الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى نبينا وقائدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
معنا اليوم بإذن الله في هذا المجلس رجل من الرجال الذين أثنى عليهم إمام أهل السنة والجماعة الإام أحمد رحمه الله تعالى. كان قليل الثناء وليس بكثير الثناء؛ فالإام أحمد ما كان يثني على الكثير، إنما كان يثني على القليل، وزمان الإام أحمد كان زمان فتنة، وزمان الفتنة من طبعه أن يجعل الإنسان يحكم بطريقة معينة محدده، وهذا له تفصيل.
القصد أن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عالم من العلماء الكبار، وهو من العلماء الذين جمعوا بين العلم بالله والعلم بأمره. وكان يثني رحمه الله تعالى على جماعة من الأشخاص، أخص من هؤلاء ثلاثة كان الإام أحمد معجب بهم، وأنا أتعجب والله من إعجاب أحمد، ولكن لما يعرف شخص الإسلام بطبيعة هذا الدين يتعجب من تعجبه الأول.
فطالب العلم لما يبدأ بطلب العلم دائماً يكون عنده المعيار كثرة الحفظ، كثرة القراءة، سعة العقل، وهكذا. ولكن لما يعيش مع القرآن الكريم وينظر في هدي الأنبياء وكذلك هدي الأصحاب وما اختاره الله سبحانه ومن اختاره الله سبحانه وتعالى من الأشخاص، يعرف بأن المعيار الحقيقي حقيقة وليس دعاءً، هو معيار الإيمان ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
المعيار ليس الموهبة العقلية، المعيار ليس معلقاً بكثره ما عند الإنسان من علم، إنما المعيار هو نفس الإسلام، إنما المعيار هو حب الله سبحانه وتعالى وتعظيم الله سبحانه وتعالى. لذلك هؤلاء الثلاثة حري أن يدرس الإنسان سيرهم، وأن ينظر إلى طريقة تعامل الإام أحمد رحمه الله تعالى معهم. الإام أحمد بلغ الغاية في العلم والنهاية، وهو من أشهر علماء الأمة على الإطلاق، ومع ذلك كان يثني على هؤلاء الثلاثة بما لا تجد أنه أثنى على غيرهم ممن هو أكثر منهم علما، وأقصد بالعلم هنا العلم بأمر الله، لماذا؟ لأن هؤلاء الثلاثة يرى الإام أحمد رحمه الله تعالى بأنهم بلغوا درجة عالية في العلم بالله سبحانه وتعالى.
من هؤلاء الثلاثة؟ بشر بن الحارث الحافي، الملقب بالحافي، ومعروف الكرخي، وعبد الوهاب الوراق. هؤلاء الثلاثة كان الإام أحمد يحبهم، ولما كان طلاب العلم يسألون: من نسأل بعدك؟ فيقول: عبد الوهاب وراق. وكان يثني على بشر ثناءً عجيباً، وكان يرى بأنه أقل من بشر، فلما سئل مرة من المرات عن مسألة في الورع قال: معاذ الله أن أتكلم بها لأني آكل من غلة بغداد، هذه المسألة يسأل عنها بشر بن الحارث.
والإام أحمد هو الإام أحمد بالورع، الإام أحمد كان من أزهد الأئمة وأورع الأئمة، حتى إن ابن الجوزي رحمه الله تعالى كان يقول: كنت أريد أن أصبحت مثل أحمد أو أن أقتدي بأحمد من شدة تقشفه ولكنني لم استطع. فالإام أحمد كان شديد تقشف، حتى إن الإام ابن تيمية لما تكلم عن جوائز العلماء قال: عامة السلف كانوا يقبلون جوائز العلماء إلا سعيد بن المسيب لم يكن يقبل، ومن هؤلاء أحمد بن حنبل، ذكر سعيد والحسن البصري فيما أذكره الآن، ثم قال: وعلى سنن هؤلاء وطريقة هؤلاء أحمد بن محمد بن حنبل.
ما كان يقبل من عامة علماء السلف، كان يقبلون جوائز الأمراء. القصة أن الإام أحمد كان شديداً في هذا الباب، بل هجر ابنه صالحاً لما قبل أن يصبح قاضياً وقبل أن يأخذ العطية. ولما جيء يوم من الأيام بطعام، جيء له بخبز فتعجب من سرعة نضج الخبز، فقالوا له بأن تنور صالح كان مشتعلاً فصنع الخبز في تنور صالح، فأبى أن يأكل. انظروا إلى شدة ورع هذا الإام! هذا الإام الذي بلغ هذه الدرجة، كان يثني على بشر بهذا الثناء، وكان يتعجب من المرتبه التي وصل إليها بشر بن الحارث، وكان يقول: وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه بشر؟ هل يراد من العلم إلا ما وصل إليه؟ راس العلم الخشية، وبشر وصل إلى هذا.
فكان يعلم طلاب العلم، هل يصعب على طالب العلم الذي يقرا كثيراً ويتعلم ويتفقه أن يصل إلى هذه المرتبة؟ أقول بكل صراحة: نعم، ليس من السهل أن يصل الشخص إلى مرتبة العلم بالله، هذه مراتب لابد أن يبلغها العبد، وأعلى الناس على الإطلاق هم من يجمع بين العلم بالله والعلم بأمره، ولكن هذا ليس كثيراً، إنما الغالب إما أن يكون عابداً فيتميز بالعلم بالله ويفتح الله عليه هذه الأبواب، أو يكون عالماً بأمر الله مع نقص في العلم بالله سبحانه وتعالى.
أما أن يكون جامعاً بين هذا وذاك، فهذه مرتبة عالية جداً، هذه مرتبة عالية منيفة. القصد أن أحمد بن حنبل كان يثني على هذا الإام، والمدخل إلى هذا الإام هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
بشر بن الحارث لم يكن في بداية حياته على استقامة وهداية، وهذا الأمر العجيب، يعني كيف أن بعض الناس ما يكون نشأ في الحلقات، ما نشأ في مراكز العلم، ما نشأ في الأماكن التي يتلقى فيها الشخص الإيمان، لكن هو عنده المحبة الدينية العامة، واختلف الناس في سبب توبة بشر. فيقول هو عن نفسه ذاكرا سبب توبته بأنه كان يمشي في يوم من الأيام وراى في الطريق ورقة ملقاة وفيها اسم الله سبحانه وتعالى، فاستعظم أن ينظر إلى اسم الله وهو ملقًى، فأخذ هذه الورقة ثم ذهب إلى النهر وغسل هذه الورقة، ولم يكن معه إلا درهم، فذهب واشترى طيباً ومسكاً وأخذ يتتبع اسم الله سبحانه وتعالى في هذه الورقة ويطيب اسم الله سبحانه وتعالى.
