالفون أمره، مع أن مستقيمة العبارة، صح؟ يعني هو النهي متجه أن لا تخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول الله: فليحذر الذين يخالفون أمره، بس هو قال: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾. طيب ليش قال عن أمره؟ ففيها دلالة على المخالفة الكاملة عن الأمر.

ارجعها إلى قاعدة حتى نفرع عليها، أحد المعاني يذكرونها بعض أهل العلم يقول لك: إن حروف الجر في اللغة العربية تتناوب، ينوب بعضها عن بعض، في اتجاه آخر أكثر دقة علمية، واختار كثير من العلماء والمفسرين وهو الظاهر، أن لا يمكن القول بمطلق تناوب حروف الجر، وإنما تتناوب حروف الجر لاضفاء فائدة، هذه الفائدة يعبرونها العلماء بمعنى التضمين، يعني بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يبدل حرفاً بحرف، فإذا أبدل الحرف بالحرف، الحرف المذكور يدل على فعل مضمر. بعطيكم أمثلة: لما يقول الله سبحانه وتعالى مثلاً في القرآن الكريم: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6]، المفروض يقول: يشرب منها، بس ما قال منها، قال يشرب بها، فذكر الباء، صح ولا لا؟ يشرب بها، ما قال يشرب منها مع أننا نقول: عيناً يشرب منها عباد الله. طيب ليش قال الباء؟ فيقولون العلماء: لتضمين معنى الإرواء، فمعنى يشربون منها فيروون بها، فلما قال عين يشرب بها يعني أنشأ عن فعل مناسب لذكر الباء، فتلاحظ يشربون منها فيروون بها.

مثلاً لما يقول الله عز وجل: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: 1]، المفروض: سأل سائل عن عذاب واقع، مش بعذاب. فتكتشف في الموضوع؛ أنت انظر في حال قريش لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال، هل سألوه سؤال المسترشد؟ يعني سألوه هل هنالك عذاب واقع يوم القيامة يا رسول الله؟ ولا يسألونه سؤال المستهزئ الساخر المكذب؟ فتلاحظ سأل سائل عن عذاب واقع مكذباً مستهزئاً بعذاب واقع، يقول لك سأل سائل بعذاب واقع، لاحظت الباء تجي هذه، وتحصل عدة معاني بهذه الطريقة. لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71]، المفروض على جذوع النخل، بس قال في، ليش قال في؟ لتضمينها معنى الاستغراق.

لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، ما قال فليحذر الذين يخالفون أمره لأن ضمنها معنى الإعراض؛ لأن ضمنها معنى الإعراض، يعني فليحذر الذين يخالفون أمره فيعرضون عنه، فهو درجة ورتبة.

أما ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، فالعلماء قالوا إن محتمل الفتنة المقصود بها الضلالة، محتمل الكفر، محتمل الطبع على القلب، محتمل بلية تظهر ما في قلوبهم من النفاق؛ لأن راعوا السياق، والذي يظهر والله أعلم أن ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ مشتمل على جملة عريضة من معطيات الفتن، ممكن تصيب الإنسان من خالف أمر الله عز وجل، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، المقصود بها يصيبهم عذاب أليم في جهنم، هذا قول، أو يصيبهم عذاب أليم في الدنيا بالقتل، يعني ما يلزم بالضرورة، هذا أحد المفردات المندرجة تحت القتل، بس ممكن أن يقدر الله عز وجل للإنسان أمره في هذه الحياة الدنيا فيقتل لأجله، فأوسع، فأن يصيبهم عذاب أليم يعني يصيبهم قتل أو عذاب في هذه الحياة الدنيا أو عذاب أخروي.

من القصص طبعاً المذكورة اللطيفة التي يروونها لأهل العلم قصة الإمام مالك بن أنس رحمه الله تبارك وتعالى عليه، خلاصة القصة أن رجلاً أتى الإمام مالك مستفتياً، فقال له: من أين أحرم النبي صلى الله عليه واله وسلم؟ فقال: أحرم من ذو الحليفة، ميقات أهل المدينة. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: أخشى أنك إن فعلت ذلك وقعت في الفتنة، والله عز وجل يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فقال: إنما هي أميال أزيدها، فأي فتنة؟ يعني أنا أزيد هذه الأميال قربة لله عز وجل، بدل ما أكون الحين محرماً في المدة الزمنية هذه أنا سأطيل مسح الإحرام، فمن المانع أني أفعل هذا الفعل؟ فذكر له الإمام مالك أنه يخشى، فقال: أي فتنة في ذلك؟ قال: أن يسبق إلى وهمك أنك سبقت إلى خير ما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما سبق إليه. ويعني الذي يدرس فقه الإمام مالك وترجمة الإمام مالك يدرك أن عنده حساسية رحمه الله تبارك وتعالى عليه من الأحداث في الدين، من قضية الابتداء، ولذا هذا من المعاني الجميلة المتعلق بمثل هذه الدلالة القرآنية.

الحديث الخامس في الكتاب والحديث الأول في هذا الباب، عن عائشة رضي الله عنها: أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟»، ثم قام فاختطب، ثم قال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم سرقت لقطعت يدها». أخرجه البخاري ومسلم.

لنتوقف مع هذا الحديث، الوقفة الأولى: عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها القرشية، إن قريشاً، قريش هي القبيلة العربية المعروفة التي خرج من جنباتها الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم. لماذا سميت قريش بهذا الاسم؟ ذكر العلماء ثلاثة اتجاهات أو أكثر؛ الأول أنهم من التقرش، معناته التجمع، بمعنى أنهم كانوا مفرقين من الناس فتجمعوا، فسمي هذا التجمع قريش. القول الثاني: التقرف معنى التجارة، لأن من المعاني التي اشتهرت بها قريش التجارة، ففي اللغة العربية التقرش معناه التجارة والاكتساب. المعنى الثالث: أنه من سمكة القرش، على جهة التصغير، وسبب تسميتها بهذا، التعبير يستخدمونه الفقهاء والعلماء في الكتب التراثية بهذه الدابة من دواب البحر، اللي هو أن القرش عنده القدرة على أكل بقية القبائل، فذكروا هذا المعنى.

في الحديث: أن قريشاً أهمهم شأن المرأة، في رواية البخاري: أهمتهم المرأة، ومعنى أهمهم شان المرأة أو همتهم المرأة أن أدخلت عليهم هماً، والمقصود إذا قيل أهمه الأمر يعني أقلقه، دخل عليهم قلق بسبب شأن المرأة المخزومية. طيب، ما الذي فعلته هذه المرأة المخزومية؟ المرأة المخزومية سرقت. الذي ينظر إلى قريش، قريش عبارة عن عدد من البطون، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان من أشرف بطون قريش وهم بنو هاشم، فالمخزومية تعتبر هذه من علية القوم؛ بني مخزوم، طبعاً المخزومية نسبة إلى مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، ومخزوم أخو كلاب بن مرة الذي نسب إليه بنو عبد المناف. جاء في الرواية طبعاً: سرقت امرأة من قريش من بني مخزوم، واسم هذه المرأة كما نبه إليها عدد من أهل العلم على الصحيح.

الأظهر أنها فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهي بنت أخي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل زوج أم سلمة رضي الله عنها، وأبو سلمة هو أخو النبي ﷺ من الرضاعة. وهذه المرأة قتل أبوها كافرًا يوم بدر، قتله حمزة بن عبد المطلب، ومن زعم أن له صحبة فقد أخطأ.

في الحديث يقول «أهمهم» يعني قريشاً شأن المرأة المخزومية التي سرقت. جاء في حديث النبي ﷺ وفي رواية: في عهد الرسول ﷺ في غزوة الفتح، فتعرف الآن الفترة الزمنية، وأحد المعطيات أن الحساسيات لم يتوطن الإيمان في نفوس قريش بعد؛ إذ نتكلم أنها سرقت في غزوة الفتح، أي فتح مكة، فهؤلاء حينها كانوا طلقاء. فهذا أحد البواعث على عدم استقرار الإيمان في نفوسهم، بحيث لا تزال تعمل فيهم الأعمال الجاهلية والعصبيات، ويحاولون، ومع ذلك لاحظ الخطاب النبوي كان خطاباً فيه قدر من الشفقة. سنذكر ملحلاً متعلقاً به، لكن الواقعه في عام الفتح أن امرأة مخزومية سرقت، فدخل الهم على قريش؛ لأنهم يعلمون أن النبي ﷺ سيقيم عليها الحد، والحد هو قطع اليد؛ لأن هذا أمر كان مستقراً عندهم في الجاهلية أن السارق تُقطع يده، وأن هذا أمر ثبته الإسلام وأحكمه.

أحد المشكلات العلمية الكبيرة المتعلقة بهذا الحديث، والتي خلقت آثاراً فقهية كبيرة موجودة في الواقع: ما الذي جرى من هذه المرأة حقيقة؟ هل هي سرقت أم أنكرت وجحدت المتاع؟ بنجي لبعض الروايات، لكن الفكرة الآن أن السرقة لها ضابط معين، وجحد المتاع بمعنى أن تستعير من الناس أشياء معينة، فإذا طالبت بالأشياء التي استعارتها تقول: ما أخذت منكم شيئاً. هذا له انعكاسات فقهية كبيرة إذا ثبت أي صنيعين كانت تصنع المرأة؛ لأن الطريقة التقليدية في تعريف السرقة هي أخذ العاقل البالغ نصاباً محرزاً أو ما قيمته نصاب ملكاً للغير لا شبهة له فيه على وجه الخفية.

تلاحظ أن هناك عدة ضوابط متعلقة بفعل السرقة، أحد الضوابط الأساسية أن يؤخذ من حرزه. الحين الإنسان الذي ينكر أو يجحد المتاع، هل أخذ المال من الحرز؟ يقولون: هذا لا يدخل في حد السرقة، بل هو تعزير. فأخذ أموال الناس بالباطل له أجناس وأنواع متعددة وكثيرة جداً، لكن الشريعة جعلت حداً اسمه القطع على نوع معين من أنواع أخذ أموال الناس بالباطل وهو السرقة.

يقولون السرقة هي أخذ شيء من الغير خفية من حرزه. معنى من حرزه: أي المكان الذي يؤتمن فيه الشيء، أو يستودع فيه الشيء، أو يستحفظ فيه الشيء. وبالتالي كل شيء يكون له حرزه المناسب، ويقع اختلاف بين بعض الفقهاء المعاصرين في الطباع العرفية المتعلقة ببعض الأموال. مثال واضح: افترض أن واحداً أودع مالاً في خزنة مقفل عليها، هذا يعتبر حرزاً. فلو واحد كسرها وأخرجه، يعتبر سرقة. السيارة مثلاً، فبعض العلماء يقول لك: إذا وضعت سيارتك في كراج البيت يعتبر هذا حرزاً، وبعضهم يقول: لا، مجرد إقفال السيارة يعتبر الحرز المناسب لها. ولذا لو قدر أن إنساناً مشغل السيارة وواقف أمام بقالة ينتظر، فركب واحد سيارة وسرقها، هل يعتبر سارقاً في هذه الحالة؟ لا يعتبر سارقاً.

فنجي نرجع لموضوعنا؛ السرقة ذكرنا، الغصب هو أخذ المال قهراً بغير حق، لو واحد ماسك واحداً ودخل يده في جيبه وأخذ جواله، هذا غصب، هل يعتبر هذا سارقاً بالعرف الشرعي؟ لا، هذا يعتبر جريمة يعاقب عليها لكن لا بالحد المخصوص للسرقة. ويذكرون النهب؛ وهو أخذ المال مغالبة والناس ينظرون. الطرار: نقصد بالطرار النشال، وهو الذي يسرق من جيب الإنسان أو كمه، وسمي طراراً لأنه يطر الكم أي يرفعه ليأخذ.

هناك الخائن وهو الذي يسرق المال وهو مؤتمن عليه، والجاحد هو المنكر ما عنده لغيره. فالمشكلة المتعلقة بالحديث هي ما الذي وقع من هذه المرأة المخزومية؟ وردت روايات معينة أن هذه المرأة كانت تستعير من الناس وتجحد. ما الآثار الفقهية المترتبة على المرأة هذه إذا كان سرقتها من النوع الذي هو استعارة وجحد؟ لا يستوجب حداً، فلو قال واحد: إذا ثبت هذا والنبي ﷺ ثبت أنه قطع يدها، فماذا يعني هذا؟ هل يعيد ترتيب وتعريف السرقة؟ أم أن الفعل تعزير؟ ولما جاء أسامة يشفع في الموضوع، قال له النبي ﷺ: «أتشفع في حد من حدود الله؟».

قال ابن دقيق العيد رحمه الله في "إحكام الأحكام": قد أطلق في هذا الحديث على هذه المرأة لفظ السرقة، ولا إشكال فيه، وإنما الإشكال في الرواية الثانية وهو إطلاق جحد العارية على المرأة، وليس في لفظ هذا الحديث ما يدل على أن المعبر عنه امرأة واحدة، ولكن في عبارة المصنف ما يشعر بذلك فإنه جعل الذي ذكره ثانياً رواية، وهو يقتضي من حيث الإشعار العادي أنهما حديث واحد. اختلف فيه: هل كانت هذه المرأة المذكورة سارقة أو جاحدة؟ وعن أحمد أنه أوجب القطع في صورة جحود العارية عملاً بتلك الرواية، فإذا أخذ بطريق صناعي في صنعة الحديث ضعفت الدلالة على مسألة الجحود قليلاً، فإنه يكون اختلافاً في واقعة واحدة، فلا يثبت الحكم المرتب على الجحود حتى يتبين ترجيح رواية من روى أنها كانت جاحدة على رواية من روى أنها كانت سارقة.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": عندنا روايات تقول سرقت، وروايات أنها كانت تستعير فتجحد المتاع. جاء في رواية صحيحة في مسلم أنها كانت تستعير المتاع وتجحده. وفي رواية النسائي صحيحة: استعارت امرأة على ألسنة ناس يعرفون وهي لا تعرف حلياً فباعته وأخذت ثمنها. وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح أن امرأة جاءت فقالت إن فلانة تستعيرك حلياً فأعارتها إياه، فمكثت لا تراه، فجاءت إلى التي استعارت لها فسألتها فقالت: ما استعرتك شيئاً، فرجعت إلى الأخرى فأنكرت، فجاءت إلى النبي ﷺ فدعاها وسألها فقالت: والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئاً، فقال: «اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها»، فأتوه فأخذوه، فأمر بها فقطعت.

قال ابن حجر: فيحتمل أن تكون سرقت القطيفة لأنها اتهمت بسرقة القطيفة من بيت النبي ﷺ وجحدت الحلي، وأطلق عليها في جحد الحلي في رواية حبيب بن أبي ثابت سرقت مجازاً. وقد اختلف نظر العلماء في ذلك؛ فأخذ بظاهره أحمد في أشهر روايتين عنه وإسحاق وانتصر له ابن حزم من الظاهرية، وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع في جحد العارية، وهي رواية عن أحمد أيضاً. وأجاب الجمهور عن روايات جحد العارية بأن رواية سرقت أرجح من رواية الجحد، أو أنهم سعوا إلى الجمع بينها بجمع ينتج نتيجة القطع بالسرقة.

رواية جحد العارية من رواية معمر شاذة، مخالفة لجماهير الرواة؛ قال: والشاذة لا يعمل بها. فالنووي يرجح الأخذ برأي الجمهور بناءً على الرواية المعتمدة في الباب وهي السرقة، والرواية الثانية شاذة. وقال ابن المنير في الحاشية وتبعه المحب الطبري: قيل إن معمراً انفرد به، انفرد يعني أن كل الرواة رووا الحديث والقصة أن سرقت إلا معمراً رواها برواية أنها كانت تستعير فجحدت. قال القرطبي: رواية أنها سرقت أكثر وأشهر من رواية الجحد، فقد انفرد بها معمر وحده من بين الأئمة الحفاظ، وتابعه على ذلك من لا يُقتدى بحفظه كابن أخي الزهري ونمطه، هذا قول المحدثين.

فالقرطبي كذلك يرجح أن رواية الأكثر وأن هذه رواية فيها شذوذ. قلت: الحافظ ابن حجر سبقه لبعضه القاضي عياض إلى بعض هذا الكلام، وهو يشعر بأنه لم يقف على رواية شعيب. تلاحظ الحين ابن حجر بحكم صناعته الحديثية يقول: لا، ترى إلصاق التهمة بمعمر غير صحيحة، لأن هنالك روايات أخرى من ضمنها رواية شعيب ويونس بموافقة معمر، أي عندنا روايات بموافقة. والقصد طبعاً من نقل النقول وبحث المسألة ليس بالضرورة الترجيح في عين المسألة المبحوثة بقدر ما هو معرفة طرائق العلماء في المعالجة والاشتباك في الرواية، يعني المناقشة الحديثية في المناقشة الفقهية؛ خلنا نحرك الأذهان فيما يتعلق بهذه المسألة.

قال: إذ لو وقف عليها لم يجزم بتفرد معمر؛ عندنا رواية شعيب ورواية يونس، وأن من وافقه كابن أخي الزهري ونمطه. وزاد القرطبي بنسبة ذلك للمحدثين، يقول: لم يجزم بتفرد معمر، وأن من وافقه -يعني من وافق معمراً كابن أخي الزهري ونمطه كما ذكره القرطبي- يقول: إن هذا الكلام مش دقيق. قال: إذ لا يُعرف عن أحد من المحدثين أنه قرن شعيب بن أبي حمزة ويونس بن يزيد وأيوب بن موسى بابن أخي الزهري؛ لأن القرطبي كانه أوسع، شوف اللي حصل، النووي وغيره قالوا: إن هذه بس شاذة من رواية معمر. القرطبي قال: وأن من وافقه كابن أخي الزهري ونمطه؛ يعني بمعنى أن الضعفاء هم اللي وافقوه، فقال وزاد نسبة ذلك للمحدثين.

فالحافظ ابن حجر يقول: ما في أحد من المحدثين جعل رتبة شعيب ويونس وأيوب على نفس الدرجة، بل هم متفقون على أن شعيباً ويونس أرفع درجة في حديث الزهري من ابن أخيه. ومع ذلك فليس في هذا الاختلاف عن الزهري ترجيح بالنسبة لاختلاف الرواة عنه إلا لكون رواية سرقت متفقاً عليها، ورواية جحدت انفرد بها مسلم؛ يعني يقول: الفرق الوحيد الموجود أن الرواية سرقت اتفق الشيخين على إخراجها بخلاف رواية جحدت، رواية اقتصر مسلم على الإخراج دون البخاري. فلو فرضاً اضطر الإنسان إلى الترجيح فيمكن أن يضطر للترجيح في ضوء هذه المادة: أن الرواية المتفق عليها هي أقوى وأرفع درجة من الرواية التي أخرجها أحد الشيخين دون الآخر. قال بعدين: وهذا لا يدفع تقديم الجمع إذا أمكن بين الروايتين، يعني مجرد رواية الشيخين للحديث مع إمكان الجمع مع رواية انفرد بها مسلم أو فرد بها البخاري، هذا لا يوجب الترجيح إذا كان في مقدورنا نجمع بين الروايتين.

وقد جاء عن بعض المحدثين عكس كلام القرطبي، فقال: لم يختلف على معمر ولا على شعيب وهما في غاية الجلالة في الزهري، وقد وافقهما ابن أخ الزهري، وأما الليث ويونس وإن كانا في الزهري كذلك فاختلف عليهما فيه. فبيقول إن بعض العلماء قلب الموضوع، قال: بالعكس، معمر وشعيب هم أوثق الناس في الزهري، وبالتالي الروايات الثانية هي اللي مرجوحة في مقابل رواية الجحد. فالحافظ ابن حجر مقصده من بحث المسألة هذه هو إبانة أن ليس من الميسور مجرد الترجيح وفق الصناعة الحديثية؛ لأن فعلاً هنالك قوة موجودة في الروايتين، فإذا أمكن الجمع بين الروايتين فيجب المصير إليه. وبالتالي كان الإمام الحافظ ابن حجر حتى قال: قلت: كذا اختلف على أيوب بن موسى كما تقدم، وعلى هذا فيتعادل الطريقان ويتعين الجمع، فهو أولى من اقتراح أحد الطريقين أن هذه قوية وهذه قوية.

طيب ما هو الجمع الذي ذكره؟ فذكر عدة جهات جمعية من أهمها ما ذكرها مثلاً الإمام ابن حزم، هذا بحسب نقل الحافظ ابن حجر، فابن حزم عشان يحل الإشكال هذا قال: هما قصتان. طيب إذا قال: هما قصتان، فأيش اللي يترجح الحين فقهياً إذا جُعلت في قصة اسمها قصة السرقة وقصة جحد المتاع؟ الآن من ناحية الحكم الشرعي هل تُقطع يد الجاحد ولا لا؟ تُقطع، صح ولا لا؟ لأن بيصير دليلاً مستقلاً. ابن حزم يقول لك: الحين ما نحتاج نرجح هاتين الروايتين، بحيث إذا رجحنا رواية سرقة يترتب حكم، وإذا رجحنا هذا لا، نجمع؛ لكن طريقة الجمع التي أقترحها هو أن يُقال إن هذه قصة وهذه قصة، وهذه قصة صحيحة وهذه قصة صحيحة. طيب إذا كانت هذه قصة صحيحة وهذه قصة صحيحة، هذا على خلاف مذهب الجمهور، وبالتالي الجمهور لن يقبل بهذا الجمع.

بس هنالك مشكلات في مذهب ابن حزم في دعوى ابن حزم أنها قصتان؛ أول مشكلة دائماً، وهذه النظرة ذكرها الإمام ابن القيم في زاد المعاد: أن من طريقة المتعجلين أحياناً المؤرخين أو كتاب السير أن كل ما لاحظوا اختلافاً بالروايتين ايش قالوا؟ قالوا إن قصتين، يقول: هذه طريقة مرجوحة، طريقة غير مقبولة؛ الأصل أن يعمل الإنسان جهداً إضافياً من أجل تحقق فعلاً أن هذه قصتان. طيب ايش القرائن الموجودة في هذا الحديث التي تدل على أنه مش قصتين، قصة واحدة؟ يعني الحوار بين الرسول ﷺ والصحابة، إذ قالوا له: نشفع فيها؟ قال: «أتشفعون في حد من حدود الله؟» فخطب فقال لهم: «أتشفعون في حد من حدود الله؟».

نفس الملحظة اللي بديتها، بس لا، حوار آخر مختلف، أسامة بن زيد، يعني الحين القصتين، لنفترض قصتين، مين الشافع في القصتين؟ هل يُتصور أسامة بن زيد أنه يقع في هذا الخطأ مرتين بهذه الطريقة؟ هل يُتصور هذا؟ ولذا اضطر ابن حزم ايش يقول؟ لعله واحد نسي. طيب هل هذا قريب؟ حتى الحافظ بن حجر استشكله، أن مش قريب، أن نسي مش الأصل أن يقع منه. ناخذ مثالاً آخر من المواقف النبوية مع أسامة، المشهورة قصة قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، طيب ايش انعكاس الألم الذي أحدثت هذه القصة في نفس أسامة بن زيد؟ لما وقعت الفتنة بين الصحابة لم يشارك أسامة بن زيد في الفتنة التي وقعت بين الصحابة، ولما طلب علي بن أبي طالب منه المشاركة ايش اللي سوى؟ قال: خلاص أطلع معك، وطلع سيفه من خشب فقال: لا حاجة لي فيه، وطلب أسامة من علي بن أبي طالب: إذا تريد دخولي معكما ما عندي مانع، لكن أعطني سيفاً إذا جئت أضرب به إنساناً يخبرني أن هذا مسلم وهذا كافر، لاحظ الحساسية.

فمثلاً هذا الموقف، أتشفع في حد من حدود الله؟ وبنجي إلى الروايات، هل يُتصور معه أن ينسى رضي الله عنه وأرضاه؟ لا، مش هذا، هذا على خلاف الأصل، هذا بعيد جداً. ولو قُدر أنه نسي، ايش المفروض يفعل النبي ﷺ معه؟ يذكره بالواقع. يعني هل يصلح أن يكثر الخطاب النبوي للناس؟ يعني الحين مثلاً شفع المرة الأولى ووقع في هذا الخطأ، طيب أتشفع في حد من حدود الله؟ طيب كرر مرة ثانية، بيقول أتشفع في حد من حدود الله؟ ولا المفروض أن يصير في إغلاظ أكبر وتذكير بالهذا؟ قال: أنا قلت لك، يعني بس مش موجود. تلاحظ واحنا قاعد نقرر على خلاف الأصل دعوة الجمع، ولذا قال: نسي، أو حاول يحل الموضوع. ابن حزم ذكي بطريقة أخرى، قال: فلعل أسامة وقع في خاطره أن هنالك فرقاً بين الشفاعة في السرقة والشفاعة في جحد العارية، واضح. طيب ايش المشكلة الحين الموجودة؟ لو قدرنا هذا التقدير، أن على الرواية الثانية جحد العارية يُعد من حدود الله في الأصل، الذي زجر الذي خاطب به النبي ﷺ أسامة هو نفسه أتشفع في حد من حدود الله؟

يعني الحين احنا لاحظ عندنا الاحتمال الأول أنه نسي، وهذا بعيد جداً صح ولا لا؟ الاحتمال الثاني: أن ما قبل أسامة بن زيد أن يشفع في هذا الأمر لأن رأى أن هنالك فرقاً بين الحكم (أ) والحكم (ب)، صح ولا لا؟ طيب إذا كان الأمر كذلك، فمعناته أن أسامة أخطأ لما طلب من النبي ﷺ أن يشفع في حد من حدود الله وهي السرقة، ولذا أغلظ عليه النبي ﷺ، فترون وجهه في الرواية، وقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟» صح. طيب إذا كان الحين أسامة المرة الثانية، هل كان يعتقد أسامة بن زيد أنه وقع في خطأ؟ يعني خلينا نفترض الحين على مذهب الجمهور، أن الشفاعة في جحد العارية هم من قبيل الشفاعة في أمر تعزيري والجمهور يقبلونه، هل يصلح في مثل هذا المقام أن يغلظ عليه النبي ﷺ هذا الإغلاظ؟ طيب، فمعناته لماذا أغلظ عليه النبي ﷺ هذا الإغلاظ؟ أغلظ عليه لأنه يفترض النبي ﷺ أن أنت تعرف الحكمة، صح ولا لا؟ فإذا كان يفترض النبي ﷺ في أسامة معرفة الحكم فهذا ينقض فكرة أن هو فرق بين المقامين بما يقتضي إلغاء الحكم، ولذا ما اعتذر أسامة لنفسه، قال: إنما فعلت ذلك يا رسول الله، لأنه ما اعتذر بهذا الاعتذار.

فجعل القصتين، كما يقال، جعل القصة الواحدة قصتين هذا مشكل. بعض العلماء حاول يجمع بوجه آخر، فالوجه الأول هو وجه مرجوح أن نجمع بين القصتين، أن نقبل هذا الحديث ونقبل هذا الحديث. الوجه الثاني: أن الذي وقع من هذه المرأة هو أن القضيتين أنها سرقت وكانت تجحد العارية، لكن مناط إقامة الحد الشرعي بقطع اليد معلق على أي البابين؟ على السرقة دون جحد العارية، مش واضح أن هي فعلاً كانت تقع في مشكلتين، لكن الشيء الذي استوجب قطع اليد ليس شيئين. طيب ليش ذكرت القضية الثانية؟ ليش ذكرت؟ تأكيد، هذا يرمي. نعم، فبعض العلماء ذكر أنما ذكرت قضية جحد العارية تعريفاً لها، يعني أن القضية التي اشتهرت بها هذه المرأة أنها كانت تستعير وتجحد العارية، فالحين الرواة يريدون التعريف، يبي يقول لك: المرأة التي تعرفونها، المرأة التي تستعير وتجحد العارية، سرقت، فقطع النبي ﷺ يدها، ماشي. هذا ذكره الظاهر الإمام الخطابي، ويعني ذكروه بعض العلماء، ماشي.

طيب نقرأ كلام الخطابي، يقول: وقال الخطابي في معالم السنن بعد أن حكى الخلاف وأشار ما حكاه ابن المنذر، وقال: وإنما ذكرت العارية والجحد في هذه القصة تعريفاً لها بخاص صفتها إذ كانت تكثر ذلك، كما عُرفت بأنها مخزومية، وكأنها لما كثر منها ذلك ترقت إلى السرقة وتجرأت عليها، لاحظت الوجه اللطيف الذي يذكره الخطابي؟ فيقول لك: إن ذكر على سبيل التعريف، ولأن استساغت الأمر واستسهلته انتقلت إلى الخطوة التي بعدها وهو السرقة المكشوفة، ماشي. وتلقف هذا الجواب ابن حجر من الخطابي جماعة منهم البيهقي، فقال: تحمل رواية من ذكر جحد العارية على تعريفه بذلك، والقطع عن السرقة، وقال المنذري نحوه، ونقله المازري ثم النووي عن العلماء، فكثير من العلماء اتجهوا إلى هذا الاتجاه، أن خلاص نسلم ونقر أن هذه المرأة وقع منها الأمران، ولكن مناط إقامة الحد الشرعي كان متعلقاً بالسرقة للثاني. طيب ليش ذكرت المسألة الثانية؟ ذكرت في المسألة الثانية تعريفاً لها، واضح إن شاء الله.

قال القرطبي: وهذه معانٍ؛ يعني الإمام القرطبي صاحب المفهم أبو العباس ذكر أربعة أمور، الحافظ بن حجر انتخب من الأمور التي ذكرها معانٍ يرجح من خلالها هذا المعنى، أن السبب مع الإقرار بأنه وقع منها جحد العارية، إلا أن السبب الموجب للقطع لم يكن جحد العارية وإنما السرقة، ما السرقة وفق التعريف الكلاسيكي أن يكون من حرز وبالضوابط الشرعية الأخرى، ذكر عدة اعتبارات؛ الاعتبار الأول الذي ذكروه العلماء بهذا الاعتبار، قال: اللي يتأمل في تمام رواية الحديث يجد ايش؟ في الحديث نفسه، حتى في رواية جحد العارية فالنبي ﷺ قال: «أتشفع في حد من حدود الله؟» ثم قام فاختطب فقال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم» صح ولا لا؟ «وَايمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ».

فتلاحظ الحين أن حتى الروايات التي تضمنت معنى جحد العارية ورد في ذات الحديث التنصيص على السرقة، فإحنا بنقول العلماء: إحنا ما نستدل فقط ببداية الحديث، ليس محل البحث أن سرقت سرقت، لا، في قرائن في الحديث تدل على أن المشكلة النبوية الأساسية الموجودة مع هذه المرأة أنها سرقت، أنها انتقلت من مجرد جحد العارية للسرقة، فهذا الوجه الأول الذي ذكره الإمام القرطبي منه الإمام بن حجر، أنه دلت الروايات على أن الذي وقع والذي محل نقاش والسبب الموجب لحديث النبي ﷺ الموضوع كان سرقة. طيب الثاني قال:

لو كانت جحدت العارية، هل هذا أحد الإلزامات التي يريد الإلزام بها القرطبي؟ لو كان الأمر متعلقاً بجحد العارية، وأن سبب القطع هو جحد العارية، للزم ذلك الجحد في كل شيء؛ يعني بمعنى: لو جحد الإنسان وديعة، والحين الوديعة مختلفة عن العارية، العارية أن أستعير منك شيئاً، والوديعة أن أنت تستودعني شيئاً معيناً تجعله عندي أمانة، فيقول: إنه يصير بناءً على هذا إنه بيكون مقتضى الحكم واحداً. يقول القرطبي: وهذا لا قائل به، لا يوجد أحد من أهل العلم يعمل بالمثل بهذه الطريقة؛ يعني يقول لك الحين المذاهب التي توسعت في هذا الموضوع مذهب أحمد، إنما أباح القطع، أوجب القطع في جحد العارية. فيقول: طيب إذا سلمنا بهذا المعنى، فيصير جحد الإنسان للوديعة يلزمه الحكم، وهذا لا قائل به.

الثالث وهو من أهمها، وهو أحد الأسباب الموجبة لأهل العلم أصلاً -الذي هو الاستمساك بهذا القول- هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع»، وهو حديث قوي. يقول الحافظ بن حجر: فتلاحظ الحين ليس على خائن، هل الصورة التي هي جحد العارية من صور الخيانة ولا لا؟ صور من صور الخيانة، صح ولا لا؟ من صور الخيانة. طيب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع»، فيه التعزير بس مو فيه القطع. الحافظ بن حجر قال: قوي.

ماشي، والعلماء بعدين، قال الترمذي أو قال القرطبي، قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان، وقال ابن العربي: ثابت، وقال ابن عبد الهادي: على شرط مسلم، وله علة، وحطوا هذا في بالكم، وله علة. قال العراقي: صالح السناد، قال ابن كثير: رواه عشرة من الحفاظ الكبار، قال ابن حجر: له أكثر متابعة تقويه، وصححه الشيخ الألباني الذي هو حديث عدم القطع. فتلاحظ الحين الكفة قاعد تترجح لصالح عدم القطع. يقول ابن حجر: قلت أخرجه الأربعة وصححه ابن عوانة والترمذي من طريق ابن جريج عن أبي الزبير.

الحين بيدخل في نقاش حديثي آخر، ودققوا في النقاش الحديثي الآخر: يقول لك حديث «ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع» هو حديث قوي، حلو، زين، هذا كلام القرطبي، الحافظ بن حجر بيفكك هذه الكلمة فيقول: أخرجه الأربعة وصححه أبو عوانة والترمذي من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رفعه، وصرح ابن جريج في رواية النسائي بقوله: أخبرني أبو الزبير، ووهم بعضهم هذه الرواية؛ فقد صرح أبو داوود بأن ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير. الحين عندنا عدة مشكلات: أول شيء من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، عندنا ابن جريج من المحدثين كان مشهوراً بالتدليس.

والمدلس -رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه بصيغة موهمة- إذا فعل الراوي هذا الفعل فإننا لا نقبل حديثه إذا كان ثقة إلا إذا صرح، إلا إذا قال: سمعت أو حدثنا أو أخبرنا، إذا قال عن، ولا قال كذا، ما تقبل منه؛ طبعاً فيه درجات للمدلسين، وقصة بسط الموضوع ماشي. فيقول: وصرح ابن جريج -يعالج إشكالية تدليس ابن جريج- فيقول: وصرح ابن جريج في رواية النسائي بقوله: أخبرني أبو الزبير، قال: ووهم بعضهم هذه الرواية، بعضهم خطأ هذه الرواية؛ التي هي رواية التصريح بسماع ابن جريج من أبي الزبير، فقد صرح أبو داوود بأن ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير، قال: وبلغني عن أحمد أنما سمعه ابن جريج من ياسين الزيات، ونقل ابن عدي في الكامل عن أهل المدينة أنهم قالوا: لم يسمع ابن جريج من أبي الزبير، وقال النسائي: رواه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه عن أبي الزبير فلم يقل أحد منهم أخبرني، ولا أحسبه سمعه.

فتلاحظ المشكلة الأولى من ناحية الصناعة الحديثية المتعلقة بهذا الحديث، التي هي قصة رواية ابن جريج عن أبي الزبير، مدلس عن، ما يقبل إلا صرح بالسماع، ورد التصريح بالسماع برواية حكم عليها الأئمة بالشذوذ والوهم. قلت الحين الحافظ بن حجر: لكن وجد له متابع عن أبي الزبير، أخرجه النسائي أيضاً من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير، فعندنا الحين راوي غير ابن جريج روى الحديث هذا عن أبي الزبير، فعندنا الحين متابع لابن جريج فيحل جزءاً من الإشكالية المتعلقة، لكن أبو الزبير مدلس أيضاً وقد عن جابر. يعني بيقول أن الحين طيب قدرنا نحل جزءاً من مشكلة حديث ابن جريج بس عندنا الحين مشكلة حديث أبي الزبير عن جابر. قال: لكن أخرجه ابن حبان ومن وجه آخر عن جابر بمتابعة أبي الزبير فقوي الحديث، فقوي الحديث.

قال: وقد أجمع على العمل به؛ يعني بيقول الحافظ بن حجر: أجمع الحفاظ أو الأئمة على العمل بهذا الحديث إلا من شذ. فنقل ابن المنذر عن إياس بن معاوية أنه قال: المختلس يقطع، كانه ألحقه بالسارق لاشتراكهما في الأخذ خفية، ولكنه خلاف ما صرح به في الخبر، وإلا ما ذكر من قطع جاحد العارية. يعني بيقول الحين أن العلماء متفقين على هذا الحديث، يعني ابن حجر رجع في الأخير قال: فقوي الحديث، وذكرنا بعض الأئمة الذين قووا هذا الحديث، ففي نقاش حديثي متعلق به، بس يقول مع ذلك إذا راعينا هذا البعد فقد أجمعوا على العمل به إلا من شذ. طيب ايش وجه الشذوذ الذي وقع؟ فيقول لك أنه وقع في صورتين؛ الصورة الأولى التي هي صورة المختلس، وهذه نقل عن إياس بن معاوية قول شاذ، وإلا ما ذكر من قطع جحد العارية لأننا قررنا الإمام أحمد اختار وإسحاق وابن حزم، فهو مذهب الذي قاعدين نخالفه وننازعه الذين لم يأخذوا بعموم لفظه عدم القطع في الخائن.

قال: وأجمع على أن لا قطع على الخائن في غير ذلك، ولا على المنتهب إلا أن كان قاطع طريق، والله أعلم. واضح البحث الحين. فأهم الخلاصات التي نخلص من الكلام السابق: على الصحيح إن وردت رواية ثابتة صحيحة تؤيد أن هذه المرأة سرقت وأن هذه المرأة جحدت العارية، صح ولا لا؟ وقع خلاف بين أهل العلم في مسألة هل القطع كان موجبه السرقة ولا موجبه جحد العارية؟ الأثر الفقهي الذي حصل أن بعض العلماء فعلاً أحمد وإسحاق وابن حزم وغيرهم من الأئمة اختاروا جواز أو وجوب، أو من الحدود قطع يد جاحدة العارية وعدم الاقتصار على السارق. خالف الجمهور هذا الاتجاه، فقالوا: الواجب علينا في هذه الحالة التعامل مع هذه المسألة إما بترجيح الأقوى من الروايات، فقال كثير من الأئمة أن الأقوى من الروايات هو روايات السرقة دون جحد العارية، بينا أن هذا مرجوح، لأن حتى رواية جحد العارية موجودة في صحيح مسلم.

فبعض العلماء قالوا: ماشي أننا سنقدم ما كان متفقاً عليه على ما بنقول، إنما يجب الترجيح إذا عجز الإنسان عن الجمع، وهنالك فسحة للجمع. ايش أهم أوجه الجمع؟ ابن حزم دخل في الموضوع فقال: وجه الجمع أنه ليش ما تكون قصتين مختلفتين؟ ذكرنا مرجوحيته. الجمهور قالوا: لا على الصحيح هي قصة واحدة، ممن اختار عدم الترجيح وقالوا: هي وإن كانت قصة واحدة، وأنه وقع من المرأة الأمرين جميعاً، إلا أن المناط الموجب للحكم عليها بالقطع هو السرقة دون المعنى الآخر. يجي سؤالين: طيب ليش الموجب للقطع هو السرقة دون المعنى الآخر؟ قالوا: لأنه ثبت عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن لا قطع على خائن وكانت خائنة، فليش قطعت يدها؟ قطعت يدها لأن السرقة التي اتفقنا على وقوعها منها، هذا رقم واحد. طيب ليش ذكر جحد العارية؟ قال: جحد العارية ذكر تعريفاً لها مثل ما ذكر مخزومية، ليش مخزومية؟ هل له أثر في الحكم مخزومية؟ لا، جحد العارية ما له أثر، لكن ذكر على سبيل التعريف حتى تعرف، وإحدى الفوائد التي ذكرها بعض العلماء أن ذكر كفائدة أن كأنما تدرجت عبر هذه البوابة إلى الوقوع في البوابة الأخطر. واضح الكلام السابق، واضح؟

طيب، نجي الحين كلام للإمام ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى عليه، ممن رجح مذهب أحمد الذي يخالف في هذه المسألة، ويقرر تقريرات كذلك فيها قدر من اللطف، قدر من اللطف الذي فعلاً تعيد المسألة إلى موضع الإشكال، لأن لاحظ الخلاصة التي ختمت بها تحس بترتب الموضوع صح ولا لا؟ الحمد لله ترتب الموضوع بطريقة جيدة، صح؟ تجي الحين ابن القيم يلخبط الدنيا، يرجع يلخبط الدنيا مرة أخرى. قال ابن القيم رحمه الله عليه: بنذكر كلام ابن القيم وزي ما قلت لكم الفائدة ليس هو الترجيح العلمي، الفائدة هي معرفة هذه المآخذ، وهذه المآخذ وأنا بعرضها، أنا في التلخيص ما ذكرت قصة ابن جريج وأبي الزبير وجابر الذي هو التدليس، ومدلس وروايات وكذا، إن في مساحة للحديث بهذه، وبيجي كلام ابن القيم.

قال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داوود: هذا الحديث قد ذهب إليه الإمام أحمد وإسحاق، وأعل بعض الناس الحديث بأن معمراً تفرد من بين سائر الرواة بذكر العارية في هذا الحديث، وأن الليث ويونس وأيوب بن موسى رووه عن الزهري قالوا: سرقت، ومعمر لا يقاومهم، قالوا: ولو ثبت في ذكر وصف جحد العارية للتعريف المجرد لا أنه سبب القطع. لاحظ ابن القيم لخص الموضوع في البداية، قال أن في اتجاه يرى الترجيح، فقال لك أن هذا تفرد به معمر، وما يقبل معمر في حال تفرده أمام أولئك الرواة عن الزهري، وإذا قبلت رواية معمر مع شذوذها فيمكن أن يقال أن ذكر جحد العارية كان على سبيل التعريف لا أن كان مناط الحكم. لخص الموضوع بس في الأصل.

فأما تعليله يقول ابن القيم يعني أما إعلال الحديث بما ذكر من تفرد معمر قال فباطل، يقول فقد رواه أبو مالك الجنبي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن امرأة كانت تستعير الحلية للناس ثم تمسكه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لتتب هذه المرأة إلى الله ورسوله وترد ما تأخذ على القوم»، ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها»، ذكره النسائي، ورواه شعيب بن إسحاق عن عبيد الله بن نافع بنحوه سواء، وذكره النسائي أيضاً، وقال فيه: لتتب هذه المرأة وتؤدي ما عندها مراراً فلم تفعل، فأمر بها فقطعت، صححه الشيخ الألباني. هذه بس إضافة قال وهو يبطل قول من قال أن ذكر هذا الوصف للتعريف المجرد.

الواضح إذا اعتمد الروايات هذه، بالإضافة إذا رجع الإنسان ترى للروايات، إذا رجع الإنسان إلى الروايات، روايات جحد العارية، خلنا أذكركم مثال. زين خلنا أذكر إذا عندنا رواية من روايات جحد العارية، ما أدري هل بيذكرها ابن القيم ولا؟ أيوه. يعني لاحظ الحين، نجي مثلاً الرواية، زين شوف قال: ورواه سفيان، لاحظوا دققوا في الروايات التي فيها جحد العارية بعيداً حتى عن الروايات الإضافية، ورواه سفيان عن أيوب بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كانت مخزومية تستعير متاعاً وتجحده، فرفعت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. الحين لفظ «فرفعت»، الفاء هنا مشبعة بمعنى التعليل، لما تقول مثلاً رميت الإناء فانكسر، معناه أنه جزء من علة انكسار الإناء الرمي، صح ولا لا؟ فالفاء، فلما يقول لك إن كانت مخزومية تستعير متاعاً وتجحده فرفعت، فمعناته ليش رفع أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأنها سرقت ولا كانت تجحد المتاع؟ فالحين ابن القيم بيستشكل على مذهب الجمهور، يقول: لا هذا ليس على سبيل التعريف المطلق، هذا له أثر في الحكم منتزع من مادة الحديث.

واضح الإشكال؟ فيقول: فرفعت للرسول صلى الله عليه وسلم وكلمة فيها فقال: «لو كانت فاطمة لقطعت يدها»، ذكره النسائي، ورواه بشر بن شعيب، أخبرني أبي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: استعارت امرأة على ألسنة أناس يعرفون وهي لا تعرف علياً فبعته وأخذ ثمنه فأتت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث وقال في آخره ثم قطع تلك المرأة، ذكره النسائي أيضاً، ورواه هشام عن قتادة عن سعيد بن زيد عن سعيد بن المسيب أن امرأة من بني مخزوم استعارت حلياً على ألسنة إناث فجحدته، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت. فيقول لك كل هذه الروايات تدل أن رواية الجحد عملياً بيقول ابن القيم تتابى على فكرة أن ذكر هذا المعنى مجرد التعريف، زين؟ لا ذكرت هذه الروايات للإبانة أن علة القطع كانت من أجل الجحد، ذكر النسائي فقد صح الحديث ولله الحمد.

قال ولا تنافي هذا الحين ناحية التفقه هو الإضافة الجديدة، وبالمناسبة الإمام الحافظ بن حجر نقل كلام ابن القيم هذا، نقل كلام أو أجزاء من كلام ابن القيم وقاعد يناقشه، فأنا بذكر الحين اعتراضات الحافظ بن حجر على شيء مما سيأتي في كلام ابن القيم، فيقول بعدين ابن القيم -وهذا ملحظ مهم جداً وهو موضع إشكالي بالنسبة لي- قال: ولا تنافي بين ذكر جحد العارية وبين السرقة، فإن ذلك داخل في اسم السرقة، يعني ابن القيم جزء من معالجة الموضوع.

يقول ما في تنافي أصلاً بين جعلها سارقة وبين جعلها جاهدة للعارية. طيب إيش السبب؟ ابن القيم قال: لأنني سأجعل جحد العارية نوعاً من أنواع السرقة. عرفت، ما في تعارض أصلاً، فدعوى الجمع سهلة. بس بنجي الحين للإشكال الوحيد الذي باقي في كلام ابن القيم؛ قال: ولا تنافي بين ذكر جحد العارية وبين السرقة، فإن ذلك داخل في اسم السرقة. طيب إيش الإشكال الذي يرد الحين على ابن القيم الذي حمله الحافظ ابن حجر؟ قال ابن حجر كذا: ولا يخفى بعده. طيب ليش؟ ليش ولا يخفى بعده؟

خلنا نكرر السؤال عشان تستوعبونه: الآن ابن القيم رحمه الله عليه يقول: أنتم ليش أصلاً مستشكلين وقاعدين تتوهمون أن هنالك تعارضاً بين الحديثين؟ الحديثان ما فيهما تعارض، ليش ما فيهما تعارض؟ لأن هذه المرأة سميت سارقة، وسميت جاهدة للعارية، والحقيقة أن جحد العارية هو نوع من أنواع السرقة، أمري واضح، وإذا كان نوعاً من أنواع السرقة فلا يستشكل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقيم عليها حد القطع لأنها سارقة حقيقة. خلاص، هذا الجواب الذي قدمه. جاء الحافظ ابن حجر وقال كذا: ولا يخفى بعده. طيب ليش؟ في سبب، في سبب قاعد يضغط على عقل ابن حجر يقول له: ما نستطيع أن نعد جحد العارية سرقة، ما نقدر. ليش ما نقدر؟

ترى ذكر الكلام هذا، ذكر الحديث المتعلق بـ «لا حد في كذا»، وجحد العارية هذا يعتبر من أي أنواعها؟ الخيانة، الخيانة صح ولا لا؟ يقول الحافظ ابن حجر: كان المعنى الذي يقول إن جحد العارية لون من ألوان الخيانة، والشريعة بينت أن الخائن إيش فيه؟ لا قطع فيه، صح ولا لا؟ وإذا كان لا قطع فيه، فلا يصح أن يكون سارقاً، لأن الشريعة جعلت حد السرقة القطع «سارق وسارقة فاقطعوا أيديهما». لاحظت الحين الترتيب؟ فالحين لما يقول ابن القيم: ولا تنافي بين ذكر جحد العارية وبين السرقة، فإنه داخل في اسم السرقة، يقول: لحظة، إذا قبلنا إدخال جحد العارية في اسم السرقة، فإنا ندخل الخيانة في السرقة، وإذا أدخلنا الخيانة في السرقة تعارض عندنا الآية والحديث، تعارض عندنا الحديث مع الحديث، عندنا حديث في الخائن وعندنا كذا. لاحظت الإشكال؟

بس الحين بنكمل منزع ابن القيم، قال: فإن هؤلاء الذين قالوا أنها جحدت العارية وذكروا أن قطعه لهذا السبب، فخلينا نسلم أن جحد العارية سبب القطع لهذا السبب، قالوا إنها سرقت، فأطلقوا على ذلك اسم السرقة، فثبت لغةً أن فاعل ذلك سارق، وثبت شرعاً أن حده قطع اليد. فلاحظ ابن القيم طريقته في المعالجة، ما قاعد حتى يقول ابن القيم أن عندنا حدين؛ عندنا حد اسمه حد السرقة وعندنا حد اسمه حد جحد العارية، لا قاعد يقول عندنا حد واحد اسمه حد السرقة، وأن الشريعة أو لغةً وعرف الصحابة ما كانوا يستشكلون إدخال هذا تحت هذا الإطار. طيب، قال: وهذه الطريقة أولى من سلوك طريقة القياس في اللغة. يقول: أنا ما قاعد أعمل القياس، ما قاعد أقول إن جحد العارية تقطع كما يقطع يد السارق، ما قاعد أقول هذا، أنا قاعد أقول إنه تقطع يد السارق لأن جحد العارية هو داخل في السرقة. طيب ليش قاعد تقول؟ يقول: فيثبت كون الخائن سارقاً لغةً قياساً على السارق، ثم يثبت الحكم فيه، هذا طريق لبعضهم، زين يقول: مش أنا طريقتي هذه، مش طريقتي أني قاعد أبني المسألة أني أقول الخائن مقيس بالسرقة. يعني لو واحد جاء نظر فيها تقول في الأخير أنه فيه أخذ أموال الناس بالباطل صح ولا لا؟ فإذا قطعت السارق فأقطع المختلس ماشي قياساً له لاشتراكهما في علة أخذ المال بالباطل مثلاً. فيقول ابن القيم: مش هذه الطريقة التي أنا أعتمدها، أنا الطريقة التي قاعد أعتمدها أنه من الجهة الرواية، بيقول لك الحين الصحابة الذين وصفوا هذه المرأة بالسرقة ووصفوها بجحد العارية، إيش السرقة هي مظلة للاثنتين، أنه عبروا عن موضوع واحد بتعبيرين مختلفين.

طبعا في مشكلة، لأنه ورد في بعض الروايات أن هذه المرأة سرقت قطيفة، فمحتمل أن فعلاً حصل منها سرقة حقيقية وفق مذهب الجمهور غير موضوع جحد العارية. بس خلينا نكمل، قال: وعلى ما ذكرناه يكون تناول اسم السارق للجاحد لغةً بدليل تسمية الصحابة له سارقا، ونظير هذا سواء فيما تقدم من تسمية نبيذ التمر وغيره خمراً لغةً لا قياساً. هذه طريقة ابن تيمية وطريقة ابن القيم؛ يعني لاحظ الطريقة التقليدية الموجودة حتى في المدونات الأصولية لما يبحثون مبحث القياس، شو يقولون؟ يقولون القياس هو إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة في حكم شرعي، هذا التعريف الكلاسيكي التقليدي. أشهر الأمثلة التي توضع على الطاولة لما يذكر القياس، يقول لك إيش؟ مثل نبيذ الخمر، مثل النبيذ المسكر صح ولا لا؟ يقاس النبيذ المسكر على الخمر المحرمة بجامع الإسكار، فينتج حكم التحريم. واضح هذه الطريقة مشهورة، وإذا أنا أرى أن هذا مثال مشكل، الأفضل منه مثلاً ذكر الأجناس الربوية أو الأصناف الربوية، أن مثلاً العلة في جريان الربا في العملة الورقية هو علة الثمنية المشتركة مع الذهب والفضة في الأصناف الستة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.

بس بعيداً عن هذا، ابن تيمية وابن القيم موقفهم مختلف، يقولون: نعم النبيذ المسكر محرم، لكن ليس على جهة القياس، بل على جهة النص، على جهة دخوله في مفهوم الخمر. طيب كيف هذا؟ يقولون النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»، كل ما كان مسكراً هو خمر بتعريف الشارع، أنا ما أحتاج أقيس، هل النبيذ محرم بالقياس ولا محرم بالنص؟ فابن تيمية وابن القيم يقولان لك إنه محرم بالنص، ليس محرم بالقياس. يجي ابن القيم، جحد العارية هل القطع فيه وإقامة الحد عليه مقيس على السرقة ولا هو بالنص؟ فيقول لك بالنص. طيب إيش النص؟ يقول لك مما يدخل في مدور النص أن تسمية هذا الفعل سرقة لغةً كما استخدمه الصحابة وتعامل معه الشريعة. فلاحظ المشكلة الحين التي يقيمها ابن القيم، هذه تحتاج المسألة إلى مراجعة الباب كله، الحين انظر الحين ضابط الحرز، هذا إيش الضابط المتعلق به؟ إيش هذا؟ هذا الإشكال الكبير المتعلق ببحث في المسألة.

يقول ابن القيم، لاحظ، قال: ونظير هذا سواء ما تقدم من تسمية نبيذ التمر وغيره خمراً لغةً لا قياساً، وكذلك تسمية النباش سارقاً، تلاحظ الحين. طيب، وأما قولهم أن ذكر جحد العارية للتعريف لأنه المؤثر فكلام في غاية الفساد، لو صح مثله وحاشا وكلا لذهب من أيدينا عامة الأحكام المترتبة على هذه الأوصاف. ابن القيم عنده مشكلة مع موضوع استخدام هذه الذريعة للتخلص من دلالة معينة؛ عنده مشكلة.

بعطيك مثالاً من كلام ابن القيم مثلاً في موضع آخر، يجيك مثلاً يبحث مسألة التفطير بالحجامة، زين؟ التفطير بالحجامة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجلين فقال: «أفطر الحاج والمحجوم»، أو «أفطر الحاجم والمحجوم». صح ولا لا؟ مذهب الجمهور يقولون بالتفطير بالحجامة ولا لا؟ لا، يقولون لا بالتفطير بالحجامة، صح ولا لا؟ فبعض العلماء لاحظ الحين بعض العلماء عشان يحل الإشكال هذا قال: النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجلين، بس أنا بجيب أحد الأقوال حتى تفهموا المسألة، مر على رجلين وجدهم يغتابان وقعوا في الغيبة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فالحين إيش الذي يقولون؟ يقولون هو ما قصد التفطير بالحجامة، هو أراد أن يعرف، شفتوا هذول الذين يغتابون إيش فيهم؟ إيوه كان حاجم ومحجوم فعرفهم وأخبر عن فطرهم لا لأن الحجامة مؤثرة في التفطير أو في الحكم، لا لكن هو مجرد التعريف. ماشي، فابن القيم يقول لهم الحين: ليش النبي صلى الله عليه وسلم يتجنب ذكر العلة الموجبة للفطر إلى علة غير موجبة للفطر؟ ليش وقع التلبيس هذا صح ولا لا؟ ليش ما قال أفطر المغتابان؟ بعدين يقول لهؤلاء أصحاب الاتجاه هذا: طيب هل تفطرون بالغيبة؟ يقولون ما نفطر بالغيبة.

طيب ليش ذكرت الموضوع هذا؟ لاحظت؟ طيب بعض العلماء قالوا لا، أفطر الحاجم والمحجوم قصة إيش؟ أن غربت الشمس في هذه اللحظة، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فيقول ابن القيم: إيش فائدة هذا التعريف إلا التلبيس إلا الإشكال؟ لاحظت؟ فعنده مشكلة، ولذا بعدين لاحظ المشكلة التي يقولها ابن القيم، يقول: أنا مش مشكلتي حتى منفردة في بحث خصوص هذه المسألة والآثار والتداعيات المتعلقة بها، أنا لا، عندي مشكلة بتخلق أخرى، إيش المشكلة الأخرى؟ قال: شوف إيش يقول، قال: وأما قولهم أن ذكر جحد العارية للتعريف أنه المؤثر فكلام في غاية الفساد، لو صح مثله وحاشا وكلا لذهب من بين أيدينا عامة الأحكام المرتبة على الأوصاف، أن كل واحد يدعي هذه الدعوى لما يقول الله عز وجل «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما»، يقول لك ذكر السارق والسارقة للتعريف ما له علاقة بالحكم الشرعي، كل يعني يقول لك احنا ليس بين أيدينا أحكام إلا مرتبة على الأوصاف، إذا فتحنا نافذة التعريف هذه بتسبب عندنا إرباك. زين، طيب قال: وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم ولا يردون بمثلها السنن، وإنما يسلكه بعض المقلدين من الأتباع، يقول لك أن هذه لمحاولة تخريج المذاهب هذه ليست محاولة النظر في الأدلة الشرعية ومحاولة التوفيق والجمع بينها.

قال: ولو ثبت أن جاحد العارية لا يسمى سارقاً -طيب الحين تنزلنا في الموضوع تنزلنا وقلنا ما بنسميه سارق- قال: لكان قطعه بهذا الحديث جارياً على وفق القياس؛ يعني حتى لو ما أدخلناه بالنص فيقول لك هذا معنى لا يستشكل، قياس هذا على هذا. طيب ليش؟ قال: فإن ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر، إذ يمكن الاحتراز من السارق بالأحراز والحفظ، وأما العارية فالحاجة الشديدة التي تبلغ الضرورة، ماسة إليه الناس يحتاجون أن يعير بعضهم بعضاً، وحاجة الناس فيما بينهم إليه من أشد الحاجات، ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى وجوبها، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين وأحد القولين في مذهب أحمد، فترتيب القطع على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس، وترك باب هذا المعروف مفتوحاً.

مشي واضح الإشكال الذي قاعد يورده الحين ابن القيم؟ يعني يقول الحين يقول خلنا من المسألة التي ذكرتها سابقاً أن نعتقد أن هذا داخل في دائرة النص، القياس يقتضي القطع في مثل هذا، طيب إيش السبب؟ قال: إن لم يكن مساوياً لمشكلة السرقة فهو أعلى، لأن الناس محتاجين للعارية وبعض العلماء أوجب العارية، فلو بقينا الباب مفتوح أن يجحد الإنسان فلا يقام عليه حد القطع إيش الذي سيحصل؟ بينفتح باب إشكال. فمن الروادع التي تردع الإنسان، يعني من جهة معينة، أن خلنا ننشط ونشجع على الإعارة ومن الجهة الثانية نخفف من وطأة إشكالية جحد العارية. قال: وأما إذا علم الجاحد أنه لا يقطع فإنه يفضي إلى سد باب العارية في الغالب.

قال وسر المسألة أن السارق إنما قطع... الحين بس بيظل عندك مشكلة، مشكلة التي المسكوت عنها في كل كلام ابن القيم السابق، أنه طيب كلام جميل مرتب منمق، بس عندنا مشكلة؛ إيش الحديث؟ عند مشكلة الحديث، الحين في حديث عندنا مشكلتين، مشكلة الحديث ومشكله التي ذكرها الإمام القرطبي، لو تذكرون الإمام القرطبي ذكر معنى قال: إن أحد الإشكاليات الموردة على فتح هذا الباب، الذي هو جعل مناط القطع جحد العارية، أن هذا يلزم في جحد كل ما أخذه الإنسان من أموال الناس سواء على جهة الوديعة أو غيرها، صح ولا لا؟ هذا المشكلة. فابن القيم حاول يعالج المشكلتين، فنجي قال: وسر المسألة أن السارق إنما قطع دون المنتهب والمنتهب والمختلس لأنه لا يمكن التحرز منه. واضح، واضح يعني إيش الذي يقول الحين؟ ليه يعني بيقله ابن القيم، يقول لك ما هو الفرق الموجود بين المختلس والمنتهب والسارق؟ إيش الذي موجود؟ حرز، إيوه أن الحرز بمعنى يحرز، أن بمعنى أنه يمكن الاحتراز منه. المختلس تستطيع الاحتراز منه؟ تستطيع المختلس، بالعكس تستطيع الاحتراز منه. كيف يعني؟ الحين مثلاً لما نأخذ مثالاً عملياً، نأخذ وزين جاء سؤال من حرام الجوالات، ها، طيب.

الحين كيف يسرق الجوال على جهة الخلسة؟ الاختلاس، إيوه يأخذه ويهرب، صح ولا لا؟ طيب إيش الذي قاعد يحصل عملياً؟ أنت إيوه، سؤال: هل يستطيع الإنسان أن يحترس من هذا النوع من أنواع السرقات ولا لا يستطيع الاحتراس منه؟ لا يستطيع الاحتراس منه، صح ولا لا؟ يعني ما فيه كلفة زائدة، يجيب واحد رابطة يحطها ما أدري إيش وكذا، فإذا جر عرفتك رابطة بيده بطريقة معينة، يا ابن الحلال وأنت ماشي في شوارع لندن لا تقعد طالع في الجوال وكذا، حطه في جيبك، زين؟ حط لك "إيربود" استمع لك محاضرة علمية ولا اسمع القرآن واترك عنك هذا، صح ولا لا؟ فإذن يقول ابن القيم: وسر المسألة أن أحد الفوارق التي يحتاج أن يدركها الإنسان في سبب ترجيحه لهذا القول، قال: إنما قطع أن السارق إنما قطع دون المنتهب والمختلس لأنه لا يمكن التحرز منه، الذي هو موضوع السارق، بخلاف المنتهب المختلس فإنه إنما يفعل ذلك عند عدم احتراز المالك، عرفت أن فيه قدراً من الغفلة وقعت منك، لأن فيه تقصيراً وقع منك. زين؟ قال: وذكرنا، وقد ذكرنا أن العارية فيما بين الناس أمر تدعو إليه الحاجة فلا يمكن سده والاحتراز منه. لاحظت؟ بيقول لك باب القياس.

الحق السارق من جهة إمكانية الاحتراز منه وعدم الاحتراز منه؛ كان ابن القيم -لاحظوا- حاول يهول من جهة معينة، بيقول لك إن بعض العلماء أوجب العارية، فالشريعة حفزت على العارية. ما هي الضمانات التي أقدر أسويها إذا أعرت إنساناً شيئاً معيناً وأنه ما يروح يجحد؟ لاحظت الإشكال؟ قال: لا يمكن الاحتراز منه؛ فكان قطع اليد في جنايته كقطعه في جناية السرقة، وبالله التوفيق.

قال ابن حجر: وهي مناسبة لا تقوم بمجردها حجة إذا ثبت حديث جابر. يقول الكلام الجميل هذا، الذي هو إبداء الفرق وما دري إيش؛ قال: وهي مناسبة لا تقوم بمجردها حجة إذا ثبت حديث جابر، يقول الكلام جميل، متفقين معك أن هذا معنى من المناسبة جميل، ولكن هل يكفي تأسيس الحكم الشرعي على مجرد وجود هذه المناسبة، خصوصاً مع حديث جابر؟ يقول: يعني بيقول لابن القيم ترى أنت ما قدمت جواباً عن حديث جابر، ما قدم جواباً، ضاغط على جمهور العلماء في بحث هذه المسألة، أن عندنا حديث جابر، أن عندنا حديثاً في النص على عدم القطع في الخيانة، وأن في نهاية المطاف لازم نقر جميعاً أن الصورة التي قاعد تدخلها هي من صور الخيانة، والشريعة ما أرادت تتعامل مع هذا التعامل. طيب أنت أبديت وجهاً مناسباً، لكن لا يمكن أنه يرفع من مقام هذه المناسبة؛ لأن على خلاف الحديث.

قال ابن حجر: وهي مناسبة لا تقوم بمجردها حجة إذا ثبت حديث جابر في أن لا قطع على خائن، وقد فر من هذا بعض من قال بذلك، فخص القطع بمن استعار على لسان غيره مخادعاً للمستعار منه، ثم تصرف في العارية وأنكرها لما طلب بها؛ فإن هذا لا يقطع بمجرد الخيانة، بل لمشاركته السارق في أخذ المال خفية. لاحظت؟ فبعض العلماء لأنهم مدركون هذا الملحظ أرادوا أن يضيفوا معنى زائداً على موضوع الخيانة، يريدون إضافة هذا المعنى أو المناسبة التي نبهها ابن القيم؛ أن في مشكلة، عرفت قصدي؟ أن في مشكلة؛ أنه وقع نوع من أنواع المخادعة بحيث استطاع الإنسان عبر بوابة المخادعة أن ينتزع هذا المال من حرز، عشان ندخل في موضوع السرقة وينحل عندنا ما يتعلق بجملة الباب. طبعاً هذا جزء من الاستعراض كما يقال في هذه المسألة، مش المقصود طبعاً زي ما ذكرت في بداية الحديث الذي هو ضرورة الترجيح، بقدر ما هو ذكر الاشتباكات العلمية، خصوصاً إحنا نعرض لحديث النبي صلى الله عليه وسلم المتعلقة بهذه المرأة المخزومية، وتحقيق هذا اللفظ الذي ورد في هذا الحديث، أن هل وقع منها السرقة ولا وقع منها جحد العارية؟ فالذي يظهر في ضوء الروايات الحديثية أن الذي وقع منها الأمرين، وأن في جدل فقهي، وأن في نهاية المطاف المسألة اجتهادية خلافية معتبرة فيها الخلاف الفقهي بين الفقهاء، والمسألة ليست مقصود منها تجريح الله ورسوله.

طبعاً فرح، فرحت ها؟ خلاص يعني رخصة، لا رخصة، أنه ما في قطع بس في تعزير. أي عاد الاختلاس ما له علاقة بالموضوع.

فقالوا: الحين نرجع للحديث، يقول: فقالوا ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ مقصودهم ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أي من يشفع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المرأة حتى لا تقطع يدها، أما بعفو أو بفدية. زين، أما بعفو أو بفدية؛ يعني أما أنه يعفو النبي صلى الله عليه وسلم أو بفداء، وقد ورد ذلك في بعض الروايات بذكرها الحين، أن عرضت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم أن نفديها، نعوض. فجاء في رواية: فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا نحن نفديها بأربعين أوقية، فقال: «تطهر خير لها». فلاحظ يعني العبارة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ترى فيها لطف، يعني لاحظ الحين موقف النبي صلى الله عليه وسلم منهم مقارناً بموقف أسامة؛ يعني لاحظ هم عرضوا عرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم، طيب ليش النبي صلى الله عليه وسلم ما كافحهم بمكافحة غليظة أن كيف تتجرؤون على العفو؟ ما هم مقبول المسألة هذه، بس قال: «تطهر خير لها»، واضح.

وجاء في رواية أن امرأة سرقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال قومها نحن نفديها، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا إن كان ناس سألوا هذا السؤال؛ طيب من يستطيع يشفع عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكان الذي وقع أن طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «تطهر خير لها»، فطمعوا بإيجاد وساطة، إيجاد شفيع معين، فقالوا: ومن يكلم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ففي ناس آخرين يعرفون طبيعة العلاقة النبوية بالصحابة، فقالوا: ومن يشترئ عليه إلا أسامة بن زيد؟ لا أحد يستطيع القيام بهذا الدور وهذه المهمة إلا أسامة بن زيد. طيب ما العلة في أسامة بن زيد؟ حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب لما قالوا ومن يشترئ عليه؟ السؤال هذا سؤال استفهام إنكاري، يعني بمعنى لا أحد يشترئ عليه إلا أسامة بن زيد. ومعنى الاشتراء في هذا المقام هو الإقدام على الشخص بدلال؛ يعني بمعنى أنه يدِل عليه بمحبة، يدِل عليه بشيء معين فيتجنى عليه، يقدم عليه بأمر معين. قال الطيبي: الواو عاطفة على محذوف، ومن يشترئ تقديره لا يشترئ عليه أحد لمهابته، لكن أسامة له عليه إدلال فهو يجسر على ذلك. قالوا: إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وحب بمعنى محبوب، حب بمعنى محبوب، مثل قسم بمعنى مقسوم.

العجيب طبعاً لاحظ من اللفتات من الإشارات المتعلقة بطبيعة المشاعر النبوية؛ يعني من الأشياء العجيبة في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم أن المشاعر كانت معلنة، يعني الناس ما كان عندهم صعوبة في معرفة من الذي كان يحبه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى في الحديث هذا تلون وجه الرسول، يعرفون الصحابة إذا غضب، يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان راضياً، يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم مبتهجاً وفرحاً، يعرفون إذا كان حزيناً صلى الله عليه وسلم، يعرفون من يحبه النبي صلى الله عليه وسلم، ما كان يجد النبي صلى الله عليه وسلم تحرجاً من إعلان مشاعره. ولذا من الأحاديث المشهورة حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة». قال: فمن الرجال؟ قال: «أبوها». قال: ثم من؟ قال: «ثم عمر». قال: ثم من؟ فذكر رجالاً؛ القصة مشهورة. لاحظ ولفتة عجيبة أن لما يقول حب رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ العجيب بعد الأغرب في موضوع المشاعر النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع عموم صحابته بطريقة أن الواحد منهم يتوهم أنه أكثر الناس محبة، فغريب لما تصير هذه الحالة وهذه الوضعية أن الإنسان عنده مقدرة على توهم موقعه من الأعراب بهذه الطريقة، ثم عندهم مقدرة لفرز حقيقة الأحوال الموجودة، أنهم يعرفون لا أسامة بن زيد، يعرفون.

وطبعاً هذا يكشف عن بعد آخر حتى في تعاملنا مع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني إذا كان أسامة بن زيد في هذا المقام من قلب النبي صلى الله عليه وسلم، طيب أين مقام أسامة بن زيد من قلوبنا نحن في معرفة سيرته وترجمته وحياته وأحاديثه؟ أظن أنا أعتقد أن فيه قدراً من التقصير. ذكر البخاري هذا الحديث، هذا من اللفتات الجميلة؛ ذكر البخاري طبعاً هذا الحديث في أكثر موضع في الصحيح، لكن ذكر في كتاب فضائل الصحابة باب ذكر أسامة بن زيد، وهو وجه ذكر هذا الحديث، الذي هو التقاط هذه الإشارة، وما يشترئ عليه إلا أسامة حب الرسول صلى الله عليه وسلم، أن هذا يدل على أحد الفضائل العظيمة لأسامة بن زيد، وهذا المعنى الذي هو محبة النبي صلى الله عليه وسلم له وردت في عدة أحاديث عن أسامة وعن غيره.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذه؛ لأننا نتكلم على جزء من علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بأسامة بن زيد ومحبته، هي علاقة الأب بالابن في معنى الأبوة الناشئة من شعور معنى الأبوة للابن السابق الذي هو زيد الذي هو التبني. فقال فيقول -لاحظ الجمال- يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذه والحسن ويقول: «اللهم إني أحبهما فأحبهما» رواه البخاري. يعني كان يأخذ الطفلين وتشعر كأن النبي صلى الله عليه وسلم عنده القدرة للتفاعل مع هذين الطفلين تعاملاً واحداً؛ أن عندي الحسن ابني، وأشعر أن أسامة ابني. عن أسامة رضي الله عنه كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذني، وتلاحظ نفس المعنى، فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما ثم يقول: «اللهم ارحمهما فإني أرحمهما» رواه البخاري.

وعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم؛ لما ثقل يعني مرض النبي صلى الله عليه وسلم ماشي في آخر عمري ثقل وهبط الناس المدينة، فدخلت على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أُصمت؛ أو آسف وقد أُصمت، لأن تدري الذي حصل أن أسامة بن زيد في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل جعله قائداً لجيش، سرية أسامة، فلما ثقل على النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قريب المعسكرين، الجيش قريب، فهبط الناس يشوفون النبي صلى الله عليه وسلم وهبط أسامة، قال: وقد أُصمت فلم يتكلم، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم، شوف هذه اللحظات الأخيرة لحياة النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد أسامة بن زيد هذه اللحظة، وشوف العجيب يقول أن من ثقل النبي صلى الله عليه وسلم وتعبه وأعيائه وقد أُصمت فلم يتكلم، ما صار يتكلم، قال: فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يضع يده علي ويرفعهما، فأعرف أنه يدعو لي؛ يعني تخيل المشاعر رواه الترمذي وأحمد. قال الترمذي: حسن غريب، حسنه الألباني وقال شعيب الأرنؤوط: صحيح.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت، شوف الحديث هذا، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينحي مخاط أسامة، طفل مخاط نازل، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينحي مخاط أسامة، قالت عائشة: دعني حتى أكون أنا الذي أفعل، ليش تفعل هذا الفعل؟ تعرف أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم له. قال: «يا عائشة أحبيه فإني أحبه» رواه الترمذي، قال الترمذي حسن غريب وحسنه الألباني، وقال شعيب: إسناد قوي على شرط مسلم. وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت -في حديث فيه طول-: فخطبني رجل من قريش، فاطمة بنت قيس جاءت النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى أن خطبني الذي هو أبو الجهم ومعاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه، لكن انكحي أسامة بن زيد»، في الرواية هذه تقول فخطبني رجل من قريش فأتيته الرسول صلى الله عليه وسلم أستأمره فقال: «ألا تنكحين من هو أحب إلي منه؟» فقلت: بلى يا رسول الله، فانكحني من أحببت.

قال: «فانكحيني أسامة بن زيد»، وورد في روايات بعد ذلك فاغتبطت به رواه أحمد، قال شعيب الأرنؤوط: صحيح دون قوله إنما النفقة والسكني. يعني في لفظة، اللفظة هذه صححها عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه فرض لأسامة بن زيد في 3500، وفرض لعبد الله بن عمر في 3000، لاحظ فارق بينهما في العطاء، قال عبد الله بن عمر لأبيه: لما فضلت أسامة علي؟ فوالله ما سبقني إلى مشهد، يعني أنت قاعد ترتب الناس بحسب الأسبقية والأفضلية في الإسلام، أنا في نفس الرتبة أسامة، فليش هو مفضل علي في العطاء؟ فقال، وشوف تواضع عمر بن الخطاب، قال: «لأن زيداً كان أحب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من أبيك، وكان أسامة أحب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم منك، فآثرت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي» رواه الترمذي، قال الترمذي حسن صحيح، وضعفه بعض المصلين كالشيخ الألباني وشعيب الأرنؤوط.

طيب، فهذا فيما يتعلق أن لماذا تم انتخاب أسامة لتأدية هذه المهمة.

هذا الدور وهذه المهمة أنه هو أحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى ظاهر في أحاديث متعددة وكثيرة جداً. لاحظوا، هذا معنى يراعى، وهذه الأحاديث التي نتداولها ليست المعبر عن كل العلاقة الاجتماعية الموجودة بين أسامة بن زيد وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وبينهم الحكاية والأخبار ودلائل الحب، ما لم ينقل إلينا.

يقول بعد ذلك زين: قوله «فكلمه أسامة»، أن فعلاً أقدم أسامة بن زيد على هذه الخطوة، وكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟». طبعاً هذا الخطاب يتضمن الإنكار الشديد على أسامة بن زيد أن يقدم على هذه الخطوة، ويفهم من هذا الخطاب النبوي «أتشفع في حد من حدود الله؟» لحرمة الشفاعة في حدود الله تبارك وتعالى.

وجاء في رواية وهي رواية مهمة تعبر عن طبيعة المشاعر النبوية وتضع هذه العبارة في سياق المشاعر أو الشعور، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه. تلون، لما تتكلم على قضية الغضب وكان يعرف في وجه النبي صلى الله عليه وسلم الغضب، كان من فقه لما يقول لك واحد يتلون وجهه، تعرف مستوى شدة الغضب الذي وصل إليه. وفي رواية: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أتكلمني في حد من حدود الله؟».

قال أسامة في رواية ثانية: استغفر لي يا رسول الله، لأن هنا ما هو موجودة أن استغفر لي يا رسول الله، وهي ردة فعل متوقعة من أسامة أن يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر الله عز وجل له من هذا الذنب ومثل هذه الخطيئة، والمظنون بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه قد استغفر له.

طبعاً أحد الفوائد كذلك السلوكية والتربوية المتعلقة بهذا الحديث، القسوة على من نحب، والاجتداد على من نحب، فليس معنى حسن العلاقة بين طرفين أنه لا يشتد الإنسان، لكن يجب عليه أن يشتد في موقع الاجتداد، وهذا موقع كان يستدعي هذا الاجتداد. ولذا موجودة هذه الحالة، أن الأصل كما يقال علاقة النبي صلى الله عليه وسلم مع أسامة سمن على عسل، إذا وقع الخطأ النبي صلى الله عليه وسلم يوازن طبيعة هذا الخطأ، يقيم طبيعة هذا الخطأ، يقيم طبيعة المخطئ في هذا الخطأ، ويقيم ردود الأفعال المتشكلة من هذه القضية، يعني ما الذي سيحصل لأسامة لو خوطب بهذا الخطاب؟ فالذي يحصل من أسامة الواقع تحت التربية النبوية: استغفر لي يا رسول الله، مش الارتداد عن الإسلام.

ولذا من الأبيات الشعرية المشهورة: فقس ليزدجروا ومن يك حازماً.. فليقسُ أحياناً على من يرحمُ هذا الذي وقع من النبي صلى الله عليه وسلم.

من المسائل المهمة الآن المتعلقة «أتشفع في حد من حدود الله؟» لحكم الشفاعة في الحدود، يقول الحافظ ابن حجر معلقاً على باب في صحيح البخاري: باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان. يقول ابن حجر: كذا قيد ما أطلقه في حديث الباب، لأن لاحظوا عنوان الباب الذي بوبه البخاري: باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان. طيب، إذا رفع إلى السلطان هذه موجودة في الحديث؟ ليست موجودة في الحديث. يقول ابن حجر: كذا قيد ما أطلقه في حديث الباب «أتشفع في حد من حدود الله؟»، قال: وليس القيد صريحاً فيه، قيد السلطان إذا رفع ليس صريحاً في الباب، صح ولا لا؟ قال: وكأنه يعني البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحاً وهو في مرسل حبيب بن أبي ثابت الذي أشرت إليه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسامة لما شفع فيها: «لا تشفع في حد، فإن الحدود إذا انتهت إلي فليس لها مترك».

فالحين هو جزء من فقه الإمام البخاري، بيان أن هذا الحديث فيه تقييد، أن الشفاعة ليست محرمة بإطلاق في باب الحدود، الشفاعة محرمة إذا وصلت للسلطان. قال: وله شاهد -الحين الذي هو قضية الاستثناء هذا- وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب»، يعني لا توصلون الأمر إلي، تعافوها فيما بينكم، رجل سرق من سرق معين، لا يوصل الخبر إلي، تبي تعفو قبل ما يوصل للسلطان.

قال ترجم له أبو داوود: العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان، وصححه الحاكم وسنده إلى عمرو بن شعيب صحيح، والحديث هذا حسن إسناده ابن عبد الهادي، وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط. وأخرج أبو داوود أيضاً -ذكر مسرد جيد لبعض الأحاديث الدالة على هذا المعنى- قال أخرج أبو داوود أيضاً وأحمد، وصححه الحاكم من طريق يحيى بن راشد قال: خرج علينا ابن عمر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره»، الذي هو من الأحاديث الدالة على حرمة الشفاعة في الحدود.

قال المنذري: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما. قال الذهبي: إسناده جيد. قال ابن القيم: إسناده جيد. صححه أحمد شاكر والألباني، وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر أصح منه عن ابن عمر موقوفاً مرفوعاً. شاهد من حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني وقال: «فقد ضاد الله في ملكي». وأخرج أبو يعلى من طريق أبي المحيا عن أبي مطر: رأيت علياً أتي بسارق، فذكر قصة فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فذكر قصة فيها قالوا: يا رسول الله أفلا عفوت؟ قال: «ذلك سلطان سوء الذي يعفو عن الحدود بينكم». أو قال الهيثمي: أبو مطر لم أعرفه، وضعفه البوصيري.

وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قال: لقي الزبير سارقاً فشفع فيه، فقيل له: حتى يبلغ الإمام، فقال: إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والمشفع، يعني الحين شفع الزبير فقالوا له أن النبي استثمر هذه الشفاعة إذا وصل الأمر الإمام، فقال هذا وصل الإمام فلعن الله الشافع والمشفع. أخرج الموطأ عن ربيع بن الزبير نحوه منقطع، وهو منقطع مع وقفه (يعني موقوف على صحابي). وهو عند ابن أبي شيبة بسند حسن عن الزبير موقوفاً، والحديث اختلف في رفعه ووقفه وأظهر الوقف. وبسند آخر حسن عن علي نحوه كذلك، وبسند صحيح عن عكرمة أن ابن عباس وعماراً وزبيراً أخذوا سارقاً فخلوا سبيله، فقلت لابن عباس -لاحظ أن قبضوا على سارق ثم خلوا سبيله- فقلت لابن عباس: بئس ما صنعتم حين خليتم سبيله، فقال: لا أم لك، أما لو كنت أنت لسرك أن يخلى سبيلك، زين، الذي هو يدل على ما هو أرفع درجة من الشفاعة إذا ما بلغ السلطان.

وأخرجه الدارقطني من حديث الزبير موصولاً مرفوعاً بلفظ: «اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل الوالي فعفا فلا عفا الله عنه»، والموقوف هو المعتمد. وفي الباب غير ذلك، حديث صفوان بن أمية عند أحمد وأبي داوود والنسائي وابن ماجه والحاكم في قصة الذي سرق رداؤه ثم أراد ألا يقطع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هلا قبل أن تأتيني به»، يعني في رجل سرق وبلغ السلطان الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الصحابي الذي سرق منه قال لما عرف أن الموضوع فيه قطع، قال: لا يا رسول الله خلاص أنا مسامحه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «هلا قبل أن تأتيني به». صححه ابن عبد الهادي وصححه شعيب الأرناؤوط بطرق وشواهد. والمقصود بالاختلاس، لاحظ احنا ذكرنا إيش معنى الاختلاس؟ الأخ.. أيوه بالضبط، بضع أول واحد ما شاء الله، عدنان مو موجود. بس هنا الصورة التي ذكرناها مو بهذه الصورة من الاختلاس، هذا كان رجل نائم وكان واضع الخميصة تحته فاختلسها، فيعتبر العلماء أن هذا من جسم السرقة لأن هو من حرز مثله.

وحديث ابن مسعود في قصة الذي سرق فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعه فرأوا منه أسفاً عليه، فقالوا: يا رسول الله كانك كرهت قطعه؟ فقال: «وما يمنعني؟ لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم»، إنه ينبغي للإمام إذا أنهي إليه حد أن يقيمه، والله عفو يحب العفو. وفي الحديث قصة مرفوعة وأخرج موقوفاً وأخرجه أحمد وصححه الحاكم، قال الهيثمي: أبو مجد الحنفي ضعيف، وضعفه أحمد شاكر وحسنه الألباني وشعيب الأرناؤوط. وحديث عائشة مرفوعاً: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود»، أخرجه أبو داوود، هذا حديث ضعفه أبو زرعة الرازي، وقال العقيلي له طرق وليس فيها شيء يثبت، قال الذهبي: لا يصح في هذا شيء، وحسنه العلائي، وقال ابن كثير: في إسناده اختلاف يسير لا يضره، قال الصنعاني: له طرق كثيرة لا تخلو، صححه الألباني وقال شعيب الأرناؤوط جيد بطرقه وشواهده.

فالشاهد بين كل هذه الآثار التي هو أن في عدد من الأحاديث الثابتة الصحيحة التي تؤكد على حرمة الشفاعة في حد من حدود الله عز وجل، وفي أحاديث تكشف أن هذا الحكم معلق بعدم وصول الأمر إلى السلطان، فإذا بلغ السلطان فلعن الله عز الشافع ولعن المشفع. قال: وأما طيب فبالتالي الحين إيش حكم الشفاعة قبل بلوغ الإمام؟ النجاء صح ولا لا؟ فقد أجازها أكثر أهل العلم لما جاء في أحاديث متعلقة، ولما جاء هل المشروع في حق الإنسان الشفاعة في هذا المقام ولا لا؟ قبل وصول الإمام، هل يشرع للإنسان أن يشفع؟ يشرع، يعني هو مقام أفضل، فالعلماء الأكثر يقولون نعم، وسبب في هذا الذي هو كذلك تعضيدها بمعنى الستر على الإنسان المسلم، وجبنا قصة الزبير بن العوام وابن عباس.

ثالثاً: طيب لكن مالك قال هذا ملحظ جميل، قال مالك: ذلك فيمن لم يعرف منه أذى الناس، فأما من عرف منه شر وفساد فلا أحب أن يشفع فيه. لاحظت أن كأن مالك بعد راعى بعداً مصلحياً متعلقاً بهذه المعادلة، ليس كل الناس تستحق الشفاعة، أن هنالك إيقاع للعقوبة مستحقة.

طيب هذه مسألة، طيب الشفاعة فيما كان من باب التعزيرات أو فيما لا حد فيه؟ جائز. المشكلة بس التي صادفتها لأني وجدت أكثر أهل العلم يتتابعون على ذكر الجواز، لكن وجدت عبارة الحافظ هي التي أشكلت عندي وما أعرف وجه الإجابة، يعني قال الحافظ: ويستفاد منه جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير، وقد نقل ابن عبد البر وغيره فيه الاتفاق، ويدخل فيه سائر الأحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم، وهي محمولة على ما لم يبلغ الإمام. فيمكن بس هو الذي قصد حديث الستر على المسلم ما عرفت؟ الذي هو الشفاعة في الحدود، يعني انتقل الخطاب، ابن حجر يقول ويستفاد منه جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير، فخلاص جميل الكلام سواء بلغ السلطان أو ما بلغ السلطان. بعدين قال وقد نقل ابن عبد البر وغيره فيه الاتفاق فحلو الاتفاق على المسألة، ويدخل فيه يمكن الحين استأنف الحديث: ويدخل فيه في هذا المعنى مما يؤكد مشروعية الشفاعة في شأن التعزيرات، الذي هو سائر الأحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم، بس قال وهي محمولة على ما لم يبلغ الإمام، إذا قصد أن الستر على المسلم فيما استوجب حداً، فهي مقيدة بهذا القيد بطبيعة الحال، لأن قيدناه، وإذا قصد فيما يندب الستر على المسلم في التعزيرات فالذي يظهر والله أعلم خاضع للاتفاق الذي نقل ابن عبد البر، فواضح إن شاء الله المسألة.

طيب نرجع الحديث يقول بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم قام» يعني الرسول صلى الله عليه وسلم «فاختطب». إيش معنى قام النبي صلى الله عليه وسلم فاختطب؟ أن قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب في الناس، ورد في رواية في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً.

الحديث الذي أورده الشيخ هنا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ثم قام فاختطب ثم قال: «إنما أهلك الذين قبلكم». جاء في رواية فقال النبي صلى الله عليه وسلم أيها الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس»، وفي رواية هذا مهم: «فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم». ففي ذكر موطن الشاهد، فبالتالي حتى خطبة النبي صلى الله عليه وسلم تخرج عن المعهود من خطبة من ذكر الله عز وجل والثناء عليه سبحانه وتعالى بما هو أهله، ثم افتتاح الخطاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في موطن شاهد مهم، قال: «إنما».

إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.

ما حصل عند النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك مسارين في قضيتين تحتاجان المعالجة؛ قضية شخصية متعلقة بيد أسامة بن زيد، فعالجها النبي صلى الله عليه وسلم، فقد شفع في حد وانتهت المعالجة، فقال أسامة بن زيد استغفر لي. وهناك معالجة لأولئك الطالبين لأولئك الضاغطين، فقد جاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تطهر خير لها»، بعدين قالوا من يشترئ عليها لأسامة، طلبوا من أسامة، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أن الموضوع عميق، وبالتالي صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر، أثنى على الله عز وجل، بعدين قال: «يا أيها الناس»، وتأمل العبقرية النبوية، ومحتمل أنه هو بهداية الله عز وجل وتوفيقه.

لاحظ طبيعة المعالجة، وهذه من أعجب الأشياء المتعلقة بالجناب النبوي في السيرة النبوية، وهو حسن تعاطي النبي صلى الله عليه وسلم مع طبيعة المشكلات، وتقديم الخطاب الذي يقطع باب الإشكال ودابر الفتنة. وذكرت هذه المناسبة لما أدخل فيه مثلاً قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنصار على أثر توزيع غنائم حنين وما وقع في نفوس الأنصار؛ خطاب في غاية الجمال وفي غاية الروعة، وهنا نفس القضية، الحين قاعد يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش، وجهائهم، ويتعامل مع بني مخزوم، وفي بعض الروايات المشكلة كانت عامة حتى لدار بني مخزوم، وأن هناك نوعاً من أنواع التعاضد حتى من بقية البطون، وكان عندهم مشكلة، شاعرين بالفضيحة وشاعرين بالمشكلة. فنشوف النبي صلى الله عليه وسلم كيف يقدم معالجة، مدخل المعالجة أنه يبين مركزية ومحورية قيمة العدل في الإسلام، وأن كل الناس وكل المنضوين تحت لواء هذه الدولة الفتية الناشئة سواء في عين القانون وفي عين الشريعة، لا يوجد امتيازات، فالامتيازات التي كانت موجودة بينكم هذه تم إلغاؤها وتم تجاوزها، لا يمكن العودة إلى الوراء.

فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». هذا أول مدخل، وفي رواية «إنما هلك»، وفي رواية «إنما ضل من كان قبلكم»، وفي رواية «إنما هلك بنو إسرائيل». فهذا الحديث يتضمن عدة معطيات متعلقة بطبيعة الخطاب، فهو يتضمن التهديد ويتضمن الوعيد، ويكشف عن الإشكاليات العميقة التي كانت موجودة في الأمم السابقة بما يؤكد، زي اللي يريد قطع الطريق، أن لا مجال للمجادلة والمخاصمة وفتح هذا الملف.

وفي هذا الحديث بعض العلماء قال فيه حجة لمن قال إن شرع من قبلنا شرع لنا، قال ابن حجر: "وفيه الاعتبار بأحوال من مضى من الأمم، ولا سيما من خالف أمر الشرع"، وتمسك به بعض من قال إن الشرع من قبلنا شرع لنا لأن فيه إشارة لتحذير من فعل الشيء الذي جر هلاك الذين من قبلنا لأن نهلك ما هلكوا. يقول ابن حجر: "وفيه نظر، وإنما يتم لو لم يرد قطع السارق في شرعنا، وأما اللفظ العام فلا دلالة فيه على المدعى أصلاً"، قال ابن دقيق العيد: وفي هذا الحديث دليل على امتناع الشفاعة في الحد بعد بلوغه السلطان، وفيه تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله تعالى، هذه فائدة زائدة.

ولفظة "إنما" تدل على الحصر، والظاهر أنه ليس للحصر المطلق مع احتمال ذلك، يعني "إنما أهلك" هل يفهم منه أن سبب الهلاك الوحيد الذي لحق بني إسرائيل هو هذا السبب؟ فيقول إنما ها هنا دل على الحصر، قال ابن دقيق: "والظاهر أنه ليس للحصر المطلق مع احتمال ذلك"، يعني الظاهر أنه ليس للحصر المطلق، وأن هذا أحد الأسباب الكبرى الموجبة للهلاك، بس مو بالضرورة أنه هو السبب الوحيد، بس قال مع احتمال ذلك، فإني فان بني إسرائيل كانت فيه أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، مثلاً كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، فيحمل ذلك على حصر المخصوص وهو الإهلاك بسبب المحاباة في حدود الله، فلا ينحصر ذلك في هذا الحد المخصوص. قال ابن حجر معلقاً: "قلت يؤيد هذا الاحتمال ما أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة من طريق زاذان عن عائشة مرفوعاً: أنهم عطلوا الحدود عن الأغنياء وأقاموه على الضعفاء".

بعد ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ترى لازم يدرك الإنسان وطأة وثقل هذه الجملة وهذه العبارة على شخص النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي جملة سهلة أن يقول: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ولذا حتى العلماء نبهوا إلى فائدة عجيبة متعلقة بهذه الدلالة وهذه الإشارة النبوية، فالعلماء يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأمر مقدر يقطع بعدم وقوعه، أي المقصود أنه مستبعد جداً أن يقع هذا الأمر، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قدر هذا الأمر حتى يقرب لعقولهم مدلول الكلام الذي يقصده، يعني أنتم الحين تتوهمون أن أنا يمكن أن أعطل حد الله عز وجل في هذه المرأة المخزومية، لو أن بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم سرقت لقطعت يدها، وهذا الذي يدل على إغلاق الباب، أن المسألة ليست حتى متعلقة بالأشراف وكذا، حتى القريب من شخص النبي صلى الله عليه واله وسلم لا سبيل لتعطيل الحدود.

قال ابن دقيق العيد: "وقد يستدل بقوله عليه الصلاة والسلام: وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، على أن ما خرج هذا المخرج من الكلام الذي يقتضي تعليق القول بتقدير أمر آخر لا يمنع، وقد شدد جماعة في مثل هذا ومراتبه في القبح مختلفة". يعني هذه فائدة مهمة يحتاجها بالذات بعض نمط من أنماط الدعاة، خصوصاً الذي يشتبك مع المخالفين من الكفار مثلاً أو ملاحدة أو كذا، أنه قد يضطر أحياناً في مقام المخاصمة ومقام المناظرة أنه يطلق عبارات معينة، هذه العبارات لا تخلو من قدر من القبح أنه يقدر أمر معين، لكن داعية الحاجة قد تبيح للإنسان أن يمارس هذا الدور. ولذا لاحظ الحين يقول ابن دقيق العيد: "قول النبي صلى الله عليه وسلم وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، فيقول لك الحين النبي صلى الله عليه وسلم قدر هذا الأمر في هذه المرأة الشريفة في سيدة نساء العالمين، صح ولا لا؟ يعني لاحظ لو لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا الإطلاق وهذه العبارة لصعب أن إنساناً يستسيغ أن يقولها في مقام معين، فيقول لك ابن دقيق العيد إنه يمكن الاستدلال بهذا المعنى من أجل أن يوسع على الدعاة في هذا المجال، لكن من الضوابط المسألة تتعلق أن ترى في مراتب القبح، يعني لا يفهم منا أن نريد فتح الباب بالكلية بحيث يبدأ الإنسان يستخدم تعبيرات معينة مقدرة وتصير مفهومة في ضوء سياقاتها، لكن لا تخلو من قدر من القبح.

ممكن يتناول الإنسان بعبارة بإطلاق الجناب النبوي أو الرب تبارك وتعالى أنه لو كذا، يصير مثل اللقاء، فقصدي ابن دقيق، لاحظ الإشارة في ختام الكلام، المراتب في القبح مختلفة، أحياناً قد يضطر الإنسان في مقام شيء معين أنه يذكر على سبيل التنزل مع الخصم إذا أنت بتلزمني بهذا الإلزام، يذكر عبارة، فهو بس فكرة الاتزان أن هل هنالك ما يدل على مشروعية هذه الممارسة؟ فأقول لك نعم، من الأدلة الدالة على المشروعية من دقيق يقول لك هذا، بس هل معناه أن كونه مشروعاً أنه خلاص يفتح الإنسان الباب؟ لا، يراعي الإنسان، المراتب في القبح مختلفة، وبالتالي المسألة بحسب الداعية، وين المساحة التي قاعد يتمدد فيها، وما طبيعة العبارة؟

ولذا يقول ابن حجر بعدها وقد ذكر ابن ماجه عن محمد بن رمح شيخه في هذا الحديث، سمعت الليث يقول عقب هذا الحديث: "قد عاذ الله من أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا"، حط اللي هو شعور بالتأدب مع بنت النبي صلى الله عليه وسلم، التأدب مع جناب النبي صلى الله عليه وسلم. قال ووقع للشافعي أنه لما ذكر هذا الحديث قال: فذكر عضواً شريفه من امرأة شريفه لقطعت يدها، فيقول فذكر عضواً شريفاً من امرأة شريفة، واستحسنوا ذلك منه لما فيه من الأدب البالغ، وإنما خص صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته بالذكر لأنها أعز أهله عنده، ولأنه لم يبقَ من بناته حينئذ غيرها، فأراد المبالغة في إثبات إقامة الحد على كل مكلف وترك المحاباة في ذلك، ولأن اسم السارقة وافق اسمها عليها السلام، فناسب أن يضرب المثل بها.

وقال الحافظ بن حجر: "وفيه جواز ضرب المثل بالكبير القدر للمبالغة في الزجر عن الفعل، ومراتب ذلك مختلفة، ولا يحق ندب الاحتراز من ذلك، أنه يقال إنه يحترز منه مطلقاً حيث لا يترجح التصريح بحسب المقام كما تقدم نقله عن ليث والشافعي". وتمام الحديث، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قال يونس: هذه فائدة مهمة في الحديث، قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فأسنت توبتها بعد المخزومية، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.

قال القرطبي في المفهم: "يدل الحديث هذا على صحة توبة السارق، أن عندنا نصاً بخصوصي أننا لا ندخل فقط تحت عمومات النصوص الدالة على قبول الله عز وجل لتوبة التائب، لا، قال وأنها ماحية لإثم السرقة وللمعرة اللاحقة، فيحرم تعييره بذلك أو يعاب عليه شيء مما كان هنالك، وهكذا حكم أهل الكبائر إذا تابوا منها وحسنت أحوالهم بعدها، تسمع أقوالهم وتقبل شهادتهم". هذا مذهب الجمهور، غير أن أبا حنيفة قال: لا تقبل شهادة التائب المحدود مطلقاً وإن تاب، وقال مالك: لا تقبل شهادة المحدود فيما حد فيه وتقبل في غيره، هذه يعني مسألة مشهورة خاصة بقضية القذف، فلا تقبل شهادة أبداً. إيش المقصود بالتأبد؟ وما طبيعة التوبة؟ وهل هذا مجال آخر؟ بس الأصل في أهل الكبائر إذا تابوا وحسنت توبتهم ألا يجوز شرعاً بحال من الأحوال أن يتم تعييرهم أو ملاحقتهم بجرائر الذنوب الماضية، وهذه أحد المشكلات الكبيرة الموجودة في هذا الزمان، بحكم أحد الحقوق البشرية الإنسانية التي مفتقدة في هذا الزمان، حق الإنسان في أن ينسى تاريخه، هذا ليس موجوداً بالذات في هذا الزمان، لأن الإنترنت حافظ لكل شيء، وأنه ممكن الإنسان مثلاً مقاطع أشياء، تغريدات، بوستات، مقالات معينة، فالمشكلة يظل كما يقال مشكلة التاريخ، وهذا من توثيقات، أنه ما داعي نقول أسماء نفضحها، أن نحفظ، موثق، تاريخات. طيب هذا يعني، ياسر كان الإنسان يتمنى أنه على الأقل ينتهي من التبويب، لكن بإذن الله سبحانه وتعالى نستكمل في الأسبوع القادم، والله أعلم، وصلى الله على النبي محمد.