الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.
فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل هذه المجالس المتعلقة بالتابعين وأتباع التابعين وأتباع الأتباع. وكنا قد ذكرنا في بداية هذه المجالس الحديث عن العباد من التابعين وأتباع التابعين، وبعد ذلك انتقل للحديث عن العلماء العباد، وبدأننا بسيرة وترجمة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
واليوم إن شاء الله تعالى سيكون معنا عالم من العلماء الكبار، عالم من العلماء الذين لا نظير لهم في الزمان الأول فضلاً عن الزمان المتأخر. لماذا أقول هذا الكلام؟ أقول: لأن هذا العالم اجتمع فيه ما تفرق في غيره، فإن كان سفيان رحمه الله تعالى رحمة واسعة قد جمع بين العلم والعمل والعبادة وقول الحق، فهذا الرجل زاد عن غيره من العلماء بخصلتين اثنتين: الخصلة الأولى الجهاد في سبيل الله، والخصلة الثانية كثرة المال وإنفاق هذا المال في سبيل الله.
فهذا العالم الكبير عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى كانت به مميزات يقل وجودها في الناس. يرى الشخص في حياته من يكون مميز بالعلم ولكن لا يكون مميز بالعبادة، ويرى من يكون مفتوح عليه في العبادة لكن ما يكون مفتوح عليه في الصدقة وإعانة الناس، ويرى من يكون همه في هذه الحياة إعانة الناس وتفريج الكربات، ويفتح الله سبحانه وتعالى على يديه الفتوح الكبيرة في هذا ولكن ما يكون كبير في العلم ولا في كذلك في العمل الخاص، فممكن يقصر كثيراً في الأعمال، وهذا نراه كثيراً.
وكنت في حياتي أتعجب من هذه المشاهد، لما أنظر إلى شخص وأعجب به، كيف أن هذا الإنسان هكذا يفتح عليه فتوح عظيمة! حتى إني أعرف بعض الأشخاص الله سبحانه وتعالى استعملهم استعمال عجيب في تفريج الكربات؛ خاصة الكربات الخاصة من العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بشكل عجيب. وكنت أقول في نفسي -وأنا أعرف هؤلاء المشايخ- كنت أقول: هؤلاء من أين يعيشون؟ فبعد مدة من الزمن لما ألتقي هكذا مع أناس لهم صولة وجولة ولهم تأثير، يخبرني يقول: إن فلان أنا أعطيتك كذا ولله الحمد. وأنا طبعا يقول: والله لا يلف أحد عن هذا إلا الله وأنت. لكن هو يقولها، ما أدري لماذا يقول هل هو من باب أن الله سبحانه وتعالى يكشف شيء من اسرار العبد في مثل هذه المجالس الخاصة حتى تنقل عنه؟ لكن هو لا يريد أحد أن يعرف، لكن يقول لي مثل هذا الكلام. فتعجب أن فلان أعطاه كذا، وفلان أنفق عليه كذا، فيكشف لي بعد ذلك كيف أن هذا الشخص يحصل المال، أو كيف أن هذا الشخص يعيش.
القصد من ذلك أن هذا كثير، هذا كثير. ثم ترى شخص مفتوح عليه في العباده بشكل عجيب، لكن ما ترى أن هذا الإنسان يفتح عليه بباب آخر، يعني هو في العبادة تجد إنسان صالح هكذا مصلي عابد، لكن في نفس الوقت ما تجد هذا الإنسان في أبواب أخرى له حضور قوي. وهذا نفس الأول الذي الله سبحانه وتعالى استعمله في تفريج الكربات، تتعجب أنه يعني العبادة عنده قليلة ليست كثيرة. شخص آخر تجد من أصحاب قول الحق وتجد عنده دعوة وحياته كلها دعوة، يعني في كل يوم يجالس الكثير من الناس ويدعو إلى الله سبحانه وتعالى، لكن مع ذلك عبادته الخاصة قليلة، ما تجد عنده عبادة خاصة، هو نفسه يحدثني يقول: أنا ما عندي، ترى أنا ليس عندي عبادة خاصة كثيرة لكن مفتوح عليه في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
فمرجع هذا بالنسبة لي أمرين اثنين: الأمر الأول هو طبيعة الإنسان، يعني هذا الإنسان فتح عليه في هذا الباب، أو هو يجري مع طبيعته؛ فهذا الإنسان من طبعه يحب المساعدة، هذا الإنسان من طبعه يحب خلطة الناس ودعوتهم يحب التحدث، هذا الإنسان من طبعه يحب العزلة والجلوس هكذا مع نفسه. هذا الطبع بعد ذلك يستثمر الشخص في العبادة ويفوز عند الله سبحانه وتعالى في العمل، ولكن ما يفوز بالكمل. تقول لي كيف؟ يعني أقول لك يعني الإنسان لما يكون من طبعه محبة خلطة الناس -يعني يكون فرصة الدعوة طبيعي- أنه يكون وقته في الدعوة أكثر، لكن المشكلة أن يكون عنده تقصير في جانب العبادة؛ هو ما أعطى العبادة حقها العمل الخاص فقصر به. شخص آخر يحب العلم ومفتوح عليه في العلم، طبيعي جداً أن يكون أكثر وقته في العلم والتعليم، طلب العلم والتعليم، لكن في العبادة الخاصة تجده ما يعطيها حقها، طبعا طبيعي جداً أن العبادة التي ستكون من هذا ليست كالعبادة التي تكون من العابد، هذا أمر طبيعي.
ولكن أتكلم الآن عن الشق الثاني المتعلق بالخاص، كيف يستطيع شخص أن يجمع بين العلم والعبادة ونصرة المستضعفين وخلطه الناس ودعوتهم إلى آخره بطريقه شمولية بحيث ما يطغى شيء على شيء، ويكون هذا الإنسان لم يفتن لا بقليل ولا بكثير؟ ذكرت لكم في المجلس الماضي بأن الفتنة تنقسم إلى قسمين: الفتنة التي هي عبارة عن سقوط الإنسان، هذه خطيرة جداً ودليل على فساد هذا الإنسان. لكن الفتنة الثانية التي لا يكاد ينجو منها إنسان، وهي فتنة تقديم المفضول على الفاضل. تقديم المفضول على الفاضل قد يكون عمل مفضول في حق شخص وفاضل في حق آخر، لكن هذا الإنسان يقيس نفسه على غيره فيفعل المفضول الذي هو لغيره فاضل، فذاك يفوز بالفاضل وهذا يخسر الفاضل ويأخذ المفضول.
وهذا له تفصيل هنا، موازنة المفضول مع الفاضل صعب الواحد ينجو منها، صعب. طبيعي أنه يسقط أحياناً، يعني أحياناً يعمل مفضول ويخسر شيء من الفضل، لكن فرق كبير بين من دائما ما يفتن بهذه الفتنة، ودائما يكون بالمفضول ويخسر الفاضل، وبين شخص يكون هكذا المفضول يسير في حياته والأصل أنه مستقيم على الفاضل. عبد الله بن مبارك هذا رجل عجيب، هذا رجل عجيب وأنا أحب هذا الرجل كثيراً، وهذا الرجل من الرجال الذين تأثرت بهم في مرحلة عمرية معينة، وأقول لكم كلمة: سير هؤلاء حياة. سير هؤلاء العظماء حياة، والانسان لابد أن يكون عنده ورد من قراءة السير.
ومن يعتني بهم الإنسان؟ أربعة. الأول وهم أعظم الناس على الإطلاق وأهم الناس على الإطلاق الأنبياء، يعيش مع قصص الأنبياء كثيراً وليس قليلاً حتى ما يفتن، يعرف كيف هي العبادة؟ كيف هؤلاء حققوا العبادة؟ ثم بعد ذلك ينظر إلى سير الأصحاب، خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين، مع القصص المذكورة في القرآن الكريم؛ مؤمن آل فرعون، مؤمن آل ياسين، وهكذا. الدعاه في القرآن الكريم، هذا القسم الثاني الذي يلي الأنبياء مباشرة.
القسم الثالث هم السلف الصالح، هم السلف الصالح التابعون وأتباع التابعين وتبع الأتباع. هذه القرون الثلاثة المفضلة: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. القرون المفضلة هذه بها نماذج كثيرة وليست قليلة ونماذج عظيمة، هؤلاء هم أتقى الناس في هذه الأمة بعد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فمن المهم جداً يعيش شخص مع هؤلاء، ومن المعيب -أو لا أقول من المعيب لأن هذه الكلمه ليست معبرة عما في النفس، من الخسارة أفضل من المعيب، لأن المعيب لما نقول كلمة المعيب شخص يشعر بأن هذا الأمر يفعله حتى ما يكون عيب، لا، إنما يقول: أنت تخسر، هذه كلمة أفضل، أن تخسر- لما ما تعرف من هو بشر الحافي، لما ما تعرف من هو الفضيل بن عياض، لما ما تعرف من هو الربيع بن خثيم، لما ما تعرف من هو محمد بن واسع، لما ما تعرف من هو مالك بن دينار، لما ما تعرف من هو سعيد بن المسيب، من هو سعيد بن جبير، لما ما تعرف من هم هؤلاء العظماء!
وسبحان الله وأنا أعيش مع هؤلاء أقول: سبحان الله كيف أن هذا الدين ما يموت؟ كيف أن جيل يسلم جيل؟ كيف أن يكون في الزمان الأول سعيد بن المسيب والحسن البصري ومحمد بن سيرين إلى آخره، ثم ياتي بعد ذلك أناس هكذا يستلمون الراية، ويتعجب التابعون من أتباع التابعين، ويعجب هذا الرجل الكبير في السن من هذا الطالب الذي بدأ للتو يتلقى العلم، كيف أن في هذه الديانة وفي هذا الوضع كيف لما مالك ينظر إلى الشافعي ويقول: إن الله قد ألقى عليك نوراً فلا تطقفه المعصية! كيف أن جيل يذهب وجيل يأتي، وكيف يستلمون الراية، قسم هكذا يأخذ الراية من قبله ثم يعطيها من بعده؟
القصد أن هؤلاء لما تعيش معهم تجد حياة أخرى مختلفة تماماً عن الحياة التي نعيشها في الزمان الذي نعيش فيه. لذلك هذا الرجل نفس عبد الله مبارك لما كان يقال: لماذا ما تجلس معنا وتجلس في بيتك كثيراً؟ فيقول: أنا أجلس مع الصحابه والتابعين وأنتم تغتابون الناس. من يحدث؟ هو يحدث أهل الحديث. تقول لي كيف هذا؟ أقول لك: الإنسان يتوسع لما تكون في زمان الجرح والتعديل زمان الانتقاد هنا في حد للجرح، ثم بعد ذلك يدخل حظ النفس، هذا يحدث كثيراً عند الإنسان من حيث الإنسان عبد الله مبارك كان واعي لهذا، لذلك عبد الله مبارك كان شمولياً، كان لا يريد أن يجلس مع أي إنسان إلا الجلسة التي يستحقها وتكون فيها فائدة، فإما أن يفيد أو يستفيد، أما ما سوى ذلك هو ما يفعلها من باب التوسع بالانس، إنما يجلس مع الصحابة والتابعين ويعيش معهم.
فالقصد أن العيش مع هؤلاء العظماء حياة. العيش مع هؤلاء العظماء يجعل الإنسان يتأثر، يجعل العيش مع هؤلاء يجعل الإنسان يسعى جاهدًا للتشبه بهم للتشبه بهم.
القسم الرابع هم المفتوح عليه من علماء الإسلام وعظماء ومجاهديه على مر العصور. هذا القسم الرابع يعني مثلاً بعد القرون المفضلة ينظر إلى مثلاً ابن تيمية، ينظر إلى صلاح الدين إلى آخره حتى ياتي في زمننا هذا، حتى في زماننا هذا وفي كل زمان أناس صالحين يذكرون بالسلف الأول. أن هذه سلسلة، هذه سلسلة لا تنقضي ولا تموت. نعم يقل العدد، لكن نفس الجودة تكون متكررة؛ يعني سورة بشر الحافي هي موجودة في الفضيل بن عياض، وصورة الفضيل بن عياض هي موجودة قبل ذلك في محمد بن واسع وفي عامر بن عبد قيس، وهكذا قبل ذلك تاتي عند الصحابة، ثم بعد ذلك ياتيك أحمد بن حنبل، وهكذا. فجيل يسلم جيل، جيل يسلم جيل.
وأشبه الناس بعبد الله بن مبارك من العلماء هو ابن تيمية، إلا أن ابن تيمية لم يكن صاحب مال بخلاف عبد الله مبارك. أشبه الناس بعبد الله بن مبارك من علماء الإسلام في تقديري هو شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية، إلا أن ابن تيمية لم يكن صاحب مال بخلاف عبد الله مبارك. فابن تيمية كان منتصر بالناس بقلمه ولسانه، وكان يسعى جاهدًا في تفريج الكربات، وكان كذلك هو مجاهد ويجاهد ويقاتل في سبيل الله، وكان كذلك عالم وكذلك كان عابد وذاكر الله. ابن تيمية شمولي، ومثل ما ذكرت هذا قسم من العلماء ليس كثير، هذا قليل. عبد الله بن مبارك كان من هؤلاء.
وتقول كيف حياة هذا الانسان؟ أقول لك هذا الانسان تبي تعرف لماذا وصل إلى هذا إلى ما وصل اليه بعد فتح الله وتوفيق الله له؟ هذا رجل لم يكن عنده وقت فراغ، ولم يكن هذا الانسان ممن يكتفي بعمل دون الأعمال، إنما هو كان حريص أنه يشارك في كل شيء، لذلك فتح عليه وعبد الله بن مبارك قطعا مفتوح عليه. فتجد عبد الله بن مبارك بار بوالديه، فلما يرجع ويلتقي مع أبيه وأمه يذلهما يذلهما، كما جاء في سيرته بأن والده كان عبد، والده كان عبد لتاجر، وكان عبد الله إذا قدم إلى هذه المنطقة، منطقة همدان، كان يخضع لوالديه، يخضع لوالديه ويعظمهم، حتى أن والده مرة من المرات غضب عليه وقال: أحرقن كتبك. فرد عبد الله بن مبارك بأن الكتب موجودة في صدري، يعني حتى لو حرقت الكتب العلم موجود معي.
فالقصد أن عبد الله مبارك كان معظماً لوالديه، وبر الوالدين يفتح للعبد أبواب كبيرة من الأعمال الإسلامية ما يأخذها الإنسان بجهده وبتقديره وبتخطيطه. والله إن هذا الدين مختلف تماماً عما نظنه، الدين هذا محمي بالله سبحانه وتعالى. عقل الإنسان صغير، عقل الإنسان عقله محدود وعلمه محدود. العقل مع العلم إلى آخره هذه كلها أمور لها حد، لها حد. أما الذي لا حد له البركة، أن الله يختار هذا الانسان ثم بعد ذلك الله سبحانه وتعالى هو الذي يوجهه، فيكون العقل مع العلم مثالاً مثال الربان الذي يقود السفينة؛ لما تكون هذه السفينة في بحر متلاطم الأمواج هل يستطيع هذا الإنسان بذكائه أن يتفادى الأمواج؟ لا يستطيع، لكن هذا سبب فقط، يعني عقلك وقوته وحدتك وكذلك علمك ومعرفتك وخبرتك إلى آخره، سواء كان بالإنسان أو كان بالعلم عموماً وجمع العلم إلى آخره، وعلاقاتك هذه كلها عبارة عن سبب، والله ربط النتائج بالاسباب، أنا ما أمنع الأسباب لكني أقدر السبب، ففرق كبير بين الأصل وبين التقدير.