هذا الطيب يدل على إيمان، يدل على أن هذا الإنسان عنده شيء مقدس، يعني هو يستعظم أن ينظر إلى هذا المشهد، وإن لم يكن هو بالأصل بلغ إلا ما بلغه بعد ذلك من المرتبة التي وصل إليها. فنام فرى في المنام بأنه يقال له: طيبت اسمنا لنطيبن اسمك. فأصبح بشر، والقصة الأخرى المشهورة كذلك، أنه كان يوم من الأيام عنده مجلس غناء، وكان قد آذى الناس بهذا الغناء، فكان صوت المعازف والغناء خارجاً من الدار، فمر رجل صالح واستمع إلى هذا الصوت، فجاء وطرق الباب، ففتحت الجارية فقال لها: هذا الرجل صاحب هذا البيت حر أو عبد؟ فقالت: بل حر. فقال: لو كان عبداً لما صنع ما صنع. ثم انطلق هذا الرجل.
فلما دخلت الجارية سالها بشر: من الباب؟ قالت: رجل سأل سؤالاً غريباً، سؤالاً عجيباً. فقال: وماذا سأل؟ فقال: قال صاحب هذا المنزل حر أو عبد؟ فقال: وماذا قلتي؟ فقالت: قلت: حر. فقال: لو كان عبداً لما صنع ما صنع. ففهم بشر المقصود، وخرج وهو حافي يتتبع هذا الرجل حتى وصل إليه، ثم بعد ذلك تاب بشر ولم يلبس بعد ذلك النعل. وقيل بأن سبب عدم لبس النعل هكذا سبب آخر، قسم من ذلك.
أن بشر لم يكن في بداية حياته على استقامة وهداية، يعني هو لم يكن بالأصل من طلاب العلم، لم يكن بالأصل ممن نشأ في هذه المراكز، وكان الناس في السابق ينشؤون على هذا، يعني أكثر الناس كانت تنشأ في حلقات التحفيظ، فكانوا يعلمون القرآن الكريم من الصغر ويعلمون الدين، ثم بعد ذلك الكثير يتوجه إلى طلب العلم. بشر ما سلك هذا الطريق في البداية ومع ذلك وصل إلى ما وصل إليه، لماذا؟ السر كيف وصل هذا الإنسان؟ هذه رحمة الله سبحانه وتعالى لما تصيب الإنسان: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء﴾ [يوسف: 56].
ثم لما تصيب العبد هذه الرحمة، انظروا كيف تعامل بشر معها. فبشر في القصة الأولى، بشر طيب هذا الاسم، وهذا جزاء عند الله عظيم جداً، يقول النبي عليه الصلاه والسلام: «بينما رجل يمشي إذ وجد غصن شوك فاخذه وفي رواية فاخره وفي حديث أنه قال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين، فشكر الله له فغفر له». ليس كل من ينحي الشوك من الطريق يأخذ هذا الأجر، إنما هذا مع هذا العمل كان هناك ورع عظيم في قلبه، يعني هذا الإنسان استعظم أن ينظر إلى هذا الشوك في هذا الطريق ويتأذى منه المسلمون، فقال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين.
هذا إذا كان مع البشر، مع المسلمين، فكيف لما يرى إلى اسم الله سبحانه وتعالى ويستعظم هذا الإنسان؟ هذا هو الذي يبلغ الله سبحانه وتعالى. وفي القصة الأخرى أن هذا الإنسان الذي دعا بشر، لعل الله علم إلى صدقه فأراد الله أن يكرمه بأن يكون هذا الرجل في ميزانه. هذا الإنسان لما ذهب إلى المنزل وطرق الباب ما قال لا، يعني ما كان سلبياً، ما قال مستحيل هذا يتاثر، لا، سأبذل السبب، وقال كلمة بالعاده الناس لا يتأثرون بها كثيراً، لكن الله لما يريد أن يفتح قلب الإنسان ييسر له أبسط الاسباب، أيسر الأسباب، وهذا تعليم للدعاة، لأن الواحد لا يترك الذي يستطيع، ما تدري ما العمل الذي يبلغك الجنة.
هذا الموقف كله لم يأخذ من هذا الرجل نصف دقيقة، نصف دقيقة، لكن انظروا كيف أثر في مجرى التاريخ! أثر بإيجاد شخص يثني عليه إمام أهل السنة والجماعة ويكون بهذه المرتبة من الديانة. فلعل الله علم أن هذا الإنسان كان صادقاً اللي طارق الباب، وصدق الله فيه، واستعظم أن ينشر هذا المنكر ولا يفعل شيئاً، وكذلك الله علم بأن هذا الإنسان إذا هداه الله سيحافظ على الهداية، سيحافظ على الهداية، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب.
يعطي الله العبد الهداية، لكن بعد ذلك يختبره ويمتحن: هل يبقي هذه الهداية؟ هل يحافظ عليها؟ هل يحفظها؟ أو يعلو بها على الآخرين أو يتكبر بها؟ كيف يتعامل معها؟ فالإنسان ممكن يهدى من البداية، لكن بعد ما يهدى كيف يتعامل مع الهداية؟ بعض الناس يحافظ على هدايته ويسعى جاهدًا لأن يرتقي بسلم الهداية بمدارج العبودية، وبعض الناس يتكي على هدايته الأولى.
لذلك قال ابن القيم في مدارج السالكين: بعض الناس لما يهدى في البداية يحصل من التقوى والصلاح والمحبه والتعظيم هذه الحال يصل إليها ما لا يصل إليها بعد ذلك، لماذا؟ لان ما حافظ على هدايته، الله الآن يختبره لما تأتي اختبارات، يتكئ على هدايته الأولى، على استقامته الأولى، على التزامه الأول. أما بشر فلم يكن بهذه الطريقة، بشر لم يكن بهذه الطريقة، إنما بشر كان حريصاً على أن يحفظ هذه الهداية، ومن يقرا في كلماته وينظر إلى حاله رحم الله تعالى يعرف هذا المقصد.
بشر كان حريصاً أن يحفظ على أن يحفظ قلبه، أن يحافظ على إيمانه، ولا ينتقل من مرحلة إلى مرحلة في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى إلا من يكون عنده الإيمان غالي. الإيمان أعظم عطية يعطيها الله سبحانه وتعالى العبد، أعظم هدية، أعظم عطية، أعظم نعمة، نعمة الإسلام والإيمان. هذه النعمة العظيمة الجليلة إذا ما استحضرا عبد دائماً عظم هذه النعمة ما يرتقي، ما يرتقي! ربما يثبت، ربما ينزل على حسب حاله، لكن الذي يعيش دائماً أن نعمة الهداية نعمة كبيرة وأنا ما أدري كيف أشكر الله سبحانه وتعالى عليها، يعني كيف أقول: يا رب لك الحمد على الهداية، يا رب لك الحمد أنك جعلتني مسلماً؟ هذا الذي ما يتعامل بهذه الطريقة دائماً، هذا ما يهدى.
لذلك الله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58] هذا الفضل، الإسلام والقرآن. أم أيمن لما مات النبي عليه الصلاه والسلام، يذهب إليه الصديق والفاروق تبكي، ثم تقول: أنا ما أبكي أني ما أعلم أن ما عند الله هو خير لرسوله عليه الصلاة والسلام، ولكني أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء. هذا الذي يبلغ الإنسان.
وعمر بن الخطاب لما يؤتى بأموال كثيرة أموال الفرس يبكي، فيقول له رجل: قل بفضل الله وبرحمته وذلك يفرحوا؟ قال: هذا مما يجمعون، أما فضل الله ورحمته الإسلام القرآن. بشر كان من هذه الشريحة، بشر بن الحارث كان من هذه الشريحة. مرة من المرات راته أخته، أختها كانت امرأة كذلك صالحة وكانت له ثلاث أخوات كلهن من الصالحات، فأراد أن يخرج مرة من المنزل فوضع رجل خارج المنزل ورجل داخل المنزل، هكذا أراد أن يخرج ثم توقف هنيهة وقد يتفكر.
فقالت له أخته: مالك؟ لماذا تتفكر؟ وجلس هكذا اليوم كله الصباح يفكر. فردت عليه أخته قالت: مالك؟ لماذا تفكر؟ فقال لها: كنت أتفكر في بشر النصراني، كنت أتفكر في بشر اليهودي، كنت أتفكر في بشر المجوسي، لماذا الله جعلني مسلما؟ لماذا الله اختارني؟ يعني الله سبحانه وتعالى منّ علي بهذه النعمة أن أكون مسلماً، ولولا رحمة الله سبحانه وتعالى لكنت نصرانياً أو كنت مجوسياً.
هذا عمر بن الخطاب لما ذهب إلى الشام ونظر إلى راهب يتعبد، بكى عمر وتاثر وقال: عامله ناصبة، يعني هذا يعمل لكن ليس على هدى، ليس على بصيرة. فبكى عمر، تذكر نعمة الهداية، تذكر عمر قبل أن يسلم من كان، ولو استمر كيف ستكون حاله، كيف سيكون مصيره؟ هذه نعمة عظيمة جداً. بشر كان من هذه الشريحة، بشر من هذه الشريحة.
طبعاً هذه أعلى الدرجات، جات نعمة الاستشعار، ليس الكل يستشعر، الاستشعار نعمة من الله، نفس الاستشعار بأنك عبد لله وأنك عبد اختارها الله سبحانه وتعالى، هذه النعمة بذاتها عطية إلهية، هذه النعمة بذاتها هي عطية إلهية ولا يستطيع الشخص أن.
يتكلفها شخص يستطيع أن يفعل شيء معين، حتى يأذن الله له بعد ذلك فيعطيه هذه النعمة. يعني هنا تفكر بشر بهذه الطريقة، هذه كرامة، هذه كرامة!
ثم قال بعد ذلك، يقول: ما الذي سبق منك حتى خصك؟ فتفكرت بتفضله علي، وحمدته علي أن جعلني من خاصته وألبسني لباس أحبائي. يقول: أنا جلست أتفكر؛ ما الذي سبق مني؟ ما الذي سبق منك أي مني حتى خصك الله سبحانه وتعالى؟
ثم بعد ذلك قد يتفكر في فضل الله سبحانه وتعالى، وحمد الله سبحانه وتعالى عليه؛ أن جعلني من خاصته سبحانه وتعالى. يعني نعمة عظيمة، نعمة عظيمة، بس هذه عطاء إلهي، نصيبه برحمة من نشاء، فهو قد يتفكر بهذه النعمة العظيمة، العطية الإلهية الكبيرة هذه. نعمة الاستشعار هذه عظيمة جدا، والانسان يسعى جاهدا حتى يصل إليها، يدعو الله كثيرا، يطرق الباب حتى يأذن الله سبحانه وتعالى بأن يتمكن هذا المعنى من قلبي.
فدائما يعيش فضل الله عليه، دائما يعيش نعمة الله سبحانه وتعالى عليه، دائما يعيش عطاء الله سبحانه وتعالى. ما يعيش أنه هو الذي فعل، لا، إنما الله هو الذي أكرم، الله هو الذي أعطى. هذا الذي جعل الإمام أحمد يتعجب من بشر ويقول: هذا العلم كل الذي نطلبه نريد أن نصل إلى درجة بشر، نريد أن نصل إلى درجة بشر، إلى تعظيم بشر لله، إلى حب بشر لله، إلى استشعار بشر. هذا الاستشعار هذه النعمة، هذا الذي نريد أن نصل إليه، هل يراد من العلم إلا ما وصل إليه بشر؟ إلا ما وصل إليه معروف؟
العلم يطلب حتى يصل الشخص إلى التقوى، فإذا العلم هذا ما كسر إنسان، وما ازداد بهذا العلم تعظيم لله سبحانه وتعالى وخوف وخشية، وما انتفع بعلمه، ما انتفع بعلمه حقيقة، إنما العلم هذا يكون وبالا عليه. لذلك طالب علم لابد أن يراجع دائما نفسه، وينظر: هل هذا العلم يزيده خشية؟ أو هذا العلم يزيده علو على الآخرين؟ إذا كان يزيدك علو، أنت في خطر كبير جدا، تحتاج إلى مراجعة حقيقية، لا تترك العلم، لا، ولكن انظر إلى أين الخلل؟ لأن لا شك بأن الذي يجمع بين العلم والايمان هذا هو الأعلى. الله يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الروم: 56].
والعلماء ثلاثة: العالم الأول هو العالم بامر الله، العالم بالله والعالم بأمره، هذا العالم الكامل الذي يجمع بين العلم بالله والعلم بأمره. ثم الثاني: العالم بالله وإن لم يكن عالما بأمره. ثم الثالث: العالم بأمر الله وهذا فاجر، هذا الفاسق، نسأل الله السلامة والعافية. لكن ليس كل طلاب العلم، ليس غالب طلبة العلم يصلون إلى ما يصل إليه بشر، أو إلى ما يصل إليه أحمد بن حنبل، إنما هذه مراتب، وهذه مراتب وعطيات، وهذه معها صدق ومعها إخلاص.
فالقصد من ذلك أن الإمام رحمه الله تعالى كان يتعجب من ورع بشر ومن ديانة بشر، وكان يقول: لو تزوج بشر لتم أمره. يعني النقص الذي كان عند بشر بنظر الإمام أحمد هو أنه لم يكن متزوجا. طيب تقول لي: الزواج يؤثر بالانسان؟ أقول لك: صح، يؤثر، ولكن نحن عبيد لله سبحانه وتعالى، فالإمام أحمد أبصر من بشر، الإمام أحمد أبصر من بشر، وابن القيم رحمه الله تعالى كان وعي لهذا كله. فالإمام أحمد كان يجمع قلبه في موطن الجمع، ويفرق قلبه في موطن التفرقة، كما يقول ابن القيم -ليس الإمام أحمد، لكن يقول عن هذه العبادة- هذه العبادة: فالعبادة أن تجمع نفسك في موطن الجمع، وأن تفرقها في موطن التفرقة. ما الذي يريد الله؟ تفعل هكذا.
فهنا أربع من سنن المرسلين منها الزواج، ما تزوج! والكمال أن تزوج؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو أكمل واتقى الناس لله سبحانه وتعالى ومتزوج. وهذا هدي الأنبياء، هذا هو هدي الأنبياء وسنة من سنن المرسلين. فقد يقول أن هنا النقص عند بشر هو هذا: لو تزوج لتم أمره، يعني أصبح بشر لا نظير له، وهو أصلا في نظر الإمام أحمد لا نظير له، وكان يرى بأنه أعلى منه بالورع.
وجاءت مرة امرأة وسالت الإمام أحمد وكانت تغزل الثياب، وتقول: هل الثياب التي نغزلها على ضوء القمر نبيعها مثل الثياب التي نغزلها على قناديل الشرط؟ يعني هل هذا مثل هذا؟ وهل يلزمي أن أبين؟ سؤال عجيب! هذا السؤال عجيب، وعادة هذه الأسئله الرد يكون فيه تكلف، ولا ما واحد له كلام نفيس في هذا، لا، أريد الآن ندخل في تفاصيل، القصد من ذلك أن بعض الأسئلة يليق بها أناس معينين، ليست للجميع، يعني هذا السؤال لو سال هذا الانسان لاقيل له بأنك متكلف في السؤال، وأن هذا ليس لك، هذا متى يكون؟ مثل ما قال ابن عمر لما سأل الرجل عن من البعوض الذي مات في الحرم، قتل شخص البعوض في الحرم، هل عليه شيء؟ فقال: انظروا إلى هؤلاء يقتلون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألون عن البعوض والذباب! نعم، هذا القسم يققال لهذا الشيء.
لكن قسم آخر، الإمام أحمد قبل أن يجيب سأل: من أنت؟ أو لم يقل سأل، وبعضهم يقول: لا، إنما أرسل من يتتبع هذه المراه، فنظروا إليها فإذا هي قد دخلت بيت بشر، وكانت أخت بشر، وكان لبشر ثلاث أخوات كلهن من الصالحات العابدات القانتات. فقال: ما أحد من بيتكم خرج الورع! يعني هذا السؤال، نعم، أنتم تسالونه، وهذا السؤال يليق بكم، من بيتكم خرج الورع. تعجب الواحد من من يسال مثل هذه الأسئلة، هذا اللي يسأل أحد رجلين، أو أحد شخصين: أما متكلف إنسان يدعي ورع، أو إنسان حقيقة وصل لدرجة عالية بالورع، أما هذا أو هذا.
فقال: من بيتكم خرج الورع. وكان بشر أول ما استقام بدأ بطلب العلم، بدأ بطلب العلم فجمع الأحاديث ورحل البلدان، ثم بعد ذلك دفن جميع كتبه، وهذا الشيء العجيب! ولم يقبل على التحديث، إنما ابتعد، وكان بل أحيانا كان يحذر بعض خاصته من حضور مجالس العلماء. وهذا أمر عجيب، كيف بشر في هذه المرتبه يحذر بعض طلابه أو خاصته من الحضور في مجالس المحدثين؟ لماذا؟ لأنه يرى بأنهم توسعوا، يرى بأنهم توسعوا في العلم على حساب نفس العيش مع الدين، وهذا أمر حق، وهذا أمر حق، فلذلك ما ذاك، ذاك الشخص يسعى جاهدأ أنه ما يحضر إلا عند من يذكر بالله سبحانه وتعالى، فيجمع بين هذا وبين هذا، يجمع بين هذا وبين هذا.
أما أن شخص يكون مكتفي بالععلم بامر الله وليس هو صاحب إيمان ولا خشية ولا صاحب مواقف ولا صاحب عبادة، هذا خطأ. يعني لما ننظر الآن إلى ابن تيمية، ابن تيمية رحمه الله تعالى هو من أكثر الناس علما وأوسع الناس عقلا، وابن تيمية بالأصل دخوله كلها في باب النقاش والجدال، ومع ذلك هو من أعظم الناس خشية، ومن أكثر الناس عبادة، يتعجب! هذا هو الكامل، هذا هو هذا الذي يجمع بين نصرة الدين وتعليم الناس إلى آخره، وكذلك القيام بالمواقف، وكذلك العبادة.
غدوتي، لو لم تغدها سقطت قوتي، لابد أن يقسم الوقت بهذه الطريقة، في وقت للذكر للعبادة القرآن، أما شخص ما يكون عنده وقت أبدا للذكر ولا العبادة، تكون هذه حالته الدائمة، هذا خطير جدا. حتى طلب العلم حتى كان عنده معلومات كثيرة، لأن هذا ما وصل العلم إلى قلبي، هذا كله عبارة عن نقاش، وهذا للأسف كثير عن طلاب العلم المتأخرين، بل هو في الأزمنة الأولى كذلك كان موجود، لكن بنسبة معينة، ثم آخذ بدأ يكثر ويعظم، وأصبح هناك انفصال كبير بين العلم والإيمان.
وبدا هذا القسم يحتج أو يستدل بالنصوص الواردة بفضل العلم، ولا يلتفت إلى الإيمان كثيرا، ويجعل الإيمان هكذا بابوامر ضيق، يأخذ كلام السلف في فضل العلم ولا يأخذ ديانة السلف ولا عبادة السلف. وهذا مثال: مثال الذي يضيء للناس ويحرق نفسه، كما جاء في الحديث، بعض الناس مثال مثال السراج يضيء للناس يدل الناس لكن هو يحرق نفسه؛ لماذا؟ ما انتفع بعلمه.
