دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصالحين 09 | القاسم بن محمد

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا قائدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحييكم إخواني جميعاً وبياكم وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه المجالس في العيش مع صفوة هذه الأمة بعد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم التابعون وأتباع التابعين، المذكورون بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». هذه القرون المفضلة التي اختارها الله سبحانه وتعالى واختصها وميز أهلها.

واليوم معنا بإذن الله قصة رجل من هؤلاء العظماء الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى حتى ميزهم وفضلهم وشاع ذكرهم الحسن بين الناس، ألا وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. هذا الرجل كما ترون هو حفيد لأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه وابن ابن محمد. هذا الرجل عاش في كنف خالته في كنف عمته عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وعنها تلقى العلم الأول. قاسم بن محمد ولد في آخر خلافة عثمان، ووقعت في السنة التي ولد فيها القاسم الفتنة الكبرى في مقتل عثمان رضي الله عنه وأرضاه. وكان أبوه والي مصر من قبل علي، فلما ولي علي ولى محمد بن أبي بكر مصر، وكان هو ابن أسماء بنت عميس، وكانت هي زوجة علي رضي الله عنها وعنه. القصة من ذلك أنه انتقل إلى المدينة إلى أبيه، ثم بعد ذلك قتل محمد بن أبي بكر، وانتقل بعد ذلك إلى المدينة. ذهب عمه عبد الرحمن بن أبي بكر وأخذ هو وأخته وانتقل بهم من مصر إلى المدينة النبوية.

فلما انتقل بهم إلى مدينة النبي عليه الصلاة والسلام أخذتهم عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فربي في كنف عائشة الصديقة بنت الصديق. هذا الرجل محاط بالعظماء؛ فعمته هي عائشة ابنة أبي بكر، وعمته الأخرى هي أسماء بنت أبي بكر، وعمه كذلك عبد الرحمن بن أبي بكر، وجده أبو بكر الصديق، وابن عمته عبد الله بن الزبير، وكذلك ابن عمته عروة بن الزبير. وعبد الله استقل في مكة كما تعرفون بعد ذلك، وعروة بن الزبير كان في المدينة. ففي المدينة الفقهاء السبعة، كان على رأس هؤلاء الفقهاء السبعة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومنهم كان عروة بن الزبير رضي الله عنهم اجمعين. القصد أن هذا رجل ولد في هذه الحال؛ حال سياسية صعبة، وانتقل بعد ذلك، هو لم يكن يعقل يعني في هذا السن كان صغير، لكن هو عقل في زمان معاويه، وكان الأمر قد استقر نسبياً. وهو نشأ في بيت عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وكانت عائشة تفتي في زمان أبي بكر، وفي زمان كذلك عمر، وفي زمان عثمان وعلي، وكذلك في زمان معاوية، وكانت الناس تسأل عائشة. فهو اخذ العلم من عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فكانت عائشة تحتضنه كما يقول هو على ألات الرهاتي، فتلقى العلم من عائشة وحفظ حديث عائشة حتى كان يقول يحيى بن معين: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: عمرة بنت عبد الرحمن، وابن أختها عروة بن الزبير، وابن أخيه القاسم بن محمد. لكن القاسم لم يكن كثير الفتيا، وكذلك لم يكن كثير التحديث، فكان يتورع كثيراً عن الفتيا والحديث. لماذا؟ لأنه كان يخاف، طيب، هذا الورع هل هو ورع محمود أو مذموم؟ أقول هو محمود، يروى في الحديث: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار». وكان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يتدافعون الفتيا حتى تعود إلى أولهم، كما يقول ابن أبي ليلى: أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار، ما منهم من أحد يزعم بأنه فقيه فكانوا يتدافعون الفتيا.

