دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصالحين 03 | سفيان الثوري

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.

نكمل هذه المجالس المتعلقة بسير السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم. وكنا قد ذكرنا في المجالس الماضية الحديث عن العباد من السلف الذين اشتهروا بالعبادة، كربيع بن خثيم والفضيل بن عياض وكذلك بشر الحافي ومحمد بن واسع. فهؤلاء اشتهروا بالعبادة أكثر من اشتهرهم بالععلم، وتعمدت أبدأ بهذه الأسماء حتى يضبط هذا الباب عند الناس. فنحن في زمان فتنة، والفتنة كبيرة في كل شيء، ولكن في تقديري وظني بأن الفتنة في العبادة أو في التقصير في العبادة أكثر من الفتنة بالتقصير بالعلم؛ وإن كان التقصير واضحاً وبيناً وجلياً في كل شيء، لكن التقصير بالعبادة هو أظهر صور الفتنة التي نعاني منها اليوم. فلذلك حرصت أن يكون أن تكون هذه المجالس فيها الحديث عن هذا المعنى، ونبدأ بالحديث عن هذا القسم من الناس حتى يضبط الميزان ويعتدل الميزان. اليوم إن شاء الله تعالى سنبدأ بسيرة عالم فريد، عالم من الطراز النادر، عالم أجمع العلماء على إمامته وزهده وصلاحه وتقواه، وعلى سعة علمه وقوة عقله، وعلى أن هذا العالم من العلماء الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى حتى يحمي بهم الإسلام.

فيذكر سفيان، فيذكر علي المديني في كتابه العلل في مقدمته بأن الإسناد كان يدور على ستة من التابعين، ثم بعد ذلك أصبح هذا الإسناد يدور على اثني عشر رجلاً، اثني عشر عالماً، ستة منهم بالعراق وستة كانوا موزعين في الأمة. الذين في العراق واحد منهم كان في الكوفة وخمسة كانوا بالبصرة. والذي كان بالكوفة هو هذا الرجل هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وهذا العالم يتعجب الإنسان من كثرة ذكر العلماء له وثناء العلماء عليه، فهذا العالم كان له صيت عالٍ في زمانه وبعد زمانه. وسبب ذلك وسره هو أن هذا العالم جمع الله سبحانه وتعالى له ما تفرق في غيره، والقليل من الناس من يجمع له مثل ما اجتمع في هذا العالم. فهذا العالم اجتمع فيه قوة العلم، اجتمعت فيه قوة العلم، وكذلك الزهد والورع، وكذلك كثرة العبادة وطول العبادة، وكذلك قول الحق، وكذلك ذلك الفرار والبلاء والثبات عند وقوع البلاء.

فالقصد من ذلك أن سفيان رحمه الله تعالى من العلماء الكبار الذين حمى الله سبحانه وتعالى بهم الإسلام، وأكثر العلماء من الحديث عن سفيان ومنزلة سفيان. وتجدون هذا ظاهراً وبيناً وجلياً في ترجمة سفيان، ولا أريد أن أقف طويلاً عند كلام العلماء عن سفيان لأن هذا يطول، وليس القصد من هذه المجالس أن نتكلم عن ذكر ما يقوله العلماء بالتفصيل. إنما القصد هنا فقط إبراز صورة العالم، إبراز صورة العالم، وهذا أنفع ما يكون بترجمة، أنفع ما يكون بالترجمة أن تتحول هذه الترجمة إلى تطبيق عملي، أن تتحول هذه الترجمة إلى فائدة تستطيع من خلالها أنك تصل إلى الله سبحانه وتعالى. هذا أنفع ما يكون، أما الحديث المتعلق بنفس الترجمة: متى ولد وأين ولد إلى آخره، فهذا موجود في الكتب، وليس من الصواب أن ننسخ ما هو موجود في الكتب، لكن أفضل ما تكون التراجم لما يعيش شخص معها ويتاثر بها، ثم بعد ذلك يسعى جاهداً في الاقتداء بأصحابها.

فالآن لما ننظر إلى سفيان الثوري، دعوني أجمل الحديث عن سفيان في عدد من المواضيع. الأمر الأول المتعلق بأسرة سفيان، من هو سفيان الثوري؟ سفيان كيف نشأ؟ نشأ في أي أسرة؟ سفيان الثوري والده محدث ولكن لم يكن من العلماء الكبار المبرزين بالحديث، إنما هو صاحب الكبار، إنما هو صاحب الكبار، ولكن هو لم يكن من العلماء الكبار، هو لم يكن من العلماء الكبار ولكنه صاحب الكبار. وهذا كذلك، وهذا كان منتشر وفاشي عند السلف الصالح، فمثلا علي بن المديني كان والده كذلك عبدالله المديني من العلماء، ولكن لما سئل عن أبيه طأطأ رأسه وقال: إنه الدين، ثم قال: أبي ضعيف الحديث. فوالده ضعيف ضعيف الحديث، ولكن لم يكن علي لوجود هذا الأب الصالح.

كذلك هنا سفيان الثوري، لما ننظر في ترجمة سفيان وسيرة سفيان، نجد بأن سفيان ولد في بيت صالح، وهذه البيوت الصالحة هي التي بالعاده تخرج أمثال سفيان. أما أن يكون الحال مثل فضيل بن عياض وبشر الحافي مثل ما ذكرنا لكم، هذا بالأصل على خلاف العادة. ودعونا نفرق بين العادة الأغلبية وبين الحالة المستثناة، الأغلب أن الإنسان يلتزم في الصغر، الأغلب أن الإنسان يلتزم في البيت الصالح، هذا هو الأغلب، لماذا؟ لقوه أثر البيئة، لقوة أثر الأسرة، لقوة أثر الوالدين. ولكن قد يوجد من لا يكون في بيئة صالحة ومع ذلك يفوق الكثير ممن نشأ في بيئة صالحة، ولكن هذا ليس هو الأصل، إنما الأصل هو أن الإنسان ينشا على الصلاح من الصغر، ينشا على الصلاح من الصغر.

لذلك هنا لما ننظر في سيرة سفيان وترجمة سفيان، نجد بأن والد سفيان كان رجلاً صالحاً وكان طالباً للعلم، ووالدة سفيان كانت امرأة صالحة، وأثر الوالدة أقوى من حيث الأصل على الابن من أثر الأب، أي في التربية المباشرة، أي في التربية المباشرة. فالأم لها أثر يفوق كثيراً أثر الأب. سفيان مات والده وهو صغير، مات والده وهو صغير لكن الوالدة كان يصحبُهُ إلى مجالس الحديث، فهو نشأ هذه النشأة الصالحة. ولكن بعد ذلك لما مات والد سفيان لم يكن عند سفيان معيل، فأصبح سفيان بين خيارين اثنين: بين خيار أنه يعيش مثل ما يعيشه أكثر الأيتام، أي أنه يقوم ويعمل من الصغر ويكد ويتعب حتى يعين أسرته، حتى يعيل أسرته. وبين أن يكفى من شخص آخر، سفيان اختار الله سبحانه وتعالى لعلمه بأنه سيكون في هذه المنزلة وهذه المرتبة العالية، اختار له هذه الوالدة الطيبة الصالحة.

فقالت فكانت أمه تقول له: يا بني اطلب اطلب الحديث وأنا أكفيك بمغزلي، اطلب الحديث وأنا أكفيك بمغزلي. أم عندها هدف هذه الحياة، أم تريد أن يكون ابنها بهذه الصورة؟ أم هدفها في الحياة أن يخرج من رحمها من يحفظ دين النبي عليه الصلاة والسلام في الأرض، من يحفظ الإسلام بالأرض؟ فكانت هذه الأم تعمل وتغزل وتخيط حتى توفر هذا المال لسفيان، ثم كانت توصيه، وانظر إلى هذه أم الصالحة الطيبة، كانت توصيه وتقول: يا بني انظر الحديث الذي تأخذه هل تعمل به؟ انظر في هذا الحديث تأخذه هل تعمل به؟ انتبه أنك تطلب العلم من غير نية العمل، أنك تطلب العلم بنية الاستكثار. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تطلبوا العلم لتماروا به السفهاء، ولا لتجاروا به العلماء، ولا لتصرفوا وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فالنار النار». فمن فعل ذلك فالنار النار. سفيان منذ صغره كان يوجه هذا التوجيه، فالله حفظه بصلاح والده، ولعل الوالد كان يريد أن يكون من العلماء، فلما لم يصل إلى هذه المرتبة قال كما قال زيد بن عمرو بن نفيل: اللهم إن كنت قد حرمتني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني سعيدا.

وهذا نراه في الحلقات، يعني أذكر لما كنا في كان عندنا مركز تربوي قديماً قبل عدة سنوات، وكان هناك أب يأتي بثلاثة من أبنائه، وجاء كذلك ببعض أقاربه إلى هذا إلى هذا المركز، إلى هذه الحلقة. فكان حريص هذا الأب على أن يوجد من ذريته من يطلب العلم، فكان ياتيني ويقول لي: انتبهوا على فلان يعني ابنه. وكان الأب يطلب العلم، لكن سبحان الله العلم ما أثمر، يعني هو هو كان عمره قريب الخمسين وكان يطلب العلم ويجلس مع هكذا بعض أئمة المساجد ويحاول يحاول أن يحصل علماً، لكن هو سبحان الله ما يثمر العلم فيه، والعلم لا يثمر في كل أحد، هذه حقيقة، هذه كلمة حق. لذلك كان السلف يقولون: لا أرحم أحداً كرحمتي من يطلب العلم ولا عقل له. وابن سفيان نجد بأن سفيان كان ذكياً جداً وكان رجلاً عاقلاً وكان عبقرياً.

القصد من هذا الكلام كله أن العلم لا يثمر في كل أحد، أقصد بالإثمار هنا الإثمار المتعلق بالقيام بدور العالم في الزمان الذي يعيش فيه العالم، وليس المقصود هنا الإثمار أي الخشية أو التقوى أو الصلاح إلى آخره، لا أقصد هذا. إنما أقصد أن هذا العالم يقوم بدوره بحماية الإسلام، هذا الذي أقصده. فهذا لا يثمر في كل أحد، وهذه كلمة حق. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان ينتقي للعلم من يستطيع أن يحمله، فكان يختار زيد بن ثابت ويختار معاذ بن جبل إلى آخره كما تعرفون. فالقصد من ذلك أن هذا الأب لم يكن يثمر فيه العلم مع حرصه الكبير على طلب العلم، واستمر حتى كنت أقول له: لماذا ما تتقاعد؟ فيقول: لا، أنا أريد أن أفرغ للعلم. ومع ذلك العلم ما يثمر فيه، لكن مع هذا كان يسعى جاهداً بأن يحقق كتاباً من كتب الحنابله وطبع هذا الكتاب، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منه، ومات قبل عدة سنوات، رحم الله تعالى رحمة واسعة.

وكان هذا الأب هو أفضل أب رايته في الحلقات. فالآباء في المراكز والحلقات يقسمون أربعة أقسام، هذا القسم نادر وقليل وهو من الصفوة بالصفوة الصفوة. القصد أنه كان يأتي بأبناء عن ثلاث ولا همّ له كان في هذه الحياة إلا أن يخرج عالم من صلبه. فكان يأتي ويقول لي: أريد أن يصبح فلان كذا. فالابن الأول سبحان الله ما استمر، الابن الثالث كان حركياً وليس يعني ليست عنده قوة عقلية، فما كان يصلح للحلقة التي كنا قد أنشأناها بفضل الله سبحانه وتعالى. الابن الثاني كان يصلح، كان عنده، فكان يريد بأي طريقة أن هذا يصبح عالماً، يقول: أنا مستعد أفعل كل شيء حتى يصبح هذا عالماً. فكنت أقول يعني قد لا يصبح، لكن ابن اختك هذا الذي أتيت به ممكن هو يكون؟ فكان يقول: لا، أنا أريد من صلبي أنا، نعم أريد ابن اختي يصبح يعني إن شاء الله له شأن إلى آخره، ولكني أريد أن يكون من صلبي. يعني هو يتقطع شوقاً وحسرة على أن يرى هكذا ابنه عالماً من العلماء، وهذا موجود عند هذه الصفوة المختارة من خلق الله سبحانه وتعالى. يعني هذا قسم الناس وهذا هكذا يذكر.

فلعل والد سفيان لما لم يثمر فيه العلم قال مثل ما قال زيد، وقال أودع الله سبحانه وتعالى بدعوات ما ذكرت بالتاريخ. وكثيراً ما يقع للإنسان أشياء في حياته يظن بأنها بجوده ويظن بأنها بعقله، ويغفل بأن هذا الأمر الذي وقع لك هو بسبب دعوة والد أو دعوة والدة أو دعوة امرأة ضعيفة أو دعوة رجل ضعيف أنت أحسنت إليه يوم من الأيام. يغفل الإنسان كثيراً ويغيب على الإنسان معرفة مثل هذه الأسباب، فيظن بأن هذا ببحثه، والله ليس ببحثه، قدر الله سبحانه وتعالى غالب عليك، وقدر الله سبحانه وتعالى ما يكون معك إلا لما تحسن التعامل مع الله سبحانه وتعالى، وليس بعقلك. لكن الإنسان يجهل، الإنسان مشكلة الإنسان أنه يظن بأنه بعقله ومعرفته يستطيع أن يصيب القدر. القدر أقوى من قدرة الإنسان، القدر قدرة الله، كم الفرق بين قدرة الإنسان وقدرة الله سبحانه وتعالى؟ هذا هو الفرق بين علمك وقدر الله سبحانه وتعالى.

فالقصد أن القدر فوق بكثير ما يظنه الإنسان، هذا القدر يكون معك بدعوة صادقة من أم في جوف الليل دعت الله سبحانه وتعالى بأن يحميك من الوقوع، بأن تحمى من الفتن فتحمى بإذن الله، وتظن أني بطلبك للعلم أو لا، ليس بهذه الطريقة، إنما هذه أم صالحة دعت لك. فلعل سفيان وأنا هكذا يعني هي هكذا هو كيف أسلم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل؟ يعني لماذا سعيد أصبح من عشرة مبشرين بالجنة؟ سعيد على فكرة هو من أغمض الصحابة أو من أغمض الصحابة المشهورين، أو هو أغمض العشرة مبشرين بالجنة. كيف سعيد يصبح بهذه الطريقة؟ بركة دعوة أب، بركة دعوة أب. هذه لها سبب، هذا سبب قوي في هداية الابن، سبب قوي جداً في هداية الابن.

فالقصد من ذلك أن سفيان لعل والده دعا له بدعوات كثيرة بأن الله سبحانه وتعالى يمن عليه، وأن يكون ابن هذا سفيان ممن يختاره الله سبحانه وتعالى في هذا الزمان. وكذلك والدة سفيان كانت بهذه الطريقة، وهذه صورة وحرص هذه الأم على ابنها دليل على أن الأب كان حريصاً على ابنه، ودليل على أن الأب استطاع أن يصنع بإذن الله هذا البيت الصالح. فالقصد أن سفيان نشأ في هذا المنزل، فكان والد بهذه الصورة ووالدتُهُ بهذه الطريقة، وبدأ يطلب العلم وهو صغير، وكان من أذكى الناس وعقلاء الناس. وأكثر العلماء من الحديث عن عقل سفيان ومن تفضيل سفيان على غيره، كما تجدون في كتب التراجم وفي ترجمة سفيان.

القصد أن سفيان هذا الرجل العظيم وجدت به ميزة أو صفة العلم، صفة العلم أي العقل والعلم، ما يقوم إلا على الأذكياء ولا يثمر إلا مع الأذكياء، وذكرنا هذا كثيراً كما تعرفون. فسفيان رجل ذكي. طيب هذا الإنسان الذكي الذي يطلب العلم وهو صغير، عادة يجمح فيه العلم ويفتن بالعلم، سفيان ما فتن بالعلم. وهذا الأمر العجيب، سفيان لم يفتن حتى الفتنة العامة التي لا يكاد يسلم منها طلاب العلم، الفتنة مكتوبة على بني آدم ولن ينجو أحد من الفتن مستحيل، لكن كم نسبة الفتنة التي تصيبك؟ النبي عليه الصلاة والسلام.

لما دخل الحسن والحسين وهو يخطب، فلما نظر إليهما وهما يعثران في ثيابهما، نزل عليه الصلاة والسلام أخذته الرحمة فنزل وحمل الحسن والحسين ثم صعد المنبر، ثم قال: صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]. أي نزولي من المنبر وصعودي إليه هذه كانت فتنة، هذه الفتنة ما يبصرها الإنسان عادة، من يبصرها؟ يبصرها النبي، والفتن يبصر الشخص الفتن بقدر ما عنده من إيمان، بقدر ما عنده من علم، بقدر ما عنده من تقوى وصلاح يبصر أثر الفتنة. الفتن كثيرة جداً ولا يسلم أحد، وذكر ابن القيم أن اشتباه المفضول بالفاضل لا ينجو منه أحد في جميع الأحيان، لكن العبرة بالغالب، هل الغالب يغلبك المفضول أو الفاضل؟ هذا طبعا لمن هذا الكلام؟ للمقربين، ليس الكلام لعامة الناس، إنما الآن الكلام للصفوة المختارة للمقربين. المقرب الأصل أنه يفضل الفاضل على المفضول، لكن أحيانا يصيبه المفضول ولا بد، لماذا؟ مكتوب عليك هذا الشيء، وهذا المفضول هو في هذا السياق فتنة، هذا اللي يقصد الآن بالفتنة العامة.

فكلمة الفتنة كلمة كبيرة وواسعة، كلمة كبيرة وواسعة، فلما تأتي الآن وتريد تطلب العلم، لما تبدأ بطلب العلم طبيعي جدا العلم يجمح بك، طبيعي انك أحيانا تقع منك بعض الأشياء، أحيانا تعتد بنفسك، أحيانا هكذا تقول بعض الأشياء، أحيانا تفعل كذا أو كذا، أحيانا ما تحسن توزيع الوقت، أحيانا تضخم عندك هذا الثغر، هذا طبيعي جدا، هذه كلها فتنة، هذه كلها فتنة، وهذه الفتنة الأصل أن شخص يقع بها كثيرا، يعني الأصل بأن الإنسان من حيث هو إنسان كائن مكون من عقل ونفس، لما يدخل في أي باب من الأبواب طبيعي أنه يفتن بهذا الباب بنسبة معينة، ليس معنى الفتنة الآن وقوع بالإثم، قد لا يقع بالإثم، لكن يقل أجره، لماذا؟ لأن النفس حضرت، والنفس تتشبك بالفتنة، وذكرت هذا كثيرا وشرحت في مجالس عديدة.

القصد أن سفيان الثوري هو أحد العلماء الثلاثة الذين اختارهم ابن الجوزي رحمه الله تعالى بأنهم لم يصابوا بفتنة العلم أبدا، لا الفتنة لا التوسع بالفتنة العامة التي هي من الطبيعي أن تصيب الإنسان، ولا بالفتنة الخاصة التي تسقط الإنسان تسقط الإنسان. ابن الجوزي يقول: لم يتقن موازنة العلم مع العمل، هذه الموازنة صعبة، هذه الموازنة نجدها ظاهرة جلية وقوية واضحة بالأنبياء، ونجدها قوية جدا وواضحة بالصحابة، لكن بعد ذلك نجد الاضطراب في هذه الموازنة. من الذي نج في نظر ابن الجوزي رحمه الله تعالى؟ أو اتقن هذه الموازنة الثلاثية؟ هذه الموازنة الثنائية أو الثلاثية مع العبادة؟ يقول: ثلاثة، الحسن البصري وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري، ثم قال: ولو ربع أحدهم بسعيد لما بعد -يعني سعيد بن المسيب- أما البقيه فيغلب عليه في نظر ابن الجوزي إما جانب العلم أو جانب العمل، يعني جانب الزهد والعبادة مثل فضيل بن عياض مثل بشر الحافي إلى آخره، هذا هؤلاء يغلب عليهم جانب العبادة، وفي المقابل القسم الآخر يغلب عليه جانب العلم، فيتوسع العلم على حساب العمل، وهنا يتوسع بالعمل على حساب العلم، ليس معنى هذا خلط الثغور، وإنما يوجد ثغر علم وثغر عمل، لكن القصد هنا الموازنة الدقيقة، وذكرت هذا كذلك يعني في مجالس عديدة.

فالقصد أن سفيان الثوري في نظر ابن الجوزي نجى، لماذا نجى سفيان؟ لماذا سفيان لما كان يثنى عليه في السياق واحد يققال بأنه أفقه الناس وأورع الناس؟ كيف يجمع الشخص بين أن يصل إلى أن يكون أعلم الناس أو أفقه الناس في دين الله سبحانه وتعالى وفي نفس الوقت وأورع الناس؟ الكثير ممن لا يفقه هذه الموازنات يظن بأن بمجرد طلب شخص أنه لابد أن يكون زاهد، لا، يشترط العلم يقس القلب، لذلك كان يقال، اللي كان يقول، كان يقول شعبه لمن يحضر عنده، قال: هل أنتم منتهون عن طلب الحديث؟ فإنه يشغلكم عن الصلاة والصيام. هل معنى هذا التقصير أو الترك؟ لا، لكن معنى هذا ضبط هذا الباب، لأن النفس مثل ما ذكرت تجمح بصاحبها فيتجاوز أحيانا الإنسان حد.

سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: ما حفظت حديثا أو كتبت حديثا إلا وعملت به، لماذا؟ والدته وهو صغير تقول له: يا بني، انظر هذا الحديث اللي تاخذه هل تعمل به؟ هل تعمل به؟ انتبه أنك الآن تأخذ هذه الأحاديث من غير العمل، انتبه أن تفتن بفتنة طلاب العلم، انتبه أن تجمع العلم كثير ولا يكون عندك تطبيق عملي، والعمر سينتهي، انتبه! العمر هذا عبارة عن رقم، تأتي لحظة انتهى هذا العمر، لما ينتهي هذا العمر الأمل الأمل الموجود عندك هذا أني أنا سافعل كذا وأفعل كذا وسأطبق كذا، لا، لن تطبق، الله يريد منك الآن أن تعمل شيء معين افعل، قابل قدر الله سبحانه وتعالى بشرعه وانتبه أن تتاول في هذه المسائل وهذه المعاني، لأن العمر ما ينتظر، والله سبحانه وتعالى يريد منك بالعشرين سنة أو بالثلاثين سنة أو بالأربعين سنة التي تعيشها فوق الأرض عبادة معينة محددة، لا تدخل عقلك في ترتيب وتركيب هذه المدة، انتبه، انتبه! خطر، خطر كبير.

تقول لي: كيف يعني؟ اقول لك يعني اعمل في اللحظة التي يريدها الله سبحانه وتعالى منك، ما يحب الله سبحانه وتعالى منك الآن، الله يريد منك أنك تطلب العلم الآن، أنا في سن الشباب، خلاص أنا في سن الشباب وأنا بالاصل طالب علم، إذن خلاص يطلب العلم. طيب، هل معنى هذا أنه ما يصلي لا، هل معنى هذا أن يقصر بالعبادة لا، لكن طبيعي جدا أن وقت العلم سيكون أكثر من وقت العمل أو العبادة، لأن لماذا هو في سن التحصيل. الخلل أين يكون؟ الخلل يكون في صورتين، فتنة عامة وخاصة. الفتنة العامة لما الإنسان ما يضبط العبادة، والفتنة الخاصة لما يترك الإنسان عبادة، خلاص يقول لك بحجه طلب العلم ما يصلي سنة الرواتب، ما يصلي سنة الرواتب ولا يحرص بل حتى صلاة الجماعة، وللاسف هذا والله أمر يعني محزن، وممكن، وكيف يفتح الإنسان، وهو كيف يفتح الإنسان وهو لا يفرح بلقاء، عجيب مستحيل لا يمكن، لا يمكن، مستحيل.

فالقصد أن الإنسان هنا يقصر في التطبيق العملي، والتقصير له صورتان، الصورة الأولى أنه ما يعطي العبادة قدرها وحظها التي جاءت الشريعه به، والصورة الثانية أن يخل بالعبادة الظاهرة. هذه فتنة عامة وهذه فتنة خاصة، والذي يسقط بالفتنة الخاصة هذا هالك، هذا ولا يهلك على الله إلا هالك نسأل الله السلامة، هذا واقع به، هذا لا شك أن عنده ذنوب كثيرة، لكن الفتنة العامة لا ينجو منها إلا صاحب الديانة العظيمة، إلا صاحب التقوى والصلاح. هذه الموازنة يا شباب يعني افهموا هذا الكلام بسياقه وبحده وبضبطه وبموازنته. الفتنة الخاصة أن شخص يتخلف عن الصلاة، أن شخص ما يبالي بلقاء الله سبحانه وتعالى، وعادي كل يوم، كل يوم تفوت تكبيرة الإحرام ولا يتاثر ولا ولا يحزن، وكانه ما فعل شيء، كأن عادي عنده هذا الشيء، هذا نسأل الله السلام والعافيه هذا مفتون، هذا مفتون.

لكن الثاني الضبط عنده غير قوي، يعني هو ما يفرط بهذه الأمور، لكن نفس الضبط أحيانا تقع عنده، هذه فتنة عامة، وهذه سببها أن الإنسان نفسه دخلت، والنفس لما تدخل وشخص ما يراعيها دائما ولا يقول: كل يوم اللهم اهدني فيمن هديت، اللهم اهدني وسددني، اللهم اختر لي ولا تغير... هكذا تصيب شيء من الغفلة فيقع بالمفضول والفاضل، وهكذا يسقط، يسقط هذا الشق، يعني هكذا يقع فيه بعض التجاوزات، التجاوزات فيه، فما يضبطه مئة بالمئة، يضبط سبعين ثمانين على حسب تعلقها بالله وحسب إيمانيته وحسب كفه عن الذنوب والمعاصي، وحسب حسب دعاء، يعني هكذا على حسب مقا... على حسب فعل العمل الظاهر، حتى يكشف له بعد ذلك الباطل، هذه موازنة الأمر العام.

أما الخاص ما ذكرتها قبل قليل الفتنة الخاصة، فبعض الناس يسقط سقوط مدوي، فالعلم والعياذ بالله يكون فتنة عليه فيسقطه، فيكون أول من تسعر به النار، نسأل الله السلامة والعافية. أما القسم الثاني لا يكون عنده علم، لكن ما يصل إلى العلم بالله سبحانه وتعالى، يعني ما... ما يجمع بين أن يكون أفقه الناس وأن يكون كذلك أورع الناس، لا، يكون عنده فقه وفقيه، ولما يسأل يجيب على أسئلة بناء على ما قرأ من الكتب وتعلم وحفظ وكتب إلى آخره، ولكن مع هذا ما يكون عنده من ورع، ما يكون عند الرجل العابد، ما يكون عنده من الديانة، ما تكون عند الإنسان الذي يحافظ على الصلوات، وما يكون عنده علم كثير، وهذا نجد كثيرا، تجد إنسان دي... بس أن عنده ديانة تمنع، ما عنده علم كثير، لكن عنده ديانة تمنع، والدين غير العلم، الدين أقصد بالدين هنا، عصمها الله بدينها التي وقعت في عرض أم عائشة، عندها علم تدري أن حرام، لكن الدين ما عصم، لكن هنا الدين يعصم، والدين يعصم أصحاب الديانة القوية.

فشخص لما يكون عنده تقوى، عنده إيمان، هذا يخاف، هذا ما يتساهل فيما تساهل به الناس، وهذا شان العباد، هذا شان العباد كثيرا أكثر من العلماء، أكثر من العلماء. فالعالم هنا لما يجمع بين أن يكون أفقه الناس وأورع الناس مثل سفيان هذه مرتبة عالية، عالية جدا ومنيفة، فسفيان صاحب مرتبة عالية، لذلك جاء عن بعضهم أنه قال: لو ما أخرج الله سبحانه وتعالى أو أوجد الله سبحانه وتعالى إلا سفيان الثوري لكفى الناس حجة بسفيان، لكفى الناس حجة بسفيان. فلو جاء الناس يوم القيامة وفيهم سفيان الثوري، لو قيمة الحجة عليهم به، لماذا؟ لأن هذا مثال، مثال الأنبياء، جمع مثل ما ذكرت قبل قليل ما جمع الأنبياء، فهو صاحب تقوى وصلاح وصاحب علم وصاحب دعوة وصاحب قول حق إلى آخره. هذه الصورة الشمولية للإسلام، هذه الصورة الشمولية صناع صناعة وبناء ووجود المسلم الشمولي العالم العابد الصالح الورع التقي.

فسفيان كان من أورع الناس، الإمام أحمد كان يحب سفيان كثيرا، وكان يفضل سفيان ليس فقط بعلمه بل ذلك بتقواه وصلاحه وورعه. فسفيان كان صاحب تقوى وصلاح وورع وزهد، ومع هذا الزهد كله سفيان كان عالم، أي لم يكن زهد زهد المتقشفين، لا، لم يكن زهده زهد العباد، إنما كان زهده زهد العلماء. تقول لي: ما الفرق؟ اقول لك: العابد يغلب عليه في الزهد الثياب وعدم الاهتمام بالأمور، هكذا ظاهره، هذا الغالب على العباد، لكن العلماء زهدهم معناه وخلاصته أن الدنيا ليست في القلب، إنما في اليد. تقول: فسر، اقول لك: نضرب مثال في زهد... في زهد الفضيل بن عياض، وفي زهد بشر الحافي، وفي زهد سفيان الثوري. زهد الفضيل بن عياض وزهد بشر الحافي بعدم أكل الطعام، أما سفيان الثوري فيأكل اللحم ويطلب الحلوى، فكان ياكل ولا يتكلف.

طيب، لماذا كان بشر الحافي والفضيلي بن عياض يفعلان هذا وسفيان لا يفعل هذا؟ اقول لك: هذا الفرق بين العلماء والعباد، والعالم أعلى من العابد، لكن العالم العابد، وليس العالم من غير عبادة، هذه فتنة كذلك. العالم الذي يجمع بين العلم بالله والعلم بامره هذا اعلى ممن يكون عنده العلم بالله وليس عنده علم بامره، لماذا؟ لأن الله تعبدنا بامره، الله تعبدنا بشرعه سبحانه وتعالى. فسفيان يعرف بأن النبي عليه الصلاة والسلام أكل لحم، ويعرف بأن النبي عليه الصلاة والسلام أكل الحلوى والعسل وكان يحب الحلوى والعسل، إذن لماذا أنا أمنع نفسي منه؟

لكن مع هذا ايش كان سفيان؟ يشكر الله سبحانه وتعالى، يعني هو يأكل ويشرب، ما يتكلف سفيان، ما يتكلف التعلق بالدنيا، لكن لما تكون موجودة، ما المانع؟ هذه من الطيبات التي أباحها الله سبحانه وتعالى، والله يحب من العبد أن يشكر عليها، وكذلك لما يأكل هذا الاكل يشبع، يقول بعد ذلك أو لما يأكل هذا الاكل لا، قل يشبع، لما يأكل هذا... هذا الاكل يقول بعد ذلك أعلف الحمار ثم كده، يعني الآن قوم صلي، فهو يأكل ويتقوى بهذا الاكل على الصلاة فيقوم ثم يصلي، فيتقوى بهذا الطعام على... فهو يستثمر أو يشكر الله سبحانه وتعالى هذه النعمة بقلبه وبلسانه وبجوارحه. بالقلب استشعار وتذكر بهذه النعمة من الله سبحانه وتعالى، وبلسان يحمد الله سبحانه وتعالى، وبالجوارح هذه الطاقة التي أتتني من الاكل أعبد الله سبحانه وتعالى فيها وأدرس فيها وأعلم فيها وأصلي فيها، فهو يحتسب عند الله سبحانه وتعالى هذا الاكل.

مثل ما... هذا هو معاذ، جبل، هذا هو معاذ لما جالس معاذ مع أبي موسى الأشعري ومعاذ أعلم وأبو موسى عابد صالح وعنده علم كذلك، لكن معاذ ماذا قال؟ قال: إني احتسب عند الله نومتي كما احتسب عند الله قومتي. فيحتسب الاكل ويحتسب النوم ويحتسب القيام، هذا كله الاحتساب ينقله من دائرة المباح إلى المستحب فيأخذ أجر. سفيان هذا كله يعلمه، لذلك... لذلك النية تجارة العلماء، ولذلك العالم يعرف الطرق المختصرة إلى الجنة. فالعالم لما يجمع بين العلم لله والعلم بأمره هذا يكون أعلى من غيره، لماذا؟ لأن يعرف الذي يريد الله سبحانه وتعالى.

العالم بالله سبحانه وتعالى وليس عالم بأمره هو يعوض تقصيره بالأمر بشرط أن لا يوقع بمعصية ولا بدعة، يعني يكون عند العلم بالتعظيم والإجلال والخوف والخشية، فهنا نفس وجود التعظيم والإجلال والخوف والخشية اعظم، بمعنى أضرب لكم مثال الآن، أيهما أعظم التسبيح في قبل طلوع الشمس وققبل غروبها أو الاستغفار؟ أيهما أفضل؟ إصابة السنة هنا بماذا؟ بالتسبيح. طيب، في وقت السحر هل الأفضل الاستغفار أو التسبيح؟ الاستغفار: ﴿وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18]. طيب، الآن لو عندنا رجل سبح الله سبحانه وتعالى في

وقت سحر، ولكن مع التسبيح هناك استحضار؛ يعني لما يقول: «سبحان الله» يستحضر عظمة الله سبحانه وتعالى، وينزه الله سبحانه وتعالى عما يقول الأفاكون.

واخر يستغفر في وقت السحر لكن من غير حضور قلب، إنما يقول: «أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله» هكذا، وهو يستحضر يعني ذنوب ومعاصي أبدا. أيهما أعظم؟ هل الذي سبح أو الذي استغفر من غير استحضار؟ أقول لك: الأعظم هنا هو الذي حضر قلبه.

والعمل المفضول، طبعا هنا ليست بدعة هذه، لو كانت بدعة نقول: نعم لا يجوز، لكن هذه ليست بدعة، إنما هذه هنا الاستغفار سنة والتسبيح سنة، ولكن هنا السنة المؤكدة أو أكد الأعمال الآن الاستغفار، لكن التسبيح كذلك سنة، التسبيح كذلك سنة، لكن في هذا الموطن الله سبحانه وتعالى يحب الاستغفار أكثر من التسبيح.

لكن هذا يسبح، مع تسبيحه كان هناك تعظيم وإجلال، لذلك ابن القيم يقول: بأن الدعاء لما يكون معه حضور قلب يكون أفضل من الذكر؛ لماذا؟ والعلماء يقولون: بأن الفضل المتعلق بذات العبادة أفضل من الفضل المتعلق بزمانها ومكانها.

فشخص يصلي في مكة، وثاني يصلي في بلد آخر، ليست له أفضلية مكة، ليست له أفضلية البيت الحرام، لكن هذا صلى في مكة ساه في صلاته كلها، والثاني يصلي وهو كأنه ينظر إلى الله سبحانه وتعالى، أيهما أعظم؟ لا شك أن هذا الثاني، لماذا؟ لأن الآن نفس الخشوع أفضل من الزمان والمكان.

فنحن هنا في الزمان والمكان تعظم عبادة تفضل، ولكن وجود خشوع أعظم؛ لأن هذا لب العبادة، فكذلك ها هنا، لذلك العالم الذي يجمع بين هذا وهذا بالأصل يكون أعلى، وهذا هو سفيان هذا بالأصل، أنا أقول بالأصل: هذا بالأصل يكون أعلى، وهذا هو سفيان رحمه الله تعالى.

فالقصة من أن سفيان الثوري رحمه الله تعالى جمع بين هذا وهذا، ولم يكن زهدا مثل ما ذكرت من قبيل زهد العباد؛ أي لم يكن زهدا من قبيل ترك الطعام والشراب إلى آخره، إنما كان زهده بأن الدنيا في يده وليست في قلبه، يعني هو زهد شبيه بزهد الصحابة.

الصحابة ما نجد عندهم هذا التكلف الكبير في ترك الطعام والشراب كما نجده في بعض العباد من السلف الصالح، ومع ذلك العباد من السلف العباد من الصحابة أعظم، وهذا فسر ابن مسعود؛ ابن مسعود نظر إلى هذا الزهد، ليس هذا محرما، لا بل يؤجر الإنسان إن شاء الله تعالى عليه، لكن ليس مثل ما يفعل.

شوفوا يا شباب، الآن الإنسان يلبس الثياب العالية، هل لبس الشخص الثياب العالية محرم؟ لا، ليس محرم، طيب هل أفضل يلبس العالية أو النازلة؟ أقول كذا في حديث: ألا يقول النبي عليه الصلاة والسلام إن البذاذة من الإيمان؟ البذاذة لباس، لبس اللباس الرث واللباس العالي إذا كان القصد، إذا كان قصد اللابس لها هو إظهار نعمة الله سبحانه وتعالى فجاء كذلك حديث مالك بن نضلة: إذا آتاك الله مالا فليرى أثر نعمة الله عليك.

فهذا الذي يلبس هذه هو يقصد أن يظهر فضل الله سبحانه وتعالى، وليس هو أن يتكبر، فهذا يؤجر على هذا القصد، هذا هو المقصود في القصد.

أن ابن مسعود نظر لما ذهب إلى العراق، نظر إلى وجود هذا التقشف وهذا الزهد، فبين لأهل العراق، بين لهم بأن هذا الزهد الذي عندكم ليس هو زهد الصحابة، الصحابة أفضل منكم مع أنكم انتم أكثر عملا صلاة وصياما، ولكن الصحابة كانوا أعظم وأفضل منكم، لماذا أفضل؟

لأن الصحابة كان زهدهم في قلوبهم، فكانت القلوب معلقة بالله سبحانه وتعالى ولم تتعلق بالدنيا أبدا، لذلك لما قيل للامام أحمد -وهذا انظر الآن إلى، انظر الآن إلى العالم الزاهد- انظر الآن إلى العالم الزاهد لما قيل: هل يكون الرجل زاهدا ومعه ألف دينار؟ قال: نعم، بشرط أنها ما يحزن إذا نقصت ولا يفرح إذا زادت؛ يعني ايش؟ القلب، أما نفس وجود الاموال باليد أين المشكلة؟

أبو بكر الصديق غني، وعمر بن الخطاب غني، وعثمان بن عفان غني، هؤلاء كلهم كانوا أغنياء، هم العلية والصفوة، هم هم أعلى الزهاد في هذه الأمة، هم أعلى الزهاد في هذه الأمة.

فسفيان الثوري هنا كان صاحب مال وكان يقول: لولا هذه الدنانير لتمنل بنا الملوك، وكان يقول رحمه الله تعالى بأن المال كان يكره فيما مضى، أما الآن فلا يكره، لماذا؟ يقول: إن هذا المال ما يجعلني أحتاج إلى الناس ولا أفتقر إليهم ولا أذل لهم، فكان سفيان هكذا يفهم الزهد، لذلك زهده أعلى، لذلك هو زهد أعلى.

ولما قيل له: أنت الزاهد؟ قال: لا، الزاهد عمر بن عبد العزيز، أما سفيان ورع؛ لماذا؟ يقول: نحن ما حصلنا الخلافة، عمر أتته الخلافة فتركها ولم يتعلق بها، زاهد بها، أما الإنسان ما يقال عنه زاهد إلا لما يملك الشيء، قبل أن يملك الشيء الإنسان ما يقال عنه زاهد، قبل أن يملك الشيء الإنسان ما يقال عنه راضي، لكن هو يريد أن يرضى أو هو قاصد الرضا، قاصد الزهد، لكن لما يأتي هنا الاختبار هل الآن يظهر الزهد أم التعلق؟ أما قبل هذا الشخص يقول الكلام، قبل الاختبار كل واحد يقول الذي يقول، لكن لما يأتي اختبار يكشف الإنسان، لما يأتي اختبار يكشف الإنسان.

فسفيان رحمه الله تعالى كان لا يريد أن يأخذ من الملوك، وكان لا يريد أن يتعلق بالملوك، بل لما طلب رحمه الله تعالى في آخر حياته هرب وفر، وهذا البلاء الذي وقع عليه ولم يكن يريد أن يختلط بالملوك، ولم يكن يريد أن يختلط في الملوك، وكان من أصحاب كلمة الحق، وكان قوالا بالحق رحمه الله تعالى.

فانتقل إلى مكة وعاش بها، وأراد أبو جعفر المنصور أن يقتل سفيان، وأبو جعفر كان عنده، كان في سيفه رهق، فلما ذهب إلى مكة وأمر بالإتيان بالخشب وصلب سفيان الثوري إذا وجدوه فيها، فأعلم بذلك سفيان فدعا بدعوة عظيمة، فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة، وهذا كما يقول الذهبي: كرامة عظيمة لسفيان الثوري.

هذا مثل ما وقع الإمام أحمد رحمه الله تعالى، سبحان الله، هذا قسم العلماء مبتلى بهذا القسم من السلاطين والحكام، مثل ما وقع الإمام أحمد مع المامون لما قال: سيدي سيدي غض حلمك هذا الفاجر حتى تعدى على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم إن كان القرآن كلامك غير مخلوق فاكفني مؤنته، فما لبث أن جاء الصريخ ينعى المامون، مات المامون.

فالقصد أن سفيان رحمه الله تعالى كان كثير الذكر للموت، وهذا من أسباب زهده، فكان كثيرا ما يذكر الموت، وكان يقول بأن الزهد هو عبارة عن قصر الأمل، أنك ما تعيش هكذا، ما ما تتعلق بالدنيا، أن كل شيء يكون بيدك لكن لا تفكر أني سافعل كذا، سأشتري كذا، سأصنع كذا، لا، هذا كذا، هذا الأمر الذي ستفعل منك ما يأتي، ليس معنى هذا أنك ما تفعل ما ترجو منه الخير، لكن لا تتعلق، هذا هو القصد.

الله يقول: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131]. مد العينين معناه تعلق القلب، ولا بد، لا تمد عينيك، افعل الذي تستطيع، وقابل أقدار الله دائما بشرعه.

لما تدخل في تجارة، لما تدخل، لا باس، لكن يكون قصدك من هذه التجارة كلها نصرة الدين وإعفاف النفس، ما تتعلق بشيء آخر، خسرت التجارة: الحمد لله، ربحت: الحمد لله، يعني أجعل لسانك دائما: الحمد لله هكذا، هذا هو الزهد، هذا هو، هذا هو الزهد، قصر الأمل، أنك ما تعيش دائما أنك تريد أن تعمر وتريد أن تفعل، الموت اقصر، انتبه الموت سيأتي، هل عملك الآن هل أنت مستعد لقاء الله سبحانه وتعالى أو غير مستعد؟

فسفيان رحمه الله تعالى كان جامع بين هذه الامور، فكان مع هذا يعني مع وجود حرصه على طلب العلم والحديث ومثل ما ذكرت علم الحديث أو طلب العلم يفتن الإنسان أحيانا، مع حرصه على طلب العلم والحديث كان كثير ذكر الموت، وكان مطبق لما يعلمه رحمه الله تعالى، هو من الرجال الذين حفظ الله سبحانه وتعالى بهم الدين، فاختاره الله سبحانه وتعالى حتى يحفظ سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من العلماء الكمل الذين جمعوا بين الحفظ والفهم، بين الحفظ والفهم.

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيحه: مثل ما بعثني الله به من العلم والعمل كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، مثل ما بعث الله به من العلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها، فقسمت هذه الاراضي إلى ثلاثة اقسام، قسم من هذه الاراضي قبل الماء وأنبت الكلأ والعشب الكثير، هذا هو الذي يجمع بين الفهم والحفظ، ومنهم من يقول بأن هذا هو الذي يجمع بين العلم والعمل العلم والعمل.

وسفيان كان جامع بين الفهم والحفظ وكذلك بين العلم والعمل، فهو من الكمل من العلماء، هو من الكمل من من العلماء، وكان يقول بأن العلم لا يعدله شيء إذا صحت فيه النية، وكان يعرف بأن فضل العلم أعظم من فضل العبادة، كان يعرف بأن فضل العلم أعظم من فضل العبادة، وتعرفون الأحاديث الكثيرة الواردة في فضل العلم وقبل ذلك الآيات الكثيرة في ذلك.

والعلم والعابد يعود أثر عمله على نفسه، ولكن العالم أثر علمه يعم الناس فينتفع الناس به، فينتفع الناس به.

وسفيان كان جامع مثل ما ذكرت بين هذا وهذا ولم يكن يعني يصيب هذا هذه الفتنة، وهو كان يعلم بأن علم الحديث يعرض الإنسان إلى فتنة، وأحيانا الإنسان يعلو على غيره بالعلم، هذه فتنة طلاب العلم، فكان يقول رحمه الله تعالى من درر كلامه العظيمة: زينوا العلم ولا تزينوا به، يعني جملوا العلم ولا تجعل العلم عبارة عن لباس لكم تتزينون فيه أمام الناس، فتعالوا على الآخرين بأن عندك من المعلومات، عندك من التفاصيل، عندك من المعرفة ما لا يعرفها غيرك، فتعلو بهذا العلم على الآخرين، فيقودك والعياذ بالله هذا العلم إلى النار، نسأل الله السلامة والعافية.

والعلم يقود بصاحبه إلى النار لما يترك العمل به، ويقود بصاحبه إلى النار لما لا يصدق الله سبحانه وتعالى فيه، ويقود بصاحبه إلى النار لما يخالف ما يقول للناس، لم يقول الناس شيء ثم هو ابعد الناس عن التطبيق تطبيق هو ابعد الناس عن تطبيق فيقود هذا العلم إلى النار.

وفر سفيان في آخر حياته مثل ما ذكرت وأخذ يتنقل من مكة إلى بعد ذلك ذهب إلى البصرة في العراق وأخذ يتنقل حتى حضرته الوفاة، لما حضرته الوفاة وكان يريد أن ينتقل كذلك إلى مكان آخر وكان قد صالح السلطان، فلما حضرته الوفاة تاثر وجزع فدخل عليه من ذكر بالله سبحانه وتعالى وبين له بأنك تقدم على الله سبحانه وتعالى.

ولما قيل له: أتخاف؟ فقال: أتخاف ذنوبك؟ فقال: أما والله أن ذنوبي أهون علي من هذا، وأخذ حفنة من الرمال ورماها، ولكني يقول: أخاف من قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47]. يقول: أخاف بأني قلت كلمة ما كانت لله سبحانه وتعالى، أخاف بأن طلبي للعلم ما كان صالح ما كان ما كان النية فيه صادقة، أخاف بأن بني قد وقع عليه المكر، أخاف من هذا.

والسلف صالح عند حضور الوفاة يختلفون في تعاملهم، فمنهم من يغلب جانب الخوف حتى يقبل على الله سبحانه وتعالى بقلب وجل، بقلب خائف، بقلب هكذا. وسفيان كان يقول: إني أرى الأمر ولا استطيع ولا استطيع أنكره فأبول دما، فأبول دما.

ومنهم من كان يغلب جانب الرجاء، منهم من يغلب جانب الرجاء لأنه يقدم الآن على الله سبحانه وتعالى فيغلب عنده، منهم من يفتح هكذا يغلب جانب الخوف من غير لا يدخل في القنوط، إنما يغلب جانب الخوف بالاعتبار الذي ذكر أنه يخاف أن يكون قد مكر به، فيقدم الله سبحانه وتعالى هو بهذه النفس المنكسرة بهذه الروح المحبة والمنكسرة والخائفة والوجلة من الله سبحانه وتعالى.

ومنهم من يغلب جانب الرجاء فيتعامل مع هذا ال، يتعامل مع هذا الموقف بحسن الظن بالله سبحانه وتعالى وتغليب جانب الرجاء وسعة رحمة الرحيم سبحانه وتعالى من غير الوقوع بالغرور، من غير الوقوع بالغرور، ولا يغتر برحمه الله، لكن هو يتعامل معه بأن الرحيم: يا ربي أنت الكريم والآن مقبل عليك فتعامل معي تعامل التعامل اللائق بأسمائك وصفاتك وليس اللائق بي أنا، إنما تعامل الرحيم مع عبده، تعامل الكريم مع عبده، هكذا، يعني قسم يغلب هذا وقسم يغلب يغلب هذا.

وسفيان هنا كان يبين بأن الخوف هنا من هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47] هذه آيات والله مخيفة، ﴿فَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]، حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى، قل إن هدى الله هو الهدى.

فحريب الإنسان قبل أن يلقى الله سبحانه وتعالى أن يكثر من دعاء الله سبحانه وتعالى سؤال الهدايه والتوفيق والتسديد وكذلك ذلك سؤال الهدى والتقى والعفاف والغنى، سؤال تنقية النفس والإخلاص والصدق معه سبحانه وتعالى حتى يقى الله سبحانه وتعالى وهو على هدى على على الطريق المستقيم وكذلك على نفس ما يريد الله سبحانه وتعالى ويحب ويحبه منه.

سيرة سفيان مليئة بالعبر والدرر، وكلمات سفيان كثيرة، ودي أن أتعلق على بعض الكلمات الدالة على معرفته العظيمة بالانسان، وكذلك على طبيعة بعض الأشياء التي ذكرها، ولكن يعني ما لا يدرك لا اقول كله، بل اقول بعضه لا يترك.

بعضه ولا أقول حتى جله إنما يترك بعضه. رحمه الله تعالى على سفيان وتقبل الله سبحانه وتعالى في الصالحين، وسير هؤلاء حياة، العيش مع هؤلاء حياة، وينبغي على الشخص أن يكون عنده هكذا مجالس يعيش فيها مع هؤلاء الأئمة الكبار، ويستفيد وينتفع منهم حتى يحمى بإذن الله من الفتن التي تصيب في هذه الحياة، فينظر إلى سير هؤلاء ويسعى جاهدًا لاقتفاء آثارهم والتشبه بما كانوا يفعلونه، لعل الله سبحانه وتعالى أن يلحق بهم، وأن يصيبه من الخير كما أصابهم، وأن يختارها الله سبحانه وتعالى كما اختارهم في زمانهم.

إذا هذا ما يتعلق بسيرة هذا العبد الصالح، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا أحمد.