الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بالعيش مع السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم، ومعنا اليوم سيرة رجل من أعظم علماء السلف، وسيد من سادات التابعين، بل هو سيد التابعين على الإطلاق، وهو أعلم التابعين كما يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
معنا اليوم قصة سعيد بن المسيب بن حزن رضي الله عنه ورحمه. سعيد بن المسيب أحد العلماء الكبار، وهو سيد التابعين رحمه الله تعالى كما يقول علي بن المديني، وهو أعلم التابعين كما يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. سعيد عاش في المدينة ومات كذلك في المدينة، وسعيد ووالده وجده كانوا من الصحابة؛ فالمسيب صحابي، ووالد المسيب هو حزن هو كذلك صحابي، وسعيد بن المسيب من قريش من بني مخزوم.
وأتى والده المسيب مع جده حزن النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام باسمه غير اسمه وسماه سهل، فأبى أن يغير اسمه وقال: يا رسول الله، ما كنت لأغير اسم سماني أب فلم يغير اسمه. فيقول سعيد: فما زالت الحزونة فينا؛ فما زالت الحزونة أي الصعوبة والوعورة والشده في الخلق فينا. سعيد رحمه الله تعالى مميز عند العلماء بالقوة بالحق والصدع به، وهو من أشهر وأظهر العلماء الذين كانوا لا يدارون ولا يلينون للحكام، فميز سعيد بهذا. لذلك الإمام احمد رحمه الله تعالى لما كان يفضل ابن أبي ذئب على مالك بن انس قال: وكان يشبه بسعيد.
آل سعيد المسيب رحمه الله تعالى في زمانه وقع التغير الكبير كما تعرفون في الحكم والسلطان، فسعيد ولد في زمان عمر الفاروق، ولكنه لما شب كان في زمان معاوية، واستمر الأمر في زمان معاوية على استقرار حتى جاء زمان يزيد بن معاوية. وأبت المدينة أن تسلم ليزيد، وقعت وقعة الحرة الشهيره التي تعرفونها، فغزى يزيد وأمر يزيد عقبة بأن يغزى المدينة، فغزى المدينة، وكان يسميه العلماء مسرف بن مسرف، فلما غزا المدينة أباح يزيد له المدينة ثلاثة أيام، فوقعت بها من المنكرات ما الله به عليم، ولم يكن يشهد المسجد إلا سعيد بن المسيب. حتى كان أهل الشام يقولون، الذين هم جند يزيد، كانوا يقولون يصفونه بالجنون، كان يصفونه بالجنون؛ هذا يكشف تعلق هذا الرجل بالصلاة.
التي هي أظهر العبادات التي تكشف تعلق الععبد لربه، أظهر عبادة تكشف حب العبد لربه وتعلقه به سبحانه وتعالى هي عبادة الصلاة. فالصلاة هي المعيار، وسعيد بن المسيب كان من أحرس الناس على الصلاة، ولا يتنازل عنها ولا يتساهل بها. فكان يقول: ما فاتتني الجماعة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام منذ 40 سنة، بل حتى أنه لما مرض واصيب بعينيه وقال له بعض الناس: ألا تخرج إلى البادية؟ فقال: كيف بشهود العتمة والصبح؟ كيف بشهود صلاة العشاء وصلاة الصبح؟ فما كان يقبل أن يخرج حتى ما تفوت صلاة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. فكان الحريص على الصلوات، وما كان يتساهل بها حتى مع تعبه، حتى مع مرضه رضي الله عنه ورحمه.
سعيد كذلك كان ممن يصوم كثيراً، وكان يسرد الصوم، وكذلك حج 40 حجة واعتمر بضعاً و20 عمرة، فكان هو على المستوى الشخصي صاحب عبادة وصاحب ديانة وصاحب صلاة وكثرة قراءة للقرآن. كذلك هو تلقى العلم من مشكاة النبوة، فتلقى العلم من مسجد ومدينه النبي عليه الصلاة والسلام، وأخذ عامة علمه من زيد بن ثابت، وذكرنا قصة زيد في سلسله العيش مع الصحابه، وزيد هو من أعلم الصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. فهو أخذ من زيد، وأخذ من ابن عباس، وأخذ كذلك من ابن عمر، وكان يعرف قضاء النبي عليه الصلاة والسلام وقضاء الصديق وقضاء الفاروق، وكان معتني كثيراً بفقه عمر، لذلك سعيد ما كان يخرج عن فتوى عمر. وكان الإمام احمد يتبع سعيد بالفتوى، فكان الإمام أحمد في الصلاة لا يكاد يخرج عن فتوى سعيد.
وسعيد بصير بفقه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو زوج ابنة أبي هريرة، لذلك هو أكثر من الرواية عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. سعيد مميز بالعلم، وظهر علم سعيد وشرف سعيد، وكان عمر بن عبد العزيز لما كان والي المدينة ما كان يخرج عن فتوى سعيد، وكان كثيراً ما يسأل سعيداً. لكن الذي يميزه عند الناس، أو ميزة سعيد التي كانت عند الناس القوية والظاهرة، قوله للحق والصدع به، ولم يكن من الناس الذين يتساهلون في هذا. وهذا الباب الناس يتفاوتون فيه تفاوت كبير، لذلك قلت لكم بأن الزمان تغير في مرحلة سعيد، يعني بعد معاوية تغير الحكم، الحكم الإسلامي تغير الحكم، فكان الحكم عبارة عن ملك ورحمة، وقبل ذلك خلاقة راشده، لكن بعد ذلك أصبح ملك عضوض، هذا الملك العضوض يدخل العلماء في فتنة.
فالعالم هنا يكون بين أمريْن أحلاهما مر: إما أن يغلب جانب التقدير فيذهب شيء من الدين، أو يغلب جانب الثبات فيخسر الدنيا. طبعا لا شك أن خسارة الدنيا أيسر، لكن قصدي الآن أن العلماء ليسوا كلهم يملكون هذه العزيمة ولا هذه القدرة. سعيد كان من أصلب العلماء وأقواهم، ولعل نفس طبع سعيد وشدة سعيد، أو الحزونة التي كانت بخلق سعيد الصعوبة، هي التي مكنته من فعل هذه الأشياء مع ديانته طبعا وقوة ديانته وتعلقه بالله سبحانه وتعالى.
فسعيد كان شديداً وما كان يتنازل حتى عن الأمر اليسير. فمرة من المرات ذهب عبد الملك بن مروان إلى المدينة، لم يأتيه النوم، فأمر بعض جلسائه بأن يذهب إلى المسجد وأن يأتيه بأحد من حداثه، أي من المحدثين. قال: اذهب إلى المسجد وأنظر هل في المسجد أحد من حداثنا؟ فذهب هذا الرجل الحاجب إلى المسجد ونظر، فإذا بسعيد بن المسيب ولا يعرف سعيداً، فلما نظر إلى سعيد أشار إليه وغمز له، فلم يبالي به سعيد ولم يتحرك سعيد. فأتاه وقال: ألم ترني أفعَل معك كذا وكذا؟ قال: ماذا تريد؟ قال: أجب أمير المؤمنين. فقال: إليَّ أرسلك؟ قال: لا، ولكن قال: أنظر بعض حداثنا فلم أرى أحداً أهيب منك. فقال: اذهب فأعلمه أني لست من حداثه، فخرج الحاجب ويقول: ما أرى هذا الشيخ إلا مجنوناً! عبد الملك أخذ الحكم بقوة، عبد الملك أخذ الحكم بسفك الدماء وإراقة الدماء، فكيف عالم من العلماء يرد عليه بهذه الطريقة؟
ورجع هذا الرجل، هذا الحاجب، إلى عبد الملك فقال له عبد الملك: هذا سعيد، فدعه. وكذلك مرة من المرات حج عبد الملك بن مروان ومر المدينة، فجلس ووقف عند باب المسجد وأرسل إلى سعيد بن المسيب، وأمر هذا الرجل الشرطي أن يدعوه وألا يحركه. فأتاه وقال: أجب أمير المؤمنين. فقال: ما لأمير المؤمنين إليَّ حاجة، وما لي حاجة، وإن حاجته لي لغير مقضية. فرجع الرسول فأخبره، فقال: ارجع فقل له: إنما أريد أن أكلمك. قال: ولا تحركه. فرجع إليه فقال له: أجب أمير المؤمنين. فرد عليه مثل ما قال أولاً، فقال: لولا أنه تقدم إليَّ فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك! يرسل إليك أمير المؤمنين يكلمك تقول مثل هذا؟ فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيراً فهو لك، وإن كان يريد غير ذلك فلا أحل حبوتي حتى يقضي ما هو قاضٍ. فأتاه فأخبره فقال: رحمه الله أبا محمد، أبى إلا صلابة.
يعني سعيد رحمه الله تعالى حتى على هذا المستوى السهل لا يقبل به. ولما أراد عبد الملك أن يأخذ البيعة للوليد، وكذلك لسليمان، أرسل إلى أمراء الأنصار بأن يأخذوا البيعة من أعيان الناس، والبيعة تؤخذ بالأصل من عيان الناس وليس من عموم الناس، فأخذوا البيعة، فأتوا عند سعيد، وجاء الناس عند سعيد وطلبوا من سعيد أن يخرج حتى ما يحدث هكذا خلاف ولا يحرج حاكم المدينة اللي هو هشام. فأبى سعيد، قالوا: اخرج واذهب إلى البادية. قال: كيف بصلاه الجماعة؟ فقالوا له: إذاً اذهب إلى العمرة. قال: والله ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في أمر ليس لي فيه نية. فقالوا له: إذاً ادخل من الباب اخرج من الباب الآخر. قال: لا والله، لا يقتدي به في ذلك؛ يعني الرجل مصر أنه ما يفعل أي فعل هو غير قاصد له، لا يريد.
طيب الحل؟ الحل: ستضرب، ستعذب، ما عنده مشكلة. فجلده هشام وطاف به بين الناس وأهانه وألبسه الثوبان من الشعر. فغضب سعيد ودعا عليه، ودعا على بني مروان، وكان يدعو عليهم كثيراً يقول: ما صليت صلاة إلا دعوت على بني مروان. فبلغ الخبر عبد الملك بن مروان، وعنده كان قبيصة بن ذئب، فقال له قبيصة: يا أمير المؤمنين، أتأتك هشام بهذا؟ والله سعيد لا يكون أَلَدَّ ولا أَمْحَلَ منه حين يضرب. يعني سعيد بن المسيب من الشخصيات التي إذا ضربت يشتد. وهذا سبحان الله، يعني الناس يتفاوتون في هذا، بعض الناس إذا تمت ملاينته يخضع، ما يستطيع؛ هو شجاع وقوي، لكن لما يتم التعامل معه باللين لا يستطيع أن يقاوم هكذا. وبعض الناس إذا تمت الشدة عليه ما يتنازل، ولو مات لو قتل ما عنده مشكلة، وهذه طباع البشر. فبعض الناس الشدة عليه تخيفه وتخضعه، وهكذا هم أكثر الناس، يعني أكثر الناس لما تصل الشدة إلى حد معين كالقتل مثلاً أو الضرب الشديد يتنازل ويخضع ما يستطيع أن يتحمل. لكن بعض البشر الشدة عليه ما تصنع إلا القوة حتى لو قتل، وهذه فائدة متعلقة بتربية الأبناء وتوجيه الأبناء: الابن لما تكون من طبعه الشدة أو من طبع العناد ليس من الصواب أن يتم معاندته زيادة عن الحد الذي يصلحه، فإذا وصلت معه إلى حد معين بالعناد غير الأسلوب، لأن هذا ممكن يقضي على نفسه أو ممكن يدمر نفسه.
وبعد بعض البشر به هذا الوصف، يعني هو إذا ضربته أو شددت عليه خلاص انتهى، لم يتنازل لو فعلت ما فعلت. سعيد بن المسيب من هذه الشريحة، الشريحة القوية التي إذا ضربت شدت، فهو لا يكون أَمْحَلَ ولا أَلَدَّ منه حين يضرب. وفعلاً لم يتنازل وضرب ولم يتنازل. ثم جاء بعد ذلك زمان الوليد وأصبح هو الخليفة وزار المدينة، وطلب من سعيد أن يأتيها فأبى سعيد، وكان في الناس ديانة فذكروا الوليد بالله وقالوا: شيخ قريش وصديق أبيك إلى آخره، حتى سكن غضبه، وما كان يريد أن يفتك به ولا يعرف من هذا الرجل.
فالقصة من ذلك أن سعيداً كان بهذه الصلاصة وهذه القوة في الحق. لذلك كان يقول الإمام أحمد: ابن أبي ذئب كان يشبه بسعيد. وما دخل على أبي جعفر المنصور إلا تكلم ومالك ساكت، قال أبو جعفر: والظلم ببابك فاشٍ، وكان قوالاً بالحق، وكان يشبه بسعيد. ولما سجن سعيد وحبسه هشام، اتاه بعض علماء المدينة فتكلما معه فقال: ارجع، اتراني ألعَب بديني كما لعبتما في دينكما؟ فكان يرى أن هذا تلاعب بالدين.
ولما أرسل له عبد الملك بن مروان، وهو من أعيان الناس، يعني سعيد حتى هو نسباً يعتبر من أعيان البشر، لأنه هو من بني مخزوم من قريش، وبني مخزوم هم كانوا ينافسون بني هاشم بالريادة والرئاسة، وبنو أمية هم كذلك أقران بني هاشم، فكانت أعيان قريش هم بنو هاشم وبنو مخزوم وبنو أمية، هذه البطون الثلاثة هم أعلى قريش نسباً وأشرف قريش نسباً، وأعلى الناس في ميزان النسب في ذلك العصر. وأما نسب النبي عليه الصلاه والسلام فهو إلى هذا الزمان وإلى هذا العصر. فالقصد من ذلك أن سعيد بن المسيب كان هو من أعيان بني مخزوم، من أشرف الناس.
فطلب عبد الملك بن مروان، أرسل عبد الملك بن مروان إلى سعيد يخطب ابنته للوليد. والعرب كانوا هكذا: لا يتزوجون إلا من هو يكافئهم بالنسب، وكان هذا الامر ثقيل وشديد عندهم. فأرسل له هذا الرسول، فجاء الرسول إلى سعيد وهو فرح، ويقول له: الدنيا قد أقبلت عليك بحذافيرها. فقال: وما ذاك؟ فقال: إن أمير المؤمنين يخطب ابنتك لولي عهده. فقال: إذا كانت الدنيا بحذافيرها لا تعادل عند الله جناح بعوضة، فماذا سيقسم لي من هذا الجناح؟
ثم انطلق بعد ذلك، وفقد أحد طلابه ممن يحضر عنده، وهو ابن أبي وداعة، فسأل عنه ورد عليه وقال بأن زوجتي قد ماتت، أهلي قد ماتوا وانشغلت بتكفينهم. فقال: ألك بمن يزوجك؟ قال: من يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: أنا. فتعجب الرجل وفرح بأنه يتزوج ابنة من عالم المدينة. فزوج سعيد ابنته. فرجع الرجل إلى بيته وفرح، وكان صائماً هذا الطالب بن نجيب العابد، فلما رجع وأراد أن يأكل من هذا الطعام القصعة.
والكسرات اليابسة التي عنده، قال: طرق الباب، فلما طرق قلت: من؟ قال: سعيد، قال: فوقع في ذهنه كل سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ لأنه لم يكن يرى إلا ذاهباً إلى المسجد.
قال: فنظرت في أبي سعيد فإذا هو سعيد بن المسيب وخلف ابنته، وكانت على طوله، فأخذ بابنته ووضع يدها في يد زوجها، ثم أغلق الباب، فسقطت من الحياء، فسقطت من شدة حياء البنت فسقطت.
فجاءت أم هذا الرجل ابن أبي وداعة وقالت: إن وجهي من وجهك حرام إن اقتربت منها حتى أصلحها كما تصلح نساء قريش.
القصة من ذلك أن سعيداً رحمه الله تعالى كانت الدنيا بالنسبة له بهذه الطريقة، وكان قول الحق وصدعه به بهذه الصورة، وكان علمه كما أذكر لكم فكان يقول: ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر مني.
وكان في آخر حياته يقول: بقيت كلمة سمعتها من عمر لم يسمعها أحد غيري.
وطالب العلم عند رواده وأصحابه مثل سعيد مثل زيد بن ثابت، وكذلك ابن عباس، كذلك ابن عمر وأبي هريرة، فأصبح من أكثر الناس علماً، وكان يفتي في زمان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو أحد كبار التابعين، بل هو أعلم التابعين كما يقول الإمام أحمد، وبعضهم يفضل سعيداً على بقية التابعين.
واختلف العلماء من أفضل التابعين؟ فقيل أويس القرني، وقيل سعيد بن المسيب، وقيل الحسن البصري، وطبعا أويس لنص الحديث، ولكن سعيد أحد هؤلاء الثلاثة الذين فضلوا.
وكان سعيد من أعلم الناس كذلك بتعبير الرؤى، ويقال بأنه أخذ هذا العلم من أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وأرضاها ذات النطاقين، وأسماء أخذته من أبيها من أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
فكان يعبر الرؤى للناس، وهذا العلم بالأصل هو ليس تعلماً فقط، إنما موهبة، لكن ممكن يكون بعض تعلم، لكن هو بالأصل عطية من الله سبحانه وتعالى، وهو عبارة عن إلهام.
ولكن كان سعيد لا يفتي بتفسير القرآن، فما كان يفسر القرآن، لذلك قلت النقول عنه في التفسير؛ فكان يخاف أن يتكلم في كتاب الله سبحانه وتعالى.
وكانوا في السابق إذا ذكر الفقه ذكرت مسائل حلال وحرام تكلموا، وإذا ذكر القرآن أمسكوا خوفاً من الكلام في كتاب الله سبحانه وتعالى.
وكان كذلك كما ذكرنا هو عابد في نفسه، وكان كذلك يشرح للناس ويبين للناس معنى العبادة.
فلما قال له مولاه: إني رأيت في المسجد أمراً حسناً، قال: ماذا رأيت؟ قال: رأيت أناساً يصلون من الظهر إلى العصر، يصلون الظهر ثم لا يزال الرجل صف ما بين قدميه إلى صلاة العصر.
فقال: ليست هذه بالعباده، إنما العبادة التفكر في أمر الله والكف عن محارم الله.
القصد أن سعيداً رحمه الله تعالى كان عالماً جامعاً بين الزهد في الدنيا والتنازل عنها وعدم الرغبة بها ولا الالتفات إليها، فلما قيل له: لماذا لا تجعل ابنتك تعيش في بيوت الخلفاء؟ قال: ما ظن ابنة سعيد في قصور بني مروان؟
وهذا والله الأب الصالح، الآباء عادة يفكرون بدنيا بناتهم وهذا أمر طبيعي، خاصة الأب الحنون والعلماء والدعاة، هؤلاء هم أكثر الناس رحمة ومحبه للخير لأبنائهم، ليسوا من أصحاب الجلافة والشده أو الذين لا يبالون أو يبيعون.
الآباء ينقسمون إلى أقسام، لكن أكثر الآباء طبيعي يحب ابنته ويحب الخير لها، لكن هذه محبة الخير شيء والخير نفسه شيء، يعني هو يحب هذا المنطلق شيء، لكن ما هو خير؟ ما هو الخير؟
هل الخير عبارة عن البيوت الفارهة، أن تعيش حياة هكذا مليئة بالفتن، أقصد الفتن المتعلقة بالدنيا، أو الحياة التي يكون معها دين وعبادة وزهد وصلاح؟ يعني من هو المؤتمن على البنت؟ المؤتمن اللي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».
سعيد لا يرضى بدين الوليد ولا بخلق الوليد، إلا تفعلونه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
وما أجمل والله هذه الشريحة من الناس التي تتعالى عن الدنيا ولا تعبأ بها ولا تبالي، بل ترى بأن ما يراها الناس عبارة عن كنز وعبارة عن عطاء وعبارة عن خير، هم يرون شر ويسر وفساد وضياع، فيلتفتون من هذا كله إلى البحث عن أصحاب الدين.
هذه شريحة سعيد رضي الله عنه ورحمه، فمباشرة دفع ابنته إلى هذا الرجل الذي ما يملك من الدنيا شيء، ثم هو نفسه أعان هذا الرجل وأوصل إليه ألفي درهم.
فالقصد من ذلك أن سعيداً رحمه الله تعالى كان حريصاً أن يحفظ بيته، وكان حريصاً أن يقوم بأمر الله سبحانه وتعالى على تم وأكمل وجه.
الوقفة الأخرى المتعلقة بقوة سعيد في الحق، هذه القوة بالحق تحفظ هيبة العلماء وتحفظ كذلك دين الناس، فوجود العالم الذي ما يتنازل ولا يفرط بالدين ولا يبيع دينه بثمن بخس، هذا العالم يحفظ دين الناس.
نعم، هو ممكن يضحي تضحية باهظة، ممكن هو يبتلى بلاءً كبيراً، ولما ضرب الإمام مالك رحمه الله تعالى من أجل فتوى أفتاها في زمان أبي جعفر المنصور في طلاق المكره، قال: ضربت بما ضرب به محمد بن منكد وسعيد بن المسيب وفلان وفلان، ولا خير فيمن لم يصطبر في هذا الأمر.
فكان العلماء على هذا النهج، كان العلماء رضي الله عنهم ورحمهم على هذا النهج مع اختلاف قوتهم في هذا السطح، ولكن كلهم كانوا أو أغلبهم كانوا بهذه الطريقة.
فما كان واحد يبيع دينه بثمن بخس، وما كان واحد يتنازل عن دينه ولا يبيع الفتوى، إنما كان الواحد يثبت على الحق ويبين الحق، حتى لو منع من التدريس، حتى لو منع من التعليم.
ليس في كما يتاول كثير من الناس أنه بمجرد يمنع أو يضيق عليه يبيع دينه ويعطيهم الذي يريدونه، حتى فقط يعني يفعل، حتى فقط يسمعون له أو يفتحون له، هذا ليس فيه شيء، هذا ليس من الدين في شيء.
خلاص منعت، اجلس في بيتك، والله دين الله هو الذي يحميه، لست أنت، يعني لا تتعامل مع الدين على أنك أنت إذا ذهبت ذهب الدين، لا تتعامل مع الإسلام بهذه الطريقة، إنما افعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى فقط.
وهذا الدين محمي بالله ليس بك، هذا الدين محمي بالله سبحانه وتعالى ليس بك، والدين لابد أن يكون غالياً عند الإنسان، لابد أن يكون ديناً غالياً عن الإنسان فلا يتنازل عنه ولا يتساهل فيه، أما أن تقول الحق أو تقول الحق والسكوت حتى عن قول الحق لا يكون في جميع الحالات، إنما قد يكون في بعض الحالات، ولكن في كثير من الحالات حتى السكوت ما يسوغ، حتى نفس السكوت ما يسوغ.
والهروي رحمه الله تعالى يقول: عرضت على السيف خمس مرات لأقول الباطل لكن لاسكت عن قول الحق، يقول: عرضت على السيف خمس مرات لأقول الباطل لكن حتى اسكت عن قول الحق، فإذا كان السكوت يجوز في بعض المواطن، قول الباطل لا يجوز بالأصل إلا عند الاكراه الكبير وله حالات هكذا ضابط، وليس في كل حال حتى يجوز.
أما أن شخص يفعل هذا ويقوله طائعاً غير مكره من باب التقرب أو من باب يعني مصلحة الدعوة، وهكذا، هذا ليس من الدين فيه شيء، هذا ليس من الدين في شيء، وهذا كله من تضييع هيبة العلماء.
لذلك بعض الناس يقول: لماذا العلماء ضاعت هيبتهم؟ وبعض الناس يحب دائماً أن ينقب اللوم على الآخرين، هذه الطريقة الذي لا يريد أن يقف عند الحقيقة، يريد فقط أن ينقب اللوم على الآخرين ضاعت بسبب قوة الأعداء، ضاعت بسبب أن نفس العالم نفسه.
انظر الآن العالم كيف يبيع دينه بثمن بخس، كيف مجرد أن يعرض له المنصب أو يعرض له المال، هكذا مباشرة يتهاوى ويسقط ويتاول في هذا، وياتيك بطبيعي هنا ما تبقى للعلماء هيبة.
الناس لما ينظرون إلى العالم يتعامل مع الدنيا بهذه الطريقة الناس ما تهابه ولا تقدره، هو يتعامل مع كل شيء في الحياة عبارة عن مصالح، والدين عبارة عن شيء هكذا عام، ليس لأجل ولاء وبراء.
يعني الولاء والبراء الحقيقي هذا غير موجود إلا عند من ندر من الناس، البراء الذي معه تضحية، معه بذل، معه عطاء لله سبحانه وتعالى، معه خلاص تطليق هذه الدنيا.
لكن هو يريد أن يحصل الشهادة العالية، يريد أن يكون صاحب منصب عالي، ثم بعد ذلك هذا لن يستطيع أن يقول الحق، تعلقت الدنيا به من كل صوف، فهذا ما يستطيع، يريد أن يقول الحق، يتذكر أمواله، ويتذكر سلطته، ويتذكر مكانته الاجتماعية، ويتذكر، لن تقول الحق، ترونه لن تقول الحق، إنما يقول الحق المتجرد الذي من البداية أساساً الدنيا هذه كلها غير موجودة عنده ولا عنده شيء يخسره.
هو من البداية الحياة كلها بالنسبة له عبارة عن تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، ما دخل في هذه الدهاليز التي تقيد الإنسان، تقيد الإنسان حتى الواحد منهم ما يستطيع أن يفك هذه القيود وأن يكسر هذه القيود، فيصعب عليه أن يقول الحق، يصعب عليه أن يقول الحق وأن يضحي من أجل الحق.
لذلك عموماً هذه الشريحة من الناس كانت في السلف في زمان السلف كثيرة، وكانوا على درجات ومراتب، وعلاها كانت مرتبة سعيد رحمه الله تعالى ابن المسيب، ولكن بعد ذلك في الزمان المتاخر هذه الشريحة قلت وليست هي بكثيرة، لكن هي موجودة ولا يزال الله سبحانه وتعالى يخرج من هذه الأمة من يذكر الناس بالعلماء الكبار من أمة في أمة الإسلام، ودعاة العظام، ويقيم الله سبحانه وتعالى بهم الحجج على غيرهم.
وكذلك انظروا إلى ديانة هذا الرجل، خاصة انظر إلى صلاته وحرصه على صلاة الجماعة، كيف أنه ما يفرط بها، وانظر كذلك إلى حتى في وقت الحرب والشده كان يذهب إلى المسجد ويصلي، ما كان يتساهل ولا كان يعني هكذا يتاول، حتى لما مرض ما كان يتساهل، إنما هو حريص أن يفوز بهذا الأجر ولا يريد أن يفوت صلاة واحدة.
كذلك انظروا إلى نفس جمعه، هذا الجمع الشمولي الذي يكون علم وتعليم مع صلاة مع صيام مع ذهاب إلى حج وعمرة، مع عناية في بيته وإصلاحه.
هذه ابنته لما ذهبت إلى ابن أبي وداعة، يقول ابن أبي وداعة لسعيد لما جاء وقال: كيف ذاك الإنسان؟ يقصد ابنته، فأثنى عليها خيراً وقال: بأنها من أعلم الناس بكتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حق الزوج، يعني هو رباها تربية موافقة لما جاء به الدين، موافقة لما جاء به الدين.
فالقصد بأن سعيداً رحمه الله كان حريصاً أن يحقق هذه العبودية، ولما حضرته الوفاه بقي له مال، وقال: اللهم إنك تعلم أني لم اجمع هذا المال إلا لأصون به عرضي.
انظروا إلى ديانة الرجل وإلى عقل الرجل، يعني هو يخاف أن يسأل عن هذا المال يوم القيامة، يقول: يا ربي هذا المال أنا ما جمعته من أجل المال، ما كنسته من أجل كنز المال، لكن حتى ما أسأل الناس، حتى أصون وجهي وعرضي من سؤال الناس، وهذا عقل.
فالقصد أن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى من العلماء الكبار الذين ينبغي أن نعيش معهم ونتعرف على سيرتهم، وأن نحاول جاهدين الاقتداء بهم، ونعلم الناس مثل هذه السير الشريفة العالية المنيفة التي تحقق وتبين للناس طبيعة هذه الثغور، وكذلك طبيعة هذه الشريحة التي أمرنا أو التي فضلها الله سبحانه وتعالى على غيرها.
فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، وهذا من القرن الذي كان يلي قرن الصحابة هو قرن التابعين، وهو من أظهر مثل ما ذكرت وأشهر وأعلم علماء التابعين رحمه الله تعالى ورضي الله عنه.
هذا بعض ما يتعلق بسيرة هذا الرجل، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري