دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصالحين 08 | رجاء بن حيوة

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بالعيش مع التابعين. ومن نظر في سير هؤلاء الأخيار الذين استقر الثناء على ذكرهم، وهذه علامة من علامات الخير الكبيرة -كما ذكرنا في بعض المجالس- بأن العالم أو الداعية أو الإنسان لما يستقر الثناء على ذكره بالخير في الأمة، فهذه علامة على قبول هذا الشخص، هذه علامة قوية على قبول عمل هذا الإنسان. لذلك مالك بن أنس لما سئل بعض أصحابه عما يقوله الناس عنه قال: أما المحب فيثني، وأما المبغض فيطعن، فقال: لم يزل الناس على ذلك، ولكن أعوذ بالله من تتابع الألسنة، من تتابع الألسنة.

فالانسان إذا كان في عصره يسب ويلام ويشتم، ثم بعد ذلك استقر ثناء هذا الإنسان عند الأخيار في الأمة وعم هذا الذكر، فهذه علامة كبيرة على خير هذا الإنسان. والطاغية أو المجرم أو العدو أو المعادي للدين يستطيع أن يسيطر على عقول الناس في عصره بالإعلام ووسائل التأثير، لكنه لا يستطيع أن يسيطر على التاريخ، لا يستطيع مهما حاول لن يقوى؛ فالحجاج حاول أن يسقط سعيد بن جبير، لكن بقي سعيد بن جبير سعيد بن جبير، والحجاج الحجاج. يعود الناس إلى مراتبهم، يعود الناس إلى مراتبهم وإلى منازلهم، ولا يستطيع الحاكم مهما كان يملك من وسائل التأثير أن يرتب منازل الناس. نعم، في مرحلة معينة ممكن يكون هذا من باب الفتنة، ولكن بعد ذلك لا يستطيع، فيرجع الناس إلى منازلهم ومراتبهم.

القصد من ذلك أن اليوم عندنا قصة رجل بها شيء من الغرابه، ولما نقراها في هذا الزمن نقراها بصورة معينة، ولكن كيف كان يقراها من كان في ذلك العصر؟ اليوم معنا قصة رجاء. رجاء بن حيوة، هذا الرجل من العلماء الذين ادركوا الكثير أو بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في الشام؛ فولد في بيسان في فلسطين، وتلقى العلم عند بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين كانوا في فلسطين، وجده كان صحابي من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقد شارك بالفتوحات وروى حديث واحد عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو جرول، وجرول الكندي من قبيلة كندة العربية، فهو رجل عربي من أهل اليمن بالأصل، وكندة قبيلة يمنية كما تعرفون، ولكنه ولد في فلسطين بعد ما فتحت هذه البلاد، وانتقل الصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم أو الكثير من الصحابه اليها واستقروا بها. وولد أبناء الصحاب، وكذلك أبناء أبناء الصحابة. هذا الرجل ولد في تلك البلدة في بيسان في فلسطين وتلقى العلم، وهو كان صاحب عقل وافر، والعلم يثمر في هذه النوعية من الناس.

ولكن أصحاب العقول يختلفون، بعض الناس يكون صاحب عقل قوي لكن عقل علمي صرف؛ يعني هو لما يقرا ويتعلم يثمر فيه العلم، الإدراك للمسائل العلمية، ولكن لا تكون له صلة كبيرة بالواقع، لا تكون له صلة كبيرة بالواقع. وبعض العلماء لا يكون بهذه الطريقة، إنما يكون مع علمه مخالطاً، مع علمه يملك قوة نفس. ما الفارق بين هذا وهذا؟ الفارق بينهما فرقان اثنان. الفارق الأول متعلق بنفس العقل، بنفس العقل؛ فالعقول وإن كانت ذكية إلا أنها تتفاوت في ذكائها، إلا أنها تتفاوت في الذكاء. تقول كيف؟ أقول لك: بعض الناس عقله علمي، وبعض الناس عقله عملي. تقول لي كيف يعني عقله عملي؟ أقول لك: هو يحسن التعامل مع الناس، يعرف المداخل والمخارج. لا أتكلم الآن عن النفس إنما أتكلم عن العقل، وبعض الناس ما يحسن هذا. لذلك يقولون في سير ابن سيرين أنه كان أبصر من الحسن البصري؛ الحسن البصري أعلى من ابن سيرين وأعلى منه، ولكن ابن سيرين كان مخالطاً للناس، ابن سيرين كان مخالطاً للناس. ولا أتكلم عن النفس إنما أتكلم عن العقل، إنما أتكلم عن العقل حتى لا يتم الخلط في فهم هذه المعاني المهمة والشريفة والعالية.

قسم من الناس عنده القوة العقلية التي من خلالها يستطيع أن يتعامل مع الناس، هو يملك هذه الموهبة، يملك هذه القدرة. بعض الناس عنده قوة عقلية لكن ما يملك هذه الموهبة، ما يملك هذه الموهبة. أما الشق الثاني فالنفس؛ بعض النفوس قوية وبعض النفوس ليست قوية، يعني بعض النفوس تقوى على مخالطة الناس، عندها القدرة على تحمل الناس، وهذا ليس كل أحد يستطيع عليه، خاصة الأذكياء. الأذكياء إذا بالغ بهم الذكاء درجة عالية ما يحتملون الناس، ما يحتملون الناس. لماذا؟ لأن عامة الناس بسطاء، عامة الناس ناس عاديين، عامة البشر هكذا عقولهم بسيطة، وذكي جداً ما يحتمل هذه البساطة كثيراً، فلذلك يضطر كثيراً أن يتعامل مع الناس بالمداراة وإلى آخره. إذا كانت نفسه تعينه يستطيع أن يستمر، طيب، إذا ما كانت نفسه تعينه ما يستطيع، إذا كانت نفسها ما تعينه ما يستطيع أن يستمر في هذا السلك، هذا ما يستمر فيه إلا أصحاب النفوس القوية أو النفوس السهلة، ليست النفوس الحada، النفوس السهلة اللينة هؤلاء يستطيعون يتعاملون مع الناس.

رجاء كان من هذه الشريحة، رجاء عقلية علمية سياسية، يعني هو عالم سياسي وليس عالم فقط. تعرفون بعض الناس يصلح أن يكون عالم، لكن لا يصلح أن يكون حاكم؛ هو يصلح أن يكون مدرس للناس، معلم للناس إلى آخره، ولكن ما يصلح هذا الإنسان أن يكون في موطن الحكم والقيادة لفقدان شرط القيادة، لفقدان شرط القيادة. القصد من ذلك أن رجاء كان من هذه الشريحة من الناس؛ هو عالم، ولكن كذلك هو يملك القدرة على الإصلاح الواقعي الميداني، خاصة في هذه الأبواب الدقيقة والحساسة والصعبة والتي تختلط فيها الأمور، أي أبواب السياسة والحكم. أبواب السياسة والحكم، هو نظر إلى المشهد في ذلك العصر، ولد في زمان عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وادرك زمان معاوية، ادرك يعني شب في زمان معاوية، وادرك البيت الأموي الأول الذي هو بيت معاوية رضي الله عنه وأرضاه، والبيت الأموي الثاني الذي هو بيت مروان بن الحكم، ومروان لم يطل بالخلافة، إنما بقي فيها عشرة أشهر ثم بعد ذلك مات، وكان شيخ كبير.

هو اقترب من معاوية ودنا من معاوية، وكذلك بعد ذلك اقترب من مروان وقرب مروان منه، حتى جاء بعد ذلك زمان ابن عبد الملك، ووقع الخلاف والصراع الكبير بين عبد الله بن الزبير الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه وبين عبد الملك بن مروان. هذه الوقفة الأولى؛ كيف رجل مثل رجاء، صاحب عقل راجح وعلم ودين وسيظهر من سيرته دين هذا الرجل واستقرار الثناء عليه -يعني هذا الرجل استقر الثناء عليه وليس الذم له، وليس الذم الذم له- مع ذلك هو وقف مع عبد الملك بن مروان، ولم يقف مع عبد الله بن زبير، وهذا صحابي وهذا ليس بصحابي؟ نعم، عبد الملك كان من العلماء الكبار في عصره، فهو نشأ في المدينة وتتلمذ هناك، وكان يجتمع مع عبد الله بن عمر، وكذلك مع عروة بن زبير ومع عبد الله بن زبير أو مع مصعب بن زبير ويتمنون؛ فكان عروة يتمنى أن يكون عالم، ومصعب يتمنى ولاية العراق مع الزواج من فلانة وفلانة، وعبد الملك يتمنى الملك والسلطان أن يكون خليفة، وابن عمر تمنى الجنة أو تمنى المغفرة. وكل واحد من هؤلاء الثلاثة نال ما تمنى، ونرجو أن يكون عبد الله بن عمر نال الذي يريده رضي الله عنه وعن أبيه.

القصد أن هذا الرجل في هذا الصراع كانت الغلبة لعبد الله بن زبير؛ فعبد الله بن زبير سيطر على الحجاز، وكذلك على العراق، وأخذ يتوسع ويتمدد، ولم يكن عند عبد الملك إلا الشام ومصر. ومع ذلك هو لم يقف مع عبد الله بن زبير، إنما وقف مع عبد الملك بن مروان. هذه الوقفة الأولى؛ هل هو رأى في عبد الملك شيء أنه هو الذي يستحق؟ وهل كان وقوفه معه وقوف مؤيد بما يفعل عبد الملك بن مروان أو كان دخوله معه دخول من أجل الإصلاح؟ هو الظاهر مسيرة هذا الرجل التي تبينت وظهرت بعد ذلك أنه دخل من أجل الإصلاح، يعني هو اقترب من هؤلاء الذين يملكون القدرة على التأثير، وقدرة السلطان على التأثير أقوى بكثير من قدرة من يريد أن يصلح بعيداً عن السلطان. يعني مهما كان العالم عظيم وقوي لن يكون إصلاحه من غير السلطان كما يكون إصلاحه لما يكون قريب من السلطان؛ بمعنى الشخص يؤثر بنسبة معينة، التأثير بنسبة أقوى واحد بالتاثير هو السلطان، أقوى واحد بالتاثير من يملك أدوات التأثير، هذا أمر طبيعي.

فالذي يملك القدرة على بث ما يريده ومنع من يريد أن يمنع، وكذلك العقوبة إلى آخره، هذا هو الذي يملك عقول الناس. عقول الناس تسيطر بهذه الطريقة، يتم سيطرة عليها بالإعلام والتعليم والقانون إلى آخره، هؤلاء هم الذين يسيطرون على عقول الناس، وهؤلاء هم الذين يبثون الذي يريدونه، لذلك الحاكم يستطيع أن يغير عقول المجتمع إلا القليل، لكن المجموع أو العدد الكبير من الناس هؤلاء بيد الحاكم حقيقة، هؤلاء بيد الحاكم؛ فهو يستخف قوم الحاكم فيكونون كما كان يفعل فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: 54]. هذا الوضع العام، هذا الوضع العام إلا القليل من المجتمعات الوعي والمدركة، ولكن هذه المجتمعات قليلة في البشرية ليست كثيرة، إنما عامة الناس هم يغيرون أقوالهم بسرعة واعتقاداتهم وتصوراتهم. لكن يقولون: ذاكرة العوام ثلاثة أيام، والعوام هم هكذا، العوام هم هكذا؛ يتبعون النبي عليه الصلاة والسلام، ولما يسألهم ويقررهم من هو؟ فيقولون بأنه هو النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد ما يموت عليه الصلاة والسلام يخرج الأسود العنسي في اليمن، ويخرج مسيلمة الكذاب، فينقادون إلى الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب! كيف هذا في زمان النبي عليه الصلاة والسلام؟ هكذا هم عامة الناس، هكذا هم عامة الناس، والإسلام يتعامل مع الناس كما هم كما هم. وليس معنى هذا أنها هم معذرون، لا، إنما الإسلام يقيم الحجج، لكن المؤثرات النفسية هذه تؤثر على الإنسان، وطبيعي يسقط فيها من يسقط. الإسلام حريص أن ما يفتن الناس بهذه الأحوال، لكن لو فتنوا فهم يسألون يوم القيامة.

القصد من ذلك حتى ما نتوسع في هذا؛ رجاء بن حيوة رأى بأن الحكم لعبد الملك، ورأى بأنه سيستقر له، هو كيف درس الواقع في ذلك العصر؟ الله أعلم. فهو كيف درس بأن عبد الملك سينتصر، أو إذا انتصر عبد الملك أكون أنا قريب منه؟ الله أعلم، لكن القصد من ذلك أن هو كان قريب من مروان ثم عبد الملك، لما راه وهو وعبد الملك عالم، وكذلك هو صاحب عقل راجح، وعبد الملك بن مروان صح أنه حاكم ظالم مجرم كما قال سعيد بن جبير: الحجاج أنت ظالم، وإن ولاك أظلم منك. ولكن مع هذا كله هو كان حاكم، يعني هو كان عقله كبير وليس صغير، وكان هو يعرف كيف يدير الأمور، يعرف كيف يحكم. هذه النوعية من الناس تكشف الإنسان مباشرة، يعني هذه الشريحة من البشر التي يكون حاكم ومستحق للحكم أو يقدر على الحكم، هذا خطير، هذا خطير في كشف الإنسان ومعرفة الإنسان.

فهو رأى من رجاء رأى من رجاء رجاحة العقل، فادناه منه وراى كذلك إخلاصه، وراى كذلك هذه النقطة -طبعاً توضع في في خانة الاستفهام، في خانة الاستفهام- كيف يكون قريب من هذا الرجل الذي يسفك الدماء؟ لكن هو رأى، وهذا الذي دل عليه مثل ما ذكرت، صلاح هذا الرجل، أنه رأى بأن قرب منه سيسهل أو يقلل من الشر الذي ممكن أن يقع؛ فعبد الملك يبقى إنسان، يبقى إنسان، والخليفة له بطانتان، ما من خليفة إلا وله بطانتان، كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان؛ بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله» كما رواه البخاري من حديث أبي سعيد.

القصد من ذلك أن رجاء كان يعرف هذا، ويعرف بأنه لو استمر في طلب العلم والانعزال عن المشهد لن يستطيع أن يؤثر التأثير الكبير في الواقع الذي يعيش فيه، فرراى بأن يقترب، رأى بأن يقترب من هؤلاء حتى يقلل الشر بغاية ما يستطيع. ولعل الله سبحانه وتعالى علم صدق هذا الرجل، فأكرمه وأعطاه منه عظيمة جداً، وجعله يكون سبب بتجديد الاسلام. وحقيقة هذه الكلمه تحسب، أو هذه الكلمة يستحقها رجاء، يستحقها رجاء؛ فرجاء هو أقوى أو من أقوى الأسباب في تجديد الإسلام في ذلك العصر، أقوى من الكثير كثير من العلماء. نعم، العلماء تسببوا بحفظ الأحاديث إلى آخره، ولكن تجديد الإسلام الذي فاز به رجاء بن حيوة كيف هذا؟ رجاء اقترب من عبد الملك، وحاول بقدر ما يستطيع أن يثني عبد الملك عن الذي يستطيعه، وهو صاحب عقل فهو يعرف متى عبد الملك يقبل ومتى لا يقبل.

تعرفون الإنسان من حيث إنسان ونصور الصورة وأقربها لنا، بأن الإنسان في بعض القرارات ما يقبل فيها النقاش، هذا ما تستطيع تناقشه، ورجاء يعرف هذا، يعرف أن الحاكم هنا لن يقبل حتى لو كلمت لم يقبل، لماذا؟ لأن هو ما هو؟ هو الآن، هو الآن يرى بأن هذا تهديد عليه، فما يقبل، لكن في بعض اللحظات أو في بعض القرارات يتردد فيها ويقبل فيها النصيحة، وهذا كل إنسان قراراته هي بهذه الطريقة، عنده قرارات ما يقبل بها النقاش لو اتاه من آتاه، وعنده بعض القرارات يتردد.

فيه هل يفعل كذا أو يفعل كذا؟ هل الصواب أنه يرد بهذه الطريقة بشدة أو لا؟ الإنسان حقيقةً هذا قاصد الخير يحتاج إلى من يعينه، هنا يأتي دور الصديق الصالح والصاحب الصالح والجليس الصالح الذي يعين الإنسان على الخير ويمنعه من الشر.

رجاء كان يعرف هذا، لذلك لما ثار الناس على عبد الملك مع ابن الأشعث على الحجاج بن يوسف، وخلعوا بالبداية الحجاج، ثم خلعوا بعد ذلك عبد الملك بن مروان، أراد أن يقتلهم، فكلم رجاء في ذلك وذكره، وقال بأن الله سبحانه وتعالى قد كفاك شرهم، لماذا تقتلهم؟ فكف عنهم ولم يقتلهم، مع أن هنا الحاكم بالعادة يقتل، ولكن استمع لكلامه اقتنع بكلامه، وكان هو موطن ثقة عنده، فلم يقتلهم.

استمر هذا الحال مع عبد الملك بهذه الطريقه حتى أمر عبد الملك ببناء قبة الصخرة في بيت المقدس، وكان المشرف على هذا البناء رجاء. القصد من ذلك أنه استمر مع عبد الملك بن مروان حتى استأمن عبد الملك على أبنائه، وهذه لعلها كانت من تخطيطات رجاء، يعني هذه العقلية أو هذه النوعية من الناس لما تقرون سيرهم اقرؤوها بعقولهم وليس بعقلك أنت أيها القارئ، يعني لا تقرأ بناء على ثقافتك أو تخصصك التربوي أو العلمي أو الدعوي، هؤلاء ليسوا بهذه الطريقة، هؤلاء يفكرون بطريقة أوسع بكثير من تفكير الشخص الذي يكون ثغره محدوداً، هؤلاء لا حدود لثغرهم، هؤلاء بالنسبة لهم أن الواقع كبير، فهم يريدون الوصول إلى موطن التأثير الأصلي، فهو أي طريقة يستطيع من خلالها أن يؤثر في هذا سيسلكها.

طيب، الآن أين موطن التأثير الأصلي عند عبد الملك بن مروان؟ إذا هو وصل عند عبد الملك وقبل ذلك كان عند أبيه. طيب، لما وصلت عند الحاكم، الحاكم هذا له منافذ في التأثير عليه، والمستقبل كيف سيكون؟ فعبد الملك بن مروان رأى فيه العقل الراجح، ورأى فيه العلم الغزير، ورأى فيه كذلك الأمانة، والحاكم يخاف من هذه الشريحة، يعني الحاكم يخاف من الشريحة التي تكون قريبه منه ولا تعطيه الولاء، يخاف لماذا؟ لأن الكثير من يقترب من هؤلاء، بل عامة من يقترب منهم ليسوا أصحاب ولاء، ليش أصحاب ولاء حقيقي؟ إنما ولاؤهم للدرهم والدينار، لما يسقط هذا الحاكم مباشرة سينقلبون عليه.

الصدق هنا قليل، الصدق هنا قليل، هم يعرفون هذا، لذلك هؤلاء الحكام لا أصحاب لهم، هم يعرفون بأنهم لا أصحاب لهم، هم يعلمون أبناءهم هذا الشيء إلا إذا أتى شخص من طبع الوفاء، يعني هو هكذا وفي من غير أي شيء، هذا يكون بالنسبه له مثل العملة النادرة، العملة النادرة فريدة. القصد من ذلك أن هو رأى في رجاء هذا العقل الراجح ورأى فيه هذا العلم الواسع فاستأمنه على أبنائه، خاصة سليمان.

عبد الملك له مجموعة من الأبناء، أكبرهم كان الوليد ثم سليمان، فأخذ يعلم سليمان وأصبح هو أقرب إلى سليمان من أبيه. وتعرفون الخلفاء كانوا يتخذون الأدباء لأبنائهم، فكان الأديب واسع العقل واسع المعرفة إلى آخره، فيتعلم الابن منه ويتأدب بأدبه، فهو ينظر إلى هذا المعلم على أنه هكذا شيء كبير فيتأثر فيه لما يكبر، يعني لما يكبر يكون على مدرسته ولا يكاد يخالف، وتعرفون الإنسان لما ينشأ هكذا على شخص يرى بأنه عظيم ويرى بأنه كبير ويرى بأنه واسع الاطلاع إلى آخره ويكون بينه وبينه مودة لما يكبر يصعب عليه أن يخالفه، هذا هو الإنسان.

لذلك الجعد بن درهم فتن، أو الجعد بن درهم كان هو، مروان بن محمد كان شيخه، الجعد بن درهم كان شيخه الجعد بن درهم، كان يقال مروان الجعدي فأثر به، القصد من ذلك أن رجاء هنا اقترب من هؤلاء، فلما اقترب من هؤلاء أصبح هو شيخ هشام وأصبح هو شيخ سليمان، وكان الآن رجاء بدأ يصل إلى الذي يريد أن يصل إليه. ولعل رجاء كان يفكر فكر ذلك العصر بأن كيف يعيد الأمر إلى نصابه، كيف يعيد الحكم إلى ما كان عليه سلف الصالح، وطريقة تفكير هؤلاء تختلف عنا، كيف نحن الآن في زمان بعدنا كثيراً عن الخلافة الراشدة، فأصبح يؤتينا حاكم هكذا لو فقط يكون به ريحة عدل، ريحة عدل بالنسبة لنا هذه أمنية كبيرة، لو أتينا مثل الحجاج كما كان يقول بعض المشايخ: نحن راضين بالحجاج بن يوسف لو ياتي الآن حجاج ويحكم بدال المسلمين راضين رجل مثل الحجاج بن يوسف الثقفي.

أما أولئك فكانوا قريبين من العهد الأول، ما كان بينهم وبين الصديق والفاروق وعثمان وعلي إلا سنوات يسيرة ليست كبيرة، فلذلك يريدون أن يعودوا. طيب، ما هي الطريقة؟ أكثر من كان يريد أن يعيد الأمر إلى نصابه كان يخرج بالسلاح، فكان خرج الحسين، وخرج عبد الله بن زبير، وتعرفون خرج كذلك أهل المدينة على يزيد إلى آخره، يريدون أن يعيدوا الأمر إلى نصابه بهذه الطريقة. رجاء رأى بأن هذا الطريق غير موصل، وبنو أمية لهم سلطة، وبنو أمية الناس ملتفة حولهم، وهم كانوا من عليّة قريش، هم لم يكن ينافسهم إلا بنو هاشم، لذلك من المستحيل أصلاً أن يخرج أناس من غير بني هاشم أو من غير قريش وينافسون الحكم، فكانت قبائل ما تطمح بذلك.

القصد من ذلك أن رجاء رأى بأن عبد الملك وبني أمية يكون عندهم الحكم والسلطان، فاقترب منهم ودنا منهم وحاول بغاية ما يستطيع أن يخفف من الشر. طيب، الخطأ الموجود يا رجاء؟ يقول: ما أملك، والواجبات تسقط بالعجز. طيب، هذا ما تسال عنه، يقول: كيف أسأل عنه وأنا لا أملكه؟ أنا لن أقول الشر ولن أحض على أن يفعل الشر، ولكن أخفف بغاية ما استطيع، يعني هذه غاية طاقي في التأهيل. فاقترب الآن حتى أصبح هو مؤدب سليمان بن عبد الملك.

مات عبد الملك بن مروان، لما مات ولي بعده ابن الوليد، وكان الوليد يقدم رجاء ويستشير رجاء، حتى أنه لما ذهب إلى المدينة، وكان بالمدينة عمر بن عبد العزيز، أراد الوليد أن يوسع المسجد النبوي، دخل المسجد وأمر الشرط بأن يخرجوا الناس من المسجد فأخرجوهم، إلا سعيد بن المسيب ما استطاعوا أن يخرجوه. فارسل له عمر بن عبد العزيز من يقول له بالخروج اليوم فقط، فقال: لا أخرج إلا في الوقت الذي أخرج به عادة، وسعيد كان عسراً وصعباً بالحوار والنقاش رحمه الله تعالى، فما كان يتنازل حتى لو كان الموت ما عنده مشكلة، ذكرنا ذلك في سيرة سعيد رحمه الله تعالى.

فدخل الوليد، فلما دخل الوليد بدأ ينظر في المسجد، وحاول رجاء وعمر هكذا أن يغطوا على سعيد حتى ما ينظر إليه الوليد، فنظر إليه الوليد فاقترب منه وسلم عليه، فرد عليه السلام من غير أن يقوم، فانطلق الوليد وهم به، فلم يزل رجاء وعمر يسكنان حتى سكن. أراد الوليد أن يفتك بسعيد، فلم يزل رجاء يقول: يا أمير المؤمنين إنه كان صاحب أبيك وإنه كذا وكذا، وبدؤوا هكذا يسكنان حتى سكن الوليد بن عبد الملك، وهذه كذلك تحسب لرجاء.

مات الوليد، بعد ما مات الوليد جاء زمان سليمان، وكان سليمان لا يعدل برأي رجاء أحد، وقرب رجاء وعمر ابن عمه عمر بن عبد العزيز، فأصبح الناس في زمان سليمان على خير أفضل بكثير من زمان عبد الملك وزمان كذلك الوليد. سليمان كان فيه خير، سلم الإمارة والقيادة لرجاء، وأقصد هنا بالتسليم أي أن الحكم أصبح بالصورة لسليمان ولكن بالحقيقة لرجاء، فكان رجاء هو الذي يدير الدولة، ووصل رجاء إلى مبتغاه في التأثير، وأصبح يؤثر تأثيراً كبيراً، وخفت الشرور في زمان سليمان كثيراً مقارنة في زمان الوليد وكذلك زمان عبد الملك، حتى حضرته الوفاة.

فلم يطل عمر سليمان في الإمارة حتى حضرته الوفاة، لما حضرت الوفاة أراد أن يستخلف، فقال لرجاء: ما رأيك بابني أيوب؟ ما رأيك بابني فلان؟ فلم يزل رجاء يصده ويقول: إنه لم يبلغ الحلم، إنه أنت ما تدري هذا يكون صالحاً أو طالحاً، وهكذا بدأ يرد عن الذي يريده حتى قال له: إذاً من؟ قال: عمر بن عبد العزيز، وأثنى على عمر بزهده وصلاحه وتقواه وديانته. فقال: لكن لا يرضى أبناء عبد الملك بذلك. قال: اجعل بعد يزيد، اجعل بعد يزيد بن عبد الملك أخوك، فكتب كتاباً بأن خليفة من بعدي هو عمر بن عبد العزيز، ثم يكون الأمر ليزيد بن عبد الملك.

فأخذ الناس يأتون رجاء ويسألونه عن الرجل الذي استخلفه أمير المؤمنين قبل أن يموت ولم يكن يرد عليهم، حتى أتاه عمر بن عبد العزيز وخشي عمر بأن رجاء يؤثر على سليمان فيختاره، فسأل عمر ولم يرد عليه وعرض عنه، وجاء في بعض الروايات بأنه زبره ونهر وقال: تريدها؟ فاستحيا عمر وذهب. ثم جاء هشام وساله فلم يجبه، ثم أخذ كذلك يتكلم ويقول: إني أنا أعين أبناء عبد الملك، فمن سيتم اختياره إذا لم يتم اختياره هو؟

القصد من ذلك أنه كتب هذا الكتاب وختم عليه، ثم بعد ذلك مات سليمان، فلما مات سليمان جمعهم رجاء وأخذ عليهم العهد والميثاق بأن يبايعوا لمن هو مكتوب، فبايعوا على ذلك، فقرا عليهم الكتاب وفيه بيعة عمر بن عبد العزيز، فرد هشام وقال: لا والله لا نبايعه! فقال: والله لتبيعنه أو لأقتلنك! فبايع. ثم قال: وبعد عمر يزيد بن عبد الملك، فبايع بنو أمية.

فبايع بنو أمية عمر بن عبد العزيز، وعاد الإسلام إلى نقائه، وجدد الله سبحانه وتعالى بعمر بن عبد العزيز ببركة في رأي شورى رجاء بن حيوة الإسلام، فذكر الناس بزمان عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه، وعاد الأمر إلى نصابه، وأصبح هو من الخلفاء الراشدين في حكمه وسلطانه. وكان يقول رحمه الله تعالى عمر: والله إن سليمان لم يقم بالخلافة يوماً، يعني سليمان على صلاحه وتقواه وعلى ما كان يقوم به ما هو أفضل من والده وأخيه، قال: المعيار النسبي هو أفضل منهم، لكن بالمعيار الإسلامي الحقيقي أن سليمان ما قام يوم واحد بواجب الخلافة.

استمرت خلافة عمر كما تعرفون سنتين، وجدد الله سبحانه وتعالى به من درس من الإسلام، وأحيا الله سبحانه وتعالى به العديد من السنن، وكان هذا كله ببركة رأي شورى رجاء بن حيوة. وكان له أثر كبير، حتى أنه لما أرسل إلى عبد الملك، لما أرسل عبد الله بن عمر إلى عبد الملك بن مروان يبايعه، قال بعض من عند عبد الملك: إنه يبدأ باسمه من عبد الله بن عمر إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، ويريدون منه أن يهم وأن يفتك بعبد الله بن عمر، فلم يرد عبد الملك، وكذلك أثر رجاء وتدخل رجاء.

القصد أن رجاء كان له شيء أو كان له أثر كبير في التأثير في ذلك العصر، بل أثر في الإسلام عموماً، يعني رجاء بن حيوة دخل إلى التأثير في صميم المكان الذي من خلاله يتم التأثير على واقع الناس، واستمر أثر رجاء إلى يومنا هذا، فسيرة عمر هي من بركة عمل رجاء. سيرة عمر رضي الله عنه وأرضاه، عمر لو ما كان الخليفة هل سيكون عمر وهل ستكون سيرته بهذه الطريقة وهل سيجدد الإسلام بهذه الصورة؟ لن يكون هذا الأمر، ونفس الخير الذي بث في ذلك العصر وما زالت آثار ذلك الخير إلى زماننا، كم الخير بث في زمان عمر بن عبد العزيز من العلماء والحكام إلى آخره من العلماء والامراء والصالحين، الشيء الكبير هذا كله بماذا؟ ببركة أسرار رجاء رحمه الله تعالى.

ثم مات عمر رضي الله عنه وأرضاه، وجاء يزيد فأبعد يزيد وكان في نفسي شيء عليه، ثم جاء بعد ذلك هشام وقطع عنه ما كان يصرف له من المال، حتى راه يقال والده في المنام بأن يعيد له هذا المال، واعتزل رجاء وكان قد كبر في السن واعتزل، ولم يكن له ذلك الأثر بعد زمان عمر رضي الله عنه وأرضاه، وأقبل على شأنه، على العبادة والعلم إلى آخره حتى مات رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

حتى كان يقول ابن عون: ما رايت مثل ثلاثة: مثل محمد بن سيرين في العراق، والقاسم بن محمد في الحجاز، ورجاء بن حيوة في الشام. القاسم عالم ومحمد بن سيرين كذلك عالم، إذاً رجاء ما هو؟ لما يقرا بهم يقرأ معهم بالعلم، يقرأ معهم هم بالعلم والتقوى والصلاح رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

إذاً هذه بعض سيرات هذا الرجل، وهذا أثر البطانة، البطانة لما تكون صالحه وتفكر بهذه الطريقة يكون لها أثر كبير في إصلاح واقع الناس، هذا إذا كان الحاكم فيه شيء من الخير والحاكم ممكن أن يتم التأثير عليه، أما إذا كان الحاكم ليس بهذه الصورة ولا هذه الطريقة، فدخول هذا الشخص مع الحاكم يكون باب الممسحة فقط، تمدن بنا بنو أمية تمدلنا يعني يمسحون.

نبنا أخطاءهم ومساوئهم فنكون نحن بجانبهم ونأتي نقر لهم الذي يريدونه، فإذا كان شخص أي من يكون في موطن البطانة لا يستطيع أن يكون المؤثر حقيقة، والحاكم لا يستجيب له، والحاكم يريد منه من غير أن يكون لها دور بالتأثير، هذا يكون من أعوان هؤلاء المجرمين، ويتم استعماله واستغلاله في تقرير الباطل، فهو يكون عون لهؤلاء على تقرير الباطل، وعامة السلف الصالح كانوا يفرون، عامة السلف كانوا يبتعدون، والقليل من السلف مثل رجاء ومثل قبيصة بن أبي ذؤيب وجماعة قليلة من السلف كانوا يقتربون من الحكام، كانوا يقتربون من الحكام ويرون بأن في هذا الاقتراب تقريب لهم للحق، بأن في هذا الاقتراب تقريب لهم للحق.

أما الابتعاد فلن يجدي شيئاً، فالسلطان إذا ترك لن يعود هو إلى الحق، فيحتاج إلى من يقترب منه حتى يعيده، أما السلف فلم يكونوا عامة السلف لم يكونوا يرون من ذلك إلا أنهم يرون بأن السلطان هنا سيؤثر بهم، فيخافون على أنفسهم، ثم السلطان سيستعملهم في الذي يريدون فيكون سبباً في نشر الباطل، وتعرفون أحاديث أعوان الظلمة إلى آخره.

ولكن هو رأى بأن في نفس القوة أو عنده القوة والقدرة على التأثير، ودرس الواقع دراسة فاحصة، ورأى بأن هذا الباب لو دخل فيه سيكون فيه خير، ولعل الله سبحانه وتعالى اطلع إلى قصده وحسن نيته وصبره وبلائه، فشرف الله سبحانه وتعالى وأكرمه بأن يعود الأمر إلى نصابه بسبب رأي رجاء رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

إذا هذا بعد ما يتعلق بصيغة هذا الرجل الصالح، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.