طيب الآن لما ناتي عند الصحابه رضي الله عنهم وارضاهم، هل الصحابة كانوا يكثرون من التحديث أو كانوا يقلون؟ أقول لك هنا تأتي الوقفات المهمة التي بها كشف لطبيعة النفوس حتى نستفيد من هذه السياق. أبو هريرة كان يكثر من الحديث، وكان بعض الصحابة منهم ابن عمر وكذلك عائشة كانوا لا يحبون إكثار أبي هريرة، وكان أبو هريرة يرى بأنه قد تلقى من العلم وحفظ من النبي عليه الصلاة والسلام ما لم يحفظ غيره، لذلك هو لابد أن يبث هذا العلم، وهو مسؤول عن بث هذا العلم. وكان يقول يا أماه شغل كذا وكذا وكذا لعائشة، وكان يقول إن الأنصار شغلهم الصفق في الأسواق أو بمزارعهم، والمهاجرون شغلهم الصفق بالأسواق وهكذا، فهو كان يقول بأنكم أنتم كنتم مشغولون أما أنا كنت ملازم للنبي عليه الصلاة والسلام. ومع أن هو من آخر الناس أو هو لم يتقدم بالصحبة، أبو هريرة أسلم في سنة السابعة، ففي أربع سنوات روى عن النبي عليه الصلاة والسلام ما لم يرو أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، هو أكثر الصحابة رواية عن النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأنه كان يلازم النبي عليه الصلاة والسلام على شبع بطنه، فهو حضر ما لم يحضر غيره. القصد من ذلك أن هنا أبو هريرة كان يكثر.

ناتي الآن عند ابن عباس، ابن عباس كان يكثر كذلك من الفتيا من التحديث، بخلاف ابن عمر، ابن عمر ما كان يكثر حتى جاء يوم من الأيام وأتى رجل وسأل ابن عمر، وكان ابن عمر ما يحب جرأة ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين في الفتيا، فقال: انطلق يا ابن عباس وسأله عن هذه الآية. فسأل عن هذه الآية ثم رجع إليه وأخبره، فقال: لقد أوتي ابن عباس علماً، ابن عباس حبر وبحر رضي الله عنه وأرضاه، والنبي عليه الصلاة والسلام دعا له دعوة خاصة بأن يفقه في الدين ويعلم التأويل. القصد أن ابن عباس وهو كذلك صاحب عقل حاد رضي الله عنه وأرضاه، فابن عباس كان يكثر، ابن عمر كان يحتاط. طيب القاسم بن محمد ما الذي فعل؟ تلقى العلم عند عائشة ثم بعد ذلك تلقى العلم عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، خاصة ثلاثة: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس، فكان يصف ابن عباس بالبحر، وكان يقول كذلك ويصف ابن عمر بأنه الورع والتقي، وأنه لم يكن يفتي كثيراً إنما كان يمسك عن الفتيا. فهذا الذي جعله يميل إلى الورع، مع ما وافق هذا.

يعني هنا ابن عمر طبعه التورع وطبع الاحتياط، ابن عباس طبعه هكذا الحديث، لكن طبع هنا ليس غالب على الدين إنما هو خاضع للتقدير؛ يعني هذه الدائرة دائرة تقدير ليست دائرة التسليم لا، إنما هو في دائرة التقدير. فبعض الناس يتألف الناس في حديثه مثل عروة بن الزبير، انظر بعض الناس لا ما يفتي كثيراً ولا يتكلم كثيراً ولا يحرص كثيراً أن يحضر عند الناس، بعض الناس هكذا ينتظر الناس ياتونه، الناس يتفاوتون في هذا الباب. بعض الناس لا يتألف الناس مثل عروة، عروة كان هكذا ينبسط للناس ويحاول أن يقرب الناس من العلم الذي عنده فيريد أن يبث كل ما عنده من العلم. القاسم محمد كان يسأل فإذا سئل أفتى، إذا سئل أفتى لكن هو لم يكن يحرص كثيراً على أن يتصدى للناس لأنه كان يخاف، لماذا؟ إنه كان ورع مثل ابن عمر. ابن عمر لما يأتي الرجل ويسأله يقول: لا أدري، ثم ينطلق الرجل فيقول ابن عمر لمن يمشي معه: أترييد أن تعرف ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا إلى النار نسأل الله السلامة. كان كثيراً يقول: لا أدري. القاسم محمد كذلك كثيراً يقول: لا أدري لا أدري، وإذا سئل يقول: لا أعلم، وما كان يفتي إلا بالأمور الظاهرة يعني بالأمور التي تحتاج إلى رأي ما كان يفتي بها، وهذه كانت طريقة أهل المدينه بخلاف أهل العراق، فاهل العراق انتشر فيهم التوسع في القياس، وبالمدينة كان هناك من يتوسع قليلاً بالقياس مثل ربيعة الرأي، لذاك سمي هو به ربيعة؛ ربيعة بن عبد الرحمن، وما كان القاسم يحب منه هذا.

القصد من ذلك أن القاسم كان يتورع وكان يخاف، وكان يأتي بالحديث بلفظه بنصه ليس بالمعنى فقط، لذلك ابن عون كان يقول: العلماء ثلاثة: رجاء في الشام، وابن سيرين في العراق، وقاسم بن محمد في المدينة، وقال: هؤلاء ثلاثة كانوا يأتون بالحديث بلفظه، كانوا يأتون بالحديث بلفظه. القصد من ذلك أن القاسم رحمه الله تعالى تلقى العلم من عائشة وكذلك من ابن عمر، لكن هو مال إلى طريقة ابن عمر، ولعل هذه كانت موافقة لطبع القاسم، فكان يحتاط، فإذا لم يكن عنده علم ما كان يجتهد، لذلك هو ما كان يفسر القرآن، ما كان يفسر القرآن وكان يتورع. وهذا التورع محمود، الشخص إذا شك لا يتكلم، إذا لم يجبر لا يتكلم. الإنسان متى يتكلم؟ يتكلم لما يكون عنده علم يقين أو لما يضطر، فهنا يجتهد. لذلك كانوا يخافون من الفتيا فيما لم يقع، ما كانوا يتساهلون أبداً السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاه، لأنهم يخافون أنهم لا يصيبون حكم الله سبحانه وتعالى، والحديث عن الله عظيم عظيم جداً، بل لو تكلم شخص بالقران الكريم وأصاب من غير أن يجتهد من غير أن يتعلم، إنما قال هكذا شيء طر على ذهنه وقال وأصاب الحكم، هذا في حكم الشريعة مخطئ؛ من قال بالقران برأيه فأصاب فقد أخطأ. فالإنسان هنا ما يتساهل، الإنسان هنا ما يتساهل كثيراً والواحد يخاف، والقول على الله سبحانه وتعالى عظيم، وجعل الله سبحانه وتعالى القول عليه بغير علم أعظم من الكفور، لذلك هو كان يخاف، لذلك هو كان يخاف.

ولما كان يسأل قال: والله ما نعرف كثيراً مما تسالون عنه، وأتى مره رجل؛ أتاه رجل أعرابي وسأله عن: من أعلم أنت أو سالم؟ فقال: سبحان الله تعجباً، يعني هذه الأسئلة ما يسألها الشخص الذي يريد العلم النافع، يعني أنا أعلم أو فلان أعلم ثم ماذا؟ يعني هذه الأسئلة من يسألها؟ يسأل الشخص الفضولي الفضولي، لكن الشخصيات الجادة أو الناس الجادين هي عملهم غنية عن هذه الأسئلة، يعني هذه الأسئلة ما يحرصون عليها كثيراً. هذه الأسئلة من يحرص عليها؟ الشخص الفضولي، الشخص الذي عنده توسع، نعم هذا يحرص على هذه الأسئلة أو يسأل مثل هذه الأسئلة، لكن الناس الجادين الذين يريدون العلم النافع ما يسألون هذه الأسئلة ولا يفكرون بها أصلاً، بل أقول لكم شيء أبلغ من ذلك: يستنكرونها، يستنكرونها تقول كيف هي؟ نعم هي قد تكون بالنسبة للشخص هذا سهلة، لكن بالنسبة لهذا ثقيلة؛ لأن هو ما خلق من أجل هذا، وهؤلاء يظنون بأوقاتهم، هؤلاء وصلوا لمرتبة إيمانية، الواحد منهم يظن بوقته يظن هكذا بعباراته، يعني هو ليس الوقت فقط الزمن لا، هو لا يريد أن يقول كلمة تكتب عليه ويوم القيامة يسأل عنها، أو هكذا يتعب الملائكة هكذا يذكرون.

فهنا تعجب القاسم، يعني أهل المدينة ما يسألون هذه الأسئلة، هذه يسألها من يسأل الجهال الأعراب، فقال: سبحان الله سل فإن كان وكل شخص يجيبك بما يعلم، فإن كان عندي علم أجبتك، وإذا ما كان عندي علم وسالم عنده علم مثلاً يجيبك، أما من أعلم أنا وهو فردت عليه بمثل السؤال. فقال بعد ذلك لما أكثر عليه: ذاك سالم، فساله ابن إسحاق يعلق يقول بأنه أنه لم كره أن يقول هو أعلم فيزكي نفسه، وكره أن يقول سالم أعلم فيكذب، ويحتمل أنه لا كره أن يجيب، يعني يحتمل أن هو هكذا نفسه لم تقبل بالإجابة، ليس فقط أن أنا أعلم وهو أعلم، لا هو مثل هذه الأسئلة لا يريد أن يجيب عليها ولا يريد أن يدخل بها حتى لو كان هو أعلم، يعني ليس فقط من باب التزكية، لا كذلك من باب ترفع النفس. وهذا يقع، يعني هذه نوعية من الناس صافية شريفة ما تحب هذه الأسئلة، ولما تأتيه هذه الأسئلة ما تبالي بها كثيراً. ولكن لما أتى رجل عن عبد الرحمن المهدي وقال له: تحب أن تكون كذا أو كذا؟ قالوا: أحب أن تسكت؛ لأن الأسئلة هذه بعيدة عنهم كثيراً، هم ناس جادون ولا يريدون إلا العلم النافع، ولا يفكرون إلا بالعلم الذي يثمر التعظيم والخشية والحب لله سبحانه، العلم الذي يثمر عمل وتطبيق، أما العلم الذي لا يثمر لا هذا ولا هذا هو ما يفكر فيه ولا يحب أن يدخل به.

كان يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: العلم نقطة، لكن من الذي كثر هذه النقطة؟ قال: فكثرها الجهال، لكن العلم الذي ينفع الإنسان والذي يحتاج الإنسان إليه ليس كثير. لذلك كان يقول هنا القاسم رحمه الله تعالى: لن يعيش الرجل، انظروا انظروا الآن إلى العالم هذا، أحد علماء المدينة السبعة، أحد كبار العلماء في زمانه، ممن كانت القلوب تحبه، وكان حتى عمر بن عبد العزيز كان يقول: لو كان لي من أمري شيء لعهدته بالخلافة إلى القاسم بن محمد. تيمية كان يقول، هو القاسم كان يقول: لأن يعيش الرجل جاهلاً بعد أن يعرف حق الله عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم، وكان يقول: إن من إكرام المرء نفسه ألا ما أحاط بعلمه. والله هذه كلمة ذهبية.

هذه كلمة سبحان الله، أنا لي أيام أفكر بهذا المعنى من غير أن أقرأ القاسم وأرجع إليها الآن، قرأتها قديماً لكن لي أيام هكذا بيني وبين نفسي أقول: يعني كيف الواحد يعرض عقله للناس ولا يستحي؟

لكن زمان عجيب والله، يعني الواحد يستحي أن يكشف عقله للناس ويكون هكذا محل حكم. أنت الآن إذا شيء جازم أو غالب على الظن صواب، واستقصيت وبحثت ورأيت أنك وصلت إلى درجة هكذا عالية، ممكن تتكلم بهذا الشيء. لكن قبل ذلك أن تكشف عقله الآن، الواحد ما يستحي؟ يعني هو بينه وبين نفسه، دعك الآن من... لكن هي مثل ما قال هنا سبحان الله، هذه الكلمة أتت موافقة للتفكير الذي كنت أفكر فيه قبل عدة أيام، أن قال هنا: إن من إكرام المرء نفسه... يعني هذا ما عنده تقدير لنفسه، ما عنده تقدير لذاته، يعني هو بينه وبين نفسه سفيه هكذا، ما يشعر بأنه إنسان صاحب مكانة.

زمان عجيب، زمان خلاص، كل واحد يشتهر حتى لو كان سفيه، حتى لو كان كذا، يكتفي بالسفاهة. هؤلاء لذلك هذا الدين ما يثمر إلا بالشرفاء، هو هكذا يعني الدين هذا ما يتفاعل معه إلا شخص شريف، الشخص غير الشريف ما ينفع حتى لو أصبح عالماً، ما ينفع. حتى لو أصبح عالماً، هو لم يصبح مثل قاسم بن محمد، لن يصبح، لماذا؟ ما عنده إكرام لنفسه، يعني هو ما عنده تقدير، هو ليس معدناً ذهبياً.

أما هذا لا، هذا يقول لك: أنا أقول كلمة من غير بحث، من غير تحقيق لها، من غير... وكيف ألقي كذا واستقريت؟ ما يستطيع، ما نفسه تعطيه. وما يكتب إلا شيئاً يغلب على ظنه بأنه مصيب، وهكذا. هو ينظر نظرتين: نظرة الإخلاص، ونظرة التحقيق. نظرة الإخلاص أن الكلام لله ليس لغيره، وكذلك نظرة التحقيق أن الكلام صحيح ليس كلام خطأ أو كلام هكذا شيء يطري على الذهن ثم يقوله من غير أن يجتهد.

هنا هذه كلمة شريفة وعظيمة من هذا الرجل الشريف: أن من إكرام المرء نفسه ألا يقول إلا ما أحاط به علمه، يعني هو شيء ما يعرفه لا يتجرا، أو هذا في إكرام لذاته، إكرام لنفسه. وكذلك هو كان من أصحاب التواضع العجيب، كان شديد التواضع، وبهذا هذا يفضل الناس، لما تأتي في سيرة هؤلاء لا تقراها من سيرة أعلام النبلاء أو غيرها من كتب، قراءة خمس دقائق ثم لا، هي ليست بهذه الطريقة. التواضع عباده عظيمة، وجاء في الحديث: «إنكم لتغفلون عن أعظم أو أشرف العبادة». قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: «التواضع».

وكان يقول كذلك عليه الصلاة والسلام فيما يروى عنه: «من التواضع الرضا بالدون»، ومن شرف المجلس التواضع. وكذلك نجي موسى عليه السلام بأن الله سبحانه وتعالى قال له: أتدرى يا موسى لما اصطفيت؟ قال: لما يا ربي؟ قال: لم يتواضع أحد تواضعك. فالتواضع عبادة عظيمة وشريفة، والعلم بالعاده يسمو بالإنسان أو يجمح بالإنسان، فلما تجد هكذا عالماً متواضعاً هذا هو التمام، هذا هو الكمال.

تقول طيب هذا هو الطبيعي، أقول لك: هو الطبيعي عند السلف الصالح، الطبيعي عند أصحاب الإيمان العظيم، لكن هو ليس الطبيعي في زماننا، ليس طبيعياً في زماننا ولا في الزمان المتأخر عموماً.

كذلك هو سمح، القاسم بن محمد كان من أسمح الناس، وهذه كذلك ترفع الإنسان. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلاً سمحاً، إذا باع سمحاً، إذا اشترى سمحاً، إذا اقتضى سمحاً». السماح خلق عظيم، يعني ليس هكذا شديداً وكل شيء يدقق فيه وكل شيء يعني خلاص، هكذا سهل في التعامل، ليس إنساناً شديداً.

القاسم بن محمد كان إذا اختصم مع شخص يقول له: إن كان الحق لك فليس لي عليك منه، خلاص، هو لك هذا الحق، وإن كان لي فأنت منه في حل. انظروا! طيب لماذا يعني هو لماذا ما... لماذا ما يأخذ حقه؟ هو صاحب نفس شريفة، وعنده خلق السماحه قوي، خلق السماحة قوي فهو هذا الخلق يمنعه من المحاققة، يمنعه من المحاققة. الشخص الشريف هكذا العالي بالشرف والسمح ما يحب هكذا يذهب إلى القضاء، حتى لو كان حق له، ما دام هناك قدرة على أنه ما يأخذها ما يأخذه.

تقول لي: طيب الآن هكذا الناس يضحكون عليه؟ أقول لك: هو ما يفكر بهذه الطريقة، هو سمح يعني، هو طبيعته، والاسلام جاء بتعظيم هذا الخلق، فهو هكذا يريد أن يحقق هذا الخلق يعني، ويريد أن يتفاعل مع هذا الخلق في حياته، وإلا ما الفائدة أن شخص يدعي السماحة ولما يأتي التطبيق لا يكون سمحاً؟ هذا ادعاء، لا، هو يريد أن يكون سمحاً حقيقة، حقيقة في التطبيق، هذا ما يكون بالكلام.

ه تدرون يعني متى يظهر هذا الخلق؟ يظهر لما يكون الشخص تاجر، ويظهر لما يكون الشخص له حق هكذا، يعني هذا خلق السماحة ما يظهر بالإنسان إلا في هاتين الحالتين في العادة. شخص لما يكون تاجر وهكذا يبيع وحريص على الدرهم والدينار هنا تظهر سماحته، ياتي شخص اشترى هذه السلعه وباقي عليه مبلغ يسير يقول: خلاص اذهب سامح لك.

انظر طيب، لماذا سمح؟ لكن هذا ليس كثير من الناس التجار لهم أخلاق، ليست هذه أخلاقهم بالعادة، لكن الإسلام جاء بتقرير أخلاقه بتقرير أخلاقه، لكن التجار كان يقال، كان السلف يقولون: احذروا أخلاق التجار، التاجر حريص، التاجر بخيل، التاجر يكذب. أخلاق التجار سببها حضور النفس القوي، هو لما يكون هكذا يبيع ويشتري، يبيع ويشتري وينظر الناس هكذا، خلاص هو يكون مثلهم، فيحلف بالله أن هذه السلعة اشتريتها من كذا لم يشتريها من هذا، واشتريتها بهذا السعر لم يشتري بهذا السعر، ولم يريد هكذا. ولما يشتري من الناس أو يأخذ من التاجر يحاول أنه يكسر الناس، ولما يبيع يزيد، إلا من يستثنى، إلا الشخص السمح.

والإسلام جاء بالسماحة، وكثير من الصحابة تجارهم أسمح الناس؛ أبو بكر الصديق تاجر، عثمان تاجر، عمر تاجر، طلحه تاجر، الزبير تاجر، عبد الرحمن بن عوف تاجر، العشرة المبشرين بالجنسة هؤلاء تجار، لكن هؤلاء كانوا سامحين.

فقصد من ذلك أن القاسم بن محمد هنا لما يكون حق له حق له يقول: إن كان لك... هنا يشتبه الأمر، يعني أحياناً لما تحدث الخصومة يظن الشخص بأن الحق له أحياناً، وأحياناً يكون مخطئاً بل كثيراً ما يكون مخطئاً. لماذا؟ لأن في الخصومة تحضر النفس، وهذا والله كلام، الخصومة تجعل النفس نفس الإنسان تحضر، هو يرى بأن الحق له هو ليس لك، هو ليس لك هذا الحق، لكن هو لأن نفسه حضرت، نفسه حضرت، فهنا يشتبه عليه الأمر، خاصة لما يكون شخص من طبع الشدة هكذا، فيحور جداً قوي.

طيب هنا القاسم ماذا يقول؟ إن كان الحق لك فليس لي منه شيء، طيب إن كان الحق لي؟ لأن ممكن يكون الحق لي قال: أنت منه في حل. يعني أنا أباحتك هذا. لماذا؟ سماحة، هذا خلق السماحة، هذا خلق السماحة هو يعرف حديث الرجل اللي كان يداين الناس، الرجل الذي كان يداين الناس فإذا رأى المعسر قال: أنظروه، تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنه، هو كذا يتعامل. هذه الأخلاق هي التي رفعت القاسم مع ما في قلبه من إيمان، والإيمان يتعامل، الإيمان يتفاعل مع هذه الأخلاق فيحققها الإنسان في حياته فيصبح القرآن يمشي هكذا، وبهذا يرتفع الإنسان، وبهذا يرتفع ويصبح ذكراً هكذا في العالمين عالياً وعند الناس محبوباً.

حتى إن ابن سيرين كان إذا ثقل عن الحج يقول للناس: انظروا ماذا يقول القاسم، ماذا يفعل القاسم؟ يريد أن يقتدي بالقاسم بن محمد رضي الله عنه ورحمه، إلى هذه الدرجة؟ نعم، إلى هذه الدرجة، مع أن سيرته ليست طويلة والكلام عنه ليس كثيراً، ولكن بهذا كان ينتفع الناس، هذا خلق السماحة، التواضع، التدقيق في الحديث، الخوف من الله العظيم، الورع عن القول عن الله سبحانه وتعالى من غير علم هكذا.

وهذا يدلك أن هذا الإنسان حياته كانت حياة جادة، وهو خلقه ووصفه قريب من الصديق، الصديق. لذلك لما دخل مرة على عبد الله بن الزبير، وهو ابن خالته ابن أسماء، فلما دخل عليه وعبد الله بن الزبير أكبر منه ب35 سنة، ب35 سنة، فقاسم ولد في سنة 35، عبد الله بن الزبير هو أول مولود ولد في المدينة، فالقصد أن القاسم لما دخل عليه واستأذن عليه وتكلم معه ثم انصراف، قال عبد الله: ما رأيت رجلاً أشبَه من ولد أبي بكر بأبي بكر من هذا. وأبو بكر هو جد كذلك عبد الله بن الزبير جده لأمه، فكان هو شبيه بالصديق رضي الله عنه وأرضاه بطبعه وسمته ودله وهديه، وكذلك في خلقه، وأبو بكر من أورع الناس رضي الله عنه وأرضاه.

إذاً هذه المعاني هي التي تبلغ بالناس، هي التي تبلغ بالناس السماحة، التواضع، الدقة، طلب العلم، الحرص على رفع الجهل عن النفس، وكذلك بيان الحق للناس وعدم دخول شخص فيما لا يعني. القاسم كذلك في سيرته أنه لم يكن يتكلم بأحد، لم يكن يتكلم بأحد، وكان كذلك شديد الورع، وكذلك كان عفيف النفس، فلما أرسل له أحد أبناء مروان بن الحكم أظنه، أرسل له ألف دينار، لم يقبل، لم يقبل أن يأخذ هذا المال، مع أنه أرسل له هو لابن عمر، ابن عمر قبل ذلك رضي الله عنه وأرضاه، طبعا ليس معنى هذا أن هو أفضل، لا، ابن عمر صحابي، لكن ابن عمر هكذا كانت عادته، وتعرفون يعني بعض الناس كان يقبل الأعطيات، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعمر لما كان يعطيه ويعطيه، فكان عمر يقول: أعطه من هو أفقر مني. فقال: ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبع نفسك به.

ولابن تيمية رسالة جميلة في هذا تكلم فيها، وعامة السلف كانوا يقبلون، عامة السلف كان يقبلون الأعطيات، إلا يقول ابن تيمية: إلا اثنان، إلا اثنان ما كان يقبل منهم؛ سعيد بن المسيب، وكذلك الإمام أحمد ما كان يقبل، كذلك الإمام أحمد كان على هذا الهدي، وهؤلاء كانوا قلة ليسوا كثرة، منهم قاسم هنا، القاسم ما كان يقبل هذه الأعطيات، فكان يعطى هذا المال ما كان يأخذه.

القصد أنه هكذا يعني، خلق القاسم يدلك على أنه إنسان صاحب سمت، وقليل الكلام، وما يتكلم فيما لا يعنيه، ولا يتكلم في الناس، ولا يتوسع في الحديث فيما لا ينبغي، حتى إن مرة من المرات لما وكل بالصدقة توزيع الأموال، فوزع الأموال، حتى إن واحداً لم يقبل بذلك، وزع الأموال للناس، وشخص من هؤلاء ما قبل بالمال، فجاء القاسم يصلي، فقد يرفع صوته ويتكلم، فزجر عليه ابن القاسم، فبين له قاسم بأنك لا تتوسع يعني بالكلام والحديث هكذا.

هو طبعا يعني، أنا صورة القاسم بالنسبة لي صورة الشيخ الوقور، الشيخ الوقور الثقيل، الذي ما يتكلم إلا بكلام محسوب، ما يتكلم إلا بكلام هكذا يجتمع فيه الخوف من الله سبحانه وتعالى، هذا هو الأصل، الإيمان وكذلك إكرامه لنفسه، أن هو بينه وبين نفسه عنده هكذا سمو، عنده ارتفاع، عنده شرف، فما يتكلم في كل شيء، وما يتساهل في هذا.

ومثل ما ذكرت لكم بأن الطباع هنا تختلف، الطباع هنا يعني مؤثرة، فهو صورته هكذا يعني، صورتها صورة هذا، والإمام أحمد كان من هذه الشريحة، الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان من هذه الشريحة من الناس، حتى أنه كان يزيد بن هارون لما كان أحياناً يتبسط في الحديث، كان أحمد يتنحنح بالمجلس فيقول: لو كنت تعلم بأن أبا عبد الله هنا ما تبسط. فهو هكذا كان به ثقل، والناس يتفاوتون. عمر هكذا به شدة، ما كان يحب اللهو. ابن سيرين كان يضحك ويمزح، هذه طباع، هذه طباع، والإنسان يتفاعل مثل ما ذكرت مع العلم والدين بناء على طبعه، فنفرق بين الحد المتعلق بالحلال والحرام وبين طبع الإنسان وطريقه تفاعله مع ما يتلقاه.

هذه الدائرة الثانية ليس منصباً الدخول بها كثيراً، ليس منصباً الدخول بها كثيراً، إنما فقط يكون فيها البيان، وكشف طبيعة النفوس، وكل إنسان له مفتاح في شخصيته، إذا فهمت هذا المفتاح تفهم جميع أقواله وأفعاله. يعني هذا بعض ما يتعلق بسيرة هذا الإمام العظيم رحمه الله تعالى، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.