فالقصد أن الجمع بين هذا وهذا، هذه هي الديانة، هذه هي العبادة. فبشر رأى بأن المجالس كثر فيها الجفاف والجمود، وضمرت فيها الديانة، فخشي على طلاب العلم، خشي على من يحضر عنده، إذا حضر هنا سيقسوا قلبه ويضعف الإيمان عنده، فلذلك قال: أحذرك من مجالس الحديث. هذه كلمة ممكن يقولها منافق، وممكن يقولها رجل عابد، على حسب من يقول هذه الكلمة تفهم.
فإذا قالها المنافق، واضح أنه لا يحب الدين، لكن إذا قالها العابد المتدين مثل بشر، هل معنى هذا أن بشر لا يريد من طلابه أو من خاصته أن يطلبوا العلم؟ مستحيل! كيف يعبد الله سبحانه وتعالى إذا؟ والعلم قبل العمل، فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك. ولكن قصده من هذا هو أنه ما يتوسع في هذا حتى ما يؤتى على قلبه فتمرض عنده الديانة وتضعف، هذا هو القصد، هذا هو القصد.
خاصة في ذلك الزمان، كان هناك جرح وتعديل وتوسع في كلام إلى آخره، وأحيانا يقع العالم في زلة، لكن ليس معنى هذا أن هذا ما يضبط بميزان الدين، فيأخذ الكلام بسياقه، يؤخذ الكلام بسياقه. فالقصد أن بشر بن الحارث كان حريصا على ديانته وحريصا على حفظ قلبه، ودفن كتبه.
طيب لماذا دفن كتبه؟ لماذا؟ لأن بشر ما استطاع أن يجمع بين الخمول محبة الخمول وعدم الذكر وبين تعليم الناس، ما استطاع. تقول لي: طيب هل ممكن الشخص يصل؟ أقول لك: نعم، هل الشخص ممكن يصل إلى درجة؟
يعني سبحان الله، هذه المدارس لابد أن تكون إيمانية، ولابد أن تكون كذلك منهجية بها هكذا معايير. أحيانا الشخص يا شباب يطلب العلم ولكن هو لا يكون مبرز بالععلم، هو العلم ما يثمر فيه، ما يثمره بالشخص الذكي، هو طلب العلم وجمع الحديث، فيأتي يريد أن يعلم، ثم يرى بأن غيره أولى منه، يرى بأن غيره أولى منه بالتعليم، وهذا الباب مسدود، فيكتفي بغيره، فيكتفي بغيره ولا يعلم هو. وهذا باب خاص ليس عام، بشر هنا لما دفن الكتب هو ليس قصده أنه ما يعلم الناس، وليس قصده أن الدين يموت، وليس قصده أن هذا الباب ليس من الأبواب التي توصل إلى الله سبحانه وتعالى.
ولكن قصد بشر هنا أن هذا الباب غيري كفاني إياه، فلماذا أنا أدخل في مجاهدة غالبا لن أستطيع عليها، أو نفسي ما تعين عليها؟ إذا أكتفي بالعبادة، وكان يعلم الرجلان، يعلم هو الرجلين فإذا جاء الثالث قام ودخل إلى منزله، هذا كله من باب الحرص، هو الآن عنده اثنان حضور يعلمهم، جاء ثالث قام ودخل. طيب لماذا؟ لأنه يشعر بأن قلبه بدأ يتغير.
انظروا الآن إلى طريقة التعامل هذا، وإلى من يطارد الناس ويطارد الجمهور! والله نحن في زمان نحتاج أن نبحث عن الإخفاء، ليس على المشهورين، نحن في زمان اليوم الكل مشهور فيه، نحتاج أن نبحث عن يعني عن الشخص الذي ما يعرف أحد، الشخص الخفي، هذا العابد الذي يخاف على إيمانه يخاف على دينه.
فالقصد أن بشر ما كان يريد أن يغرر بإيمان، ليس مع هذا طبعا كلامي أن شخص ما يجاهد حتى يظهر نفسه من أجل الدين، يعني يفهم كلام بسياقه، لكن أقصرد أن الفتنة قوية. إذا كان في زمان بشر هو هكذا ثلاثة يدخل، طيب كيف لو كان في زمان اليوم وسائل التواصل، شخص هكذا يبث يبث، يحضر عنده عدد، ثم إذا نقص العدد يحزن، لا أريد أكثر، ولم يكن في عدد، ثم هذا دائما ينظر الأعداد! هذا إيدي، من ما الذي سيقبل من هذه الأعمال؟ ما الذي سيقبل من هذه الأعمال؟
إذن كل ما ظهر، كل ما ظهر من عملك فلا تعد، يعني في هذا الزمن كل ما يظهر من عمل الإنسان لا يعد الإنسان، لا يحسبه ولا ينظر إلى عنده كذا وكذا، إنما ينظر فقط إلى عمل بس كيف تتعامل مع الله سبحانه وتعالى؟
فالقصد أن بشر رحمه الله تعالى كان بهذه الطريقة مفكر، وما لامه الإمام أحمد، يعني واحد لام بشر على أنه لم يتزوج، لكن ما لامه على أنه لم أو انتقد لأنه لم يتزوج، لكن ما انتقد بأنه ما علم، ما انتقد بأنه لم يعلم لوجود من يسد هذا المسد، وهذا هو المعيار، يعني ياخذ المعيار بهذه الطريقة. فالشخص نعم قد يبتلى أحيانا بالرياء، قد يبتلى أحيانا، بل لابد أن يعرض عليه شيء من هذا، أقول لك: إذا كان الأمر واجب عليك، ولا يوجد من يسد هذا المسد، وأنت تعرف هذا الشيء، فلا بد أنك تقاوم وتجاهد، والله يعينك على هذه المعركة، هي معركة الحياة، كلها معارك، والإيمان عزيز، والإيمان عزيز!
فارق كبير بين من ينافس الناس حتى يثبت وجوده، وبين من ينافس الناس حتى يثبت الدين. فارق كبير بين من يكتب حتى يقول أنا موجود، وبين من يكتب حتى يوصل رسالة الإسلام، فارق كبير جدا. لذلك لا تكتب كل شيء، يعني ليس كل شيء يطري في بالك تكتبه، بل انتظر الله سبحانه وتعالى، أو انتظر هكذا يعني لما يغلب على نفسك بأن كتابتك لله اكتبها، بس إذا ما غلب والله لا تكتب، ولا تحسب الحسبة الدنيوية كثيرا أني ما كتبت لي كذا، لا عادي، المهم أن الله يتقبل عملك، وهذا له، هذا يحتاج إلى هداية وهذا له شرح.
القصد أن بشر رحمه الله تعالى دفن هذه.
الكتب من أجل هذا الشيء، أنه خلاص لا يريد أن يدخل في مجاهدة كبيرة بهذه الطريقة، هو يريد أن يتعبد الله، يريد أن يحافظ على إيمانه، وغيرها كافية هذا الباب، إذا لماذا أن أدخل فيه؟ خلاص هذه موازاة بشر. فذاك هو طلب، ثم دفن كتبه، وكان بعض المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي لما ألف رسالة وهو صغير بالسن، وبعد ما ألفها دفنها، فقيل له في ذلك، فقال: لم تكن لله، إنما كانت من أجل المنافسة.
وكان الشيخ الطريفي يقول بأن مرة من المرات حقق كتاباً في العقيدة، وجاء شيخ آخر معروف هو كذلك، وأنا كتبت مرة عنه. هذا القصد أن الشيخ لما حقق الكتاب يقول كنت صغاراً كان في سن الثامنة عشرة، فجاء ذاك الرجل وقبل أن يطبع الشيخ الكتاب، شيخ أرسل الكتاب بالمطبعة فطبع كتاب ذاك الشيخ. فلما طبع، طلب الشيخ من المطبعة أن يردوا له الكتاب فلم يقبلوا، فأصر عليهم وأخذ بالقوة، ثم أخذ كتابه وكتاب هذا الشيخ وأرسل في البريد إليه وسلم عليه، وقال: من هذا يعني كتاب أنا كتبته، فانظر، انظر إليه يعني ممكن تنتفع منه هكذا.
ولا يريد هو خلاص أن يظهر، فلما قرأ ذاك الشيخ الكتاب رأى بأنه يعني عمل الشيخ الطريفي أفضل من عمله بكثير وأعلى منه، فذهب إليه، وكان ذاك الشيخ في المدينة وهو الشيخ كان بالرياض، فذهب إليه وطرق الباب وقال: أين عبد العزيز؟ فقال: أنا عبد العزيز. فقال كتابك! دخل عليه وقال: كتابك أفضل من كتابي. وهكذا جرت بينهم هكذا قصة. والشيخ ما قبل أن يطبع كتابه، يقول: فكتب لي رسالة وأعطاني إياها، قال: لا تقراها حتى أخرج. فلما خرجت بدأ يذكرني أنك لا بد أنك تطبع وهذا الكتاب، وذاك الرجل كذلك المتدين ذاك الشيخ، يقول الشيخ: فأحرق كتابي، فأحرقت كتابي.
فسأله أحد هكذا المحققين، قال: لماذا؟ لماذا ما جعلت الناس ينتفعون منه؟ فقال: إن ما يعني الكتاب ما كان لله، أو النفس ما ما أعطتني. وأحياناً الإنسان يصل لهذه الحالة، لكن هذا ليس حالة دائمة، إنما أحياناً هذا المقدر، وتركك هذا لله يرفعك الله سبحانه وتعالى بأمر آخر، ما تدري كيف يكون، لكن لازم تترك شيئاً لله، ومن ترك شيئاً إلا عوض الله سبحانه وتعالى خيراً منه.
فالقصد أن بشر، انظروا كيف رفع هذه يعني بشر وصل إلى مرتبة الكل يعرفها. بشر أصبح رمزاً من الرموز التاريخية في هذه الأمة، صفحة مضيئة عظيمة عالية رضي الله عنه ورحمه. وصل إلى ما وصل، وهو مع ذلك دفن كتبه، وكثير من المحدثين لا يعرفون، وكثير ممن كان يعلم في زمانه لا يعرف، أمر عجيب! لكن الله إذا أراد أن يظهر الإنسان حتى لو كتم عمله سيظهر الله سبحانه وتعالى.
والعمل السيء والصالح كله يظهر، يعني الإنسان إذا كتم عمله الصالح سيظهر، وإذا كتم عمله السيء سيظهر، لذلك هو كان يقول: ما اتقى الله عبد أحب الشهرة. ما اتقى الله عبد أحب الشهرة. لماذا؟ لأن الذي يحب الشهرة هو يحب أن يقال عنه، هو ليس الإسلام، لكن العبد يحب الله سبحانه وتعالى هو يريد أن ينتشر الإسلام، ليس هو، ليس اسمه هو، ليس اسمه هو. وقد يحب العبد أن يذكر هو بخير، لكن بخير، بخير يعني هو يذكر حتى يكون هذا من باب عاجل بشرى المؤمن، أو يكون من باب أنكم تفرقون بين أهل الجنة وأهل النار، قيل: بما يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيء. والعبرة بثناء الصفوة أو الخاصة أو الناس الصالحين، وليس بعامة الناس.
القصد أن بشر رحمه الله تعالى كان من هذه النوعية، كان من هذه النوعية، وكان كذلك مضحي، كان مضحي. ولما قيل له عن أحمد بن حنبل، قال: أحمد قام فينا مقام الأنبياء. يعني كان يرى بشر بأن قوة أحمد بالحق وثباته عليه هذه مقامات الأنبياء، أما هو فكان هو عند العبادة الخاصة، يعني هو كان عنده العبادة الخاصة، ليس مثل ما كان يفعل أحمد بن حنبل والأنبياء.
لما ننظر في سير الأنبياء وقصص الأنبياء نجد بأن الأنبياء هم أعل الناس، ونجد بأن الأنبياء هم الدعاة إلى دين الله، ونجد بأن الأنبياء هم أعبد الناس. هذه الثلاثية واضحة في قصص جميع الأنبياء؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام هو أعلم الناس وأتقى الناس، وكذلك هو أكثر الناس دعوةً: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 1-2] قام وأنذر. ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2] فكان يصلي كثير الصلاة عليه الصلاة والسلام.
وكذلك هو معلم من الله سبحانه وتعالى وأعلم الناس على الإطلاق. وكذلك في قصص جميع الأنبياء هذه الثلاثية: الجمع بين العلم والدعوة والعبادة، بقدر النقص يكون نقص الشخص. بشر كان يرى بأن أحمد بن محمد قام بالثلاثة، هو عالم وكذلك هو عابد وكذلك هو داعية، داعية في موطن صعب، داعية مع الضرب مع الجلد مع التعذيب حتى يحفظ دين الله سبحانه وتعالى في الأرض. هذه هذه مقامات الأنبياء، فيقول: أحمد قام فينا مقام الأنبياء.
وكان بشر من شدة حرصه وخوفه على دين الله سبحانه وتعالى كان يطوف حول قصر المعتصم وكان أحمد يعذب، ويقول: إن أجاب أحمد دخلت. إن أجاب أحمد، يعني من شدة التعذيب ما استطاع أحمد أن يحتمل، سأدخل وأقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، سأدعو مسد أحمد، سأدعو مسد أحمد. لكن أحمد رحمه الله تعالى حفظ الله سبحانه وتعالى وحفظ به الدين. ولما سُئل عن سبب ذلك، قال: ما وضع الصدق والإخلاص على جرح إلا برأ.
هذا الباب ليس متعلقاً بالإنسا من حيث قدرته وقوته، إن هذه كرامة إلهية، الله يختار من يشاء من عباده حتى يقيم بهم الدين. القصد أن بشر كان مضحي، وكان إنسان صالح، وكان عنده هذه النعمة؛ نعمة الاستشعار، وكان يريد أن يحفظ إيمانه. هذا الإنسان هو الذي يبلغ، هذا الإنسان هو الذي هو الذي يبلغ ويصل بإذن الله.
وكذلك بيت بيت صالح، أخوات بشر كن بهذه المرتبة وهذه الديانة، ولا أدري هل هذا من تأثير بشر عليهن أو هن كن صالحات قبل أن يلتزم بشر، الله أعلم. لكن القصد أن هذا البيت من بيوتكم خارج الورق، وبعض البيوت تكون بهذه الطريقه، يعني بعض البيوت تكون عجيبة، تكون عجيبة جداً.
اليوم سبحان الله كنت أتحدث مع بعض الأشخاص فكنت أقول: أنتم في بيتكم مرة تقرؤون سورة البقرة؟ فبدا يعدد لي عدد من يقرأ في بيتهم سورة البقرة، وصلنا إلى عشرة، يعني البيت كله عبارة عن تقريبا اثنا عشر شخصاً، أو على الشخص عشرة منهم يقرؤون البقرة كل يوم، وهذا الأخير يحفظ البقرة، يقول: إذا ختمت البقرة وهو صغير في السن سأقرأ معكم كل يوم البقرة. تصوروا بيت بيت بيت هكذا منزل تقرأ فيه سورة البقرة كل يوم عشر مرات! كيف هذا المنزل؟
طبعا أنا لماذا سألت هذا السؤال؟ لأنهم سألوني عن الرؤية، وقالوا بأن رأينا الكعبة بجانب بيتنا، رأينا الكعبة بجانب منزلنا، بيت الله المعظم هكذا بجانب النافذة. فهذه هذه بركة عظيمة جداً، رؤية الكعبة ورؤية بيت المقدس، هذه بركة، هذه بركة. والكعبة حتى ليس القدس إنما أعظم، البيت الله المعظم. فلما سألت، قالوا: بيتنا الحمد لله في كذا وكذا. قلت: أنتم تقرؤون كم مرة؟ قالوا: نقرا البقرة كل يوم عشر مرات، يعني المنزل كل واحد فيه يقرأ البقرة عشر مرات. هذا البيت كمية الخير فيه كمية البركة فيه عجيب! بعض البيوت سبحان الله عجيبة.
فالقصد من ذلك أن أن بعض البيوتات تكون بهذه الطريقة، فهذا البيت بيت صالح، هذا البيت بيت صالح. وبعض الناس يكونون صالحين لكن البيت ما يكون بيت مبارك، لكن في بيوت مباركة، بيت بشر هو كله بهذه الطريقة، هو كله بهذه الطريقة. وهذه بيوت مختارة، هذه بيوت مختارة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33] هذه بيوت مختارة، الله يختار من يشاء، اختار بيوت معينة وتكون هكذا بيوت عظيمة البركة عظيمة الخير.
فالقصد أن أن بشر رحمه الله تعالى كان عنده هذه الديانة، وكان يقول لمن يريد أن يذوق حلاوة الإيمان -انظروا الآن شخص ذاق هذه الحلاوة واستمتع بها، وهذه الحلاوة أعظم نعمة يمن الله بها العبد- ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً. هذه كلمة رضي ليست كلمة هكذا عامة، يعني هنا كلمة رضي، رضي يعني هو فرح مستبشر مطمئن أن هو الله سبحانه ربي، كما قال الشافعي: أكاد أخمص الثريا. لماذا هذا؟ لأني دخلت تحت قولك: يا عبادي، وإن سيرت أحمد لي نبيه. يعني هو يستشعر من شدة فرح يكاد يقطع الثريا هذا النجم العالي فرحاً وفخراً وسروراً بنبي يا ربي أنا عبد من عبيدك: يا عبادي، أنا عبد من هؤلاء العباد، وإن جعلت أحمد عليه الصلاة والسلام لي نبي وقائد لي عليه الصلاة والسلام.
فبشر رحمه الله تعالى ممن ذاق هذه الحلاوة، فكان يقول رحمه الله تعالى: لا يذوق العبد حلاوة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الشهوات حائطاً من ثلاث وحائطاً من حديد. تريد أن تذوق حلاوة إيمان؟ عندك شهوة، كل إنسان عنده شهوة، تحتاج إلى مجاهده، هذه المجاهدة القوية للشهوة، تريد أن تنظر يا حرام تكف الله سبحانه وتعالى يقذف في قلبك حلاوة، تريد أن تقول حرام تمتنع الله يقذف في قلبك حلاوة، تريد أن الله يقذف في قلبك حلاوة، هكذا تمتنع، يعني تمنع نفسك عن المعصية الشهوة تريد النفس تريد، لكن تجعل هذا الحائط بينك وبينها، فالله سبحانه وتعالى يقذف في قلبك الحلاوة.
لذا قال العالم بالله والعالم بأمره سعيد بن المسيب: إنما العبادة الكف عن محارم الله، الكف عن محارم الله. فهو يريد أن يفعل هذه، لكن يتذكر نظر الله، يتذكر ما عند الله، يستعظم من يفعل فينزجر ويزجر نفسه، فيقذف في قلبه بشيء من الحلاوة والعبادة، وهكذا يستمر في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى حتى يصل إلى درجة عالية بالعيش مع الله سبحانه وتعالى، أن يصل إلى أن يكون درجة، يكون إلى بعض الناس يا شباب، يصل إلى درجة أنه كأنه ينظر إلى الله، كأنه مثل ما قال تذكرون لما تكلمنا عن الفضيل بن عياض لما قال: اقرأ القرآن حتى هكذا كأنك تخاطب الله أو كأن الله يخاطبك. وكان يقرا، لما قيل عن قراءته، طبيعة قراءة القرآن الكريم، كان يقرا القرآن الكريم كأنه يخاطب بشراً. هذه مرتبة العقل ما يستطيع يتصورها، لكن الله يوصل من يشاء من عباده إلى هذه المراتب، الله يوصل من يشاء من عباده إلى هذه المراتب.
ونحن عندنا مدة زمنية معينة، هذه المدة الزمنية هي التي من خلالها نصل إلى الله سبحانه وتعالى، إذا ما أحسن العبد التعامل مع الله في هذه المدة الزمنية ممكن يصل لدرجة بس ما يصل إلى هذه المراتب، خلاص ينتهي العمر، ينتهي العمر وهو وصل إلى حد معين بالديانة، حد معين بالعبادة، حد معين بالاستشعار، لكن يصل إلى هنا مثل بشر.
تفكرت: بشر نصراني، بشر اليهودي، بشر المجوسي كيف هذا الشيء؟ والله أني أعرف أنا رجل عابد بهذه الطريقة، يعني كنت أتعجب من عيشه مع الدين بهذه الصورة مع أنه إنسان عادي، يعني بالعلم عادي، لكن عنده عنده حب عجيب، يجلس هكذا يقول: أغمض عيني مرات وأتحسس بيدي، يقول: الحمد لله على نعمه البصر، الحمد لله على نعمة الإسلام. ثم ينظر، ينظر مرات هكذا، ينظر التلفاز أن طائرة كبيرة تحمل سيارات، يعني مشهد نراه بصورة عادية، إيش الطائرة الكبيرة هذه تحمل سيارات مثلاً؟ أو باخرة كبيرة، فيقول هكذا أبنائه جالسون ويقول: الله أكبر! فلماذا تبكي؟ يقول: إذا كانت الناس يتعجبون وجود باخرة أو طائرة تحمل، طيب هذا الكون كله من يحمله؟ كيف يربط هذا؟ هذا الذي يعيش مع الله بهذه الطريقة.
لذلك لذلك ابن القيم ذكر رحمه الله تعالى، وابن القيم مستوعب هذا كله، يفهم سير هؤلاء، كان يقول: إن العبد إذا وصل أنه يعيش مع أقدار الله سبحانه وتعالى مع كل قدر يقع عليه، يعيش مع اسم الله المناسب لهذا القدر، ويش المعنى منه، ما الحكمة منه، هذا هو الكامل من العباد الذي يصل إلى هذه المرتبه، أنه يعيش مع كل شيء مشهد يراه يذكر ما عبد الله. طبعا هذا الباب مو متكلف، يعني يعني ليس شخص يتكلف، هذا هذا الباب غير متكلف، هذا الباب يصل العبد إليه لما يوصل الله سبحانه وتعالى فيما يستطيع أن يعمل الآن.
لكن هي مراتب مثل ما ذكرت، ونسال الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا وإياكم وأن يمن علينا وعليكم، الذي يطرق الباب كثيراً سيفتح له بإذن الله، أما الذي يطرق مرة ثم يترك ثم يطرق ثم يترك، هذا يفتح له بقدر يعني بقدر رغبته هو الصادقة، بقدر بقدر الذي يريده، بقدر الذي يريده حقيقةً وليس ادعاءً. نسال الله سبحانه وتعالى أن وقبل ذلك قبل ذلك بشر رحمه الله تعالى رؤي في منامات كثيرة، رؤي في منامات كثيرة وعجيبة هذه المنامات، طبعا هذه المنامات عادة أن يذكرها العلماء باب الاستئناس.
فروي مرة هو مع أحمد بن حنبل، فسئل أحمد عنه فقال: تركناه مع الله سبحانه وتعالى. وكان بشر يكف نفسه عن التوسع في المباحات، فكان يمنع نفسه مما تشتهيه، حتى لما سئل واحد: هل يؤجر الشخص على ترك الطعام؟ قال: نعم، قال: نعم، لكن هذا له فقه كذلك، فالله سبحانه أحل الطيبات. والقصد من ذلك أن بشر كان يكف...
نفسه كثيراً عن الشهوات، فالله سبحانه وتعالى أباح له الطعام، طبعاً هذا كله بالرؤى التي يُستأنس بها، فقال له: كل يا من كنت تحرم نفسك في الدنيا. طبعاً ليس معنى هذا الشخص يحرم نفسه تقرباً أو تحريماً للحلال، لا، ولكن القصد من ذلك أنه لا يريد أن يتوسع، هذا هو القصد، فرق كبير بين هذا وبين هذا؛ لأن الشخص يحرم على نفسه الطيبات، هذا ليس فيه شيء، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1]، لا يحرم الذي حل الله سبحانه وتعالى، ولكن هو لما ما يسعى جاهداً لطلب هذا الشيء وما يفعل كل ما تريده نفسه، نعم هذا يجر.
قال عمر بن الخطاب أو جابر بن عبد الله رضي الله عنه لما قال له: إلى أين؟ قال: اشتهيت لحماً. قال: أهو كلما اشتهيت اشتريت؟ أما تخش أن تدخل في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: 20]. طبعاً هذا خاص لهؤلاء، يعني هذا الباب خاص لهذه الشريحة، يعني ما يجي شخص هو معتاد على المحرمات أو معتاد على المكروهات ثم يريد أن يفعل هذا، لهذا ليس هذا، هذا لهذه الشريحة من الناس.
لذلك لما رأى ابن تيمية أو ابن القيم شيئاً من المباح، قال: ترك هذا ليس من شروط النجاة، ولكن هذا لا ينبغي لأصحاب المراتب العالية؛ ترك هذا ليس من شروط النجاة، لكن هذا ما ينبغي لمن يريد المراتب العالية، ما ينبغي له أن يتوسع بهذا، لذلك السلف كانوا يتركون تسعة أعشار المباح، ليس كل المباح، لكن تسعة أعشار القسم من ذلك أن الرؤى كانت كثيرة في بشر وفي أحمد، وكان بشر يرى بهذه الطريقة، وأحمد كان يقول إن بشر تركته مع الله سبحانه وتعالى، وأباح الله له ما يشاء من الطعام؛ لأنه كان يحرم -لا يحرم- أنه كان يمنع نفسه ويزجرها في الدنيا لمراتب عالية مثل ما ذكرت.
وسير هؤلاء محفزة وشائقة يُتشبه بهؤلاء بقدر المرتبة التي هو يكون موجود بها، حتى ما يدخل في باب الورع أو الزهد الكبير الذي هو ما وصل الأصل إليه فيتكلفه ولا يستطيع أن يستمر به، وإنما يعظم هو الله في قلب العبد ويسعى في طاعة الله حتى يوصل الله سبحانه وتعالى إلى مراتب قريبة من هذه المراتب أو مثل هذه المراتب، فضل الله سبحانه وتعالى واسع.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا وإياكم وأن يهدينا لمحبة ورضاه، هذا بعض ما يتعلق بهذه الكلمة والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري