الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بالرجال الصالحين في صدر هذه الأمة الأولى، ومعنا اليوم بإذن الله قصة عامر بن عبد القيس التميمي.
هذا الرجل كان من أهل البصرة، وكان من العُباد الصالحين المشهورين المعدودين. وكان الأئمة يثنون عليه كثيراً، حتى إن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ذكر فضل هذا الرجل، وذكر بأن بشر الحافي كان شبيه به -بشر الحافي في زمان أحمد-. عامر كان في زمان عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ومات في خلافة إمامنا معاوية بن أبي سفيان، فهو كان من الجيل الأول، وأدرك الربيع بن خثيم وأدرك هؤلاء الزهاد الكبار والعلماء الأبرار.
وكان هو من أعبد الناس رضي الله عنه وأرضاه ورحمه، هذا الإام عامر بن عبد القيس التميمي فضل على غيره بكثرة العبادة. وذكرنا لكم بأن العلماء يقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم يكون عالماً بالله وعالماً بأمره، وقسم يكون عالماً بالله وليس عالماً بأمره، وقسم يكون ليس عالماً بالله إنما هو عالم بأمر الله. أما الأول فهو العالم الكامل، وأما الثاني فهو العالم الذي فيه نقص، والثالث العالم الفاجر، نسأل الله السلامة والعافية.
هذا القسم الثاني العالم بالله سبحانه وتعالى، هذا عنده أشرف العلمين. والانسان لما يكون عنده العلم بالله سبحانه وتعالى ويصل فيه إلى الدرجات العالية، ثم بعد ذلك يكون عنده شيء من العلم بامر الله، هذا يوفق ويهتدى ويعان فيصيب بالدليل الواحد الحق. ولكن لما شخص ما يكون عنده العلم بالله سبحانه وتعالى لا يهدى، حتى لو كانت عنده الأدلة الكثيرة. فالإنسان بالدليل الواحد يصيب، وقد لا يصيب بالأدلة الكثيرة. والفارق بين هذا وهذا هو أثر الإيمان، أثر الإيمان الذي ما زلنا لم نقدر هذا الأثر حقه.
والى الآن أنا أشعر بأن من أكبر -بل أكبر- نقص موجود في الساحة هو الحديث عن الإيمان الحقيقي، وليس الإيمان العام أو الإيمان غير الحقيقي. قبل أن تحرص على تَمْيِيق العبارات، قبل أن تحرص على جمع الكلمات، قبل أن تحرص على التحضير والتخطيط والتدبير وعلم الإدارة والعناية بقضايا الإصلاح إلى آخر هذا الكلام الطويل كله، قبل هذا كله لا بد أن تعتني بالإيمان، أن تعتني بالإيمان، أن تجاهد نفسك على تحقيق الإيمان.
وأنا أرى أن هذا الباب ما زال هناك قصور وتقصير كبير جداً من الشباب في القيام به، سواء كان على مستوى نفس التنظير الحقيقي الذي من خلاله يتم غرس الإيمان، أو كان على مستوى نفس التطبيق العملي. تقول لي ما الفرق؟ اقول لك الفرق: أن نفس التنظير لابد أن يبين شخص الإيمان كما هو، ليس أن يبين الإيمان بصورة مثالية أو أن يبين الإيمان بصورة هكذا بعيدة عن التطبيق، بعيدة عن تحقيق الإيمان، بمجرد أن يأتي الاختبار كل كلام التنظير الذي درسه الإنسان لا قيمة له.
لماذا؟ لأن هذا التنظير ما كان صالحاً للتطبيق. والانسان يقع في أحد فخين: إما أن يكون عنده تنظير خاطئ، أو يكون عنده تنظير صحيح لكن لما يأتي عند التطبيق ما يجاهد. هو ممكن ينجو بالمعركة الأولى وينتصر على الشيطان فيها، لكنه يهزم في المعركة الثانية. لذلك لابد أن نجمع بين الأمرين؛ بين الحديث الأول عن الإيمان، وأن يكون كلامنا عن الإيمان حقيقياً، ليس عبارة عن كلام هكذا مثالي نجلس هكذا ونسمع المحاضرات ونسمع الكلمة، ثم لما يأتي التطبيق العملي لا يكون عندنا أي دور.
ولماذا لا يكون عندنا التطبيق العملي؟ سبب عدم وجود التطبيق العملي أننا ما فهمنا التنظير، فننظر بكل سهولة ويسر. لكن لما يأتي تطبيقك أنت، لما يأتي الموقف الذي الآن الله يريد منك أن تثبت، يريد الله منك الآن أن تجاهد، يريد الله منك الآن أن تصبر، الله الآن يريد أن ينظر إلى قلبك، دعك الآن من التنظير، الآن تطبيق: هل تجاهد نفسك على التطبيق لما تقع عليك المشكلة، لما تقع المصيبة، لما يقع عليك المرض، لما تبتلى بهذا البلاء، ماذا تفعل؟
لا تحدثني عن إيمانك في حال عقدك للمحاضرات والندوات أو حضورك لهذه الندوات والمحاضرات والبرامج وهكذا وجود الطلاب إلى آخره، هذا سهل. هذا سهل أنك تاتي تجمع المعلومات وتحدث الناس عن الصبر وعن التوكل وعن حب الله سبحانه وتعالى وعن تقديم الله سبحانه وتعالى إلى آخره، هذا ليس أمراً صعباً. لكن هل هذا حقيقة هو واقع؟ هل لما يقع عليك الأمر مباشرة تفزع إلى الله سبحانه وتعالى؟ هل بينك وبين نفسك تقول مثل ما قال عامر هنا: أعوذ بالله أن يكون الهم موزعاً مفرقاً، وكان يسأل الله سبحانه وتعالى بأن يكون همه فقط هو الله سبحانه وتعالى، ويسعى جاهدين في التطبيق العملي أن يكون هم الإنسان هو الله سبحانه وتعالى؟
هل نحن الآن وصلنا إلى هذه الحال؟ هل وصلنا إلى مرحلة المجاهدة؟ هل نحن نجاهد أو لا؟ هي مجرد كلمات أصبح خلاص الآن الإسلام والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والعمل لهذا الدين العظيم أصبح عبارة عن أزياء، كل واحد يلبس هذا الزي، وانا داخل في هذا البرنامج وهذا البرنامج، ثم يبدأ يتكلم هكذا بكلمات منمقة. ثم لما يأتي هو الاختبار -الصغير ليس الكبير- يسقط فيه، ويبدأ يقول كلمات تقول: هل هذا سبق له أن قرأ القرآن؟ هل سبق له أن عاش مع الانبياء؟
ممكن هو يسر قصص الأنبياء، ولكن لما يأتي التطبيق تقول: كيف يفعل هذا الإنسان هذا الكلام الذي هو بنفسه نشره كيف يخالفه؟ سبب هذا أن هناك خلل في مفهوم الإيمان، إلى الآن لم نفهم كيف نتعامل مع الله سبحانه وتعالى، إلى الآن لم نفهم من نحن ومن هو الله سبحانه وتعالى. فلذلك لما يأتي التطبيق يكون هناك خلل كبير جداً في نفس الحديث عن الإيمان.
القصد من هذا الكلام كله أن مثل هذه المجالس هو الهدف منها هذا الأمر، أن نصل بقدر ما نستطيع إلى أن يكون التنظير الإيماني صحيحاً موافقاً لنفس ما جاء به الدين بقدر ما نستطيع. ثم لما يأتي التطبيق نستعين بالله سبحانه وتعالى عليه، ونعلم بأن هذا الموقف الآن هو الذي من خلاله يحصل الإيمان، وهو الذي من خلاله يثبت الإيمان.
انتبه، الإيمان ليس تنظيراً، ليس تنظيراً مجرد، هو تنظير ثم تاتي بعد ذلك لحظة التطبيق، لما تطبق ترتقي بالإيمان. الآن قبل ذلك ما ترتقي بالإيمان، لا تخدع نفسك انتبه، الآن الله يريد منك في لحظة التوكل عليه -قبل هذا تقول أنت متوكل على الله، طيب لما يأتي البلاء ابذل السبب- لكن بذل السبب شيء وتعلق القلب شيء آخر، بذل السبب شيء والتفات القلب شيء آخر، بذل السبب شيء وتذمر اللسان شيء آخر. انتبه، هؤلاء ما يملكون، الذي يملك هو سبحانه وتعالى، هذا هو التطبيق العملي.
لما يأتي التطبيق لا تنسَ هذه المعاني، لا تنسَ هذه الحقائق. تقول: طيب في التطبيق أنسى؟ اقول لك: تحتاج إلى مجاهدة وتحتاج إلى دعاء حتى تستطيع أن تستحضر مثل هذه المعاني وأن تنتصر في التطبيق، لما تنتصر في التطبيق ترتقي بالإيمان، فإيمانك بعد التطبيق غير إيمانك قبل التطبيق. ثم يأتيك اختبار ثاني، وإيمانك في الاختبار الثاني يختلف عن الاختبار الأول، ثم ثالث، رابع، وهكذا ترتقي.
الصحابة وقبل ذلك الأنبياء: متى الله سبحانه وتعالى اتخذ إبراهيم خليلاً؟ ومتى الله سبحانه وتعالى أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه قد اتخذ خليل الله سبحانه وتعالى؟ اتخذ إبراهيم خليلاً بعد ما قام لله المقامات، بعد ما أثبت الصدق، الله سبحانه وتعالى اختار إبراهيم عليه السلام ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51]، لكن مع إثبات المحبة والتعظيم والإجلال له سبحانه وتعالى بدأ يرتقي ويرتقي ويرتقي حتى قال له: اتخذ الله إبراهيم خليلاً.
وصل الدرجة كله، كذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً»، فارتقى وارتقى حتى وصل بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام إلى هذه المنزلة العالية المنيفة التي اختارها الله سبحانه وتعالى لها. القصد أن مثل هذه المجالس هي المقصود منها أن نعيش مع هؤلاء العظماء، ثم نسعى جاهدين للتطبيق.
ومن ضمن الأمور المهمة المتعلقة بالتنظير هو نفس القصص، نفس القصص الإيمانية، فالله سبحانه وتعالى أكثر من ذكر القصص في القرآن الكريم. وكذلك نجد في صدر هذه الأمة نماذج كثيرة حارصة جاهده على أن تطبق الإسلام، هذه النماذج الكثيرة التي يعيش الإنسان معها تكسب شيئاً من القوة، والانسان يتاثر بالمعنى لما يكون عبارة عن صورة، أي يكون صورة متحركة تطبيقية، بخلاف ما لو كان المعنى عبارة عن هكذا شيء مجرد ممكن يكون عقلياً يتاثر، لكن نفسياً ما يتاثر، والانسان يعيش بنفسه لا بعقله يتحرك، تحرك نفسه، فالنفس هي اللي تحرك الإنسان يتفاعل مع الحدث بالنفس لا بالعقل.
القصد عن اليوم بإذن الله عندنا قصة هذا الرجل العظيم الشريف عامر بن عبد القيس التميمي. هذا الرجل من أصحاب الجيل الأول، وكان في البصرة، والبصرة كما تعرفون انتشر فيها الزهد. وسبب انتشار الزهد في البصرة وجود هذه النماذج، وجود هذه النماذج فانتشر فيها الزهد وكثر فيها العباد، حتى كان يقول كعب لما رأى عامر بن عبد القيس: قال هذا راهب هذه الأمة، راهب هذه الأمة عابد هذه الأمة.
وكان عامر وقته كله معمور بالعبادة، فكان كثير الصلاة، فكان يققال بأنه يصلي في اليوم ألف ركعة، وقيل كان يصلي باليوم ثمانمائة ركعة، فكان يصلي من بعد شروق الشمس إلى صلاة العصر، ثم بعد ذلك يقرا القرآن إلى صلاة المغرب، ثم بعد ذلك يصلي ولا ينام إلا نومة خفيفة. وهذه حياة العُباد، العُباد حياتهم بهذه الصورة، حياتهم يكون غالب عليها نفس العبادة الخاصة. وهل هذا منهج عام؟ لا، هذا ليس منهج عام للجميع، لكن بعض الناس قد تكون هذه هي عبادته أو هذا هو دوره أو هذا هو ثغره، فيكون أكثر يومه عبارة عن عبادة خاصة، وإن كان الأصل أن يكون الإنسان شمولياً.
الأصل أن يكون الإنسان شمولياً، لكن ليس كل الناس يوفقون للشمولية، ليس كل الناس يوفقون للعلم، العلم له أهله، العلم له أهله. لكن ليس معنى هذا أن الشخص ما يكون عنده شيء من العلم؟ لا، يكون عنده شيء من العلم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال لسيد العُباد في هذه الأمة وهو أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه: «يا أبا ذر، لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم باباً من أبواب العلم خير من أن تصلي ألف ركعة».
فهنا لو كان حتى لو كان شخص أصل ثغر الإنسان هو العبادة، لابد أن يكون معه شيء من العلم، ولابد أن يكون معه شيء من الدعوة. لذلك عامر بن عبد القيس رحمه الله تعالى ورضي الله عنه لما رأى ذمياً يظلم في العراق، أدافع عنه، ولم يحتمل أن تنتهك حرمة هذا الذمي. لماذا؟ لان الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاه هذا الحق، فهنا لم يحتمل هذا، لم يحتمل، فهنا تحرك، ليس مجرد كلام أو عبادة خاصة منعزل فيها عن واقع الناس. نعم، هو غير داخل في كل شيء، هو غير داخل في المعترك السياسي، لكن هو يسعى جاهدين أن يطبق الذي يستطيع، وإن كان أصل ثغره هو نفس العبادة الخاصة.
ومثل ما ذكرت لكم، بعض الناس يكون عنده هذا الباب هو الغالب عليه، يكون هو بالأصل عابد، يعني هو بالأصل يغلب عليه هذا الشيء، فهو هو نفسه ليس هو يعني هو لا يحتمل الناس كثيراً، وهذا موجود في البشر، ليس كل البشر يحتملون الناس، وإن كان الأصل أن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، هذا هو الأصل. لكن بعض الناس مخالطته للناس ليست قوية، أو هو نفسها ما تعطيه مخالطة الناس كثيراً.
هذا ماذا نقول له؟ نقول له: لا تسقط الواجبات، يعني ما يجوز لك أن تسقط الواجبات، لكن الأمر الزائد على ذلك هذا يعود إلى تقدير الإنسان. هناك أصول لا نتنازل عنها، وهناك أمور تختلف من شخص إلى آخر، بعض الناس يغلب عليه هذا الباب وبعض الناس يعظم عنده هذا الباب. لذلك لما أرسل العمري الزاهد إلى مالك بن انس الإام مالك رحمه الله تعالى يطلب منه أن يقلل من مجالس الحديث وأن يكثر من العبادة، أي من الصلاة إلى آخره. فرد عليه الإام مالك برَد جميل يبين له اتساع الثغور واختلاف الطاقات والقدرات.
قال: رب رجل فتح عليه بالصوم ولم يفتح عليه بالصلاة، ورب رجل فتح عليه بالصلاة ولم يفتح عليه بالزكاة وبالصدقة، وربما رجل فتح عليه بالصدقة ولم يفتح له بالجهاد، وما أرى ما أنا فيه بأقل مما أنت فيه؛ فأنت منشغل في العبادة الخاصة وأنا منشغل بتعليم الناس العلم، مع كون الإام مالك لما سئل عن لما سئل بعض أهل.
مالك عن عبادة، مالك في بيته؛ قالوا: كانت عبادته قراءة القرآن، يعني هو كان مقبلًا على القراءة، لكن مع ذلك هو مقبل على التحديث، وتعرفون الذي يكثر من شيء يحاسب غير بناءً على إكثاره.
يعني الآن شخص لما يكون باليوم يصلي -مثل هنا عامر- 700 ركعة، 800 ركعة، أو قريب من ذلك؛ هذا طبيعي جداً أن الشخص إذا صلى عنده فقط الفرائض مع سنن الرواتب والوتر، هذا يعتبر جداً جداً مقلّ. فالعمري الزاهد هو من هذه الشريحة، من شريحة العباد الذين يصومون كثيراً، والذين يذكرون الله كثيراً، والذين يصلون كثيراً. هؤلاء طبيعي لما ينظرون إلى شخص أنه أكسل من التعليم إلى آخره، أن هذا الأمر يكون قلّ من التعليم.
لماذا؟ هل هنا المعيار ديني أو المعيار نفسي؟ المعيار نفسي ليس ديني، ولذلك لابد أن نضبط هذا الباب بميزان الإسلام وليس بميزان الأشخاص. ليس كل شخص يتوسع عند الباب أو باب الأبواب يحاسب الناس بناءً على هذا، خطأ! شخص لما يكون ثغر العلم غير شخص لم يكن ثغر الدعوة، غير شخص لم يكن ثغر السياسة، غير شخص لما يكون ثغر الجهاد.
لكن هل معنى هذا الآن يأتي الحدّ أن الشخص لما يكون ثغر العلم ما تكون عنده عبادة خاصة، أو لما يكون ثغر العلم ما يكون عنده دعوة، أو ما يكون عنده؟ خطأ! إذاً لابد أن نأخذ الإسلام بشموليته، نأخذ الإسلام بشموليته. فهنا لما نقيس الآخرين بناءً على نفس تخصص الإنسان، هذا ظلم، هذا ظلم، خطأ أصلاً من الإنسان وهذا لا شك أنه ليس به صحيح.
لكن بعض الناس ما يكون مفتوحاً عليه بالععلم، يكون عنده قدرة على العبادة ومفتوحاً عليه بالعبادة؛ جزاك الله خيراً، ما تأتي وتقول له: قلل من العبادة، هذا ليس هو الإسلام. كيف ليس هو الإسلام؟ لابد أن تنشغل بالععلم، وتنشغل بالدعوة، وتنشغل بكذا. نعم، ينشغل بكذا، لكن إلى أي حد؟ إلى أي حد؟ هل إلى حد أن يخل بعبادته الخاصة؟ هذا خطأً كذلك، فلا بد أن يأخذ الإسلام هكذا بهذه الشمولية وهذا الاتساع.
عامر بن عبد القيس هو من الشريحة التي فتح الله عليها بالعبادة، فتح الله عليها فتحاً عظيماً بالعبادة، والعبادة تنقسم إلى قسمين: عبادة متعلقة بالقلب؛ خضوع القلب وسجود القلب وتعظيم القلب، وعبادة متعلقة بالجوارح. الآن العبادة هنا كثيرة عند عامر، يعني إذا كان يصلي باليوم 1000 أو 800 ركعة، هذه عبادة جوارح ثقيلة، صحيحة ثقيلة، لكن هذه إذا كانت محمولة بالقلب ليست ثقيلة.
هنا نجمع الآن بين هذا وبين قول سعيد بن المسيب لما قال: ليست هذه بالعباده، عمن يصلي من الظهر إلى العصر، لماذا؟ لان هؤلاء مثل عبادة ثوار، عبادة ثقيلة أو كثيرة، ولكن يغالبون أنفسهم على هذه العبادة، يعني المغالبة هنا بدنية ليست قلبية، يعني ليس هو القلب الذي يحمل البدن، بحيث أن الإنسان هنا يصلي كثيراً لأن قلبه يدعو إلى الصلاة، لا، هو يحمل قلبه يحمل بدنه، البدن الحمل عليه الكثير لا يوصل الإيمان إلى قلبه، فيكون عند الشخص العبادة العملية لكن ما يكون عنده العبادة القلبية، وليس هذا هو الإسلام، ليس هذا هو الإسلام.
فالقصد من ذلك أن عامر هنا كان حريصاً على الجمع بين العبادتين، لذلك هو كان يقول: إني لا أخاف أحداً بيني وبين الله، وإني لا أستحي من الله أن ينظر إلى القلب، إلى قلبي، وقد خفته غيره، وكان يدعو الله كثيراً سبحانه وتعالى بأن ما يفتن، وكان يدعو الله سبحانه وتعالى كثيراً بأن قلبه ما ينصرف، بأن قلبه ما ينصرف، حتى شكي إلى بعض الولاة فيقال إنه تم الرفع، رفع دعوة فيه عند عثمان بن عفان.
لماذا؟ يقال بأنه لم يكن يتزوج، وكذلك بانه لم يكن يأكل اللحم، وقيل الجبن، فلما دعا عثمان رضي الله عنه وأرضاه، كما يروى يعني في بعض الكتب ذكر الذهبي رحمه الله تعالى، وقيل بأن عثمان لم يدعه وهذا الكلام ليس بأصواب. القصد من ذلك أنه لما سئل عن ذلك، لماذا لم تتزوج؟ فقال: إن لي نفساً واحدة، إن لي نفساً واحدة وأخاف أن تغلبني زوجتي عليها.
طيب، هل هذا الكلام حق؟ هو ليس حق بالأصل، لماذا؟ لأن الأنبياء تزوجوا، ولكن بعض البشر ضعيف وهو يعرف نفسه الضعف. بعض الناس، وهذا رأيتها في حياتي والله، أنا أعرف شخص عندنا في البلد الذي نعيش فيه، كثير الصلاة، يعني رجل لا يتجاوز الفاتحة إلا ويبكي، ما يستطيع يقرأ الفاتحة، سورة الفاتحة ما يقرأها إلا ويبكي، رجل عابد، عابد عبادة عجيبة.
وسبحان الله إلى أن تزوج كبيراً في السن، فلما قيل له بذلك كان يغضب، وإلى اليوم هو يغضب، يعني لا أحد يعترض على الزواج، وهكذا، يعني هو سبحان الله ما يقبل، وسبحان الله مفتوح عليه بالعبادة، مفتوح عليه بالعبادة فتحاً عجيباً؛ كثير الصيام، كثير الذكر، كثير الصلاة ويطلب العلم، لكن ما يثمر فيه العلم، يعني هو يقرا يقرا، لكن سبحان الله أبدا ما يثمر فيه العلم مع كثرة قراءته.
القصد من ذلك أن مثل هذا الإنسان لما تدخل معه وتعرف طبيعة هذا الإنسان تقول: نعم هذا لا يتزوج، ليش؟ كل واحد يصلح له الزواج؟ الزواج سنة من سنن المرسلين، وأكثر الناس لابد أن يتزوجوا، والزواج فيه من الأجور ما لا يوجد في غير الزواج أي في العزوبية، ولكن هل كل انسان يصلح له الزواج؟ لا، ليس كل انسان يصلح له.
يقول صراحة، العلماء قسموا النكاح إلى خمسة أحكام، قد يكون النكاح محرماً، وقد يكون مكروهاً، لكن الأصل في النكاح الاستحباب، ليس الوجوب ولا التحريم، الأصل في النكاح الاستحباب.
فالقصد أن بعض البشر يكون هكذا، نفسه فيها ضعف، وعامر هو من هذه النوعية، عامر هو من الشريحة التي لا يريد أن قلبه يذهب لا يمين ولا يسار، وبعض الناس لما قلبه يتفلت عليه يصعب عليه أن يعيده، يعني شعور القلب هكذا بسرعة يتفلت عليه فيتفرق همه، وإعادة هذا الهم به صعوبة، وإعادة الهم وجمعه يشعر أن به صعوبة كبيرة، فيعيش شيئاً من الاضطراب، اضطراب في حياته. هذا غير الإنسان الذي، وأكثر البشر طبعا ليس بهذه الطريقة، حتى ما يتأول الإنسان، حتى ما يتأول الإنسان، لكن بعض الناس نعم هو من هذه الشريحة، وهو في نفس الوقت ما يخاف على نفسه الفتنة، يعني هو مع هذا كله هو ما هذا الباب ليس قوياً بالنسبة له، يعني الشهوة عنده ضعيفة أو تكون ميتة.
لماذا؟ كثير العبادة، كثير العبادة، فهذا الإنسان ما عنده وقت أصلاً هذه النوعية من البشر، ما وقته كله صلاه وصيام وذكر، صلاه وصيام وذكر. وهذه النوعية، نوعية العباد، ما يخلطون أحداً، يعني هذه الشريحة من الناس حتى لم يكونوا مع هذا، هؤلاء ما يجلسوا حتى مع المتدينين، هؤلاء ما يجلسوا مع أحد.
هؤلاء العباد الحقيقيين تجدونهم هؤلاء أين تجدونهم؟ تجدونهم في المساجد، تجدون في المساجد هكذا، تجد مسجداً في رجل عابد يأتي قبل صلاة الفجر بساعتين، يدخل المسجد، ثم تجده يجلس هكذا لوحده بعد صلاة الفجر، ثم هذا تجدونه هكذا في بعض القرى في الأماكن، العباد هكذا شريحة مستقلة وبعيدة عن الناس، ولا تعرف عنه شيئاً.
لماذا هو هكذا؟ هو شخصيته طبيعته هكذا، غير مخالط الناس، هو نفسه أصلاً ما يحتمل الناس، يعني هذا الإنسان لما تقول لا يسمع الناس يشعر بأنه غريب، يشعر بأنه غريب، لذلك لما تقولون في سير هؤلاء لا تتعجبون، لا تتعجبون، هو يشعر بأنه غريب لما يجلس مع البشر، يشعر بأنه مختلف عنهم، لماذا؟ هذا كل وقت ذكر، كل وقت صلاة، كل وقت صيام، ما يعرف يجلس مع الناس قاعدين.
لذلك العلماء مثل سفيان الثوري، مثل الإمام أحمد، مثل عبد الله بن المبارك إلى آخر هذه الشريحة، يحبون هؤلاء، يحبون فضيل بن عياض، ويحبون بشر الحافي، ويحبون مثل ابن مسعود، يحبون ربيع بن خثيم، يحبون هذه الشريحة، مع أن هؤلاء عبد الله بن مسعود رأس هؤلاء طبعا رضي الله عنه وأرضاه، ثم ياتي بعد ذلك سفيان الثوري، والحسن البصري، وبشر الحافي، وأحمد بن حنبل، هذه الشريحة التي جمعت بين العلم بالله والعلم بأمره هم الذين يصلحون واقع النفس.
بخلاف هؤلاء، هؤلاء هم أنفسهم يصلحون، هؤلاء هم أنفسهم يصلحون، والله سبحانه وتعالى يعني ببركتهم ينصر المسلمين، لكن هؤلاء أنفسهم ما يخالطون الناس. بشر الحافي ما يخالط ناساً كثيرة، فضيل ما يخالط ناساً كثيرة، وهيب الورد ما يخالط ناساً كثيرة.
كذلك هنا ربيع بن خثيم، عامر بن عمرس، هؤلاء ما، هؤلاء طبيعتهم هكذا، هؤلاء من الذي يجلس معهم؟ يجلس معهم العلماء الكبار، ليس العلماء الذين نسميهم الناس اليوم، لا، أقصد العلماء الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه، هؤلاء بالعلم بالله، ليس بأمره، أعلى منهم بكثير، هؤلاء ليس عندهم علم كبير بأمر الله سبحانه وتعالى، ولكن هؤلاء يحبون الله، هؤلاء هذه الشريحة قلبها معلق بالسماء.
هذه الشريحة، رأس هذه الشريحة، تدري، تعرفون من؟ أويس القرني، يعني سيد هؤلاء، سيد هؤلاء الذين هم العالمين بالله سبحانه وتعالى، سيد هؤلاء على الإطلاق هو أويس القرني طبعا، هو الأنبياء شك، لكن أقصد الشريحة الآن التي عندها العلم بالله وليس العلم بأمره، هو أويس القرني سيد التابعين.
لكن هؤلاء يضبطون هذا الباب بالكتاب والسنة، يعني هم ما يشطحون، هم ما يقع عندهم هكذا، يعني مثل ما وقع عند صوفية المتأخرة، لا، هؤلاء صوفية لا إله إلا الله كما يقسمهم بعض العلماء، أي هؤلاء ليسوا الذين وقعوا بالشطح، الذين لعب عليهم شيطان وأخرجهم إلى هكذا الضلالات والبدع إلى آخره، لا، ليسوا بهذه الطريقة، هؤلاء محمين، هؤلاء على السنة، هؤلاء على السنة، فما يخرجون، لكن هم غلبت عليهم العبادة الخاصة.
وهذه الشريحة مثل ما ذكرت موجودة، وفي زماننا موجودة، وتبقى موجودة؛ شريحة طيبة تحب الله، تعظم الله سبحانه وتعالى، وفي قلبها إيمان كبير، ويصومون وهكذا، يعني يصلون صلاة طويلة، وسبحان الله يفتح عليهم.
هذا والله أذكر مرة كنا في مجلس وكان معنا هذا الرجل العابد الذي ذكرنا لكم قبل قليل، وكنا في مجلس، مجلس خير، مجلس علم، يعني كنا مجموعة، وكان الهدف من المجلس هو هكذا نقاش حول بعض المسائل العلمية وكلام قديم، فكنا جالسسن من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، يعني مجلس استمر من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، وكان معنا هذا الرجل، هذا الرجل كان معنا العابد.
فلما جاءت الساعة العاشرة -طبعا هو بعد صلاة العشاء بنصف ساعة بدأت عينه هكذا تتقلب عليه يريد أن ينام، لأن هو ينام بعد صلاة العشاء ويقوم ثلث الليل الأخير، رجل عابد، رجل الله سبحانه وتعالى فاتح عليه بالعبادة منذ الصغر- يعني هذا رجل صغير في السن ذاك الوقت، يعني العمر كان قريب من 20 سنة، ليس يعني كبير، وذاك الوقت إلى الآن هو عمره الآن قريب من 40 وإلى الآن هو هكذا؛ صيام مع صلاة مع ذكر مع سبحان الله العظيم.
فالقصد أن هذا الإنسان أراد أن ينصرف، لكن ما استطاع، لأن في أحد الأشخاص معه جلس، تغير وجهه ما استطاع أن يحتمل المجلس، ثم لما جاءت الساعة العاشرة قال لصاحب المجلس: أين القبلة؟ ما استطاع خلاص الآن هو ما استطاع أن يحتمل.
والله أني أنا اخذت يعني درس عملي منه أعظم من كل ما اخذته حتى من المجلس الذي كان الحديث فيه عن العلم وعن، كان عن العقيدة، كان أكثر بعض المسائل العقدية، فقال هو لصاحب المجلس قال: أين القبلة؟ قال: هذا اتجاه القبلة -طبعا هذا كلام قبل الأيفون، قبل الأجهزة الحديثة هذه- فقام يعني، فتوضأ وأخذ يصلي من الساعة العاشرة إلى أن انصرفنا إلى صلاة الفجر، ما نام.
طيب، نحن نتحدث الآن عن المسائل كذا، هو يصلي خلاص في عالم آخر، يصلي خلف سارية حتى ما ننظر إليه، والدموع تتصبب منه، ما استطاع أن يحتمل. هذه الشريحة من شريحة عامر، سقف هؤلاء بس، هذا الإنسان هو من هذه الشريحة، من شريحة العباد.
فبعض الناس يكون بهذا الطريق، والعلماء يحبون هؤلاء كثيراً، مثل هؤلاء ما عندهم غيبة، هؤلاء ما عندهم نميمة، هؤلاء ما يقعون بعرض الناس، هؤلاء ما، هؤلاء ما يتكلفون، هذه الشريحة شريحة صافية جداً ونقية.
لكن الشريحة الأخرى التي معها العلم بأمر الله، هي التي يحمى بها الدين، هي التي يحمى بها الدين، أما هذه الشريحة تعين تلك الشريحة، وتدعو لتلك الشريحة، وتلك الشريحة تحب هذه الشريحة أكثر من محبتها للكثير من طلاب العلم، لماذا؟ لأن هؤلاء يغلب عليهم التأثر بالواقع، أما هؤلاء يكونوا صافين.
ولكن يبقى المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. عامر بن عبد القيس لما رفض أو لم يقل به الزواج، وقيل بأنه كان يسعى للزواج لكن ما يسر له هذا الأمر، كان عامر منشغلاً بالعبادة، كان عامر منشغلاً بالعبادة الخاصة فلذلك هو ما حرم النكاح ولا قلب النكاح محرماً، لكن هو يرى بأن هذا يفرق قلب الإنسان، وهو يريد أن يجمع قلبه على نفس تعظيم الله، لا يريد أحد أن ينازع الحب لذلك.
وسأل بعض أصحابه بعد ما تزوجوا: ينشدكم الله، هل قلبكم الآن بعد الزواج مثل قلبكم قبل الزواج؟ هل لم يرزقكم بابناء؟ القلب مثل ما كان قبل ذلك؟ طبعا هذه الطريقة بالحديث ليست بصحيحة 100% لأن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج، لكن مثل ما ذكرت لكم بعض الناس ما يستطيع.
هو خلاص يشوش عليه، ويشوش عليه. وبعض الناس لا، ليس بهذه الطريقة، وأكثر الناس ليس بهذه الطريقة، وهي موازنات، والأصل شيء والاستثناء شيء، والخطأ يكون خطأ حتى ما نقول هؤلاء ليسوا أنبيَاء، فما نتكلم الآن عن الأنبياء الذين اقتدي بجميع أفعالهم، لكن نحن نتكلم الآن عن هذا الرجل بماذا تميز؟ بماذا فُلِّض؟ ونريد أن نأخذ بقدر ما نستطيع فهم هذه الموازنات.
فبعض الناس مثل ما ذكرت يكون من هذه الشريحة تغلب عليه العبادة، ويفتح عليه فيها فتح كبير، وهذه النوعية من الناس لو تزوجت من شريحة مختلفة عنها ينتكس انتكاسة كبيرة، مستحيل مستحيل، أما أن يقع بالإثم، يعني يقع في التقصير في حق الزوجة أو أن العبادة ما يستطيع أن يفعلها كما يريد. فهنا الموازنة عنده تكون صعبة، وأحياناً الشخص ما يستطيع أن يوازن، أحياناً شخص يترك بعض المستحبات من أجل أن يحمي قلبه.
تقول لي: كيف يترك مستحب من أجل يحمي قلبه؟ أقول لك: هو عنده مستحبات كثيرة يقوم بها، وهذا النوع من الأعمال لو فعل ما استطاع أن يحمي قلبه، أنا لا أتكلم عن نفس العمل، أتكلم عن القلب، والقلب ترى مشكلة، يعني القلب إذا تحرك على الإنسان وتغير عليه، من غير أن يستطيع الإنسان يتعامل معه ويحسن التعامل معه، يدخل في معركة، فهو ممكن يترك بعض الأشياء مراعاة لقلبه، وهذا فقه في تعامل الإنسان مع نفسه.
فالانسان ممكن يترك بعض الأعمال من أجل أن يحمي قلبه. هنا عامر يترك هذا الباب العظيم من الخير من أجل باب هو يرى بأنه أعظم، ويرى بأنه أفضل، لكن هذا حكم خاص، هذا ما يكون حكم عام. وأذكر كان عندنا بعض كذلك أذكر كان عندنا بعض الطلبة في حلقات، كل طلبة طبعا يريدون الزواج بعد ما يصلوا سنا معيناً، إلا طالب واحد، وكانوا يقولون: لا، دعوه وشأنه، هو لا يصلح للزواج أصلا. في شريحة، نعم، هي ليست كثيرة يا إخوان، نفرق بين الأصل وبين الاستثناء.
ما يصير نأتي هكذا بكلام ونطبق على كل الناس، نعم نجعل الأصل أصل والاستثناء استثناء، لكن لا نزيل الاستثناء، لا نقول إن لا يوجد استثناء؛ ابن تيمية ما تزوج، البخاري ما تزوج، الطبري ما تزوج، النووي ما تزوج. طيب هؤلاء ليسوا هم قدوات في هذا الباب، لكن قد يكون الشخص هكذا عنده حال معينة ما يستطيع، أو إذا تزوج ممكن يظلم المرأة، ممكن يظلمها. طيب هنا الآن تريد أن يقوم بفعل مستحب فإذا هو وقع بمحرم؟ انظر، هذا الباب يحتاج إلى فقه، نميز الأصل عن الاستثناء.
فالقصد من ذلك، وثم بعد ذلك ممكن نقول بأنه أخطأ، عادي، إذا ما اردنا أن نقول بأنه معذور، نقول: أخطأ، هو ليس نبي بالنهاية. فالقصد من هذا الكلام كله أن هنا عامر رحمه الله تعالى كان يسأل أصحابه: ألم يتفرق القلب؟ نعم، هو استعظم أن يتفرق قلبه، ما يستطيع أن قلبه هكذا ينصرف عن الله سبحانه وتعالى، يقول: لا، ما يستطيع، هو هكذا. ودعا الله سبحانه وتعالى بأنه لا يخاف من أحد سوى الله سبحانه وتعالى، يقول: فمنّ الله عليه حتى ما أخاف أحداً بيني وبين الله سبحانه وتعالى.
ويقال كذلك بأنه نُفي من العراق بعد ما وشى به بعض الواشون وتكلموا به وطعنوا عند الأمير بأن هذا الإنسان لا يأكل الجبن أو لا يأكل اللحم، وأن هذا الإنسان ما يتزوج، وأن هذا الإنسان شانه كذا وكذا وكذا، فتم نفيه بعد ذلك إلى الشام، فقال: الحمد لله الذي حشرني راكباً إليه. ويقال بأنه نزل في أحد الوديان وراى كذلك هناك غلام يقال له هممة، فجلس معه وتعبد الله سبحانه وتعالى كثيراً. القصد أن هذا الإنسان من صنف العباد الذين بهم شبه من الملائكة، الذين عبادتهم تكون عبادة خاصة أكثر من العبادة الجماعية.
نعم، ليس هذا هو الأصل بالإسلام، ليس هذا هو الأصل بالإسلام، ولكن هل تنصرون أو ترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم؟ هل يأتي النصر على أمة ليس فيها مثل عامر؟ هل ينزل النصر على أناس ما فيهم أشخاص يقومون في جوف الليل الآخر ويرفعون أيديهم إلى السماء ويدعون الله سبحانه وتعالى؟ هل تظنون بأن النصر هو فقط معلق بالسياسيين والمجاهدين والدعاة؟ هل تظنون بأن هذه الأمة تنصر فقط بوجود المجاهد الفلاني أو وجود الداعي الفلاني أو وجود العالم الفلاني، من غير وجود العابد الفلاني؟ يغفل الناس كثيراً عن أثر دعوات السحر، الناس ما ينظرون إلا إلى الظاهر، والاسلام يكشف لنا طبيعة هذا المنهج، النصر كيف يكون؟
لما راى سعد بن وقاص رضي الله عنه له فضلا على من دونه؛ سعد مجاهد، سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله، سعد شجاع ما يخاف قوي، فقال: يا رسول الله، وراى بأن له فضل على من هو دونه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام له: «هل تنصرون أو ترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم؟». يعني هل تظن بأن النصر فقط بسيفك يا سعد وسيفك يا سعد وفعل الزبير وطلحة إلى آخره، من غير وجود مثل فلان وفلان وفلان وفلانية وفلانية وفلانية؟ يبين شمولية الإسلام، وأن نصر الإسلام ليس معلق بالظاهر الذي ترونه فقط.
هناك دعوات، لذلك لما قيل لنور الدين الزنكي: لماذا تعتني بهؤلاء العباد؟ لماذا تهتم بهؤلاء وهم لا يصنعون شيئاً؟ فقال: إن لي جيشان، الجيش هذا الجيش اللي ترون العساكر والمقاتلين هؤلاء، والجيش الثاني هؤلاء، دعاء هؤلاء بالسحر وسهام هؤلاء أبلغ. وليس معنى هذا أن الجهاد يتم، لا يفهم هذا الكلام هكذا اختزاله، لا، لا ناخذ الإسلام بشموليته، نعم ليس هذا لوحده يكفي، هذا ليس من الدين في شيء أنه يتم عدم وجود بذل الأسباب وعدم الجهاد في سبيل الله إلى آخره.
وذكرنا هذا في سيرة عبد الله بن مبارك لما أرسل الفضيل بن عياض: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعباد تلعبُ. لماذا؟ عبد الله بن مبارك مجاهد وبهؤلاء، وقال: صدق أبو عبد الرحمن الفضيل بغتة هذه الرسائل، لكن هذا ثغر، وهذا ثغر، وهذه مجموعة، وهذه شريحة، وهذه شريحة، والواجب على الإنسان يفعل مراد الله سبحانه وتعالى لا مراد نفسه.
ومثل ما ذكرت: الأصل شيء والاستثناء شيء، والثغر شيء والشمولية شيء، فلما نقول ثغر ليس معناه عدم الشمولية، لكن معناه أن هذا الباب يكون له طبيعة مختلفة عن الباب الآخر، هذا هو المقصود، والإسلام يقوم بالجميع، ولذلك قال مالك العمري الزاهد، قال: ما أرى ما أنا فيه بأقل ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، فانت على خير وأنا على خير. أبو ذر الغفاري عابد زاهد صالح، ومعاذ بن جبل عالم زاهد صالح، وخالد بن الوليد مجاهد بطل، وابن عباس ترجمان القرآن الكريم. بهذا وهذا وهذا بالمجموع يقوم نصر الإسلام.
والسعيد من منّ الله عليه وبصره بمعرفة نفس الثغر الذي يستطيع من خلاله أن ينصر الدين، وأن يفهم شمولية الإسلام العامة حتى يوجه الناس له التوجيه الصحيح، وكذلك أن يفهم التطبيق الخاص الذي من خلاله لا يفتن بتوسع ولا بتضخم، وفوز عند الله سبحانه وتعالى بمثل هذه المقامات. الله أسأل أن يمن علينا وعليكم لفهم الإسلام وتطبيق الإسلام والقيام لهذا الدين بما يحب الله سبحانه وتعالى منا أن نقوم به، إنه ولي ذلك القادر عليه، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري