بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24]؟ ثم قال لي: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد». ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته». رواه البخاري.
من الأحاديث المشابهة جداً لهذا الحديث، حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه في جريان قصة قريبة تكاد تكون مطابقة لهذه القصة لأبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، فقد جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: خرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على أبي بن كعب وهو يصلي، فقال: «يا أبي»، فالتفت فلم يجبه، ثم صلى أبي فخفف ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله، قال: «وعليك»، قال: ما منعك أي أبي إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: أي رسول الله كنت في الصلاة، قال: «أفلست تجد فيما أوحى الله إلي أن استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم بما يحييكم؟» قال: بلى أي رسول الله، لا أعود. قال: «أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها؟» قال: قلت نعم أي رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو ألا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها»، قال: فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بيدي يحدثني، وأنا أتباطأ مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث، فلما دنونا من الباب قلت: أي رسول الله ما السورة التي وعدتني؟ قال: «ما تقرأ في الصلاة؟» قال: فقرأت عليه أم القرآن، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، وإنها للسبع المثاني». رواه الإمام أحمد في المسند والترمذي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الطبري وابن تيمية والألباني وشعيب الأرنؤوط قالوا: جمع البيهقي بأن القصة وقعت لأبي بن كعب ولأبي سعيد بن المعلى، ويتعين المصير إلى ذلك للاختلاف في مخرجين واختلاف سياقين؛ لأن الحديثين متقاربان في الصلاة والاستجابة، فممكن بعضهم يتوهم أنه وقع خطأ، فالإمام البيهقي قال: لا، يبدو ظاهر الأمر أنه وقعت القصة مرة ثم وقعت مرة أخرى، وأكد الحافظ ابن حجر هذا المعنى لاختلاف مخارج الحديثين. فهذه فائدة إضافية زائدة في قضية حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ هذه المعرفة وتبليغ هذا العلم لأكثر من صحابي، ولاحظ استخدام نفس الأداة التعليمية التربوية في أن قبل أن تخرج عرفت، في نوع من أنواع التشويق للنفس.
وحتى احتمالات الأبعاد التربوية؛ مثلاً في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه الذي حصل أنه قال: سأخبر قبل ما أخرج من المسجد، فيقول: فأخذت أتباطأ، قاعد يحدثني النبي صلى الله عليه وسلم كان في حديث جانبي، فيحتمل أنه يقال مثلاً إن فيه جزءاً من اختبار الشيخ للتلميذ، بمعنى إذا حرص على هذا العلم سأبذله له، إذا ما كان مهتماً وخرجنا يكون فاته العلم؛ في احتمالات يستطيع الإنسان أن يقرأ كما يقال فيما يتعلق بالمشهد التعليمي. والذي يدل حتى من المواقف الطريفة فيه وأنا أتباطأ مخافة أن قاعد يحدثني وعندي قلق أن يفوتني هذا الخبر، أن ينشغل النبي صلى الله عليه وسلم بحديثه ونخرج فيفوت هذا العلم لأنه وعدت أن أحصل هذا العلم إذا وصلنا إلى الباب، فلما بلغنا الباب خلاص هذا رحت قلت يا رسول الله، قلت لي هذا، أخبرني بالسورة، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم.
أبو سعيد بن المعلى الذي هو راوي هذا الحديث ليس له في البخاري سوى هذا الحديث، واختلف في اسمه فقيل اسمه رافع، وقيل الحارث وقواه ابن عبد البر رحمه الله تبارك وتعالى عليه ووهى الذي قبله، وقيل أوس، وقيل بل أوس اسم أبيه والمعلى جده. ومات أبو سعيد المعلى سنة 73 للهجرة أو 74 للهجرة، قال بعضهم عن عمر هو 64 سنة، وخطأ الحافظ ابن حجر في الإصابة وقال: فإنه يستلزم أن تكون قصته مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، وسياق حديثي يأبى ذلك بأن في الحديث الذي في الصحيح كنت أصلي.
يقول الحديث في بدايته: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، جاء في رواية فلم آته حتى صليت ثم أتيته، وفي رواية أبي هريرة في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه أن كعب يقول وهو أبو هريرة يقول وهو يصلي فقال: «يا أبي»، فالتفت فلم يجبه، التفت يعني أبي في الصلاة بس ما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فخفف ثم انصرف، قال: السلام عليك يا رسول الله، قال: «ويحك ما منعك دعوتك ألا تجيبني؟».
يقول الحين الحديث بعد ذلك: ألم يقل الله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾، جاء في حديث أبي هريرة وليس استجيب فيما أوحى الله إلي أن استجيبوا لله والرسول، فقلت بلى يا رسول الله لا أعود إن شاء الله. الآن السؤال حتى يدرك الإنسان ما الذي حمل أبي وأبا سعيد بن المعلى على عدم الاستجابة للنبي صلى الله عليه وسلم إن كانوا منشغلين بالصلاة؟ فالحين ما هو المحكم الديني الذي انطلق منه أبي وأبو سعيد بن المعلى في الاستمرار في الصلاة وعدم إجابة النبي صلى الله عليه وسلم؟
ليس من الأحكام الدينية المتعلقة بالصلاة نقول ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ بمعنى أنه ما يجوز للإنسان أن ينصرف من الصلاة من غير موجب، صح ولا لا؟ طيب ما وجه الاعتراض النبوي؟ ليش النبي عتب؟ حتى في عبارة مع أبي ايش قال؟ قال: «ويحك ما منعك إذ دعوتك». هناك حكم خاص، هل كان الآية يعرفونها ولا ما يعرفونها؟ الحين حتى في حديث أبي واضح أنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أوليس تجد فيما أوحى الله إلي أن استجيبوا لله والرسول»، فما الاعتذار الذي كان يفترض يقدمه أبي بن كعب؟ إذا الاعتذار الذي بيقدمه بيقول إن عندي عموماً في عدم جواز أن يبطل الإنسان صلاته، وعندي عموم الاستجابة، فأنا غلبت أحد العمومين، صح ولا لا؟ طيب هل هذا الاعتذار صحيح؟ هذا ليس صحيحاً. ايش السبب؟ ليش صحيحاً؟
يعني هذه الصلاة الذي يصليها ليست من أمر الله عز وجل هي نافلة الرسول عليه، لا بس حتى النافلة ما يجوز للإنسان أن يقطعها من غير موجب. فإيش السبب؟ في معنى يظهر منه طبيعة المعاتبة النبوية لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان محقاً في معاتبته. يعني هنا الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو أبي بن كعب وليس داخلاً الحال في الصلاة، ليس الله عز وجل يدعو، لأن الفريضة الله عز وجل يدعو. مفهوم، بس ايش لا في معطى آخر، يعني ليش كان مفترض أن يستجيبوا مباشرة للنبي صلى الله عليه وسلم؟ إن الأظهر من جهة الفقه كان يتعين عليهم بإجابة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة.
سؤال: هل النبي يعرف أنه في صلاة ولا ما يعرف أنه في صلاة؟ نادى عليه وهو في الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم حاضر صلاته، فإذا دعاه وهو في الصلاة، الرسول يعلم أنه وإلا ما كان بيناديه إذا ما كان يجوز له. أولى بالرد أن الرسول يعمل بحاله فما كان، هل يصرح الصحابي وهذا الذي وقع من أبي سعيد بأنه يعتذر له يقول له أبو سعيد المعلى أن أنا في الصلاة، لسان الحال أن عارفين أن في الصلاة، وهذا يعني أمرت معك وأنت في الصلاة.
نقل ابن التين عن الداودي وهذا إشكال آخر أن في حديث الباب تقديماً وتأخيراً، وهو قوله؛ هو أعاد ترتيب الحديث بطريقة مختلفة، الآن ظاهر الحديث أن كان يصلي فلم يستجب بعد مناداة النبي صلى الله عليه وسلم، فداوود يقول الآتي: يقول في حديث الباب تقديماً وتأخيراً وهو قوله ألم يقل الله استجيبوا لله والرسول قبل قول أبي سعيد كنت في الصلاة. يعني لاحظ الرواية الأصلية التي نحن قاعدون نناقشها: يقول أبو سعيد بن المعلى في أول حديث كنت أصلي في المسجد فدعاني الرسول صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله استجيبوا لله والرسول؟ يعني أن ترتيب القصة وفق الرواية المعتمدة الصحيحة أن أبا سعيد بن المعلى يصلي، فمر النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه ثم لما فرغ أبو سعيد من الصلاة أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر له، قال: يا رسول الله كنت أصلي، فنبه النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتعين عليك المجيء لقوله تعالى استجيبوا لله.
الداودي غير الترتيب، فقال لا، الذي حصل أنه كان يصلي دعاه النبي صلى الله عليه وسلم أقبل أبو سعيد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يقل الله استجيبوا لله والرسول؟ فراح اعتذر له أبو سعيد المعلى وقال له: إني كنت أصلي يا رسول الله، على أساس أنه يوقع جواب أبي سعيد مع جواب المعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم، أن كان يقدم له اعتذار. الحافظ ابن حجر قال: فكأنه تأول أن من هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب. قال والذي تأول القاضيان عبد الوهاب وأبو الوليد أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض يعصي المرء بتركه. هم لاحظ طريقة الداودي يرتب الموضوع بطريقة أنه يجعل لا يلزم الإنسان وهو في الصلاة أنه يستجيب للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن بتقول الحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ناداه وهو في الصلاة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم استجيبوا لله فقال له إن كنت أصلي فكان النبي صلى الله عليه وسلم أقره، إذا كنت تصلي فلا ينطبق عليه هذه الدلالة للآية القرآنية. بعد نقل الحافظ بن حجر عن عالمين أن لا، إن ظاهر هذا الحديث يدل على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والاستجابة له إذا حتى الإنسان في حال الصلاة، وأنه عاص إذا لم يستجب للنبي صلى الله عليه واله وسلم، وإنه حكم يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن حجر: وما ادعاه الداوودي لا دليل عليه، وما جنح إليه القاضي مالك هو قول الشافعي اختلافاً عنده مع القول بوجوب الإجابة هل تبطل الصلاة أم لا؟ والأظهر هو الاتجاه الثاني بدليل بعد حديث أبي، لأن الأظهر ويحك يعني أن ترتيب القصة وما اعتذر له بقضية الصلاة.
يقول الحديث بعد ذلك: ثم قال لي يعني النبي صلى الله عليه واله وسلم لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، وفي رواية لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، وفي حديث أبي هريرة: أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها؟ وتكلمنا على قضية التفاضل في كتاب الله عز وجل، يعني ما نحتاج أن نعيد ذكرها، بس خلينا نقرأ كلاماً لابن التين حتى نراجع بعض المسائل التي ذكرناها قبل قليل، قال ابن التين: معناها هو معناه أن ثوابها أعظم من غيرها، فهذا كلام تعقبنا فيما سبق. قال: واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض، صحيح، وقد منع ذلك الأشعري وجماعة؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل، وأسماء الله وصفاته وكلامه لا نقص فيها، وأجابوا عن ذلك بأن معنى التفاضل ثواب بعضه أعظم من ثواب بعض، فالتفضيل إنما هو من حيث المعاني لا من حيث الصفة. ويؤيد التفضيل قوله تعالى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]. وقد روى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله نأت بخير منها أي في المنفعة والرفق والرفعة. وفي هذا تعقب على من قال فيه تقديم وتأخير، والتقدير نأت منها بخير، نأت بخير منها؛ بعضهم اعترض قال لا إن كذلك في تقديم وتأخير، أن نأت منها بخير، وهو كما قيل في قوله تعالى ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾.
لكن قوله في آية الباب أو مثلها يرجع الاحتمال الأول فهو معتمد والله أعلم.
يقول بعد ذلك: ثم أخذ بيدي، وزاد في حديث أبي هريرة: يحدثني، خفت أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث. طبعاً فكرة الأخذ باليد كذلك تدل على ترفق الشيخ بالتلميذ وعلى اللطف. وقوله: «ألم تقل»، يعني يقول سعيد للنبي صلى الله عليه وسلم: ألم تقل لأعلمنك سورة؟ في حديث أبي هريرة: قلت يا رسول الله، ما السورة التي وعدتني؟ قال: وكيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأت عليه أم الكتاب. وقوله: قال الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم، وفي رواية: فقال هي الحمد لله رب العالمين السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت، وفي حديث أبي هريرة: فقال إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت.
وفي هذه مسألة مهمة؛ أول فائدة: ما هي السبع المثاني؟ إن ظاهر هذا الحديث يدل أن السبع المثاني هي فاتحة الكتاب، وقيل إن السبع المثاني -وهذا نقل عن عدد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم- هي السبع الطوال. أول قول أن الفاتحة هي السبع المثاني، القول الثاني أن السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف. وبعدين عاد يختلفون العلماء في السابعة، يعني ما يختلفون في الستة، ثم يختلفون، فبعضهم يقول يونس، وبعضهم يقول براءة، وبعضهم يجعل براءة والأنفال كالسورة الواحدة، هذا القول.
طيب لماذا سميت السبع الطوال أو ما هو المعنى الموجود في السبع الطوال التي لأجلها قيل إن هي سبع المثاني؟ طبعاً رقم سبعة، إن هي سبع سور، فالسبعة صح ولا لا؟ والمثاني؟ إيش اللي يثنى فيها في السبع الطوال؟ ثني فيها القصص، ثني فيها الأخبار، ثني فيها الأحكام، وقيل إن التثنية عائدة إلى أن تجاوزت المئتين، أن عدد آيات هذه السور تجاوزت المئتين فدخلت في الثانية. وقيل إن السبع المثاني هي سبع معان أنزلت في القرآن: فهو أمر ونهي وبشارة وإنذار وضرب الأمثال وتعداد النعم وأخبار الأمم. والأظهر في ضوء هذا الحديث أن السبع المثاني هي سورة الفاتحة.
ولماذا سميت الفاتحة السبع المثاني؟ ذكرت أقوال متعددة: قيل لأنها تثنى في كل ركعة أي تعاد، هذا القول الأول. الثاني لأنها تثنى بسورة أخرى إذا قرأها الإنسان في الصلاة. الثالث لأنها نزلت مرتين، نقل مثلاً في الآثار أنها نزلت على النبي في مكة ونزلت في المدينة. وقيل لأنها يثنى بها على الله تعالى، تلاحظ هذا غير المعنى الأول، لأنها هي أحد الأدوات التي يثنى بها على الله عز وجل. الخامس لأنها على قسمين ثناء ودعاء، ففيها معنيين. السادس لأنه كلما قرأ العبد منها آية أثنى الله عليه بالخبر عن فعله كما في حديث أبي هريرة: إذا قال الحمد لله حميدني عبدي، إذا قال الرحمن الرحيم أثنى علي عبدي. السابع لأن اجتمع فيها فصاحة المباني وبلاغة المعاني. الثامن لأنها استثنيت لهذه الأمة، لم تنزل على أمة قبلها، وهذا مثلاً في حديث أبي بن كعب وحديث أبي هريرة: لأخبرنك بسورة ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل.
يقول ابن تيمية وهذه مسألة يبحثها العلماء ويستدلون بهذا الحديث، بنذكرها على جهة الاختصار مع أن هذه تتمة الشافعية، وهي قضية البسملة في الفاتحة. هل يدل هذا الحديث على أن البسملة آية من الفاتحة أو ليست آية؟ لأنه قال: أعظم سورة في القرآن قال الحمد لله رب العالمين، فبدأ بالحمد لله رب العالمين، فما ذكر بسم الله الرحمن الرحيم. فيدل على أن البسملة ليست من الفاتحة، هذا قول موجود.
ماذا يمكن أن يدفع هذا الاعتراض؟ الشافعية بطبيعة الحال عندهم اعتراض، وهذا الاعتراض قوي ووجيه. بل بعضهم عكس الموضوع، وجعل هذا الحديث دليلاً على أن البسملة آية من الفاتحة، فهموا أن ذكر الحمد لله رب العالمين ليس كاسم للسورة وإنما كاستفتاح. وهل مقصد النبي صلى الله عليه وسلم مجرد استفتاح ولا التنبيه إلى سورة الفاتحة؟ فيمكن أن يخلص الإنسان من الحديث هذا فيقول لك إن من أسماء سورة الفاتحة سورة الحمد لله رب العالمين. وطبعاً يعززه أنها هي السبع المثاني، فهي تمام الآيات السبع في سورة الفاتحة بناءً على القول بأن البسملة آية من الفاتحة. فلا يمكن توظيف هذا في سياق الجدل في كون البسملة آية منها وليست آية؛ لأن بدلاً من أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم سورة الفاتحة، قال سورة الحمد لله رب العالمين.
أما المسألة هذه فهي طويلة، لكن أشير إلى أحاديث متعلقة بهذه المسألة. من أهم الأحاديث المروية في هذا الباب حديث ابن عبد الله بن المغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، فقال: أي بني، محدث، إياك والحدث، قال: ولم أرَ أحداً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام منه، فإني صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها، فلا تقلها إذا صليت فقل الحمد لله رب العالمين. رواه الترمذي وقال: حسن، وصححه الألباني. وهذا من الأحاديث المشهورة التي استدل بها الجمهور على عدم مشروعية الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة الجهرية.
وجاء من حديث نعيم المجمر أنه قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن، وقال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. صححه البيهقي وصححه النووي، وقال ابن حجر: صح حديث ورد في الجهر بالبسملة، وصححه الألباني. فالذي يظهر والله أعلم من جهة الجهر بالبسملة في الصلاة أنه تشرع أحياناً، جمعاً بين الأحاديث، أن الغالب من حال النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يجهر بها، لكن ورد من حديث أبي هريرة ما يدل على الجهر بها، وإن كان مقصود أبي هريرة ليس حكاية ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم وداوم عليه، بقدر ما أنه يجهر فيما جهر به النبي صلى الله عليه وسلم ويسر فيما أسر.
من الفوائد الأصولية التي يناقشها العلماء من هذا الحديث، أن الحديث هذا قد يدل على أن الأمر يقتضي الفورية، لأن لما دعاها النبي صلى الله عليه وسلم ثم عتب عليه يدل على أن المطلوب منه الاستجابة للنبي صلى الله عليه وسلم على الفور، وأن الذي وقع من أبي بن كعب رضي الله عنه استجاب للنبي، ولكن العتب وقع للـتأخير. ومن الأشياء كذلك قضية أن العمل بصيغة العموم.
لذا النبي صلى الله عليه وسلم لما استدل عليهم استدل؛ لأن هو اعتذر أبو سعيد قال: إني كنت أصلي، فقال: إن عموم قول الله عز وجل ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 24] كان ينبغي أن يحملك على هذا المعنى. فبحث في المسألة كما يقال، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ألم تقل: لأعلمنك كذا؟ الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».
ما معنى القرآن العظيم الذي أوتيته؟ فالحين في خلاف بين العلماء: هل القرآن العظيم الذي أوتيته هذا وصف للفاتحة؟ أم الواو عاطفة واستئنافية؟ بمعنى أن انتقل النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث عن الفاتحة إلى عموم القرآن. يقول الخطابي في قوله: «هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم، وأن الواو ليست بالعاطفة التي تفصل بين الشيئين، وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل كقوله: فاكهة ونخل ورمان، فالفاكهة نخل ورمان داخل في الفاكهة، وملائكته ورسله وجبريل وميكال؛ عند الملائكة وعند جبريل وميكال.
هذا الحين الإشكال، طريق الخطابي يقول لك ليست الواو واو العطف، وإنما الواو التي يؤتى بها للتفصيل. وبعدين استدل بالآيات، بس هو الحين الملحظ الموجود أنه ما قال النبي صلى الله عليه وسلم القرآن العظيم بعدين عرفت، لأن هي السبع المثاني والقرآن العظيم؛ أن أتى بالعام بعدين. قال ابن حجر: وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله والقرآن العظيم محذوف الخبر، والتقدير ما بعد الفاتحة مثلاً؛ هي السبع المثاني اللي هو القرآن وما بعده هو القرآن العظيم الذي أوتيته. فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله سبع مثاني، ثم عطف قوله والقرآن العظيم أي ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعاية لنظم الآية، ويكون التقدير والقرآن العظيم هو الذي أوتيت زيادة عن الفاتحة.
بعدين قال ابن حجر انتهت المسألة، قال تنبيه: يستنبط من تفسير السبع المثاني بالفاتحة أن الفاتحة مكية، وهو قول الجمهور خلافاً لمجاهد. ووجه الدلالة أنه سبحانه امتن على رسوله بها، وسورة الحجر مكية اتفاقاً؛ فيدل على تقديم نزول الفاتحة عليها. قال الحسين بن الفضل: هذه هفوة مجاهد لأن العلماء على خلاف قوله، وأغتر بعض المتأخرين فنسب القول لذلك لأبي هريرة والزهري وعطاء بن يسار، وحكى القرطبي عن بعضهم زعماً أنها نزلت مرتين. فهذا ما يتعلق بحديث أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه وأرضاه، نتوقف ونستأذن بإذن قضية بعد تقديم الله سبحانه، وجزاكم الله خيراً.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد. ذكرت أن حبيبنا أحمد حب يذكرنا ونسينا قضية ما علاقة الحديث بالباب؛ فعندنا الحديث هو حديث أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه وأرضاه، فما وجه دلالة هذا الحديث وارتباطه بباب في أن الدين على مراتب متفاوتة في الأمر والنهي والخبر، وأن الفقه في الدين والدعوة تبعا لإدراك هذه المراتب؟
أن القران وهو كلام الله سبحانه وتعالى الذي يبلغ هذه الشريعة هو متفاوت. طيب ما الفوائد التي يجنيها الإنسان من إدراك هذا المعنى؟ هو تفاوت أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء على تفاوت الصلاة. هذا جيد؛ ملحظ أخرجه في قضيتين أن لاحظ أن كان في قدر من التعارض بأمرين؛ فمثلاً من الفقه في الدين والتقديم أوجب وأكد الأمرين على الآخر، وفي قضية متعلقة نرجع لقضية القرآن؛ ما المضامين كذلك المستفادة من هذا المعنى؟
معناته أن يتفاضل الموضوعات في الشريعة، وبالتالي ما كان متصلاً بتعريف الخالق إلى الخلق هو من أشرف الموضوعات في هذا الدين، وبتالي سينعكس في طبيعة الخطاب الدعوي الذي يقدمه الإنسان. ولذا مثلاً تنسق على الجهة الأولى، فمثلاً أول ما يسعى الإنسان إلى معرفة تفسيره من كتاب الله سبحانه وتعالى ما كان أفضل من كتاب الله سبحانه وتعالى، وإذا أدرك الإنسان أن مناط التفضيل والمفاضلة التي وقعت لآية الكرسي وسورة الفاتحة لما اشتملت عليه من الموضوعات المتعلقة بجناب الرب تبارك وتعالى، والفاتحة كانت أوسع دائرة من ذلك؛ فيدرك مثلاً خلينا نأخذ نموذج الفاتحة، الموضوعات الموجودة في سورة الفاتحة التي لأجلها فضلت على بقية سور القرآن الكريم ينبغي أن تحتل مقام الصدارة في نفس الإنسان المسلم، في طبيعة تفقهه للدين وفي طبيعة دعوته الخلق إلى هذا الدين.
الحديث الذي بعده الحديث 29 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». أخرجه البخاري ومسلم. بداية الحديث هذا سئل النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال الحافظ بن حجر في الفتح: أبهم السائل وهو أبو ذر الغفاري، إن سئل الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل السؤال على المجهول، في حين جاءت بعض الأخبار تنبه أن السائل هو أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه. الشيخ الأثيوبي في البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم تعقب الحافظ بن حجر فقال: عندي في هذا نظر؛ لأن حديث أبي ذر رضي الله عنه مخالف لهذا الحديث كما سيأتي بعده، فتأمله والله تعالى أعلم.
لأن إذا تدبر الإنسان في الألفاظ المروية في حديث أبي ذر الغفاري في سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال، يجد أن في قدر من التغير؛ فلا يظهر أن سائل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الباب قد يكون مختلفاً عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، وإن كان اشترك في السؤال، فليس مستبعداً أن أكثر من صحابي من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يسألون أي العمل أفضل. فحديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه: قلت يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله». قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسهم عند أهلها وأكثرها ثمناً». قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعاً أو تصنع لأخرق». قال: قلت يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: «تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك».
السؤال الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ جاء في رواية: أي الأعمال أفضل، بجمع العمل، وفي رواية للترمذي: أي العمل أو أي الأعمال خير؟ و"أي" زي ما ذكرنا أنها معربة، وأنها لا بد فيها من الإضافة، وهي استفهامية، والمضاف إليه الأعمال. وأي العمل أفضل؟ يقال فضل فضلاً زاد، والفضل والفضيلة الخير، وهو خلاف النقص والنقيصة. طبعاً في ملحوظة من الناحية اللغوية، أن الأصل في كلمة "أفضل" أو في "أفعل" في التفضيل عموماً أنها لا بد أن تقترن بأحد ثلاثة اعتبارات: إما أن يؤتى بـ "من"، أو "أل"، أو الإضافة. يعني بمعنى أن تستطيع تقول فلان أفضل من فلان، أو تقول مثلاً فلان الأفضل، أو مثلاً فلان أفضل الرجال. لكن ظاهر الحديث هذا قال: «أي العمل أفضل؟» فتجردت من "أل" التعريف، وكذلك جردت عن الإضافة، وكذلك تجرد عن ذكر "من".
فما تخريجها لغةً؟ هل استغناء بالعلم به؟ إذا علم جاز، مثلاً في القرآن الكريم، يقول الله عز وجل: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 17]. أبقى من ماذا؟ خير من الأولى، بس ما ذكر. لماذا لم يذكر؟ استغناء بالعلم، أنك تعلم. فكثير الدلائل القرآنية، فلما ورد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أي العمل أفضل؟» هل معلوم المناطق الذي يراد السؤال عنه؟ أي العمل أفضل من غيره من أعمال الشريعة، ولا من أعمال التعبد، ولا من أعمال الديانة؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم قدم إجابته فقال: «إيمان بالله ورسوله».
جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه قال: «إيمان بالله». وما ذكر لاحظ الرواية التي ألقيناها قبل قليل: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله»، وما ذكر هنا في الحديث: «إيمان بالله ورسوله»، وهنا قال: «الإيمان بالله» من غير ذكر النبي صلى الله عليه واله وسلم. فكيف نجمع بينهما؟ لأن أحد اللوازم المترتبة على الإيمان بالله عز وجل يتحقق الإيمان به إلا بالإيمان برسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فما في تعارض، تلازم موجود بينهما كما يقولون في العلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إيمان بالله ورسوله»، "إيمان" مرفوع، فما الموضع؟ هو "إيمان بالله ورسوله"، فيصير الإيمان خبر. قال الإمام النووي رحمه الله تبارك وتعالى عليه: ففيه تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان، والمراد به والله أعلم الإيمان الذي يدخل به في ملة الإسلام.
دقق في الكلام؛ لاحظ الآن يقول: ففيه تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان، والمراد به، لاحظ في عدة فوائد علمية، أول قضية أن الإيمان لاحظ السؤال وقع على النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان. فهل يصح أن يسمى الإيمان عملاً ولا لا؟ هنا يصح أن يسمى الإيمان عملاً؛ لأنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل فأخبر بالإيمان. فتصير العلاقة كما يقال من الطرفين، لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟ قال: «أن تشهد لا إله إلا الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة»، فتلاحظ أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فأخبر بأعمال، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل أخبر بالإيمان. هذا يؤكد على قاعدة أهل السنة والجماعة بأن الإيمان قول وعمل.
وتجي عبارة الحافظ بن حجر أن كذلك يستطيع الإنسان، لو أراد الإنسان أن يختصر الموضوع أكثر فحقيقة الإيمان أنه عمل، لكن هذا العمل أما أن يكون عملاً قلبياً، وعملاً لسانياً، أو عملاً عن جوارح، وهذا بنبه عليه بعد قليل. فلاحظ النووي قال: ففيه تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان، هذا رقم واحد، بعدين بيفسر الحين الإمام النووي، إذا كان الإيمان عند أهل السنة قول وعمل، فالحين هل مقصود النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «إيمان بالله ورسوله» اشتمال على هذا المعنى المطلق لكل ما يندرج تحت مفهوم الإيمان؟ فيقول النووي: والمراد به إيمان بالله ورسوله لما أضيف هذه الإضافة، والله أعلم، الإيمان الذي يدخل به في ملة الإسلام، وهو التصديق بقلبه والنطق بالشهادتين.
يعني النووي الحين يقدم أن لا بد أن يفهم جواب النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من الإيمان وليس كمال كل الإيمان أو كل ما يشتمل عليه الإيمان. طبعاً هذا معنى مستفاد من جهتين؛ من جهة الحديث لما قال: «إيمان بالله ورسوله»، ففي تقييد للايمان بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والإيمان بالرسول صلى الله عليه واله وسلم، بالإضافة إلى المعنى، لو كان هذا مقصوداً لأشكل الحديث؛ لأن سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل وكل أعمال التعبد داخلة في مفهوم الإيمان، فما يستقيم الجواب إلا بتخصيصه بمعنى معين. فيقول النووي: يقول الإيمان المقصود به الذي هو أفضل التعبدات التي يقوم بها الإنسان المسلم هو تصديقه بالشهادتين ونطقه بها. وهذا سبحان الله معنى ترى يغفل عنه كثير المسلمين، ما يخطر على باله أن من أعظم مقامات التعبد الديانة التي يبذلها.
أن يشهد الله سبحانه وتعالى بالوحدانية والفردانية في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، وأن يصدق ويؤمن بأن رسول الله هو رسول من عند الله عز وجل. إن هذا المقام الإيماني، هذا المقام التديني، هذا المقام الذي دخل به الإنسان في دين الله عز وجل وصار مسلمًا، هو في حقيقته ليس من أهون مقامات التدين والإيمان، بل هو من أعظم مقامات الدين لله عز وجل. فقال: وهو تصديق القلب ونطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب والنطق عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان ها هنا الأعمال بسائر الجوارح كالصوم والصلاة والحج والجهاد وغيره، لكونه جعل قسماً للجهاد والحج، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إيمان بالله ورسوله»، ولا يقال هذا في الأعمال، ولا يمنع هذا من تسمية الأعمال المذكورة إيماناً؛ فقد قدمنا دلائله، والله أعلم. فهو يؤكد على طريقة أهل السنة والجماعة في قضية إدخال أعمال الجوارح في ماهية الإيمان، بس يقول إن سياق الحديث والإضافة التي وقعت إيماناً بالله ورسوله تدل على إرادة هذا المعنى المخصوص.
قال الحافظ بن رجب في فتح الباري: قال في حديث أبي هريرة إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل؟ مقصود البخاري بهذا الحديث، لأن بوب الإمام البخاري على هذا الحديث: باب من قال الإيمان هو العمل. أن الإيمان كله عمل، لاحظ هذه لفتة ما هي بمعتادة أن تطرح في الأبحاث العقدية المتعلقة بماهية الإيمان وتحقيقه. فالحافظ بن رجب يقول لك الإيمان كله عمل، مناقضة لقول من قال إن الإيمان ليس فيه عمل بالكلية، فالحين صارت على خط الضد؛ يعني هو مثلاً من الاتجاهات الإرجائية المشهورة، بل هو أحد القواسم المشتركة بين المرجئة؛ اللي هو إخراج العمل عن ماهية الإيمان، وبعدين يقع التفاوت: هل الإيمان هو مجرد المعرفة، ولا الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، ولا الإيمان هو مركب من التصديق القلبي والقول اللساني؟
فالآن ظاهر التصنيع الذي يريد الإشارة إليها ابن رجب أن إذا كنتم تخرجون العمل كله عن ماهية الإيمان، فكان في الطرف المقابل يقول لك فحقيقة الإيمان في كليته هي راجعة لمفهوم العمل. قال: فإن الإيمان أصله تصديق القلب، وقد سبق ما قرره البخاري في أن تصديق القلب كسب له وعمل، ويتبع هذا التصديق قول اللسان، ومقصود البخاري ها هنا أن يسمى عملاً أيضاً، أما أعمال الجوارح فلا ريب في الدخول في اسم العمل ولا حاجة لتقرير ذلك، فإنه لا يخالف فيه أحد، فصار الإيمان كله على ما قرره عملاً، والمقصود بهذا الباب تقرير أن قول اللسان عمله، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72]. لماذا نال الإنسان وراثة الجنة بما كنتم تعملون؟ إن أحد المعاني الأولية التي تدخل مفهوم العمل هنا هو النطق بالشهادة، لو لم ينطق بالشهادة لم يصر مسلماً، وقوله: ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 61]، ومعلوم أن الجنة إنما يستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان، وبها يخرج من يخرج من أهل النار فيدخل الجنة كما سبق ذكره في المسند عن معاذ بن جبل مرفوعاً: «مفتاح الجنة لا إله إلا الله».
وحكى البخاري عن عدة من أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93]، عن قول لا إله إلا الله، ففسروا العمل بقول كلمة التوحيد، وممن روي عنه هذا التفسير ابن عمر ومجاهد، ورواه ليث بن أبي سليم عن بشير بن نهيك عن أنس موقوفاً، وروي عنه مرفوعاً أيضاً، خرجه الترمذي وغربه، وقال: ليث غير قوي، ورفعه غير صحيح. ودخل في ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا وغيرهم كأبي عبد الله بن بطة، وحملوا العمل في هذه الآيات على أعمال الجوارح، واستدلوا بذلك على دخول الأعمال في الإيمان. وأما حديث أبي هريرة فهو يدل على أن الإيمان بالله ورسوله عمل، لأنه جعله أفضل الأعمال، والإيمان بالله ورسوله الظاهر أنه إنما يراد به الشهادتان مع التصديق بهما، تأكيداً للكلام أنه لهذا ورد في حديث بني الإسلام على خمس: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله»، وفي رواية ذكر الإيمان بالله ورسوله بدل الشهادتين، فدل على أن المراد بهما واحد، ولهذا عطف في حديث أبي هريرة على هذا الإيمان الجهاد ثم الحج، وهما مما يدخل في اسم الإيمان المطلق، لكن الإيمان بالله أخص من الإيمان المطلق، فالظاهر أنه إنما يراد بهما الشهادتان مع التصديق بهما. فإذا سمي الشهادتين عملاً، دل على أن قول اللسان عمل، لأن عمل القلب ليس مشكلاً، عمل الجوارح ليس مشكلاً، لكن عندنا قول اللسان؛ فهل يصح أن يسمى القول اللساني عملاً؟ فالذي كان بيقول لك إن ظاهر هذا الحديث يؤكد هذا المعنى؛ لأن سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ فأجاب بالإيمان بالله ورسوله، الذي حقيقته تصديق النطق، فيكون النطق عملاً بالإضافة إلى التفاسير التي نقلها عن بعض أهل العلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أي العمل أفضل؟»، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: «إيمان بالله ورسوله»، فسأل الصحابي: «ثم ماذا؟»؛ يعني أي العمل أفضل بعد الشهادتين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الجهاد في سبيل الله». الجهاد في اللغة مشتق من الجهد، وهو بمعنى المشقة، وحقيقة الجهاد في لسان الشريعة بالمعنى الخاص هو قضية القتال لإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى، والجهاد في سبيل الله للتأكيد على وجوب خلوص النية لله سبحانه وتعالى في فعل الجهاد، من أجل أن يكون من العمل الأفضل عند الله سبحانه وتعالى. ثم سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم ماذا؟»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حج مبرور».
الحج في اللغة هو القصد، وفي التعريف الشرعي كثير من التعريفات ممكن أن تكون، طبعاً في طريقة، لأن الإشكال الذي حاصل في التعريفات الفقهية أحياناً لكثرة الاستدراك، فأحياناً ممكن يأتي الإنسان بتعريف فيه قدر عال من الجمع والمنع، ولكن الإشكال في هذا التعريف أنه لا يبين عن حقيقة الشيء وماهيته بطريقة تُفهم. فمثلاً يقول لك: قصد مخصوص إلى موضع مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة، فكأن صحيح، هو قصد مخصوص، أي بمعنى أن الإنسان يقصد بهذا الفعل -الذي هو التعبد- إلى مكان مخصوص، إلى المشاعر الموجودة، عند الكعبة، عرفة، منى، مزدلفه، الأماكن المخصوصة في وقت مخصوص، له في أشهر للحج، وبعدين في الأيام المخصوصة التي رتب الله عز وجل في هذا، بشرائط مخصوصة، فتلاحظ التعريف من ناحية الجمع والمنع بس المشكلة فيه أنه لا يبين عن المعنى المقصود بطريقة واضحة.
تعريفات كثيرة مثلاً من الأئمة عرفوها بالطريقة الآتية، مثلاً يقولون هو قصد زيارة البيت على وجه التعظيم، فتلاحظ الإشكال الذي يورد عليه أن الحج ليس مجرد قصد زيارة البيت، عرفت أن هذا المعنى يتحقق حتى في العمرة وكذا. الأئمة الذين يطلقون هذا الإطلاق هم ما قصدوا الحصر في مجرد تصور، هو يقول لك الحين إذا قصد البيت قاصداً الحج، فلا بد أنه يترتب عليه بقية الأعمال المتعلقة بالحج. قال الكرماني: الحج قصد الكعبة للنسك بملابسه، الوقوف بعرفة، وقيل: قصد المشاعر المقدسة لأداء المناسك في مكان ووقت مخصوص تعبداً لله. فالشاهد معروف الحج، قال النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا معنى ضروري ملاحظته لما سئل عن أي العمل أفضل- فذكر ثالثاً حج، ما قال حج فقط، قال: «حج مبرور». وبالتالي ليس كل حج بالضرورة أن يكون هو من أفضل أعمال العبد عند الله سبحانه وتعالى، وإنما أفضل العمل عند الله عز وجل أو من أفضل الأعمال عنده تبارك وتعالى هو أن يكون الحج مبروراً.
ما معنى مبرور؟ قيل فيها عدة أقوال: مبرور أي مقبول، القول الثاني غير منقوص، أي الحج الذي يخلو من الرياء، يخلو من المقاصد السيئة، فهذا الثاني الحج الخالي من الرياء. الثالث الحج الذي خلا من الإثم وخلا من الذنب وخلا من المعصية، أي عن مخالطة الإثم. المعنى الرابع الحج الذي كمل بالعمل الصالح، ولذا مثلاً بعضهم يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم -وإن كان ضعيفاً-: «ما بر الحج؟»، قال: «إطعام الطعام وطيب الكلام»، فالإنسان بعد يتجاوز مجرد إقامة الفرائض المتعلقة بإضافة بعض المعاني التعبدية إليها، ولذا من هذا تفهم مثلاً مفهوم بر الوالدين، أنه يشتمل على معنى معاني الإحسان في زيادة.
يقول الحافظ بن حجر رحمه الله تبارك وتعالى عليه فائدة، قال النووي: ذكر في هذا الحديث الجهاد بعد الإيمان، وفي حديث أبي ذر لم يذكر الحج وذكر العتق، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة ثم البر ثم الجهاد، وفي الحديث المتقدم ذكر السلامة من اليد واللسان. فتلاحظ إذا تتبع الإنسان الروايات والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في سؤاله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال، سيجد الإنسان أن فيها قدراً من التفاوت، ففي بعضها مثل هذا الحديث لاحظ الترتيب الذي وقع: إيمان بالله ورسوله، الجهاد، الحج المبرور، وفي بعض الأحاديث ذكر الصلاة على وقتها مثلاً، وبعدين نعقب أشياء. فناقش العلماء المسألة هذه، النووي -أنا بورد الكلام اختصاراً بنبه معنى- قال العلماء: اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال واحتياج المخاطبين، بعض العلماء نحى قال لك الجمع بهذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب كل صحابي بما يليق من حاله، وذكر ما لم يعلمه السائل والسامعون وترك ما علموا. إن فائدة ثانية أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتبل الفرصة بذكر هذا السؤال أن يجيب عليه بإجابات متنوعة لتتكامل الصورة عند الصحابة، ويمكن أن يقال إن لفظة من مراده لما يسأل أي العمل أفضل، فلما يأتي الجواب ليس المقصود إحداث هذا الترتيب الحدّي بمعنى هذا رقم واحد، هذا رقم اثنين، رقم ثلاثة، لأن تفاوت الإجابات النبوية لكن يصير كأن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم أن من أفضل الأعمال الحج المبرور، من أفضل الأعمال كذا، من غير أن يقتضي المسألة ترتيباً، كما يقال فلان أعقل الناس، المراد من أعقلهم، ومنه حديث: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، ومن المعلوم أنه لا يسامي بذلك خير الناس النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول مثلاً: ومنه لما قدم الجهاد وليس بركن على الحج وهو ركن، لما قدم الجهاد وليس بركن على الحج وهو ركن؟ حينما نتكلم أصلاً في التبويب أن التراتبية فالمفترض عندنا أن المراتب الخمس، عندنا الشهادتان، كما سيأتي الحديث. فما هو وجه الجواب؟ بعض العلماء قال إن الفرق بينهما راجع إلى المفاضلة بين العبادات المتعدية والعبادات اللازمة، فالحج عبادة لازمة، والجهاد أثره متعدٍ، وبالتالي فضلت العبادة المتعدية على العبادة اللازمة، هذا معنى ذكر. بعضهم قال إن المقارنة بين الحج المبرور -الذي هو حج النافلة- في مقابل الجهاد. البعض الآخر يقول لا، إنما تقع المفاضلة بين الحج والجهاد إذا كان الجهاد فرض عين، يعني إذا تعين على الإنسان أن يجاهد، فالأفضل في حقه في هذه الحال أن يقدم الجهاد؛ فإنه فرض عين، أما أن يحج فهو فرض عين كذلك، فافترض نأخذ صورة أن الإنسان لم يحج فهو مما يتعلق بذمة الحج لله سبحانه وتعالى، فإذا كان الأمر كذلك وتعين عليه الجهاد كذلك، فظاهر هذا الحديث يدل على تقديم الجهاد الواجب على الحج. هذا ما يتعلق بالحديث، هذا الحديث الذي بعده حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه، قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم:
بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان. أخرجه البخاري ومسلم. قال ابن الملقن في "المعين": هو حديث عظيم، أحد قواعد الإسلام وجوامع الأحكام؛ لأن فيه معرفة الدين وما يعتمد عليه، ويجمع أركانه. هذا الحديث مشهور من الأحاديث الأربعين النبوية، والاعتناء والاهتمام به ومعرفته عند جمهرة كبيرة من المسلمين بحمد الله عز وجل.
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس». طبعاً لا بد من تقدير خمس؛ تضاف إلى شيء، بني الإسلام على خمس. أي بني على خمس دعائم، مثلاً، وورد في رواية لمسلم: «على خمسة». ليس تقدير أركان على خمسة أركان، ماشي. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تبارك وتعالى عليه: ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمسة» أن الإسلام مثله كبنيان، وهذه الخمس دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان، وقد روي في لفظ: «بني الإسلام على خمس دعائم»، خرجه محمد بن نصر المروزي.
وإذا كانت هذه دعائم البنيان وأركانه، فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان، فإذا فقد شيء من بقية الخصال الداخلة في مسمى الإسلام الواجب، نقص البنيان ولم يسقط بفقده. وأما هذه الخمسة فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها، وكذلك إن زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما. وأما زوال الأربع البواقي، فاختلف العلماء هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها، أم لا يزول بذلك، أم يفرق بين الصلاة وغيرها، فيزول بترك الصلاة دون غيرها، أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة، وفي ذلك اختلاف مشهور. وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد، كثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة، مسألة مشهورة، هل ما حكم تارك المباني الأربعة يعني غير الشهادة؟ شهادة بالاتفاق إذا ترك الإنسان المسلم فيعتبر كفر. وطبعاً مفهوم الترك هو قضية أن يأتي بما يضاد.
الأركان الأربعة الأقوى منها هو الخلاف الدائر حول الصلاة، وأضعف منه بدرجة هو ما يتعلق بالزكاة، وأضعف ما يتعلق ببقية المباني. قال الحافظ ابن حجر مولداً إشكالاً: فإن قيل الأربعة المذكورة مبنية على الشهادة، إذاً لا يصح شيء منها إلا بعد وجودها، فكيف يضم مبني إلى مبني عليه في مسمى؟ الحين يقول لك بني الإسلام على خمس صح ولا لا، اللي هو الشهادتين، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج. فالحين الإشكال أن الدعائم الأربعة هي معتمدة على الشهادتين؛ لأن ما تتقبل إلا بالشهادتين، فكيف بني شيء على شيء آخر؟
فيقول الحافظ ابن حجر: أجيب بجواز ابتناء أمر على أمر، أمر ينبني عليه أمر آخر، ماشي؛ أنه ممكن يكون عندنا شهادة ومبنية عليه، وبعدين ينبني الإسلام عليها، يقول هذا لا يشكل. فإن قيل المبني لا بد أن يكون غير المبني عليه من واضح الإيراد. فأورد الحين الحافظ بن حجر قال: أجيب بأن المجموع غير من حيث الانفراد، عين من حيث الجمع. يعني الحين السؤال الفكرة إيش اللي يقول لك الإشكال؟ يقول لك الآن كأنه أورد الاعتراض الآتي: أن الأصل أن ما بني على الشيء يكون ذلك الشيء المبني عليه أصله خارجاً عنه، صح. لكن الحين من ناحية الواقع هل الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج داخلة في الإسلام وخارجة منه؟ داخلة، بس هو بني الإسلام عليه.
لاحظ الإشكال أن بني الإسلام عليها وهي منه. فالحافظ ابن حجر يقدم إجابة، يقول لك لا بد تراعي الانفراد والمجموع؛ فالإسلام مجموعاً يشتمل على هذه المعاني، لكن نظر الإنسان في هذه المعاني على جهة الانفراد فهي غير، يقول لك بأن المجموع غير من حيث الانفراد، يعني الإسلام ليس شيئاً واحداً، الإسلام عبارة عن أجزاء؛ فإذا نظر الإنسان إلى الإسلام باعتبار أفراده فهو عبارة عن أجزاء، لكن إذا نظر الإنسان إلى المجموع فهو شيء واحد سمى الإسلام. قال فالبيت بالنظر للمجموع شيء واحد، وبالنظر للأفراد أشياء. وأيضاً فبالنظر إلى أسسه وأركانه؛ الأسس أصل، والأركان تبع وتكملة.
الركن الأول الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من أركان الإسلام ومن دعائمه هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، جاء في رواية عند مسلم: «على أن يوحد الله»، وفي رواية: «على أن يعبد الله ويكفر بما دونه». والرواية التي معنا: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله». ومقتضى الشهادة لله عز وجل بالوحدانية شهادة أن لا إله إلا الله أن يعتقد الإنسان المسلم أنه لا معبود بحق إلا الله تبارك وتعالى، وأن محمداً رسول الله يعتقد أن الله عز وجل قد ابتعث محمداً بن عبد الله رسولاً من عنده سبحانه وتعالى، وبالتالي مقتضى الإيمان بأن الرسول هو رسول من عند الله عز وجل أن يصدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، ويطيع فيما أمر، وينتهي عما نهى عنه والزجر.
بعدها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإقام الصلاة»، الركن الثاني إقام الصلاة. ما المراد بإقامة الصلاة؟ إيش معنى إقامة؟ هل المقصود بإقامة الصلاة الديمومة عليها ولا إقامة الصلاة هو مطلق الإتيان بها؟ واضح أن المسألة فيها أثر تترتب عليه آثار فقهية. الصلاة لغة الدعاء، وشرعاً هي تعبد الله عز وجل بأقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم. قال النبي صلى الله عليه وسلم بعده: «وإيتاء الزكاة». معنى الإيتاء هو الإعطاء، والزكاة لغةً بمعنى الزيادة، وأيضاً الطهارة، فهو يعني غالباً يقول الطهارة والنماء، فالنماء يشتمل على وصف الزيادة والطهارة، حتى يقول لك طهرة من المال وكذا. وشرعاً هي تعبد الله عز وجل بإخراج جزء واجب شرعاً في مال معين لطائفة وجهة مخصوصة.
والحج ذكرنا الحج لغةً القصد، والتعريف الذي ذكرناه هو قصد المشاعر المقدسة في المكان والوقت المقصود تعبد الله عز وجل. صوم رمضان جاء في رواية صيام رمضان، والصوم لغةً هو الإمساك في اللغة، وشرعاً التعبد، لأن هو الضابط المتعلق بسائر التعبدات أن لا تكون مشترطة حاضرة هو نية التعبد، فدائماً لاحظت لأن المشكلة ما تقدر تقول الإمساك هو مجرد الإمساك عن الطعام والشراب؛ إذا أمسك عن الطعام والشراب من غير استحضار معنى التعبد فلا يكون هذا صياماً شرعياً، يعني لو صام الإنسان رمضان بمعنى أنه أمسك عن الأكل والشرب من غير أن يستحضر معنى التعبد فيه، يعني يسوي رجيم أو أي اعتبار من الاعتبارات فلا يصح منه هذا الصيام، ويلزمه القضاء. فشرعاً الصيام هو تعبد الله عز وجل بالامساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس مع النية المخصوصة.
أحد الإشكاليات طبعاً ورد في الحديث الذي هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس شهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان". الترتيب عادةً ما يترتب كذا، عادةً يرتب الحج الصيام ثم الحج، هذا إشكال. قال القرطبي: وقد وقع في بعض الروايات في الأصل تقديم الحج على الصوم وهو وهم. لاحظ الحين القرطبي الذي هو صاحب "المفهم" يوهّم رواية تقديم الحج على الصوم. قال: والله أعلم لأن ابن عمر لما سمع المستعيد يقدم الحج على الصوم زجره ونهاه عن ذلك وقدم الصوم على الحج وقال: هكذا سمعتم الرسول صلى الله عليه وسلم.
لا شك في أن نقل اللفظ كما سمع هو الأولى والأسلم والأعظم للأجر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه». ويحتمل أن يكون محافظة النبي صلى الله عليه وسلم على ترتيب هذه القواعد لأنها نزلت كذلك؛ الصلاة أولاً، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج. ويحتمل ذلك أن يكون لإفادة الأوكد فالأوكد؛ فقد يستنبط الناظر في ذلك الترتيب تقديم الأوكد على ما هو دونه إذا تعذر الجمع بينهما. طبعاً هذه فائدة مهمة مفيدة للباب، لاحظ قال: "ويحتمل"، يعني ليش النبي صلى الله عليه وسلم حرص على ذكر؟ فيقول لك أحد الاحتمالات أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب بحسب إيجاب الشارع لها، بمعنى أن أول ما فرض الله عز وجل على العباد الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج من الناحية الزمنية أو التاريخية.
أو أن الاعتبار لأن أوكد التعبدات في لسان الشريعة الصلاة، ثم الأوكد بعدها الزكاة، ثم الأوكد بعدها الصيام، ثم الأوكد بعد الحج. فيحتمل فقد يثبت الناظر في ذلك الترتيب تقديم الأوكد على ما هو دونه إذا تعذر الجمع بينهما، كمن ضاق عليه وقت الصلاة وتعين عليه في ذلك الوقت أداء الزكاة لضرورة المستحق، فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقت الصلاة على الحاج فيتذكر العشاء الآخرة، وقد بقي عليه من وقت الصلاة ما لو فعله فاته الوقوف بعرفة. فلاحظ الحين يقول فقد قال بعض العلماء: إنه يبدأ بالصلاة وإن فاته الوقوف، نظراً لما ذكرناه، وقيل يبدأ بالوقوف للمشقة في استئناف الحج.
ومن ذلك لو رجل بزكاة فرط في أدائها وبكفارة فطر من رمضان وضاق الثلث عنهما؛ بدأ بالزكاة أولاً لأوكديتها على الصوم، وكذلك لو بكفارة الفطر وبهدي واجب في الحج، قدم كفارة الفطر، وهذا كله على أصل مالك أن ذلك كله يخرج من الثلث، وأما من ذهب إلى أن ذلك يخرج من رأس المال فلا تفريع على ذلك بشيء مما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
قال ابن الملقن في "المعين": لاحظ أول مدخل دخل فيه القرطبي الذي توهيم رواية تقديم الحج على الصيام، قال: وأبعد بعضهم فوهم رواية تقديم الحج والصواب التأويل؛ لأن الأظهر أن الرواية فيها ثبوت صحة، وهي الرواية التي خرجها البخاري ومسلم بهذا اللفظ. فالـتأويل فيقول الملقن: قال أما بنسيان ابن عمر الرواية الأخرى عند الإنكار؛ لأن لاحظ الذي استدل به القرطبي الذي هو: أن ليؤكد وقوع الوهم أن أحد الرواة وهم وزجره عبد الله بن عمر، فالحين ابن الملقن يقول دام أن ثابت الرواية، فاحتمال أن ابن عمر نسي هذا الترتيب ولذا أنكر، هذا أورد احتمالاً قال: أو كان لا يرى رواية الحديث بالمعنى، يعني ما كان الزجر لأنه أخل بالترتيب بقدر ما أنه كان عنده مشكلة في رواية الحديث بالمعنى، قالوا وهي مسألة خلافية مذكورة في الأصول وعلوم هذا الفن، أو أن الواو للترتيب، أو أنه رواه على الأمرين، لكنه لما رد عليه الرجل قال: لا ترو ما لا علم لك به كما رواها في إحداهما، أو أن عمر أرشده إلى التاريخ لأن فرض رمضان قبل الحج أو لأنها هكذا نزلت لكن لم يتحرر لي وقت فرض الزكاة.
قال ابن حجر: وقع هنا تقديم الحج على الصوم وعليه بنى البخاري ترتيبه، يعني إذا رجع الإنسان "صحيح البخاري" في ترتيب الصحيح ستجد أن كتاب الحج سابق على كتاب الصيام، وهذا يؤكد على الأقل أن البخاري استفاد من الحديث اعتقاد الصحة كتاب بناءً على ترتيب الحديث من جهة الأركان. قال: لكن وقع في مسلم من رواية سعد بن عبيدة عن ابن عمر بتقديم الصوم على الحج، فقال رجل: والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى. ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى؛ أما لأنه لم يسمع رد ابن عمر عن الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذلك ثم نسي، ويبعد ما جوزه بعض من يكون ابن عمر سمعه النبي صلى الله عليه وسلم.
على الوجهين، لاحظ الحين أنا أورد كلام مُتقن، أورد عدة احتمالات. الحين الحافظ ابن حجر طريقته محقق المسألة، فقال لك: طيب إيش اللي حصل؟ احتمال أن ابن عمر روى الحديث بتقديم الصوم على الحج، فلما استعاده من رجل معين، فالرجل هذا قدم الحج فزجره ابن عمر، لكن نقل الحديث من غير ملاحظة الزجر؛ يعني شوف يقول هنا: فقال رجل: والحج وصيام رمضان؟ فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج. هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
انتهى، قال: ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى، أما لأنه لم يسمع رد ابن عمر على الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذلك ثم نسي، ويبعد ما جوزه بعض من أن يكون ابن عمر سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم على الوجهين كذا وكذا ونسي أحدهما عند رده على الرجل. ووجه بُعده أن تطرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلى الصحابي، كيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة بتقديم الصوم على الحج، ولا معوان له من وجه آخر عن حنظلة أنه جعل صوم رمضان قبل، فتنويعه دال على أنه روي بالمعنى. ويؤيده ما وقع عند البخاري في التفسير بتقديم الصيام على الزكاة، أفيقال إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه؟ هذا مستبعد والله أعلم. فيبدو من صنيع الحافظ ابن حجر وبعض الأئمة أن الأظهر من جهة الرواية التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم تقديم الصيام على الحج.
من المسائل التي يردها الحافظ، ما ذم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم من ضمن دعائم الإسلام الجهاد في سبيل الله عز وجل، فيقول الإمام القرطبي في المفهم: قوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس» يعني أن هذه الخمس أساس دين الإسلام وقواعده، عليها تنبني وبها تقوم، وإنما خص هذه بالذكر ولم يذكر معها الجهاد مع أنه به ظهر الدين وانقمع به عتاة الكافرين؛ لأن هذه الخمس فرض دائم على الأعيان، ولا تسقط عمن اتصف بشروط ذلك، والجهاد من فروض الكفايات وقد يسقط في بعض الأوقات، بل وقد صار جماعة كثيرة إلى أن فرض الجهاد قد سقط بعد فتح مكة، وذكر أنه مذهب ابن عمر والثوري وابن سيرين ونحوهم، يستثنون من أصحابنا إلا أن ينزل العدو بقوم لو يأمر الإمام بالجهاد فيلزم عند ذلك.
وقد ظهر من عدول ابن عمر عن جواب الذي قال له: ألا تغزو؟ لأنه ورد في بعض الروايات، يعني إثارة المسألة لها موجب؛ لأنه ممكن يرد الإنسان يقول: طيب ليش الجهاد؟ ليش ما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ لأن بعضهم حتى يذكر أنه لو كان عنده ركن إنسان إذا كان الأمر عن منكر ففي اعتبار أن هناك قصة متعلقة بموضوع الجهاد، وهذا حديث على وجه الخصوص. القصة هذه أن يقول القرطبي: وقد ظهر من عدول ابن عمر -اللي هو راوي الحديث- عن جواب الذي قال له: ألا تغزو؟ إلى جوابه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس»، أن سأل رجل: ألا تغزو؟ فراح رواه الحديث، أنه كان لا يرى فرضية الحج في ذلك الوقت خاصة، أو على أنه يرى سقوطه مطلقاً كما نُقل عنه. قيل: من الأجوبة التي قيلت لأن الجهاد يعني السبب لماذا لم يذكره ابن عمر، أنه من قبيل فروض الكفايات.
ولذا تأمل الحديث، يقول عن نافع أن رجلاً أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما حملك على أن تحُج عاماً وتعتمر عاماً وتترك الجهاد في سبيل الله؟ قد علمت ما رغب الله فيه. قال: يا ابن أخي، «بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، وصلاة الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت». قال: يا أبا عبد الرحمن، فلا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] إلى أمر الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193] اللي هو الفتنة اللي وقعت بين الصحابة.
قال: فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الإسلام قليلاً فكان الرجل يُفتن في دينه، إما قتلوه وإما يعذبوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة. قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه، وأما علي فمن صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون. رواه البخاري.
وفي رواية مسلم: فقال له رجل: والجهاد في سبيل الله؟ يعني لحظة الرواية الماضية أن سبب ذكر عبد الله بن عمر للحديث أن رجلاً زي اللي عتب عليه: ليش ما تجاهد؟ راح قال له: بني الإسلام على خمس. وفي رواية في المسند مسند ابن أحمد: فقال له رجل: والجهاد في سبيل الله؟ يعني كان لما روى الحديث قال له: طيب والجهاد في سبيل الله؟ فقال ابن عمر: الجهاد حسن، هكذا حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني أمر الجهاد حسن والجهاد من دعائم الإسلام، لكن هكذا روي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذكر الدعائم الخمس وعدم الإضافة عليها.
وقد أغرب ابن بطال فزعم أن هذا الحديث كان في أول الإسلام قبل فرض الحج قبل فرض الجهاد، قال الحافظ ابن حجر: فيه نظر، بل هو خطأ؛ لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر، وبدر كانت في رمضان في السنة الثانية، وفيها فرض الصيام والزكاة بعد ذلك، والحج بعد ذلك على الصحيح. ففكرة أن ما ذُكر لأن ما فُرض بعده لا يقول لك أن هذا وهم بعيد. هذا ما تيسر ذكره والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
الشيخ عبدالله بن صالح العجيري