دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 13 | زيد بن ثابت رضي الله عنه

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحييكم إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة مع نجوم هذه الأمة العظيمة التي اختارها الله سبحانه وتعالى حتى يجعلها نبراساً لكل من يأتي بعدهم.

ومن ضمن نجوم الأمة الكبيرة والعظيمة، والتي اختارها الله سبحانه وتعالى حتى يحفظ الله سبحانه وتعالى بها كتابها العظيم؛ زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه. هذا الصحابي الجليل كان ممن أسلم وهو صغير، ولما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة؛ أتى الخزرج وأتى على وجه الخصوص منهم بنو النجار النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من غلماننا قد قرأ القرآن. فقرا السور التي حفظها على النبي عليه الصلاة والسلام، فأعجب به النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه كانت بداية بروز زيد بن ثابت الأنصاري.

زيد رضي الله عنه وأرضاه كان من غلمان النبهاء الأذكياء، ولما نتكلم عن الغلام الذكي الفطن؛ لابد أن نقف وقفة مع هذا الصنف من الغلمان. وهؤلاء موجودون في المراكز التربوية، وفي المحاضن، وفي حلقات التحفيظ، ولكنهم يغيبون مع الجمهور. وهذه الوقفة الأولى المتعلقه بزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه؛ تفرس النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الغلام الذكاء وفي هذا الغلام النباهة، وكان قد حفظ هذه السور قبل أن يقدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة. إذاً هذا الغلام اجتمع فيه ذكاء ونباهة وحفظ وكذلك محبة ورغبة.

هذا القسم من الناس إذا لم يعتنِ المربيون به يضيع، إذا لم يأتِ المربي بهذا الصنف من الناس؛ فهذا الصنف يذوب وويضيع ويذهب عمره من غير أي فائدة. وقد رايت في المراكز التربوية التي دخلت معها وعملت فيها فترة من العمر؛ مجموعة من هؤلاء ولم ينبغِ أي واحد من هؤلاء بعد ذلك، وسبب ذلك نفس البيئة. وهذه خسارة كبيره، فيكون المربي ربى إنسان عادي أي من حيث القدرات.

نعم، المربي كما تعرفون وكما تكلمنا كثيراً عن الثغور، وثغر التربية على وجه الخصوص؛ وذكرنا بأن أخص أوصاف المربي الحلم والصبر. ولكن لا يشترط أن يكون مع المربي عقل، أقصد عقل هنا ذكاء؛ فقد يكون المربي إنسان عادي، وهذا غالباً على المربين هو هذا؛ أنه من حيث القدرات العقلية ليست قوية، لكن من حيث القوة النفسية أو من حيث الحلم والرحمة والصفح والصبر؛ هذه الصفات تكون عندهم قوية جداً.

فلما يأتي الطالب الصغير، وطلبة هؤلاء هم نفسهم لما يكبرون؛ نفس الذين أراهم وهم كبار، كيف أن هذا إنسان مميز بعقله، كيف أن هذا مميز بقوته البدنية، فلان مميز بصفة الحلم مثلاً والصفح، فلان بشجاعة وهكذا. كذلك هؤلاء الطلبة الصغار؛ لأن أخص ما يأخذ أو أخص الأوصاف أو أوصاف الإنسان تظهر عليه من الصغر، أي الطباع الغريزية ما يأخذ الإنسان من الوراثة، هذا يظهر في صغر الإنسان.

ثم يأتي هنا دور المربي ويهذب هذا الإنسان ويربيه، ثم بعد ذلك يكون أثر المجتمع والبيئة. نعم، لا شك أن أثر المجتمع والبيئة أقوى بكثير من بقية الأسباب أو الأركان التي تشكل شخصية الشخص، ولكن هنا يظهر ميزة هذا الإنسان ويظهر نوع هذا الإنسان؛ هل هذا ممن يصلح للعلم، هل هذا ممن يصلح لتربية، هل هذا ممن يصلح للدعوة، وهكذا؟ هذا يظهر من الصغار.

هنا إذا كان المربي إنسان محدود وعادي؛ هنا قد يضيع هذا الطالب عنده، وهذا كثير. هذا الطالب إذا ما اعتنى به المربي عناية مناسبة له، هنا هذا الطالب ما نستفيد منه كثيراً، وهذا هو الذي رايته كثيراً. فأكثر من نراه من أصحاب العقول الجيدة الذين إذا دخلوا بالعلم أو الفكر أحدثوا نقلة؛ ما نجدهم كانوا في المحاضن التربوية في الصغر. بخلاف البقية، نجد أناس نفس هؤلاء كانوا في المحاضن، لكن لما كبروا لم يصبحوا أي شيء؛ لماذا؟ لأن نفس البرنامج الذي تم تطبيقه عليهم، طبق على البقيه، والبقيه ليسوا مثلهم، هؤلاء أناس نادرين صحيحة العبارة.

لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما ذهب إلى المدينة وانتقل إليها، والآن راى الجيل الجديد. في مكة كان النبي عليه الصلاة والسلام يصادم الكفار، ولم يكن يختر النبي عليه الصلاة والسلام من ينقاد دعوته، بخلاف المدينة؛ المدينة المجتمع أسلم. قفوا معي عند هذه الوقفة المهمة؛ المجتمع في مكة كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الناس، فكان الذي يستجيب قليل، والصغار هم اتباع لأبائهم، وهذا أمر طبيعي، حتى الكبار إلا ما ندر، الصغير لا يملك عقله، إنما عقله تابع لعقل أبيه، تابع لعقل الموجه.

حتى في المحاضن التربوية؛ هذا الصغير هو تابع لعقل المربي، فلما يأتي شخص من الخارج يريد أن يوجه هذا الطالب إلى آخره، والمربي ما يملك القدرة على توجيه هذا الصنف من الناس؛ المربي يكون سبب ضياعه. وهذه نصيحة والله للمربين، هذه نصيحة خاصة للمربين؛ كما أنكم تحصون وتفرحون بما فتح الله عليكم من أعمال تربوية، استعدوا للسؤال يوم القيامة. وهذا قلته للشباب الذين كانوا في المحاضن المسؤولين؛ قلت: يا شباب، استعدوا للسؤال يوم القيامة، يوم القيامة ستسالون عن كل طالب، هذا الطالب الذي تحت سلطانك ستسال عنه.

ومشكلة التربية بالتعلق كما تعرفون؛ فهنا التعلق يمنع المربي من أن يوجه هذا الطالب التوجيه المناسب له، فتضيع طاقة كبيرة في الأمة الإسلامية بسبب أمر مثل هذا يسير؛ حظ نفسي يسير مع جهل مع عدم وعي كافي، تضيع هذه الطاقة. وهذا للاسف والله رايته كثير، لذلك من ترون ممن يفتح الله عليه بهكذا بالتوجيه والمعرفة وعقل وهكذا؛ هذا ما يكون غالباً كان في المحاضن التربوية وهو صغير، لا يكون غالباً. والله سبحانه وتعالی مثل هؤلاء تجد أن الله يعصمهم، معناه تهيأ لهم الأمور لكن ما يذهبون لها؛ لماذا؟ حفظ إلهي لهؤلاء. ليس هذا المحاضن خطأ، لا، المحاضن أفضل ولا شك أن يتربى من الصغر ويحفظ هذا بإذن الله، ولكن هنا الآن نصيحة توجيهية لهذا القسم الناس.

دعونا الآن نرجع إلى مجتمع مكة ومجتمع المدينة؛ مجتمع مكة كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الناس، والذي يستجيب له كان عادة الكبار، واستجاب له مجموعة من الصغار. طبعا كلامي عن الصغار الذين هم قبل البلوغ وليس بعد البلوغ؛ قبل البلوغ، فزيد بن ثابت لما طرقته الدعوة كان عمره ست سنوات، فكان صغيراً، أو أكبر من ذلك بكثير لما مات والده كان عمره ست سنوات، وبعد ذلك لما أتى زوج أمه وأسلم وأسمنت أم زيد بن ثابت ثم أسلم زيد وانقاد لهذه الدعوة كان صغيراً في السن. قبل أن يذهب مصعب بن عمير ويبعث النبي عليه الصلاة والسلام لأهل المدينة، فكانت بيئة العقبة الأولى ثم بيئة العقبة الثانية.

وبعد ذلك انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وزيد قد حفظ مجموعة من سور القرآن الكريم. فالقصصد من ذلك أن زيد بن ثابت هنا نشأ في هذا المجتمع؛ مجتمع المدينة، المجتمع أسلم، الغلمان أسلموا، الكبار أسلموا، النساء أسلموا وهكذا، فالمجتمع أصبح مجتمع مسلم غالب على هذا المجتمع الإسلام ودخل الإسلام في جميع بيوت الأنصار، بجميع بيوت الأنصار.

الآن كم غلام موجود في المدينة كثرة؟ أي الذين أسلموا مع آبائهم وأمهاتهم كثرة. طيب، لماذا النبي عليه السلام اختار زيد بن ثابت؟ لأنه ظهر على زيد هذه الموهبة. طيب، من أيضاً؟ معاذ بن جبل. انظروا كيف النبي عليه الصلاة والسلام الآن يتفرس في الغلمان، فلما جيء بزيد بن ثابت وهو من بني النجار، تفرس فيه النبي عليه الصلاة والسلام النجابة وقوة العقل والنباهة مع الرغبة.

فلم يفرط النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الموهبة، وهذه عظمة تربية النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يكن يفرط في أي طاقة موجودة عنده، كل طاقة يستطيع أن يستثمرها ويوجهها التوجيه المناسب لها كان يفعل ذلك. لذلك تم انتشار الاسلام، هذه من الاسباب الرئيسية وإن كان الأصل كله بالبركه، لكن مع البركة الله تعبدنا بالاسباب ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] هذا سبب.

فلما أوتي بزيد بن ثابت هنا تفرس فيه النبي عليه الصلاة والسلام هذه النجابة، وكان عمر زيد أحد عشر سنة لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة. الآن انظروا؛ مات النبي عليه الصلاة والسلام وعمر زيد أحد وعشرون سنة، في هذه السنوات أي سنوات شباب زيد بن ثابت؛ كان النبي عليه الصلاة والسلام يدنيه منه ويقربه، حتى أصبح كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان ممن يكتب الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام. فاصبح زيد بهذه المنزلة عند النبي عليه الصلاة والسلام.

إذاً الوقفة الأولى المتعلقة بقصة زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه؛ النباهة والذكاء مع الرغبة. وهذا القسم من الناس أين نجده؟ نجده في الحلقات، نجده في المراكز والمحاضن التربوية، لا نجده غالباً في مكان آخر، لأن الأماكن الأخرى ما يكون فيها رغبة؛ ممكن تكون نباهة موجودة، لكن الرغبة لا تكون موجودة.

أما هنا في المحاضن فطلبة أتوا إلى هذا المحضر لوجود الرغبة، لوجود الرغبة منهم أو من ولديهم، فهذا القسم من الناس الموجود في المحاضن ينبغي أن تتم العناية به. أقصد بعناية به أن المربي لابد أن يرفع يده عنه ويوجه إلى من يستطيع أن يربيه أو من يستطيع أن ينقله من هذا الواقع؛ أي واقع المحضن العادي إن صحت العبارة أو التلقين العام والتعريف العام، إلى أن يكون شيئاً بإذن الله في المستقبل، ولا تضيع هذه الطاقة إذا مر عليها الزمن.

فإذا مر الزمن والزمن يعمل بالإنسان فيفطر هذا الإنسان، بخلاف الشخص الذي ياتي بعد ذلك وحتى لو كان كبير تكون همته قوية وعالية وهكذا وقادة. أما شخص لما تكون عنده همة ثم يوم مع يوم، شهر مع شهر، سنة مع سنة ولا يتم استثمارها؛ الهمة تخبو في هذا الإنسان، ولا يكون عند هذا الإنسان بعد مدة من الزمن مثل همتها الأولى ولا مثل همة الذي دخل جديد إلى العمل الإسلامي أو إلى طلب العلم أو إلى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

لذلك ينبغي أن نستثمر هذه الهمة ولا نضيعها. وانظروا مثلاً في الإمام مالك رحمه الله تعالى ولما راى الشافعي وكان الشافعي صغير السن، فلما رأى مالك ذكاء وتوقد الشافعي وهو غلام صغير؛ قال: إن الله قد ألقى عليك نوراً، فلا تطئفه بالمعصية. انظر كيف الآن مالك تفرس في الشافعي هذا الذكاء وهذه الهمة وهذه الرغبة، فبين له ودل على الطريق بأن هذا النور الذي أعطاك الله سبحانه وتعالى إياه لا تفرط به بالمعاصي والذنوب، وأحسن في تلقي هذا العلم. فكان الشافعي بعد ذلك، وأصبح هو أفضل من جميع طلاب مالك الذين لزموا مالك سنوات عديدة. هذا سر من أسرار الله سبحانه وتعالى في الوجود، ولا يستطيع البشر أن يصلوا إلى معرفته إلا أن بعض القراءة هكذا تظهر.

فلذلك أنا أتمنى من الإخوة المربين أن يغالبوا أنفسهم، وأن يسمحوا لهكذا الشعور النفسي الطاغي بتملك الطالب أو بهكذا منع الطالب وحفظ الطالب حتى لو كان من أجل المصلحة؛ أن يؤثر على نفس الطالب، خاصة هذا القسم من الناس. فالطاقة هذه مهم أن نستثمرها، وقليل ممن يكون بهذه الصورة، هذا قسم الناس ليس كثير في المحضن كله، ممكن ما يكون إلا مجموعة من الطلاب، لكن مع مجموع المحاضن يكون عندنا عدد كبير وليس قليل.

إذاً الوقفة الأولى المتعلقة بزيد رضي الله عنه وأرضاه؛ النباهة مع الذكاء مع الهمة والرغبة في تلقي العلم وحفظ الدين.

الوقفة الثانية المتعلقة بزيد رضي الله عنه وأرضاه؛ لعل أبرز ما يعرف الناس من زيد بن ثابت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام بعد كتابة الوحي؛ هو تعلم اللغات. النبي عليه الصلاة والسلام كانت تاتيه الكتب، فكان النبي عليه الصلاة والسلام؛ فدعا النبي عليه الصلاة والسلام زيد بن ثابت وقال له: إنه تأتيني الكتب، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يحب أن يطلع عليها أحد لأن هذه أسرار الدولة، هذه أسرار الدولة، لكن وثق النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الغلام الصغير، وطلب منه أن يتعلم هذه اللغات.

فتعلم زيد بن ثابت العبرية لغة اليهود، وتعلم كذلك السريانية، وكذلك نقل جماعة من المؤرخين بأنه تعلم الفارسية، وتعلم كذلك الحبشية، وتعلم كذلك الرومية، فكان زيد بن ثابت يترجم للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان يكتب للنبي عليه الصلاة والسلام كذلك، وكان يكتب للنبي عليه الصلاة والسلام كذلك.

ما هي الطريقة التي دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام على زيد بن ثابت حتى تأثر زيد هذا التأثر الكبير وأقبل زيد على تعلم هذه اللغات؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال لزيد رضي الله عنه وأرضاه قال: تعلم كتاب يهود فإني ما آمن يهود على كتابي. قال زيد: فتعلمت في نصف شهر حتى

انظروا كيف الآن يعني بنصف شهر تعلم لغة اليهود، وكذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لزيد رضي الله عنه وأرضاه: «إنه تأتيني كتب من أناس لا أحب أن أقرأها، لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تتعلم كتاب السريانية؟» قال: قلت نعم. فتعلَّمتها في سبعة عشر يوماً.

انظروا كيف الآن كيف الآن هذه الكلمات العظيمة التي كان يقولها النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعمل عملاً؛ يعني من يستطيع أن يتعلم لغة في هذه المدة القصيرة يتعلم لغة ويحذق هذه اللغة ويكون كبعض أهلها في نصف شهر، في سبعة عشر يوماً! هذا لا يكون بالوضع الطبيعي، لكن يكون لما الشخص تكون عنده همة، لما يكون الشخص عنده رغبة؛ لذلك الكلام الذي يقال على حسب تفاعل الإنسان معه، ممكن الشخص يتكلم في محاضرة طويلة ويتكلم فيها عن أهمية طلب العلم وأهمية الدعوة إلى الله وهكذا، هذه المحاهرة هذه كلمات إذا وافقت قلب حريص على تعلم العلم، حريص على حفظ الدين، حريص على تلقي العلم، تعمل به.

طيب، أين هذا الإنسان؟ أين هذا الإنسان؟ هذا الإنسان هو الذي ينفع الله سبحانه وتعالى به، فالقصد من ذلك أن زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه كان في قلبه إيمان، فلما النبي عليه الصلاة والسلام بين له خطر اليهود على القرآن الكريم، هذه الكلمات عملت بزيد بن ثابت، هذه الكلمات عملت بزيد بن ثابت، فأصبح زيد لا همَّ له إلا أن يتعلم لغة اليهود حتى يكون السبب اللي اختاره الله سبحانه وتعالى في حفظ القرآن الكريم.

الان لما نأتي مثل هذه الكلمات ونقول للناس اليوم: الدين يحارب، اليوم الدين يهاجر، اليوم الفطرة تحرَّف، اليوم الإسلام يحارب من كل جهة ومن كل صوب ومن كل حد، الحرب الشوهاء على الإسلام؛ هذه ممكن تعمل فيك وتجعلك ما تنام الليل إلا قليل وتبذل الغالي والنفيس من أجل حفظ الإسلام، تخرجك من دائرة الجدل المقيت، تخرجك من دائرة العبث في الأوقات، من دائرة تضييع الزمان في غير فائدة نصرة الدين، بل تخرجك حتى من دائرة الزيادة فيما تحتاج إليه من أمور الدنيا، وأنك تعيش لا كما يعيش الناس، إنما تعيش كما يريد الله سبحانه وتعالى منك أن تعيش.

هل ممكن هذه الكلمات تعمل فيك؟ هل ممكن مثل هذه الكلمات أن تؤثر بك؟ هذه الكلمات أثرت بزيد بن ثابت بمجرد أن قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «تعلم كتاب يهود، فإني ما آمن يهود على كتابي». هذه كلمات تعمل بالشخص على حسب إخلاصه وعلى حسب حبه وتعظيمه للدين، فإذا كان الحب والتعظيم للدين كبير، هذا الإنسان يعمل به الكلام بطريقه مختلفة، بصورة مغايرة لما يقع في بقية النفوس.

بقية النفوس ممكن هذا الكلام ما يؤثر بها تأثير كبير، إنما هو يريد يأخذ الدنيا التي يحتاج إليها والتي لا يحتاج إليها، ثم بعد ذلك ممكن فضلة الوقت يعطيه لطلب العلم أو للدعوة إلى الله أو هكذا، لكن هذا القسم من الناس الذي يشعر بأنه مؤتمن على الإسلام، يشعر بأنه مسؤول عن حفظ هذا الدين، يشعر بأنه يعيش فقط من أجل أن يحقق العبودية لله سبحانه وتعالى، هذا القسم من الناس يعمل به هذا الكلام.

هذا القسم من الناس ما يكون عنده هم في هذه الحياة إلا أن يرضي الله سبحانه وتعالى، هذا القسم من الناس همه في الحياة فقط أنه ما يموت حتى يؤدي كل الذي عليه، أنه ما يموت والدين يراه يحارب بهذه الصورة وهذه الطريقة إلا إذا أعذر إلى ربه، هكذا فزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه لما كان يقول له النبي عليه الصلاة والسلام هذه الكلمات، كانت هذه الكلمات تعمل به لما عنده من إيمان وصدق ومحبة لله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام.

وكذلك من ضمن الوقفات المهمة المتعلقة بنفس تعلم اللغات، لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة بأن يتعلموا اللغات؛ هذه وقفة مهمة جداً وهي يعني من أهم ما ينبغي أن يطرح اليوم عند الدعاة خاصة وعند المشايخ، عند الموجهين للناس، هذه كلمة فروض الكفاية تحتاج إلى ضبط؛ يعني بعض الناس اليوم كل شيء يقول لك: فرض كفاية، فرض كفاية، فرض كفاية، فإذا لم يقم به من يكفي أثم البقية، ثم هكذا يريد أن يسد جميع فروض الكفاية.

شوفوا يا إخوان، ركزوا معي جيدا، النبي عليه الصلاة والسلام ما صنع سيوفاً، طيب أليس هذا فرض كفاية؟ نعم، لكن ما عندنا، بلى، لكن ما عندنا القوة، ما عندنا القدرة، نحن نملك طاقة معينة محددة، نحن لا نملك أن نؤثر في جميع المسلمين، نحن نملك قدرة معينة محددة، هذه القدرة المعينة المحددة لا يجوز لنا أن نصرفها في غير الواجب، فرض الكفاية لما لا نستطيع أن نقوم به لا يكون فرض كفاية، إنما يكون فرض الكفاية هو هذا الأمر، ولما تتحقق الفرضية في هذا الأمر ليس من الصواب أن تبث هكذا خطاب عام وتدخل جميع شباب المسلمين في ثغور أبحر بكثره ووفره مثل الطب مثلاً؛ يعني كم طبيب عندنا اليوم؟ كم شاب ضاع عمره في دراسة الطب؟ كم شاب ضاع عمره في دراسة الطب؟

تقول أهم العلوم وأفضل العلوم بعد علم الكتاب والسنة هو الطب، كما قال الإام الشافعي إلى آخره، يقول لك هذا الكلام صحيح، لكن هل عندنا نقص في الاطباء حتى تقول هذا الكلام؟ يعني هل الأمة الإسلامية اليوم عندها مشكلة كبيرة في الأطباء وما عندنا أطباء حتى نحتاج أن نقول هذا الكلام؟ هذا الأمر الأول.

الأمر الثاني، هل عندنا كمية من الدعاه الدعاة يكفون أن يسدوا واجب الدعوة؟ واجب الدعوة الذي من أجل أخو الاقناع أمر لا شك أنه يحتاج إلى إعادة نظر ممن يتكلم مثل هذا الخطاب، فروض الكفاية، الإسلام كان عنده في كل مرحلة خطاب موافق لحاجة المسلمين في تلك المرحلة.

نحن اليوم في زماننا هذا الذي نعيش فيه، أنظروا كمية العبث في أصول الإسلام، كمية العبث الكبيرة، ثم مع كمية العبث الكبيرة احنا ما عندنا طاقة يسيرة، طاقة يسيرة، هذه الطاقة اليسيرة نبددها بدراسة طب ودراسة كذا ودراسة كذا، كل هذا بحاجة أن الأمة الإسلامية بحاجة إلى أطباء، الأمة الإسلامية بحاجة إلى مهندسين، هذا لا شك بأنه خطا، خطا كبير.

هنا النبي عليه الصلاة والسلام حتى يعني الخطاب اللي كان يقال قبل عدة سنوات: اليوم اللغة الإنجليزية هي اللغة التي لابد أن أتعلمها إلى آخره، هذا نعم، لكن من الذي يتعلم الإنجليزية؟ هل المطلوب من جميع المسلمين يتعلموا اللغة الإنجليزية حتى نصر نستطيع نحن الآن دعوتنا للمسلمين أو للكفار؟ نحن الآن لما نبدأ بمشروع الدعوة، من نخاطب فيه؟ من نخاطب فيه؟ كل من نخاطبهم أو جل من نخاطبهم هم من العرب أو ممن يتكلم العربية.

طيب، لماذا إذاً نحتاج أن نتعلم اللغة الإنجليزية؟ لماذا هذه تعلم اللغة الإنجليزية؟ هذا ليس وقت هذا لق من يعوضنا عليه، طبعا كلامي الآن في من هو حياته يريد أن يوافق كل لحظة في أن يضع في كل لحظة عبادة التي يحب الله سبحانه وتعالى منه، فهذا الكلام العام بهذه الطريقة لا شك بأنه خطا، لا شك بأنه خطا.

هنا النبي عليه الصلاة والسلام ما طلب من أبي بكر الصديق أن يتعلم لغة اليهود، ولا طلب من عمر بن الخطاب، ولا طلب من عثمان ولا من علي ولا من طلحة، ما طلب إلا من زيد بن ثابت، طيب لماذا فقط؟ لأن هذا الفرض هذا الفرض يسد واحد، خلاص عندنا الآن شخص يحسن هذه اللغات، هذا الإنسان يستطيع أن يقوم بالواجب عليه في هذه الأبواب، نحن ما نملك القدرة كلها على سد كل شيء، نحن نحتاج إلى دعاه، نحتاج إلى معلمين، نحتاج إلى حفظة القرآن، نحتاج إلى مربين، نحتاج نحتاج إلى هكذا.

نحتاج إلى يعني الأمة الإسلامية ثغورها مفتوحة على الآخر فنحتاج أن نسد الثغور، فلما تأتي تقول لا الكل يتعلم اللغة الإنجليزية، طيب الآن هذا الوقت من يعوضنا عليه؟ من يعيد لنا؟ لا، هذا خطأ، هذا خطأ، فنفس يعني نفس كلمة فرض الكفاية، فرض الكفاية بتشكل الإسلام النهائي ووصول الإسلام إلى القوة الكبيرة صح نعم، لكن ليس بهذا الإطلاق.

الان العملات التي كان يتعامل بها الناس قبل دولة بني أمية كانت عملات الكفار، لم تكن عملات المسلمين، لم تكن هذه عملات المسلمين، حتى بعد ذلك جاء الحجاج بن يوسف الثقفي وعرض على عبد الملك بن مروان بأن تكون عندنا عملة خاصة إلى آخره، تقول طيب كيف هذا الشيء؟ أقول لك نحن الآن في زمان الدعوة، نحن إلى الآن ما وصلنا إلى التوسع حتى نسد هذه الظهور، بل نفس السجلات عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أخذها من الفرس بعد ذلك، أما قبل ذلك لا ما عندنا قدرة، لا توجد عندنا قدرة.

هذا الصحابي هو نفسه الذي يعمل من أجل أن يعين لأهله، هو نفسه الذي يجاهد في سبيل الله، هو نفسه الذي تلقى العلم، هو نفسه الذي يقوم بهذا كله، فبعد هذا كله تريد أن تقول له لا اصنع كذا وافعل كذا، هو لا يستطيع، هو لا يستطيع، فلذلك من المهم جدا أن نستوعب أدوارنا التاريخية، أن نستوعب حالتنا التي وصلنا إليها في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك نفس الدور التاريخي المناط بكل واحد منه المناط بكل واحد منه.

فليس من الصواب أن الشخص يعبث بوقته وأن يتوسع هنا ويدخل مع هذا، ثم بعد ذلك هو يقصر في نفس هدفه، يقصر في نفس أصل نفس الأصل الذي من أجله خلق، الذي نفس المشروع الذي ينبغي عليه أن يقوم به. الله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].

فلذلك هذا الامر ممكن يعني أن يعني هذا الامر يحتاج إلى مراجعة ويحتاج إلى فهم ويحتاج إلى إعادة نظر، ليس من صواب نأخذ هكذا كلام الفقهاء من الكتب تشكل الصورة النهائية لنفس النظام الإسلامي ونفس كذلك الفقه الإسلامي، ثم لكن نزله على كل أحد في كل زمان وفي كل مكان بهذه الطريقة من غير أن نرجع إلى السيرة النبوية وننظر طريقة تكييف النبي عليه الصلاة والسلام وتنزيله لهذه الأحكام وتوجيه الصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، هذا خطأ كبير في تلقي العلم.

القصد من ذلك أن هنا كلمة فروض الكفاية، كلمة فروض الكفاية هذه الكلمه تحتاج إلى فهم ووعي وإدراك، وأجمل الكلام المتعلق بها، وإن كان يحتاج إلى شرح أطول من هذا، أن كلمة فروض الكفاية تختلف باختلاف نفس الواجب الذي هو فرض كفاية، كفاية هذا قد لا يكون فرض كفاية في هذا الزمن، هو فرض كفاية لما نصل إلى هذه القوة، لكن ما دام لم نصل، ما دمنا لم نصل إلى هذه القوة أو إلى هذه المرحلة، هو ليس فرض كفاية، هو إلى الآن أصلاً غير مطلوب منا أن نقوم به، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما طلب من زيد بن ثابت أن يتعلم السريانية، وما طلب من أحد من أصحابه أن يتعلم اللغات في مكة، طيب هذا ليس فرض كفاية، فرض كفاية لما أصبحنا في المدينة وأصبح هناك خطر، صح أصبح الآن فرض كفاية الذي يستطيع لابد أن يتعلم حتى تسد الحاجة، أما إذا ما كان عندنا هذا الأمر هذا ليس فرض كفاية، لأن إلى الآن ما وصلنا إلى هذه الحال، وإلا هذا ليس خطر كبير بالنسبة لنا.

إذاً هذه الوقفة الأولى المتعلقة بفرض الكفاية. الثانية، فرض الكفاية يقدر بقدره، إذا كان عندنا شخص واحد مثلاً، نضرب مثال الآن في تعلم اللغات مثلاً، نحتاج الآن إلى الأشخاص يتعلموا اللغة الإنجليزية وإلى اللغة الألمانية واللغة كذا وكذا حتى يدعون إلى الله سبحانه وتعالى بهذه اللغات، هل يوجد عندنا اشخاص الآن حققوا هذه الكفاية؟ عندنا 10، عندنا 20، عندنا 30، خلاص إذا الكفاية متحققة، لماذا نطلب من الجمهور كله أن يتعلم هذه اللغات بحجة هذه اللغة إلى آخره؟ هذا كله من فتن العصر، هذا كله من ضياع الأوقات.

فالقصد من هذا الكلام كله أن نفس تعلم هذه اللغات من المهم جدا أن يستوعب الإنسان أن هذا الأمر معلق بأشخاص معينين، وكذلك بقدرة، وكذلك بطريقة، بحسن تكييف هذا الأمر.

ومرة من المرات كنت مع أحد المشايخ المشهورين وسألته عن تعلم اللغة الإنجليزية من أجل الإلحاد، هذا كلام قديم أكثر من عشر سنوات، فقلت له فقال: أنا رضعت الإنجليزية في الصغر، فانا تعلمت الإنجليزية في الصغر ولم أحفظ، يقول: ولا أحفظ من القرآن إلا المفصل. هذا الشيخ الآن المعروف المشهور يقول: أنا ما أحفظ إلا المفصل فقط، من قاف إلى الناس. فتعجبت لما قال هذا كلام قال: الموازنة كانت هكذا، فأنا دخلت الآن في طلب العلم، حفظي القرآن الكريم سياخذ مني وقت، ونفس تعلم اللغة الإنجليزية لشخص مثلاً هو لم يرحها من الصغر يعني هو ما عاش في بلاد الغرب مثلاً، ما عاش في بلاد الغرب مثلاً حتى نقول بأنه تعلم اللغة.

يأتي شخص عمره 25 سنة، وعمره 20 سنة، وعمره 30 سنة، يريد أن يتعلم اللغة، طيب لماذا؟ إذا كنت ستدعو فيها وعندك مشروع، إذا كنت ستدعو فيها وعندك مشروع في هذا الأمر نعم، أما إذا لم تكن بهذه الطريقة هذا وقت هذا، هذا تستطيع أن تضع.

مكانه شيء آخر أعظم منه. إذا هذا الأمر مهم جداً أن نستوعبه فيما يتعلق بفروض الكفاية.

كذلك من ضمن الأمور المهمة في زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه أن زيد بن ثابت مع كتابته للوحي كان عالماً، رضي الله عنه وأرضاه، فهو من أعلم الصحابة، وكانت الفتيا ترجع إلى ستة من الصحابة، منهم زيد بن ثابت، رضي الله عنه وأرضاه. وهو أفترض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فكان يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان»، الآن قال: «وأقضاكم علي، وأقرأكم أبي، وأفرضكم زيد». وكان يقول الزهري رضي الله عنه ورحمه: لولا عثمان وزيد لذهب علم الفرائض، فالقصة من ذلك أن زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه كان من العالمين بهذا العلم، وكان الصحابة يرجعون إليه.

وكان كذلك زيد رضي الله عنه وأرضاه على الطريقة الأولى، فما كان يفتي إلا إذا وقع الأمر، فكان إذا أتاه السائل يسأله ويقول له: هل.. فيسأل: هل وقع هذا الأمر؟ فإن قال: نعم، أجتهد وأجاب، وإذا لم يقل بأنه وقع فيقول: حتى يكون.. هذه كانت سنة السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم. ولهذا تحليل ذكرته في بعض المواطن: لماذا كان السلف ما كانوا يتكلمون عن الأمر إلا بعد وقوعه؟ ما السبب؟ ذكرتها في بعض المواطن في سلسلة مقدمات عقدية.

كذلك من ضمن الأمور المهمة المتعلقة بسيرة زيد رضي الله عنه وأرضاه: جمع القرآن. يعني انظر الآن زيد بن ثابت هذا الصحابي الجليل الذي اختاره الله سبحانه وتعالى حتى يفوز بهذه الأعمال العظيمة الشريفة.. النبي عليه الصلاة والسلام قرب منه حتى جعله كاتباً للوحي، فقرب منه حتى أصبح يترجم له الكتب وهو صغير في السن، هذا كله قبل أن يصل إلى سن العشرين. فزيد مثل ما ذكرنا لما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة كان في سن الحادية عشرة، ومات النبي عليه الصلاة والسلام وهو في سن الحادية عشرة.. يعني في هذا السن سن ما قبل البلوغ وبعد البلوغ كان زيد بن ثابت هكذا قريباً من النبي عليه الصلاة والسلام.

ولما مات النبي عليه الصلاة والسلام وأثارت فتنة الردة وارتدت العرب، وقاتل المهاجرون والأنصار بني حنيفة وانتصروا بعد ذلك، استحر القتل في القراء، يشتد القتل في القراء حتى خشي عمر بن الخطاب على القرآن الكريم، فأتى عمر أبا بكر وطلب منه أن يجمع القرآن، فتردد الصديق، فلم يزل عمر يصر عليه ويذكره ويقيم الحجج حتى انشرح صدر أبي بكر الصديق. ثم بعد ذلك أبو بكر التمس زيداً، فدعا زيد بن ثابت وقال: إنك شاب عاقل ولا نتهمك، ثم طلب منه أن يجمع القرآن، فقال له: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذه الكلمة نفسها قالها الصديق لعمر، فقال عمر: هو والله خير، وكان عمر مصراً، فانشرح صدر أبي بكر لذلك، ثم بعد ذلك انشرح صدر زيد لذلك.

وكان زيد يقول: والله لو كلفوني نقل الجبل من مكان إلى مكان كان أهون علي مما أمراني به. انظر إلى إصرار عمر وإلى عدم استبانة الصديق لهذا الشيء، ثم موافقة الصديق لعمر، هذا فقه الصحابة. أبو بكر الصديق كان يعرف أن عمر الفاروق بمنزلة عالية، وأن السكينة تنطق على لسان عمر، وأن عمر رجل صالح، وإصرار عمر بهذه الطريقه مع عدم وجود الجزم عند أبي بكر يدل أن هذا أمر به خير بإذن الله، فتاثر أبو بكر بعد ذلك، ثم بعد ذلك دعا زيداً، وزيد كذلك لما رأى أبا بكر وعمر قد اختار هذا الشيء وامر به وانشرحت صدورهما له، انشرح صدره كذلك، فقام وأخذ يجمع القرآن الكريم من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وكان القرآن مكتوباً وكذلك كان محفوظاً، وهو كان يجمع القرآن المكتوب، وما كان يثبت آية إلا إذا شهد شاهدان عليها. القصة من ذلك أنه جمع رضي الله عنه وأرضاه القرآن من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم حتى كان عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

فجمع القرآن الكريم وكان أبو بكر.. وكان عمر مثل ما ذكرت خشي أن يستحر القتل في القراء ويذهب القرآن، ثم بعد ذلك انتقل هذا المصحف إلى عمر بن الخطاب، وهم عمر في آخر حياته أن يجمع القرآن، والجمع الثاني، ولكن وافت عمر المنية قبل أن يقوم بهذا الشيء، وأصبح المصحف عند حفصة بنت عمر زوج النبي عليه الصلاة والسلام وأم المؤمنين. ثم بعد ذلك جاء زمان عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وراى الناس يختلفون في المدينة، ثم آتاه حذيفة بن اليمان وأخبره بان الناس اختلفوا في الأمصار، وقال: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.

فلما سمع بذلك عثمان وكان قد راى بوادر هذا الأمر في المدينة، قام فخطب الناس، ثم بعد ذلك قام بجمع المصحف الجمع الثاني، وأمر حفصة بان ترسل له المصحف، ثم ارسل بعد ذلك وجمع المصاحف الموجودة المخالفة للمصحف الذي جمعه عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وامر عثمان بتحريق المصاحف، ولم يقبل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه بذلك ولم يعط مصحفه، ثم بقي هذا المصحف العثماني الذي نقرأ نحن اليوم به، وهذا المصحف اليوم الذي نقرأ به هو الذي جمعه عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

وجمع عثمان كان من أجل حفظ القرآن الكريم، اختار عثمان بن عفان لهذه المهمة جماعة من الصحابة منهم زيد بن ثابت، وأمر زيداً أن يكتب، فاختار ثلاثة من المهاجرين وزيد بن ثابت، وقال: إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه على لسان قريش فعلى لسانهم نزل. وكذلك قال رضي الله عنه وأرضاه لسعيد بن العاص: من أعرب الناس؟ قالوا: سعيد بن العاص. ومن أكتب الناس؟ قالوا: زيد بن ثابت. فكان سعيد يقرأ وزيد يكتب. فلما كتب زيد القرآن الكريم اختلف هو مع سعيد في كلمة التابوت، هل هي (التابوت) أو (التابوه)؟ فقال عثمان: إذا اختلفتم في شيء فارفعوه إلي. فرفعوه إلى عثمان فقال: التابوت. فكتبوها التابوت.

القصة من ذلك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه فاز بهذه المنقبة العظيمة التي قال علي رضي الله عنه وأرضاه بعد ما أكثر الناس على عثمان: يا معشر المسلمين، لا تغلو في عثمان، فوالله ما صنع عثمان الذي صنع إلا على مرأى ومسمع منا. وكانت كذلك عائشه تثني على عثمان، وأثنى الصحابة رضي الله عنهم ووافقوا عثمان، فكان إجماعاً إلا ما كان من خلاف عبد الله بن مسعود، ثم بعد ذلك رجع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.

القصة من ذلك أن زيد بن ثابت شرفه الله سبحانه وتعالى حتى يجمع هذا الكتاب العظيم، ففاز بحفظ القرآن الكريم. الله يقول في كتابه العظيم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. وحفظ القرآن الكريم يكون بأسباب، فالله سبحانه وتعالى حفظ كتابه ويقيض الأسباب التي تحفظ هذا الكتاب، وكان من هذه الأسباب زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، ففاز زيد بحفظ القرآن الكريم وجمع كتاب الله سبحانه وتعالى.

كذلك من ضمن الوقفات المهمة المتعلقة بزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه أنه كان أبو فقهاء المدينة السبعة، ووالد خارجة بن زيد. زيد بن ثابت، الإنسان، من هو زيد؟ زيد بن ثابت عاش في كنف أمه وزوج أمه، وكان زوج أم زيد من الصحابة من الأنصار الذين شهدوا بيعة العقبة، فقد دخل الإسلام من خلال زوج أمه، ولما كبر زيد كان أحفظ للقرآن الكريم من زوج أمه. فكان في تبوك، وكذلك جاء في فتح مكة أن راية بني النجار كانت عند زوج أم زيد بن ثابت، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام هذا الرجل الكبير الأسبق بالإسلام بأن يعطي الراية زيد بن ثابت، فقال: لما يا رسول الله؟ فقال: لأنه أحفظ للقرآن. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين منزلة من يحفظ الكتاب ومن يعتني بالقران الكريم، فأعطاها زيد بن ثابت.

وزيد من بني النجار، وبنو النجار هم أخوال النبي عليه الصلاة والسلام، فعبد المطلب والدته كانت من بني النجار، وكان يقول النبي عليه الصلاة والسلام: خير بيوت الأنصار بني النجار ثم بني عبد الأشهل. واختلف كذلك الأوس والخزرج.. وهذه من الخلافات التي كانت تقع بين الأوس والخزرج رضي الله عنهم وأرضاهم، وكانوا يتفاخرون، ونعمه تفاخر، كان الأوس والخزرج يتفاخرون بمن ينصر الإسلام أكثر.

فلما قتلت الأوس كعب بن الأشرف، الخزرج كانت تشعر بأنها أقل من الأوس، حتى برز سلام بن أبي الحقيق الذي حرض الناس على غزو المدينة في غزوة الخندق، فطلبت الخزرج من النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتلوا هذا الرجل فقتلوه، فتساووا مع الأوس. وكان مما عد الله الرسول عليه الصلاة والسلام الأوس والخزرج فكانا يتصاولان تصاول الفحلين.

فمرة من المرات كانا جالس فقالت الأوس: منا أربعة.. انظر الآن إلى التفاخر الجميل المحمود، فقالت الأوس: منا أربعة من اهتز له العرش سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدبر عاصم بن ثابت. فقالت الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد واحد عمومة أنس بن مالك.

القصة من ذلك أن انظروا الآن إلى التفاخر المحمود بين هاتين القبيلتين العظيمتين اللتين اختارهما الله سبحانه وتعالى حتى يعز بهما دينه العظيم. القصد من ذلك أن زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه الإنسان.. كان زيد بن ثابت في كنف أمه، ووالدته كانت امرأة صالحة، وكذلك زوج أمه. ثم بعد ذلك لما أراد أن يتزوج، تزوج من امرأة قد مات زوجها وعندها ولديلن، ولعله كان يقصد كفالة الأيتام، هو كان بكراً لم يتزوج قبل ذلك، وتزوج من امرأة مات زوجها وعندها ولديلن، وهذه ما يفعلها الرجال عادة، وقام بكفالة هذين الابنين ولدت له.

ثم تزوج بعد ذلك من امرأة عظيمة القدر من بنت سعد بن الربيع رضي الله عنه وأرضاه وكانت ربيبة أبي بكر الصديق. فلما دخلت مرة على أبي بكر وفرش لها أبو بكر وجلست، فدخل عمر الفاروق رضي الله عن الصحابه أجمعين فقال: من هذه؟ فقال له أبو بكر: هذه ابنة رجل خير مني ومنك. فقال عمر: من؟ فقال: هذه بنت سعد بن ربيع. وذكرنا هذا في قصة سعد بن الربيع رضي الله عنه وأرضاه وفي رواية أنه قال: إنها ابنة رجل خير مني أي من أبي بكر.

فالقصة من ذلك أن هذه المرأة الصالحة تزوجها زيد بن ثابت، الآن انظروا إلى البيت، زوج زيد بن ثابت والزوجة أم سعد بنت الربيع، كيف سيكون النسل؟ هنا خرج من هذا البيت خارجة بن زيد، أحد فقهاء المدينة السبعة، خارجة بن زيد بن ثابت رضي الله عن زيد ورحم الله خارجة. فهذا البيت الصالح أنشأ هذا الفتى الذي حمل العلم صغيراً حتى أصبح من فقهاء المدينة الكبار، وهكذا يخرج الفقهاء وهكذا يخرج العلماء، فتكون.. فيكون الأب صالحاً والأم صالحة، والأم أعظم تأثيراً بالعادة من الأب في البيوت، فالشافعي ما كان إلا بأمه، وأحمد ما كان إلا بأمه، والبخاري ما كان إلا بأمه، فالأم لما تكون صالحة يكون تأثيرها عظيماً على البيت، خاصة إذا كان الزوج معيناً كذلك.

فهنا زيد بن ثابت والأم أم سعد بنت الربيع فكيف سيكون.. جده من قبل أمه هو سعد بن ربيع، ووالده زيد بن ثابت، يعني شرف وأي شرف! فالقصة من ذلك أن هذه بيوت اختارها الله سبحانه وتعالى كذلك حتى يقيم بها الدين، وكان زيد رضي الله عنه وأرضاه من أعقل الناس، لذلك اختاره النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك قول الصديق هنا: رجل عاقل أو شاب عاقل، هذا ثناء عظيم من الصديق، وهو من أعلم الناس بالرجال، وكان عمر زيد هنا إحدى وعشرين سنة أو أكبر من ذلك بقليل أو اثنتين وعشرين سنة يعني في معركة اليمامة.

كذلك زيد رضي الله عنه كان مربياً، فكان زيد في أهله من أفك الناس، أي كان يتبسط ويضحك ويمزح وهكذا، وإذا خرج كان من أرزن الناس، وهكذا ينبغي أن يكون الشخص.. يعني زيد سبحان الله من الأمور المؤثرة في سيرته هي طريقة تعامله، هو الآن أمام الناس من أرزن الناس، ولكن مع أهله من أفك الناس، يعني يتبسط ويضحك هكذا، وليس هكذا ثقيلاً أو شديداً.

وكان عمر الفاروق عمر شديداً رضي الله عنه وأرضاه، كان يقول: ينبغي أن يكون الشخص بين أهله مثل الصبي، فاذا التمس وجد رجلاً. فالقصة من ذلك أنه يكون بهذه الطريقة، فيكون.

بهذه الصورة، فكان زيد مربياً، مو مربياً فكان قريباً من أهله، والناس يحبون هذا الصنف من الناس. فالشخص لما يكون مع أهله ثقيل ومع الناس هكذا يعني سهل، هذا عادة ما يصنع بيتاً كصناعة صحيحة. وليس معنى هذا أن الشخص ما يكون عنده حزم، لكن معنى هذا أن الشخص في بيته إذا أراد أن يحمي بيته، البيت يختلف عن عامة الناس. لماذا؟ عامة الناس لا تقي بها معارضات، لكن البيت اللقاء يكون دائم، والصورة تتشكل عند الأهل بطول هكذا الخلطة. فالخلطة هذه الطويلة إذا ما كان معها شيء من المزاح أو شيء من هكذا الرحمة، ومزج الحزم بهذا النوع من التعامل، هنا يكون الشخص ثقيل، والابن ما يتاثر بوالده هنا، ويتعامل مع والده تعامل للاسف كما هو موجود اليوم. اليوم أكثر الناس يتعاملون مع أبنائهم تعامل مادي، يعني الأب خلاص وظيفته فقط يعمل ويكدح إلى آخره، ويوفر لقمة العيش للأبناء والكسوة إلى آخره. فالابن ينظر إلى والده كأنه يعني هكذا بنك فقط يأخذ منه بس. وليس معنى هذا أن الأب يقصر، لا، لكن معنى هذا أنه ليس من الصواب أن يعيش الأب بهذه الطريقة؛ بعض الآباء حتى في أوقات العيد، أوقات العيد يعمل! طيب لماذا؟ فقط حتى يأخذ المال الزائد.

بقائك مع أبنائك أعظم من هذا المال، لما تكبر أبنائك لن يتذكروا منك إلا أنك تنفق فقط، يعني أبنائك ستكون صورتك بالنسبة لهم صورة البنك، وليس صورة الأب الرحيم، الأب الشفيق على أبنائه، الأب الذي يصاحب أبنائه، الأب الذي يوجه أبنائه، الأب الذي يحسن التعامل مع أبنائه. وهذا معنى كذلك مهم جداً، وهذا كان ظاهر في سيرة زيد رضي الله عنه وأرضاه. إذاً زيد بن ثابت كان بهذه الصورة وهذه الطريقة، وكان زيد رضي الله عنه وأرضاه من أعلم الناس. ولما ماتت والدة زيد بن ثابت الصحابية الجليلة، حضر جماعة من الصحابة جنازة والد زيد، فقام ابن عباس رضي الله عنهما وأخذ بدابة زيد، فطلب منه زيد أن يترك الدابة، فقال: هكذا أمرنا أن نصنع بالعلماء. ويروى بأن زيد قبل يده وقال: هكذا أمرنا أن نتعامل مع بيت النبي عليه الصلاة والسلام.

ثم مات زيد رضي الله عنه وأرضاه في سنة خمس وأربعين، وقيل خمس وخمسين، وقيل خمسين، وقيل غير ذلك، رضي الله عنه وأرضاه. مات زيد، فلما مات زيد، حضر ابن عباس جنازة زيد وقال: من أحب أن ينظر إلى موت العلم فلينظر إلى هذا، وقال: مات اليوم علم كثير، مات اليوم علم كثير. وكذلك قال هذه الكلمة أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ثم قال: لعل الله أن يخلف الأمة بعبد الله بن عباس بعد زيد. لعل الله سبحانه وتعالى أن يخلف الأمة بعبد الله بن عباس بعد زيد، فكان ذلك، فكان ابن عباس رضي الله عنهما نعم الخليفة لزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه.

وكان زيد يكره أن يكتب كلامه، فكان يكره، حتى احتال عليه مروان بن الحكم فطلب من الكتاب أن يجزوا خلف ستار، وكان يسأل زيد، فلما علم بذلك زيد قال: أغدر يا مروان؟ وكان مروان والي المدينة. فالقصد من هذا الكلام أن زيد رضي الله عنه كان معتنياً بالعلم، وكان حريصاً، وكان يعرف هدفه. مع ذلك، هو كان مجاهداً في سبيل الله، أراد أن يقاتل في أحد فرده النبي عليه الصلاة والسلام لصغر سنه، ثم قاتل في الأحزاب، وشهد مع النبي عليه الصلاة والسلام بقية المشاهد؛ زيد ممن ذهب مع النبي عليه الصلاة والسلام إلى تبوك، وكذلك ممن ذهب معه إلى مكة، وممن قاتل معه في حنين. فزيد شهد المشاهد، لكن كان يعرف ثغره الأصلي، وكان النبي عليه الصلاة والسلام كذلك يوجهه، فوجهه النبي عليه الصلاة والسلام واستجاب زيد رضي الله عنه وأرضاه لتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام.

وكان زيد من الرموز الكبيرة التي اختارها الله سبحانه وتعالى حتى يحمي بها الدين، فالاسلام ما حومي بشخاص أو أفراد قلة، إنما حومي الإسلام بمجموعة من الأشخاص. يعني بعض الناس ممكن ينظرون إلى أبي بكر وإلى عمر، نعم، هؤلاء هم العلية الكبار، لكن هؤلاء كان معهم أفراد كذلك أقوياء وكبار، من ضمن هؤلاء زيد بن ثابت. لما نقرا سيرة الصديق؛ هنا الصديق الذي جمع القرآن، وعمر بن الخطاب الذي فعل كذا، طيب، من الذي كان يسير هذه الأمور؟ من الذي كان يعين هؤلاء على القيام بما يقومون به من أعباء؟ هل هم لوحدهم؟ لا يمكن.

لذلك، من الخطا الكبير -وهذه آخر وقفة أقف عندها في هذه السيرة العطرة- من الخطأ الكبير أن يظن الإنسان بأن وجود القائد كافي، ولا يأخذ الشخص هذا الكلام على عمومه لما يسمعه ممن يتكلم بهذه الطريقة. القائد مهم، وهو اعظم شخص، وهو أهم شخص في المجموعة، ولكن هو لوحده لا يستطيع أن يفعل شيئاً. لا يوجد قائد في زمان علي مثل علي، ومع ذلك ما استطاع أن يفعل شيئاً لما لم يكن معه أعوان يستطيعون أن يعينوه على حمل الرسالة، وعلى القيام بواجب الوقت الذي كان يراه رضي الله عنه وأرضاه. فوجود الشخص القوي مهم، لكن مع هذا الشخص القوي، إذا ما وجد معه أشخاص يستطيع من خلالهم أن يوجههم إلى حمل أمانة الوقت، لا يستطيع حتى لو كان قوياً؛ لأنه سيكون رأس، لكن من غير بد، الرأس لوحده يفكر ويخطط ويدبر نعم، لكن لا توجد يد، لا توجد قدم، كيف نستطيع أن نقوم بحمل هذه الأمانة ونقوم بالقيام بالواجب؟ لا نستطيع ذلك.

علي كان في آخر زمانه رضي الله عنه، في آخر عصره، كان يحزن، وكان يقول: إنها هنا، وكان يشير إلى قلبه، إلى صدره، يقول: العلم لو أصبت له حملة! هو الآن يتندم، عنده علم كثير، لكن لا يوجد من يحمل عنه هذا العلم، بخلاف من كان يعيش في المدينة، وفي تلك، وفي مكة كذلك، وفي هذه الأماكن. فالقصد من ذلك أن الشخص لما يكون قائد أو يكون مؤثر إلى آخره، إذا ما كان معه أعوان، مثال مثل زيد بن ثابت، مثل معاذ بن جبل، مثل أبي بن كعب، مثل فلان وفلان وفلان، كيف سيقوم الأمر؟ كيف سيقوم لواء الإسلام؟ لا يمكن، لا يمكن. فوجود هؤلاء مع وجود القائد الكبير والعالي هنا يكون التأثير، أما من غير وجود هؤلاء لا يستطيع الفرد لوحده.

لذلك أنا أتمنى أن الشخص ما يجعل القائد في صورة لا يمكن أن تكون بالواقع؛ القائد مؤثر، لكن هو مؤثر لوحده لا يستطيع، ولا بد أن يكون مع أشخاص يستطيعون أن يقوموا معه، وأن يكونوا بهذا الصلاح. انظر الآن إلى صلاح الصديق، هو أصلح الناس بعد الأنبياء والمرسلين. انظر إلى صلاح عمر الفاروق، وكذلك صلاح زيد بن ثابت. شوفوا يا شباب، الإسلام ما انتشر هذا الانتشار العظيم إلا لوجود البركة العظيمة في من كان يعيش في المدينة النبوية؛ في المدينة النبوية كان بها كم شخص مبارك؟ هؤلاء الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام في بيعة العقبة، أسف، في بيعة الرضوان، علم الله ما في قلوبهم. هؤلاء لما نظر الله تعالى إلى قلوبهم، عمت بركة هذه المجموعة العالم كله، فقامت هذه المجموعة وفازت بانتشار الإسلام، ووصل الإسلام إلى الأندلس غرباً وإلى الصين شرقاً، وكذلك فازت بحمل أمانة الدين الذي إلى اليوم هو موجود؛ لأن كانت المجموعة مباركة، ولم تكن بركتها عادية، إنما كانت بركتها عظيمة.

كذلك الآن، لما تاتي وتريد أن تقيم عمل أو مشروع أو هكذا، لما يكون في شخص مبارك، ليس مثل لما يكون في خمسة، ولما يوجد خمسة، ليس مثل أن يوجد عشرة، ولما يوجد عشرة، ليس مثل أن يوجد أكثر، وكذلك كمية البركة الموجودة بهؤلاء، وكذلك صحة التوجيه. صحة التوجيه؛ يعني لما يكون عندنا مئة شخص صالح وبيني وبين الله سبحانه وتعالى علاقة، وهو إنسان مبارك، هؤلاء مع وجود هذه البركة يوجهون بطريقة صحيحة، كل واحد يوجه، ولا يكون عنده حظ نفس، إنما يوجه للعمل الذي يستطيع هو أن يسده ويملك القدرة عليه والموهبة فيه مع وجود الرغبة في نصرة الدين. هنا هذا العمل يعم وينتشر، ووصل إلى أبعاد لا تخطف بال الإنسان لححسن استثمار هذه الطاقات، وأعظم من ذلك وجود البركة في هذه الأعمال. والله يحمي ديننا بالبركة، الله يحمي ديننا بهذه البركة؛ فبقدر بركة الإنسان يكون الخير الذي يوصله إلى الناس. ليست عبرة إذا كان الإنسان وعقله، لا، إنما بتوفيق الله سبحانه وتعالى له. فلما يوجد عدد هكذا، يستطيع بإذن الله الشخص أن يوصل هذه الرسالة إلى أبعد نقطة ممكنة.

فالقصد من ذلك، زيد بن ثابت كان من ضمن هؤلاء، من ضمن الأشخاص الذين يعملون في تحريك عجلة الإسلام، وليسوا من الأشخاص العاجزين، بل كانوا من الكبار، بل كانوا من الكبار رضي الله عنهم وأرضاهم. إذاً هذا بعض ما يتعلق بسيرة زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.