فالسبب يبقى سبب، لكن هذا السبب، سبب إذا ما كان معه نية، إذا ما كان معه حماية إلهية، إذا ما كان معه عطاء من الله سبحانه وتعالى ومحبه، لن تستطيع لن تستطيع مهما.
حاولت لن تستطيع. لماذا؟ لأنك أضعف من القدر، القدر أقوى منك، وانت ضعيف مهما كنت ذكي، أنت ضعيف مهما كنت قوي. لذلك عبد الله بن مبارك نجد في حياته هذا السر، نجد في حياته أنه من صغره هو نشأ على خير وصلاح.
هنا تعظيم الوالدين، هذه بركة عظيمة، لا يعلم أثر هذه البركة إلا الله سبحانه وتعالى؛ يعني بر الوالدين، سبحان الله، هذا يعني هذا العمل بالذات، أنا عشت معه كذلك مرحلة هكذا، وما زلت يعني أحياناً أعيش معه وأرجع إليه من فترة لفترة، حتى قبل قليل والله سبحان الله كنت أجلس مع نفسي وأتفكر في بر الوالدين وتفكر في بعض المواقف التي رأيتها يعني في الحياة، كيف أن هذا الإنسان كان يبر أمه وكنت أذكر هذا الشيء، ثم لما كبر عق أبنه، هو يشتكي من أبنه.
طيب كيف؟ فكشف لي شخص آخر قال لي: شفت هذا فلان؟ قلت: نعم. قال: نعم، كان باراً بأمه لكن كان عاقاً لأبيه. سبحان الله! والله مع هذا أعيش، وكنت أسمع هكذا وأقرأ أو أستمع في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾ [الإسراء: 23] الأب له بر خاص.
بعض الناس شفتهم يبر أمه ويترك والده، وسياتينا إن شاء الله، يعني ساتكلم عنها بتفسير سورة الإسراء بإذن الله إذا الله يسر في هذه الليلة، لكن القصد أن هو يبر أمه صح، لكن يعق والده، تفسر لأنه أمر ببر الوالدين وكل واحد منهما له بر خاص، فحتى لو وقف بينهما خلاف هذا له بر وهذا له بر، ما تدخل مع أُمك تقف معها ضد أبيك، لا يجد لك هذا شيء، وحتى لو أمرتك أُمك ببر والدك ما تفعل هذا لأن أُمك أمرتك، إنما لأن الله هو الذي أمرك.
أحياناً تكون أم صالحة فتقول: ليست لك علاقة فيما يقع بيني وبين أبيك، هذا يبقى أبوك. حتى لو فعلت هذا من أجل أُمك ما ينفع، لماذا؟ لأنك ما امتثلت أمر الله، أنت الآن أطعت، أنت الآن اشتركت مع والدتك في في الطاعة -ليش شركة الكفر؟ نعم أدري، لكن هنا أطعت والدتك ولم تطع الله- الله هو الذي جعل هذا الحق لهذا الإنسان وهذا الحق لهذه المرأة، هذه الأم، هذه الأم.
القصد أن عبد الله بن مبارك كان معظماً لوالديه، وهذا هذا يعني هذا العمل هو الذي كشف لي سيرة عبد الله بن مبارك، أنه لا يستطيع الإنسان أن يجمع بين الجهاد في سبيل الله وأن يكون من أشجع الناس في القتال، ثم في نفس الوقت هو تاجر ويعمل في التجارة وينفق إنفاقاً عجيباً وعنده سماحة نفس عالية، حتى إنه لما يسافر مع الناس هو الذي يشترط عليهم بأنكم ما تنفقوا شيء، إنما كل شيء عليه، فينفهم عليهم.
ثم هو نفسه لما يسافر كذلك يطعمهم فالوذج الحلوى وهو وهو صائم، لا يطعم يعني هو يطعم ولا يطعم، هو يطعمهم ولكن هو نفسه ما يطعم معهم بالسفر، إنما يكون صائماً، يعني هو حريص أن يفوز بأجر الإنفاق وكذلك بأجر الصيام، عجيب.
وكذلك هو لما صاحب قوم من الصوفية، ينظروا إلى سبحان الله فتح الله على هذا الرجل، لما صاحب قوم من الصوفية أي العباد والزهاد وهؤلاء العابد زاهد سبحان الله يكون دائماً ما يحب أحد يأخذ من أحد، فقال لهم رحمه الله تعالى لما صاحبهم: هاتوا نفقاتكم. فأخذ منهم النفقات، ثم أخذ هكذا مثل القدر وقال: كل واحد يضع ماله تحت منديل ثم ننفق على أنفسنا من هذا المال.
هو الآن يريد أن يحتال عليهم لأنهم يقبلون هم الآن هؤلاء ما يقبلون، وقال لهم: انتم لكم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم، هم العباد هكذا، العبد سبحان الله يتورع أكثر من العالم، أكثر من العالم لما ما يكون عنده عنبلة وذكرناها في السيرة الماضية، فالعابد يكون ورع عنده عالي، باب الورع عنده كبير، فما يريد أن يأخذ من أحد شيء، ممكن يعيش على التقشف ويعيش على الماء الحار وعلى أكل اليابس ومع ذلك ما يأخذ، لماذا؟ هكذا يحتشم، عند هذا الباب عالي، وعبد الله بن مبارك بصير ويعرف أن هذا القسم من الناس ما يقبل، فكان يقول: أنتم انتم لكم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم.
يا غلام هات طست، فألقى عليه منديلاً ثم قال: يلقي كل رجل منكم تحت المنديل ما معه. يعني هو كل واحد الآن يدفع الذي عنده من أموال، فجعل الرجل يلقي 10 دراهم والرجل يلقي 20 درهماً وهكذا، فانفق عليهم عبد الله بن مبارك، جعل المال هذا كله داخل هذا الطست وانفق عليهم، ثم بعد ذلك لما رجعوا قال عبد الله بن مبارك: دعونا نقسم ما بقي من المال الذي عندنا.
فجعل يعطي الرجل 20 ديناراً، والدينار 10 دراهم، فكان يقول: يا أبا عبد الرحمن إنما أنا أعطيت 20 درهماً! فيقول: وما تنكر أن يبارك الله للغازي في نفقته؟ يعني شخص يدفع 20 درهماً ثم هو يرد عليه ب 20 ديناراً. لماذا هذا كله؟ جود نفس، جود نفس مع أن هو نفسه من أزهد الناس وأقل الناس إنفاقاً على نفسه، لكن هو عنده هذا الجود.
فكان يقول له كذلك الفضيل بن عياض، وسبحان الله كذلك من الأشياء العجيبة في سيادة هذا الرجل تعظيم أصحابه له، وهذا ترى قليل يعني أن يكون الأقران يعظمون رجلاً بهذه الطريقة، هذا يدل على أن هذا إنسان مختلف، فمالك بن أنس يعظمه، سفيان بن عيينة يعظمه، سفيان الثوري يعظمه، عبد الله الفضيل بن عياض يعظمه، هكذا أقران يعظمونه تعظيماً كبيراً، وهو كان من صفته أنه أقل الناس خلافاً لإخوانه لأصحابه.
تعرفون طبيعي أن هكذا الناس الذين يعيشون في زمان واحد أحياناً يقع بينهم خلاف، وأحياناً النفس تحضر، وأحياناً يعني يقول الشخص بعض الأشياء، هو من أقل الناس خلافاً لإخوانه، هو من أقل الناس خلافاً خلافاً لإخوانه وأصحابه. فالقصة من ذلك أن عبد الله بن المبارك هو بهذه الصورة، فكان العلماء يثنون عليه هذا الثناء الكبير.
وكان هو من أكثر الناس نفقةً مثل ما ذكرت، فكان الفضيل بن عياض يقول له: أنت تامرنا بالتقلل وأنت عندك هذا المال؟ يعني تامرنا بالتقلل والتزهد، فكان يقال له في ذلك، فكان يقول له الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: أنت تامرنا بالزهد والتقلل والبلغة ونراك تاتي بالبضائع، كيف ذا؟
فكان يقول: يا أبا علي، إنما أفعل هذا لأصون وجهي وأكرم عرضي وأستعين به على طاعة ربي. فقال له الفضيل: يا ابن المبارك، ما أحسن ذا إن تم ذا! ما أحسن ذا إن تم ذا!
وكذلك عوتب عبد الله بن مبارك فيما يفرق من ماله في البلدان، فكان يقول: إني أعرف مكان قوم لهم فضل وصدق، طلبوا الحديث فأحسنوا طلبه لحاجة الناس إليهم، احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بث العلم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم.
يعني انظروا هذا الرجل، كان ينظر إلى هؤلاء، هؤلاء كانوا ينشغلون في طلب العلم وكانوا في السابق يسافرون، فكان الرجل يهاجر ويسافر، ويعطونه في البلدان، هذا من أين أن يأتي بالمال؟ فكان يقوم مثل عبد الله بن مبارك، ويستعمل الله سبحانه وتعالى هذا الرجل في الإنفاق على هؤلاء، في الإنفاق على هؤلاء.
وفي الحديث: «نِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ». والرجل لما يعطيه الله سبحانه وتعالى المال وينفق هذا المال ويسلطه على هلكته في الحق، هذا يغبط، هذا يغبط ذابو أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويجاهدون كما نجاهد، ويعتمرون كما نعتمر، ولهم فضل من أموال يتصدقون بها، فعلمهم النبي عليه الصلاة والسلام الذكر، فععلم بذلك أصحاب الأموال فصنعوا كما صنعوا، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: «فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
رجل يكون عنده مال ثم يسلط هذا المال في هلكته بالحق، هذا الإنسان يفوز عند الله سبحانه وتعالى بالمقامات العظيمة، فهنيئا لصاحب المال أن استثمر ماله بهذه الطريقة، إن استثمر ماله بهذه الطريقة وهذه الصورة.
والمال والإنفاق شيء، أو نعم الإنفاق شيء، وتحين من يستحق المال شيء آخر، يعني ممكن الشخص ينفق المال، لكن ينفق على أناس يأخذ في هذا الإنفاق أجر، ولكن لو أنفق على غيرهم لكان الأجر أعظم من هؤلاء الذين يستحقون المال.
أكثر الناس استحقاقاً للمال هم الذين لا يسألون الناس إلخ، هم الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، هؤلاء الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، هؤلاء هم أحوج الناس، وهؤلاء أي شخص لما يكون عالماً، لما يكون مضحي في سبيل الله وابتلي بعد ذلك في بلاء ومُنع من المال، هذا هو أعظم من من ينفق عليه، هذا أعظم من ينفق عليه مع الاقربين.
أما لو أعطيتها لو هديتها لأخوالك كان أعظم لأجرك، ولما جاءت زينب زوجة ابن مسعود رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام تسأله عن المال وهل لي أجر أنفقت على زوجي وأهلي؟ فقال: «لَكِ أَجْرَانِ؛ أَجْرُ الصَّدَقَةِ وَأَجْرُ القُرْبَى».
فالصدقة هنا للاقربين أو الهدية للاقربين أعظم من الصدقة لالأبعدين، فلما يعطي شخص أقاربه هذا يحصل الأجور الكثيرة، وكذلك لما يعطي المحتاج ممن نصر الإسلام هذا أعظم من إعطاء عامة الفقراء، هذا أعظم من إعطاء عامة المساكين، لذلك الشخص عندما يكون عنده مال ليتحين من ينفق عليه هذا المال، ليتحين ويدعو الله سبحانه وتعالى أن يوصل هذا المال إلى أعظم الأعمال التي يحبها الله سبحانه وتعالى.
فنعم شخص ينفق ديناراً، لكن دينار هنا تاخذ عليه كذا وكذا من الحسنات، ودينار هنا تأخذ عليه أضعاف ما تأخذه في العمل الأول، لماذا؟ الفارق بين الحالين. الفارق بين الحالين لذلك شخص يتحين، يتحين ويحرص أن ينفق هذا المال على من يستحق، على من يستحق أو على أعظم من يستحق، على أعظم من من يستحقه مع حضور النية مع حضور النية.
والقصَد أن هذا الرجل الشريف عبد الله بن مبارك كان متميزاً بعدد مميزات، كان كما قال بعضهم، كما قال عباس بن مصعب، يقول: جمع عبد الله الحديث والفقه والعربية وأيام الناس أي التاريخ والشجاعة والسخاء والتجارة والمحبة عند الفرق. فهذا الرجل من أقل الناس خلافاً لإخوانه وأصحابه، وكذلك جمع الله سبحانه وتعالى به ما تفرق في غيره، وكذلك هو كان من أكثر الناس تواضعاً، كان من أكثر الناس تواضعاً.
فكان رحمه الله تعالى في مجلس عند حماد بن زيد، فقال أصحاب الحديث لحماد: سل أبا عبد الرحمن أن يحدثنا. فقال: يا أبا عبد الرحمن، تحدثهم فإنهم قد سألوني؟ فقال: سبحان الله يا أبا إسماعيل، أحدث وأنت حاضر؟ فقال: أقسمت عليك لتفعلَن. فقال: خذوا، حدثنا أبو إسماعيل حماد بن زيد. فما حدث بحرف إلا عن حماد! تواضع عجيب، تواضع عجيب!
ولما دخل على مالك بن أنس وسع له الإمام مالك فجلس بجانبه، ويقول الراوي عن مالك: لم أر مالكاً عظم رجلاً وسع له في مجلسه كما فعل مع عبد الله بن المبارك، كما فعل وصنع مع عبد الله بن المبارك.
ولما قدم هارون الرشيد الرقة، فانجفل الناس خلف ابن المبارك وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين فقالت: ما هذا؟ فقالوا: عالم من أهل خراسان. فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان. يعني هارون الرشيد يجتمع الناس إليه بوجود الشرط والأعوان إلى آخره، أما هذا فالذي رفعه هو الله سبحانه وتعالى، فالله هو الذي أقبل بقلوب الناس عليه لصدق هذا الإنسان، وإذا والله إذا أحب إنسان وضع له القبول في الأرض، والله إذا أحب إنسان وضع له القبول في الأرض.
وكذلك كان يحكي بعض أصحابه أي أصحاب عبد الله بن مبارك، وكان يقول بينه وبين نفسه: ما الذي يفضل هذا الرجل علينا؟ لماذا عبد الله بن مبارك بالذات؟ إن كان يصوم فإننا نصوم كما يصوم، وإن كان يصلي فإننا نصلي كما نصلي، وإن كان يغزو فإننا نغزو كما نغزو، وإن كان يحج فإننا نحج كما نحج، يعني نحن نشترك بهذه الأعمال الظاهرة.
قال: فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام نتعشى في بيت، قال: إذ طفئ السراج، فقام بعضنا فأخذ السراج وأخذ يبحث عما يوقد به المصباح، قال: فمكث هنيهةً ثم جاء بالسراج، فنظرت إلى وجه ابن مبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع، فقلت في نفسي: بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا! ولعله حين فقد السراج فصار إلى الظلمة ذكر القبر والآخرة.
يقول في الأعمال الظاهرة نحن نستوي، لكن لماذا هذا الرجل ارتفع ذكره بهذه الطريقة؟ لماذا الناس يثنون عليه ويحبونه ويعظمونه؟ ما السر؟ الأعمال الظاهرة نحن نستوي فيها، لكن الشان كل الشان في الباطن ليس بالظاهر، الشان كل شيء في الباطن، يصلي رجلا خلف الإمام، أحدهما يتعلق بالله سبحانه وتعالى يكون قلبه معلقاً بالملكوت الأعلى، قلبه يدور حول العرش، خلاص خرج من هذه الدنيا ونفسه سمت وارتفعت وارتقت، والآخر يفكر بصلاته، يفكر بالصلاة بالتجارة، يفكر بما يفعل بعد الصلاة، يفكر إلى أين سيذهب، شتان بين هذا وهذا!
لما بينهما كما بين السماء والأرض، كما يقول الحسن البصري: رجلان يصليان، لكن هذا قلبه معلق في السماء وهذا يفكر في الأرض، لماذا؟ هذا كله يرجع إلى باطن الإنسان، هذا كله يرجع إلى تعلق العبد بربه سبحانه وتعالى، وهذا كله يدل أن هذا الرجل ما كان يعيش مع أهل الدنيا.
الدنيا على أنهم أهل الدنيا إنما كان معلقاً بالآخرة. وكان مرّة من المرات كتب لبعض من يعرفه بورقة حتى يقضي عنه دينه، وكان قد كتب له بسبعة آلاف. فلما جاء الرجل قال: ديني سبعمائة درهم، فرد عليه ذاك الرجل الذي كتب له فقال: إن المال قد نفد، بأن يمضي له هذا المال. وقال: إن كان المال قد ففد فكذلك العمر، إن كان المال قد فني فكذلك العمر قد فني. وهذا القسم ناس عادته أنه ما يحب أن يرد في شيء فعله لله سبحانه وتعالى، يعني هذا القسم العالي من الناس يتعامل مع الله تعامل دقيق جداً: خلاص أنا نويت أن أفععل هذا سأفعل هذا الشيء، فما يرجع ويعود يقول: لا لعلي لو أفععل كذا، ما يحاسب نفسه بعد هذا، خلاص نويت هذه النية.
ويرى عنه في سيرته بأنه أخذ قلماً من الشام ثم رجع بعد ذلك إلى بلده ونسي أن يرد هذا القلم، فرجع بعد ذلك إلى الشام ورد القلم. طبعا هذا ورع عالي جداً. وذكرت لكم في حديث في قصة بشر: أن الورع ينقسم إلى قسمين؛ ورع بارد ورع عالي. وأحيانا يكون الورع لأناس دون أناس، فلما يفعل فلان يكون ورع بارد ولما يفعله فلان يكون ورع عالي، لماذا؟ لكل قسم من الناس حظه وتطبيقه. تقول لي كيف يعني؟ يقولك: ذكرت هذا في قصة بشر الحافي بأن بعض الناس يكون هكذا يتعامل مع الله بهذه الطريقة، وهو أصلاً قد يعني فعل الواجبات والمستحبات وترك عامة المباحات، فهذا هو الورع، لكن شخص آخر عنده مشكلة بالواجبات وتتعمل ويتعامل بالورع يعني هذا غير راكب ما يركب يعني الورع ما يركب على هذا، ما يركب على هذا الإنسان. فالفالقصد أن الناس في هذا الباب يتفاوتون تفاوت كبير.
وعبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى كان من أصحاب الورع العالي، أصحاب الزهد، أصحاب الديانة، أصحاب الشجاعة والجهاد في سبيل الله؛ فكان يحج عام ويغزو عام، وكان يقاتل، وكان لما يقاتل لا يحب أن يعرف الناس من هو، حتى بركفار فقتل ثلاثة منهم، حتى جاء رجل وكشف اللثامه فنظر فإذا هو عبد الله بن المبارك. وكان كذلك إذا سمع بأن أحد إخواننا وقع عليه دين كان يذهب بنفسه ويقضي عنه هذا الدين، ويشدد على هذا الرجل أي صاحب الدين على الدائن بأنه ما يعلم ذاك الرجل من قضى عنه دينه. وهذا أمر عجيب، لكن هذا كله يدل على ديانة عظيمة في هذا الرجل. وهذا الرجل مثل ما ذكرت شموري، هذا الرجل شموري. فلما بلغ أو لما شعر بأن بعض من كان يقاتل في سبيل الله ويجاهد معه في بلاد الشام بأنه تأثر بالفضيل، وخشي على الجيش بأن يفتن بعبادة الفضيل، فأرسل أبيات إلى الفضيل بن عياض يقول فيها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
إلى آخرها. فبكى الفضيل وقال: صدق أبو عبد الرحمن، صدق أبو عبد الرحمن. فكان يجمع بين هذا وبين هذا، وهذا هو الشمولية، هذه الشمولية هذه.
وهذا هو الفارق بين العالم والعابد، العابد غير العالم، العالم غير العابد. ذلك العالم بأمر الله الجامع بين العلم بالله والععلم بأمره، هذا أعلى مثل ما ذكرت في قصة سفيان وسيرة سفيان، فزهد هذا غير زهد ذاك، ذاك زهده قد يكون معه العمل المفضول لكن هو يعظم هذا العمل بالنية، هو يعظم هذا العمل بالنية والتعلق بالله، أما هذا فيكون عمله موافق لنفس المراد فيكون دائماً مع الفاضل أو غالباً مع الفاضل، ومع هذا تعظيم لله سبحانه وتعالى فيجمع بين هذا وهذا، يجمع بين هذا وهذا. وراجعوا قصة سفيان وسيرة سفيان حتى تعرفوا الفرق بين هذين النوعين.
الخاص من ذلك أن عبد الله بن مبارك كان من هذه الشريحة، وكان ينفق على ستة من أصحابه من علماء الحديث الكبار في زمانه: على حماد بن زيد، وعلى حماد بن سلمة، وعلى سفيان الثوري، وعلى سفيان بن عيينة، وعلى الفضيل بن عياض، وعلى إسماعيل بن علية، وكان يقول: لولا هؤلاء الستة ما تجرت، وكان يقول للفضيل: لولا أنت وأصحابك ما تجرت. يعني هو يريد أن يحمي عرض هؤلاء من أن يدلوا للتجار، من أن يدلوا للأمراء والحكام في السلاطين، فكان هو ينفق عليهم، كان هو ينفق عليهم ويعينهم فلا يحتاجون إلى أحد، فلا يحتاجون إلى أحد من البشر. وعبد الله لا يمن لأنه يفعل هذه الأفعال من أجل الله سبحانه وتعالى، فهو لا يعطيهم حتى يطلب منهم، بخلاف الحكام والسلاطين والأمراء إلى آخره فهذا يقع منه هذا، هذا يقع منهم، ولو ما وقعت المنة سيكسر عين العالم، فالعالم ما يستطيع أن يقول الحق لماذا؟ لأن أعطاها الحاكم، لأن أعطاها السلطان.
وهكذا العالم لابد أن يكون بصير في حاله ونفسه ويعرف كيف يتعامل مع هذه الصور والمسائل. ولما بلغ بأن إسماعيل ابن علية ولي القضاء أرسل إليه أبيات، وكان هو شاعر، أرسل إليه أبيات يحذره ويخوفه ويذكره ويقول:
أين رواياتك فيما مضى في ترك أبواب السلاطين أين روايتك في سردها عن ابن عون وابن سيرين إن قلت كرهت فماذا كذا زل حمار العلم في الطين
فترك بعد ذلك القضاء إسماعيل بن علية ورجع ابن مبارك ينفق عليه. فالقصد أن هذا الرجل كان يتعاهد إخوانه ويتعاهد أصحابه بالمال وبالنصيحة، بالمال وبالنصيحة، وكان جامع مثل ما ذكرت، وأنا أنصح بقراءة سيرة هذا الرجل، فارجعوا إليها واقراوها حتى تعرفوا قيمة علمائنا الكبار، وحتى نتشبه بغاية ما نستطيع بهؤلاء.
ومثل ما ذكرت الإنسان كان يتاثر، فالإنسان لما يقرا سير هؤلاء يتاثر ويسعى أن نتشبه بهم، وكذلك الإنسان يتاثر بالصورة أكثر من تأثر بالكلام المجرد؛ يعني هو لما يقرا هكذا حديث عام عن الشجاعة، حديث عام عن كرم، ما يتاثر مثل لما ينظر إلى رجل كريم، أو لما يقرا أو يسمع سيرة رجل كريم. ومن أحوج ما نحتاجه اليوم، وأختم بهذه، من أحوج ما نحتاج اليوم، خاصة طلاب العلم: المروءة. المروءة، يعني يكون الإنسان صاحب مروءة، طالب علم لا مروءة له لا دين له، طالب علم لا مروءة له ولا دين له. وهذا الدين ما يثمر إلا بأصحاب المروءة، شخص ما عنده مروءة ما يصلح أن يعلم، ما يصلح أن يعلم لهذا سيفل الناس، فلا بد من وجود المروءة. والمروءة لابد أن تدرس، لابد أن تدرس المروءة.
ونحن في زمان خلمت فيه المروءة حقيقة، خاصة في المجتمع عامة المجتمع، وكان في السابق الناس يأخذون المروءة من نفس البيئة العامة، فالبيئة العامة أو الناس عموماً عندهم مروءة، أما الآن المروءة ضعفت كثيراً كثيراً عند الناس، فأصبح الناس يتساهلون بالغيبة وبالنميمة وما يقع بالغيبة والنميمة، وأصحاب المروءة، يعني هي محرمة ولكن لو لم تكن محرمة لم استطاع صاحب المروءة أن يفعلها، لماذا؟ كيف تغتاب؟ يعني كيف تحتمل أن تتكلم مع الناس في عوراتهم؟ ما تستحي؟ أصحاب المروءة ما يفعلون هذا، يترفعون عن الوقوع في هذه القاذورات، يترفعون عن الوقوع في هذه القاذورات، فهذا الدين لا يركب إلا على أصحاب المروءة، لا يركب هذا الدين إلا على أصحاب المروءة.
عبد الله بن مبارك ومن أعلى الناس في هذا، صاحب كرم موجود وسخاء ونصرة ونصيحة وهكذا، انكفاف عن الحديث في الناس وتورع، مع وجود الخشية والتعظيم لله عز وجل، وهو من درر كلامه: رب عمل صغير عظمته النية، رب عمل كبير صغرته النية. النية تعظم هذه الأشياء، النية تعظم هذه الأعمال. فالقصد أن هذا الرجل يعني من المهم العيش معه والنظر في سيرته رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
إذا هذا بعض ما يتعلق بسيرة هذا الرجل، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري