دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 14 | أم سليم رضي الله عنها

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.

وقصدنا من هذه السلسلة هو النظر إلى طريقة صناعة النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الصنف النادر من البشر، وكذلك استجابة هذا الصنف لتربية النبي عليه الصلاة والسلام ولدعوة النبي عليه الصلاة والسلام. فعندنا هنا أمران اثنان؛ الأمر الأول أو الشق الأول المتعلق بالصناعة هو تربية النبي عليه الصلاة والسلام وتوجيهات النبي عليه الصلاة والسلام وطريقة تركيب النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الصنف الفريد من البشر. الشق الثاني المتعلق باستجابة هذا الصنف؛ كيف هذا الصنف كان يستجيب لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام؟ كيف كان يبادر هذا الصنف لتطبيق ما يأمر به النبي عليه الصلاة والسلام؟ فالصناعة تكون متعلّقة؛ قسم منها متعلق بنفس القائد أو المربي أو المعلم أو الموجه، وقسم آخر متعلق بنفس المتلقي نفس المتربي.

يقصر الشخص أو يلام الشخص لما يقصر بدوره، أي إذا كان هو في موطن الصناعة أو موطن القائد أو موطن المعلم والمربي إلى آخره، إذا لم يقم بالواجب عليه يكون مقصراً، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. النبي عليه الصلاة والسلام اجتهد اجتهاداً عظيماً في تبليغ الرسالة، وبعد ما بلغ الرسالة الناس انقسموا إلى قسمين؛ قسم استجاب وقسم لم يستجب. هذا الذي استجاب، هؤلاء الذين استجابوا الذين أصبحوا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، لهم تربية مختلفة عن القسم الثاني. القسم الثاني الذي لم يستجب، هناك دعوة لهم، لكن هؤلاء مع الدعوة تزكاة ما تزكاة تعليم، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2].

كانت الآيات تنزل على النبي عليه الصلاة والسلام ويبلغها للصحابة والصحابة يتدارسونها. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب الصحابة خطابين؛ خطاب عام مثل الصلاة، مثل قبل ذلك التوحيد صيام رمضان وهكذا، وخطاب خاص متعلق بكل صحابي وما يناسبه، وكل صحابي وحالته التي وصل إليها وهكذا وهكذا. الآن لما نأتي وننظر في سير الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، نجد النبي عليه الصلاة والسلام بلغ لكن نجد الاستجابة كلها عالية، ولكن يتفاوتون في مرتبة العلو؛ فالصديق كان أعلى الصحابة بالاستجابة، لذلك استحق الصديق أن يكون الصديق رضي الله عنه وأرضاه وأن يكون الأول في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فالصحابة كانوا يتفاوتون بقوة الاستجابة مع قوة الجميع، لكن نسبة قوة هذه كانوا يتفاوتون بها رضي الله عنهم وأرضاهم.

في هذا اللقاء سيكون عندنا صحابية من الصحابيات الجليلات التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يخصهن بخصائص. وهذه الصحابية الجليلة يعني من أكثر ما يؤثر الشخص أو يؤثر بشخص يعني في قصتها هو تبشير النبي عليه الصلاة والسلام لها بأنه راها في الجنة. النبي عليه الصلاة والسلام رأى بأنه في الجنة قال: «فرایت فیها» أي في الجنة «الرمیصاء زوجة أبي طلحة» أي أم سليم رضي الله عنها وأرضاها. يعني رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لأحد من الصحابة بأنه في الجنة أو الصحابيات، هذا يحتاج إلى وقفة؛ يعني ماذا رأى النبي عليه الصلاة والسلام ومجموعة من بشر النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة من الصحابة على التخصيص؟ كما يقول بعض العلماء بأن عددهم أربعون، أربعون شخصاً بشر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه في الجنة. هنا النبي عليه الصلاة والسلام ينظر إلى هذه المرأة الصالحة بأنها في الجنة. لماذا؟ ما السر الذي استحقته هذه المرأة أن يبشرها النبي عليه الصلاة والسلام وهي تعيش على وجه الأرض بأنها في الجنة؟ أي ليست البشرى عامة فقط، إنما بشرى خاصة فيها بالذات. لماذا الله سبحانه وتعالى أرى النبي عليه الصلاة والسلام هذه الرؤيا؟ لماذا الله سبحانه وتعالى يخص بعض الصحابة وكذلك الصحابيات بمزيد فضل؟ لماذا هذا الشيء؟ ما السر في هذا القسم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟

السر هو الصدق العالي وليس العادي. السر هو المبادرة، السر التضحية. فلما ننظر في سير أم سليم رضي الله عنها وأرضاها نجد هذا المعنى ظاهر وجلي فيها؛ فأم سليم بمجرد أن طرقتها الدعوة تخلت عن كل شيء قبل الدعوة، وجندت نفسها من أجل الاسلام وفق مراد الإسلام. جندت نفسها للإسلام وفق مراد الإسلام. دعونا الآن ندخل في قصة وسيرة هذه المرأة الصالحة العظيمة أم سليم الرميصاء، وهذا لقب لها، وقيل كذلك الغميصاء، واختلف العلماء كثيراً في اسمها، ولا يهمنا كثيراً الاسم؛ لأن التراجم ليس القصد منها ذكر التفاصيل متى ولد وأين مات إلى آخره، هذا لا قيمة كبيرة به، إنما القيمه الكبيرة والعظيمة في نفس المواقف التي فاز الإنسان بها، بنفس التحقيق، بنفس الاستجابة لامر الله سبحانه وتعالى وامر رسوله عليه الصلاة والسلام.

أم سليم كانت من أول من أسلم من الأنصار، والعجيب أنها أسلمت قبل اسلام زوجها! وهذا أمر نادر، هذا الأمر نادر جداً، خاصة في النساء في ذلك العصر، حتى في هذا العصر المرأة مقادة للرجل خاصة الزوج؛ فالمراه بعد الزواج تنقاد لزوجها انقياد كبير وعالي، ويصعب عليها أن تخالف زوجها إلا في هذا العصر. إلا في هذا العصر الذي وقع فيه الاشكال الكبير في هذا الباب. ولكن في العصور الماضية والسابقة، فكانت المرأة متكئة لأسباب كثيرة جداً، من ضمنها أن الزوج هو الذي يصرف هو الذي ينفق، والمراه ما تنظر إلا إلى هذا الرجل؛ يعني المعطيات أو المدخلات التي تدخل عقل المرأة غالبها يكون -أو إذا لم يكن كلها- من خلال هذا الشخص. فهنا طبيعي أنها تستجيب وتنقاد لزوجها انقياد تام وكامل في الغالب في الغالب، لذلك كانت الدعوة هي عامة في الرجال والنساء، ولكن الرجال إذا أسلموا وانقادوا، ينقاد النساء عادة تبعاً لهم، كما ينقاد كذلك الأبناء عادة تبعاً للآاباء، وككما ينقاد كذلك الشعوب عادة تبعاً للقادة، هذا هو الترتيب. فأكثر الناس ينقادون إلى المعظمين فيهم، والنساء بالعاده ينقدن إلى الرجال، والاطفال والصغار والابناء ينقادون في العادة إلى الآباء والأمهات. هذه أمر طبيعي في التأثير على الإنسان.

العجيب أن أم سليم كانت من النساء النادرات المخالفات بالحق؛ المخالفات بالحق لهذا الأمر الذي يعتاد الناس عليه. فهي من هذا الباب شبيهة بأسيا امرأة فرعون، فكيف أن فرعون الطاغية المجرم لا يؤمن وزوجته تؤمن؟ وككيف تصبر على البلاء والتعذيب؟ نعم لا شك بأن بلاء آسيا كان أعظم وأشد، لذلك اختيرت وأصبحت من النساء العاليات العظيمات وخير نساء الدنيا على الإطلاق، ولكن القصد من ذلك أن هنا أم سليم كذلك انقادت لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام وحاولت بزوجها والد أنس بن مالك؛ حاولت بزوجها مالك بأن يسلم ولكنه لم ينقذ، ودخل عليها مرة وراها وهي مسلمة، فقال: أصبوت؟ فقالت: بل أسلمت.

وكان الإسلام للتو دخل المدينة وبدا ينتشر، فبدا الناس ينقادون إلى الدين فيسلم الزوج ثم بعد ذلك يسلم البيت كامل. بخلاف بيت أم سليم؛ أم سليم لم يكن أمرها كذلك، إنما هي أسلمت ولكن والد أنس زوجها الأول لم يسلم. إذاً هذه الوقفة الأولى المتعلقة بانقياد أم سليم للدعوة. كيف دخلت الدعوة في بيت أم سليم؟

الآن لما نتفكر في حال أم سليم؛ أم سليم أسلمت قبل أن يسلم مالك، قبل أن يسلم زوجها. طيب، هي لماذا أسلمت وهو لم يسلم؟ ما هو السبب؟ ما هو السر؟ السبب والسر هو الصفاء. السبب والسر هو أن الله سبحانه وتعالى نظر إلى قلب هذه المرأة وأعلم بأن هذه المرأة تستحق أن تكون ممن يسلم مبكراً، وتستحق أن تخالف ما لا يخالف النساء عادة. لذلك الله سبحانه وتعالى منّ عليها وأكرمها بأن تهتدي وأن تسلم وأن تنقاد إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. وبدأت بعد ذلك الدعوة تنتشر في بيوت الانصار، فكان الرجال يسلمون فيسلم البيت كاملاً، وهكذا باختلاف أو بخلاف بيت أم سليم بيت أم سليم الأنصارية الخزرجية رضي الله عنها وأرضاها.

وكانت أم سليم بعدما أسلمت جندت نفسها للدعوة، فكانت تحاول في زوجها ولكن لم يقبل، ولكن الزوج لم يقبل على عادة أهل الجاهلية في الطغيان والكبر والتمنع عن الانقياد إلى آخره، فلم يؤمن. ولكن هل تركت هي الذي تستطيع أن تقوم به في الدعوة؟ هذا الشيء العجيب في هذه المرأة الصالحة العظيمة، هذه ما كانت تفكر في دائرة غير دائرة المراد منها. هذه المرأة كانت صادقة، وهذه علامة الصدق أو من علامات الصدق أن الشخص يفكر في الذي يستطيع أن يفعله، وليس في الذي لا يستطيع أن يفعله. يعني ما يأتي الإنسان يفكر بعمل هو إلى الآن لم يصل إليه، طيب لماذا إذاً تضيع وقتك في هذا الشيء؟ أنت الآن تستطيع أن تؤثر بفلان وفلان وفلان، هل قمت بالواجب عليك؟

هذه علامة الفارق، أو هذه علامة فارقة بين الصادق وبين المتمني؛ بعض الناس يتمنى أنا سافعل كذا وأنا سافعل كذا، ولو عندي كذا لفعلت كذا. طيب والآن الموجود عندك لم تفعله أصلاً، يعني نفس الآن المتوفر بين يديك من أسباب للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والتاثير على الناس ما قمت به! إذاً هذه دعوة قائمة على التشهي، هذه دعوة قائمة على التمني، هؤلاء لا يوفقون، هؤلاء لا يهتدون الهداية الكبيرة والعالية، هؤلاء لا يعطون الكرامات. الذي يعطى هو الذي يصدق مع الله سبحانه وتعالى، والذي يفعل كما فعل يوسف الصديق عليه السلام لما دخل السجن فدعا مباشرة من كان في السجن؛ ساقي خمر وساقي الملك الخمر، وكذلك الثاني الخباز، نعم يدعو: ﴿أَرَبَّابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39]. هو ما يستطيع، ما عنده هؤلاء، ولا يستطيع أن يبلغ إلا هؤلاء، إذاً أنا واجب علي أن أبلغ هؤلاء ولا أقول لو كنت كذا، لو كانت عندي قناة يتابعني بها كذا وكذا. من قال لك إن هؤلاء العدد الكبير سيهتدون؟ ومن قال لك بأنهم يتاثرون؟ ومن قال لك بأن هذا مراد الله سبحانه وتعالى؟ من قال لك المراد الإلهي هو أن تفعل الذي تستطيعه وأن تسعى جاهدًا للارتقاء في الدعوة؟

القصد من ذلك أن أم سليم الذي كان في وسعها أن تدعو زوجها فدعته وبالغت في دعوته واجتهدت ولكنه لم ينقذ، ماذا فعلت؟ دعت كذلك ابنها وكانت تلقن أنس -ولم يكن عندها ابن إلا أنس بن مالك- كانت تلقن: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فتقول: يا أنس قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. وأنس ولد قبل هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بنحو عشر سنوات، فكانت تلقنه هذه الكلمة، كلمة التوحيد العظيمة. وكان يغضب والده، يغضب مالك، ويقول: لا تفسدي علي ابني. فتقول له: إني لا أفسده، وتصر على تلقين أنس هذه الكلمات العظيمة على شهادة التوحيد.

لذلك أسعد الناس بأم سليم، النساء التي لم يوفقن لرجل صالح؛ أحياناً المرأة تتزوج من شخص ليس بصالح أو يكون رجل صالح ثم ينتكس والعياذ بالله، وبعد ما ينتكس المرأة هنا تدخل في حالة صعبة، فتفكر ثم ترسل للدعاة ولا يهتدي هو يعني تحاول معه لكنه لا يهتدي. طيب، هذه المرأة ماذا تفعل الآن؟ هذه المرأة تستمر وتفعل كما فعلت أم سليم؛ تجعل مشروعها في الحياة الابناء أو من أعظم مشاريعها على الإطلاق الأبناء، بأنها كيف تربي أبناءً؟ كيف أن الأبناء ما ينقادون إلى الأب أو ما يذهبون ويتيهون مع الأب؟ نعم الأب فاسد، نعم الأب غير صالح، لكن أنت صالح. الله سبحانه وتعالى يريد منك الآن أن تقومي بدور الأم ودور الأب كذلك، نعم هو دور شاق لكن الأجر عظيم. وهذا أمر قدري، هذا أمر قدري، نحن لا ندخل في قدر الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى قدر على جميع الخلق البلاء، ولكن تختلف أنواع البلاءات وصور البلاءات، لا يوجد انسان ليس عنده بلاء؛ هذا يبتلى بالمرض، هذا يبتلى بنقص المال، هذا يبتلى بالملك والسلطان، هذا يبتلى بكذا وكذا وهكذا، هذه بلاءات مكتوبة على بني آدم.

هنا أم سليم امرأة ابتليت بزوج غير صالح، ماذا تفعل؟ ماذا تصنع؟ الذي فعلته؛ حاولت في هذا الزوج وقامت بتربية الابن، فاستطاعت بفضل الله سبحانه وتعالى، والله نظر إلى صدق هذه المرأة الصالحة أن تحمي ابنها، بل الله سبحانه وتعالى أكرمها بأن يكون ابنها من أشهر رواة الحديث، وأن يكون وأن يستحق لقب خادم النبي عليه الصلاة والسلام. فازت بهذه المنقبة العظيمة الشريفة العالية المنيفة.

والذي يظهر لي في قصة أم سليم رضي الله عنها وأرضاها بأنها امرأة لم تكن امرأة منكسرة للضغوطات أو للواقع، فيموت ابن أم سليم ما تنكسر وتفكر فقط بالذي ما الذي يريد الله مني؟ هكذا كانت أم سليم، لذلك استحقّت هذه الكرامة العظيمة أن ينظر النبي عليه الصلاة والسلام وأن يبشرها بأنها في الجنة. يعني هذه لما شوفوا يا شباب لما لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «بينما أنا في الجنه إذا أنا بذو الرميصاء». هنا قف ملياً لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام دخلت الجنة فرأيت قصر فسألتُ فقالوا هذا لعمر بن الخطاب، قال فوليت مدبراً قال ذكرت غيرته فوليت مدبراً، فيبكي عمر بن الخطاب. هنا رجل يمشي على الأرض والنبي عليه الصلاة والسلام يبشره بأنه في الجنة. من الذي يبشر النبي عليه الصلاة والسلام؟ ورؤيا الأنبياء حق. طيب لماذا بالذات من جميع نساء الأنصار ترى أم سليم؟ لماذا؟ يعني ماذا بالذات يراها النبي عليه الصلاة والسلام؟

والسلام في المنام بأنها في الجنة، ما هو السر؟ لابد أن نعرف السر حتى تقتدي النساء بأم سليم. أم سليم ابتليت ببلات عظيمة؛ البلاء الأول المتعلق بالزوج، ومع ذلك كانت صابرة محتسبة صادقة مع الله سبحانه وتعالى.

التضحية العظيمة جداً يقول ابن الجوزي: ما سمعنا بمهر أعظم من مهر أم سليم الإسلام؛ اشتراطت على زوجها الثاني وهو أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه بأن يكون المهر فقط الإسلام. فهو رد عليها وقال: ليس هذا حقك، إنما حقك كذا وكذا وكذا من الذهب والمال. فقالت: هو هذا، ليس لي مهر إلا الإسلام، إن أسلمت قبلت. يعني امرأة يصل بها الحال أن تتنازل عن حقها من أجل الإسلام! هذه كم كرامتها عند الله سبحانه وتعالى؟ هذه المرأة، ما هذه المرأة، كيف تعاملت مع الله سبحانه وتعالى؟

القصد من ذلك أن أم سليم في قصتها العديد من الفوائد والعبر والإضاءات العظيمة. وهذه بمجموع هذه التضحية العظيمة التي قامت بها أم سليم استحقت أن يراها النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يكرمها النبي عليه الصلاة والسلام بزيارة على وجه الخصوص. لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يدخل بيتاً من بيوت الأنصار إلا بيت أم سليم فقط، وكان يقيل عند أم سليم وعند أختها أم حرام كما يقول أنس رضي الله عنه وأرضاه. لماذا بالذات هذا البيت؟ فكان يسأل النبي عليه الصلاة والسلام والناس يتعجبون من النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يدخل بيت أم سليم وأم حرام، ولا يدخل بقية بيوت الأنصار إلا بدعوة.

غير بيوته، لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام ينام في غير بيوت أزواجه إلا عند أم سليم. لماذا؟ قال: قتل أخوها معي، فأنا أرحمها. يعني امرأة زوجها مات وهو كافر الأول، وصبرت وقاومت واجتهدت في دعوته، وكذلك في حفظ ابنها. ثم لما يأتي النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وهي تنظر وتتفرس، وهي هذه المرأة التي دائماً تفكر بتحقيق فارق كبير جداً بين الشخص الذي لا أهم ما عنده في هذه الحياة إلا الإسلام فقط، هو يفكر: كيف أصل إلى تحقيق رضوان الله سبحانه وتعالى؟

كيف الله سبحانه وتعالى يرضى عني؟ كيف أني الآن في هذا اليوم، الآن في هذه اللحظات التي تمر، كيف أنا أقابل هذا الوقت بعبودية اللحظة؟ ما الذي يريد الله الآن؟ ماذا أفعل؟ وكيف الآن أفعل كذا؟ ولما يتغير الواقع هو تفكيره كله هذا هو، ما عنده تفكير بالدنيا ولا تفكير زهرة الدنيا ولا باللباس ولا بالماركات، وهو يفكر: كيف الآن أنصر الإسلام؟ وما الذي الآن الله يريده مني؟ ولا ينشغل أن هذا الهدف ولا يبتعد عنه ولا يحيد عنه، إنما هدف فقط: كيف الله؟ كيف الآن أرضي الله سبحانه وتعالى؟

الآن هذه لحظة قدرية، هذه اللحظة القدرية إذا فاتت ما ترجع. الآن النبي عليه الصلاة والسلام أتى إلى المدينة، ما الذي يريد النبي عليه الصلاة والسلام هنا؟ يفكر الصادق المحب، هذه لحظة لا تفوت. فأم سليم نظرت بأن النبي عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى غلام، يحتاج إلى خادم، وهي ما تملك إلا ابنها، ما تملك إلا ابنها. فضحت بأنس فذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: يا رسول الله، إن لي طلباً، أن أريد منك شيئاً. قال: ما ذاك يا أم سليم؟ فقالت: أنس يكون خادمك. يعني أرسل أنس حيثما تريد.

هي لن تعيش الآن كما تعيش بقية الأمهات متكئة على ابنها، إنما هي الابن قدمته لله سبحانه وتعالى طاعة ورغبة في تحقيق رضوان الله سبحانه وتعالى، مع أن الآن أم سليم هي امرأة تحتاج إلى هذا الابن ترسل يقوم بشؤونها، ولكن هي قدمت النبي عليه الصلاة والسلام على نفسها رغبة منها. يعني لم يطلب النبي عليه الصلاة والسلام هذا الطلب، بل هي بادرت. هذا شرف المبادرة العظيم، سبقك بها عكاشة. هذا لا يوفق له إلا موفق، هذا لا يوفق له إلا صادق مع الله سبحانه وتعالى، إلا عبد الله سبحانه وتعالى يحب أن يكرم بهذه المواقف العظيمة الشريفة.

فأم سليم كانت من هذا القسم للناس الذي نظر سبحانه وتعالى إلى قلبها، وعلم بأنها تحب الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وأنها تريد، فالله سبحانه وتعالى كان يهديها ويسددها ويوفقها لما أثبتت صدقها مع الله سبحانه وتعالى. والصدق يجر الصدق، أقصد الموقف يجر الموقف؛ فالذي يصدق في موقف الله سبحانه وتعالى يعطيه موقف ثاني، ثم موقف ثالث، ثم هكذا يستمر في الارتقاء بالمواقف حتى يوافي الله سبحانه وتعالى وقد بلغ مرتبة الصديقية العالية وأصاب بالدرجات العالية في الجنة. هذه المواقف لا يوفق لها إلا من يتعامل مع الله طيله عمره بهذه الصورة وهذه الطريقة.

أم سليم رضي الله عنها وأرضاها كانت هكذا؛ نظرت وفكرت وتأملت فوجدت بأن النبي عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى خادم فبادرت قبل أن يسبقها أحد من الأنصار، وقالت: يا رسول الله، خادمك أنس، أريد أن يكون أنس يخدمك. فخدم أنس النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنين، وكانت أم سليم تراقب أنس وتنظر إلى خدمة ابنها، حتى نظرت إليه مرة وقالت: يا أنس، إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر لها بأنه قد أسر إليه بشيء، فدعته وقربته وأمنته وقالت له: إياك أن تكشف سر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يعني ليس فقط هي تريد الآن تجود هذا العمل، تجود هذا العمل فقالت: إياك أن تكشف سر النبي عليه الصلاة والسلام. يعني كن خادماً مناسباً، تخاف أن تفوت هذه الفرصة، تخاف أن النبي عليه الصلاة والسلام ما يقبل أنس، أو أنس يقول بعض الأشياء فيبعد النبي عليه الصلاة والسلام. فكانت حريصة أن تجود هذا العمل الذي قدمته لله سبحانه وتعالى ووضعته بين يدي الله سبحانه وتعالى.

إذاً، الوقفة الأولى المتعلقة في أم سليم؛ التضحية والثبات والصدق مع الله سبحانه وتعالى والصبر على البلاءات التي وقعت على الأيام.

لما ناتي عند زواج أم سليم الثاني، خطبها جماعة من الأنصار، جماعة من الأوس والخزرج حتى جاء أبو طلحة. فلما جاء أبو طلحة -طبعاً بعد ما مات زوجها الأول وهو مالك، مات في الشام، قيل قتله عدو وقيل مات بموت هكذا طبيعي- لما جاء أبو طلحة وكان أبو طلحة إذ ذاك كافراً إلى الآن لم يسلم، وهذا يدل على أن إلى الآن الإسلام ما عم بيوت الأنصار، الإسلام في بداية انتشاره في بدايته.

لذلك لما قال زوج أم سليم لمالك: أصبوت؟ إلى الآن ما تم استقرار كلمة الإسلام. فقالت: بل أسلمت. فأبو طلحة إلى الآن ما أسلم، فلما طرق بيت أم سليم وخطبها، أم سليم اشترطت عليه الإسلام فلم يقبل في البداية. ثم قالت له وناقشته وقالت: يا أبا طلحة، أتعلم بأن إلهك الذي تعبد هو عبارة عن خشبة قام بنجارتها حبشي لبني فلان؟ فأخذ يتفكر. ثم طمعته وقالت له:باني لا أريد إلا الإسلام، فإن أنت اسلمت تزوجتك، لا مهر لي إلا هذا.

فانطلق أبو طلحة، ثم بعد ذلك شرح الله سبحانه وتعالى صدره للإسلام وذهب إليها، وقالت لانس: قم فزوج أبا طلحة. فانطلق إلى النبي عليه الصلاة والسلام وزوجه النبي عليه الصلاة والسلام من أم سليم. فنشأ الآن البيت المسلم، نشأ الآن البيت المسلم؛ أبو طلحة وأم سليم وأنس بن مالك في هذا البيت. ثم بعد ذلك ولد لأبي طلحة أبو عمير، وكان أبو طلحة يحبه محبة عظيمة.

وقبل ننتقل الآن إلى ابن أبي طلحة وقصة أم سليم مع ابنها الذي مات، ابن أبي طلحة كذلك، دعونا ننظر الآن إلى هذا البيت؛ في البداية كانت أم سليم لوحدها، ثم أم سليم قامت باشتراط على زوجها الثاني بأن يسلم، إذاً الآن صنع البيت المسلم. قبل ذلك لم يكن البيت مسلما، إنما كانت المرأة المسلمة، أي الفرد المسلم. والبيوت تنقسم إلى قسمين: بعض البيوت تكون مسلمة صالحة، وبعض البيوت لا تكون مسلمة صالحة كلها، أو لا تكون كلها مهتدية أو متدينة، إنما يكون شخص واحد مثلاً ملتزم في العائلة، شخص واحد ملتزم في الأسرة. أم سليم مرت بمرحلتين: المرحلة الأولى لم يكن زوجها معها، المرحلة الثانية الآن صنع البيت.

لما صنع البيت، انظر الآن إلى طريقة وسياسة أم سليم. طبعا أم سليم حرصت في البداية أن يصنع البيت بهذه الطريقة، فتنازلت عن حقها، تنازلت عن المهر. إذا المرأة إذا أرادت أن تنشئ البيت المسلم لابد أن تضحي، لابد لابد أن تضحي. يعني النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».

وهذا الأمر كان ظاهراً عند الأنصاريات رضي الله عنهن. فتعرفون قصة المرأة التي خطبها النبي عليه الصلاة والسلام لجليبيب، فكيف بأنها قبلت بذلك وقالت: لن يضيعني. فقبلت بذلك وتزوجت من جليبيب. هذه الاستجابة كانت قوية عند الأنصاريات. أم سليم كانت في الذروة؛ أم سليم هي التي تنازلت عن مهرها، وهي التي قبلت بأن يزوجها أبو طلحة من غير أن تحصل شيئاً من متاع الدنيا.

صنع الآن البيت المسلم، صنع الآن البيت المسلم. أبو طلحة حسن إسلامه، أبو طلحة رضي الله عنه وأرضاه حسن إسلامه وشهد مع النبي عليه الصلاة والسلام المشاهد، وكان يقاتل مع النبي عليه الصلاة والسلام في أحد، وكان يترس على النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا تشرف، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله.

أب صالح، زوج صالح، زوج مضحي، صادق في محبة الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا في ميزان أم سليم. يعني أبو طلحة هذا الرجل العظيم اللي ضحى هذه التضحيات هو في ميزان أم سليم. يعني انظروا المرأة كيف تستطيع أن تبلغ بمثل هذه التضحيات، أن يسلم الرجل بهذه الطريقة وأن يكون هذا الإنسان ممن يحمي الإسلام ويحمي رسول الله سبحانه وتعالى؟! رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تفوز هذه المرأة بهداية زوجها بهذه الطريقة؟ ثم يكون هذا زوج من المضحين الباذلين القائمين بشأن الجهاد في سبيل الله، وكذلك حماية الدين. فيحمى هذا البيت أو يصنع هذا البيت المسلم، يصنع هذا البيت المسلم.

ثم بعد ذلك في الوقفة التي تلي هذه، الوقفة الثالثة المتعلقة بالتضحية والمتعلقة بتنفيذ المراد. أم سليم كان عندها ابن يقال له أبو عمير، هذا كذلك ابن لأبي طلحة، أبو طلحة كان متعلقاً بهذا الابن وكان صبيحاً هذا الابن وكان أبو طلحة يحبه محبة عظيمة، فمرض هذا الابن، فلما مرض هذا الابن مات بعد ذلك.

فلما مات دخل أبو طلحة وكان قد جاء من النبي عليه الصلاة والسلام أو من عمل كان عنده، فسالها عن ابنه، فقالت: ههدت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح. وتزينت له، وتزينت له وأعدت له الطعام. فأتاها في تلك الليلة، أتاها في تلك الليلة، ثم بعد ذلك لما قضى وطره منها، قالت له: يا أبا طلحة، أرايت؟ ثم بدات الآن تقص عليه قصة.

انظروا، يعني انظروا إلى العقل، إلى العقل والحكمة والحرص على تنفيذ المراد، الحرص على تنفيذ المراد: قوم أعطوا آخرين عارية، ثم بعد ذلك طلبوها منهم، هل يجوز لهم أن يمنعوهم منها؟ فقال: لا. فقالت: إذا منعوهم؟ فبين بأن هذا ظلم وأنه لا يجوز. فقالت: احتسب ابنك. الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطانا هذا الابن وهو الذي أخذه سبحانه وتعالى.

فأبو طلحة صدم، صدم بهذا الموقف، فانطلق إلى النبي عليه الصلاة والسلام شاكياً له ما قالته أو ما فعلته أم سليم. فسالها النبي عليه الصلاة والسلام: أعرستم الليلة؟ فقال: نعم. فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام ولها بالبركة. فرزقوا بتلك الليلة بابن، وهذا الابن رزق بتسع وقيل بسبع من الأبناء كلهم قراء القرآن. ولما دخل بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام نظروا إلى شخص يصلي في المسجد -هذه القصة منقولة عن معاذ بن جبل ومنقولة عن غيره- بأنه يصلي فقيل: من هذا؟ فقيل: هذا ابن الليلة المباركة. نفس هذه الليلة حفظت عن ذلك الجيل.

طيب الآن أم سليم كيف فعلت هذا الشيء؟ لأنها تريد أن تفعل أمرين اثنين، وهذا الامر الذي هذه المواقف هي التي تبلغ بالانسان. ما هم الامران؟ الأول: الصبر والرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى. هي الآن تريد أن تتعامل مع هذا الموقف تعامل الصابر، تعامل الصابر المحتسب الراغب بتحقيق العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منه. الله الآن يحب منا أن نصبر، والصبر عند الصدمة الأولى، الله يحب منا أن نرضى، الله سبحانه يحب منا أن نشكر، أن نحمد الله سبحانه وتعالى: «أقبضتم ولد عبدي؟ أقبضتم ثمرة فؤاده؟» ماذا قال؟ «حمدك واسترجع». «ابنوا لعبدي بيتاً وسموه بيت الحمد».

أم سليم هذا الأمر الأول كان تريد أن تحققه، لم تكن تريد أن تجزع. يعني انظروا كيف الآن المرأة يموت ابنها ولا تجزع، ولا يعني أمر، أمر عالي جداً، أمر عالي وعظيم تعجز العبارات عن وصف مثل هذه المواقف. يعجز، يعجز أحياناً بعض القصص قوتها في سردها، أما التعليق عليها وهكذا يعني التحشيه عليها فيضعف أثرها، يضعف أثرها في النفوس. لكن هذا كله من باب التقريب ولا نفس الموقف الذي يريد أن ينتفع بهذه القصص، ليعش بها، يعني ليدخل بداخلها، لا يقرأها قراءة عابرة، قراءة ثقافية، قراءة هكذا يعني تلذذ عام، لا إنما.

ليدخل فيها ثم ليقس لينظر في حياتها كيف، هذه المرأة لما مات ابنها سقطت، كيف هذه المرأة لما مات ابنها جزعت، كيف هذه المرأة وكلنا ينظر إلى هذا القسم من الناس، كلنا ينظر إلى هذا القسم من الناس، لكن أم سليم لم تكن بهذه الطريقة، لم تكن بهذه الصورة.

طيب لماذا؟ كيف استطاعت؟ هذا هو تصبير الله سبحانه وتعالى لأوليائه، هذا هو الصدق مع الله سبحانه وتعالى، هي صبرت والله سبحانه وتعالى صبرها.

إذا الأمر الأول كان الذي كانت تريد أن تحققه الأمر المتعلق بالتسليم لقضاء الله سبحانه وتعالى والرضا لقضاء الله سبحانه وتعالى، الأمر الثاني المتعلق بطاعة الزوج، وبهذا تبلغ المرأة عند الله سبحانه وتعالى منازل عالية جدا، والأحاديث الواردة في طاعة الزوج كثيرة جدا، ولم يأمر الله سبحانه وتعالى المرأة بعد الزواج بطاعة شخص مثل طاعة الزوج، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها.

وكذلك لما جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فسألها عليه الصلاة والسلام عن زوجها فأخبرته بأنها لا تألو جهدا وأنها تفعل كل الذي تستطيعه حتى تقوم بحقه، فقال: «كيف أنت منه؟ إنما هو جنتك ونارك»، ولما جاءت امرأة كذلك للنبي عليه الصلاة والسلام وقالت: أنا وافدة النساء إليك، ثم ذكرت له بأن الرجال أخذوا كل شيء يجاهدون في سبيل الله، والذي يموت والذي يقتل يكون شهيدا، والذي يعيش كذلك يؤجر على الجهاد ويكون حيا يرزق، فبين لها النبي عليه الصلاة والسلام بأن المرأة التي تطيع زوجها لها مثل هذا، ثم قال: «وقليل من كن من يفعله».

لماذا قليل من يفعله؟ لأن المرأة من طبيعتها الانفعال، من طبيعة المرأة أنها عاطفية، هنا المرأة العاطفية إذا ما ضبطت العاطفة بالدين تقول بعض العبارات التي لا تجوز وتفعل بعض الأفعال التي لا تجوز فيفوتها هذا الأجر، لذلك قليل من النساء من يفعل هذا.

كان عمر الفاروق رضي الله عنه يقول: الرجال ثلاثة والنساء ثلاثة، وذكر القسم الأول من النساء هي الودود الولود، تعين أهلها على الدهر ولا تعين الدهر على أهلها، قال: وقلما تجدها، وقل ما تجدونها، هذا القسم نادر وقليل، والدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة، لكن هذا القسم لا يوفق له إلا موفق، هذا القسم قليل عموما، يعني الصديقون قلة والمقربون قلة، وهذا القسم من الناس قليل الذي يصيب بالمراتب العالية المنيفة عند الله سبحانه وتعالى، والمرأة التي تأخذ أجر المجاهدين في سبيل الله وأجر الشهداء بالقيام بالواجب عليها مع الزوج هذا قليل، هذا قليل من النساء كما بين ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا القليل هو الذي يفوز.

أم سليم كانت تعرف المراد الإلهي لذلك هي حريصة أن تفوز بهذا الشرف العظيم بهذه المنقبة العالية المنيفة، يموت ابنها وفي لحظة موت الابن تسجل ابن وتحذر أهل بيتها من أن يخبروا أبا طلحة حتى ما تكدر خاطره، أمر عجيب، هي حريصة على خاطر الزوج إلى هذه الدرجة، نعم إلى هذه الدرجة، وكيف تمالكت هي؟ كيف ملكت أعصابها؟ كيف ملكت نفسها في هذا الموقف؟ لكن هذا تثبيت الله سبحانه وتعالى لمن يحب أن يرقيه، لمن يريد الله سبحانه وتعالى أن يوصله إلى المراتب العالية.

القصة من ذلك أن أم سليم كانت تقوم هنا بالواجب عليها، إذا كان أبو طلحة راضيا عنها وكان يذكرها للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام كذلك يزورها في بيتها كما أسلفت وكان يقيل عندها، وكانت تجمع عرق النبي عليه الصلاة والسلام وتتطيب به وتتبارك به، وبقي هذا مع أنس بن مالك ثم من أنس إلى ابن سيرين، ثم من ابن سيرين إلى أيوب بن أبي تميمة السختياني.

فالقصة من ذلك أن أم سليم كذلك من ضمن الأمور المهمة المتعلقة بها أنها كانت حريصة على تنفيذ المراد الإلهي، فالله الآن يريد منها أن تصبر تصبر، الله يريد منها أن ترضى ترضى، الله يريد منها أن تطيع زوجها تطيع، الله يريد منها أن لا تكدر، يعني أم سليم كانت حريصة على ليس فقط التطبيق إنما المبالغة في التطبيق، وهذا الأمر يتفاوت الناس فيه، فمثلا بعض النساء وكذلك بعض الأبناء عموما في الاستجابة، الأب مثلا يريد شيئا فالابن ينتظر والده أن يقول له، هذا قسم، هذا الذي ينتظر والده أن يقوله ثم يقول له والده ويفعل الذي يريد والده، هو يؤجر على امتثال الأمر، لكن هناك قسم أعلى من هذا القسم، والقسم الذي يبادر إلى التنفيذ قبل أن يسأل، يبادر إلى التنفيذ قبل أن يسمع، هذا القسم هو الذي يستحق البر العالي، هذا الذي يستحق الطاعة العالية، هذا يستحق الأجر الأكبر.

لماذا؟ هذا يبادر قبل أن يقول، وليس كل الأزواج يقولون، وليس كل الآباء يقولون كذلك، يعني بعض الآباء تمنع عزة النفس وكذلك بعض الأزواج هكذا يترفع من أن يقول أو أن يطلب، هنا يأتي دور المبادرة في الطاعة إلى آخره، والاسلام لم يعجب طاعة بعد طاعة الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، هذه الطاعة المطلقة، بقية ذلك هي كلها طاعة مقيدة، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إلا طاعة الأم وطاعة الزوج.

فالمراه لما تكون أم حقها عظيم جدا، وثلاثة أرباع بر الأم بل بر الوالدة يكفر الكبائر، والعلماء كانوا يتنافسون في الفوز ببر الوالدين والوالدة على وجه الخصوص لأنه أعظم، ولكن ليس معنى هذا أن يقصر فيما ما يعني بعض الناس هكذا يضعها في الهامش، بعض الناس الله يريد منه أن يبر والديه فهو يبر والده أو يبر والدته ويترك الآخر بحجه كذا، لا هذا ما يجوز، هذا خطير جدا، هذا خطير جدا، إنما الشخص يقوم بالواجب عليه يمتثل الأمر، يمتثل الأمر ولا يتساهل في مثل هذا الشيء.

كذلك الشخص الآخر والرجل لما يكون زوج، فطاعة الرجل لما يكون زوج أعظم من طاعة الأب، طبعا أقصد هنا بالأب يعني الرجل لما يكون زوج طاعته أعظم من لما يكون هو أب، فالمرأة هنا تكون طاعتها لزوجها أعظم من طاعتها لأبويها، والزوج يقدم على الأبوين باتفاق العلماء، الزوج يقدم على الأبوين باتفاق العلماء، لكن لما يكون الزوج ليس بصالح هنا الطاعة تكون بالمعروف، هنا الطاعة تكون بالمعروف، المرأة تحرص أن تؤدي الذي عليها، القصد من ذلك أن أم سليم كانت واعية ومدركة لهذا الأمر، وكانت حريصة على أن تطبق مراد الله سبحانه وتعالى في كل لحظة تعرض لها، في كل لحظة تعرض لها.

كذلك من ضمن الأمور المهمة المتعلقة بأم سليم والوقفات الجليلة والعالية المتعلقة بها شجاعة أم سليم، أم سليم كانت امرأة شجاعة، أم سليم كانت امرأة شجاعة، وكانت كما قال زوجها أبو طلحة: يا رسول الله، انظر إلى أم سليم معها خنجر، فسألها النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله، انقض مني كافر بقرت بطنه بهذا الخنجر، وكان أنس يقول بأنني كنت أنظر إلى عائشة وكذلك إلى أمي أم سليم رضي الله عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام جميعا يسقون المرضى والجرحى، يسقون الجرحى، فكانت أم سليم تبادر، الآن الله يريد منها أن تسقي الجرحى فتكون ساعية ومجتهدة على أن تسقي الجرحى، على أن تسقي الجرحى، وأن تقوم الآن في الذي يريد الله سبحانه وتعالى منها أن تقوم به.

كذلك هي رضي الله عنها وأرضاها كانت كذلك مربية لأنس ومعتنية بأنس عناية فائقة، وأثمر هذا في أنس رضي الله عنه حتى كان يقول: جزى الله أمي خيرا على حسن ولايتها لي، جزى الله أمي خيرا على حسن ولايتها لي، يعني أم سليم امرأة جندت نفسها من أجل تنفيذ مراد الله سبحانه وتعالى في الأرض، هي تستطيع أن تؤثر هنا، تؤثر هنا، تستطيع أن تقوم هنا، تقوم هنا، الله يريدونها أن تفعل كذا، تفعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى منها، ولم يكن يمنعها الحياء -وهذه الوقفة الخامسة- من أن تسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فكانت تذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتقول: يا رسول الله، ثم تسال النبي عليه الصلاة والسلام، فترد عليها أم سلمه وتقول: فضحت النساء، فضحت النساء، ولم يكن يمنع نساء الأنصار الحياء من التفقه في الدين كما تقول أمي عائشة.

القصة من ذلك، طيب لماذا هنا سالت؟ يعني الآن المرأة من طبيعتها الحياء، وهنا تأتي أم سليم وتسأل سؤال، وهنا العادة أن المرأة تستحي أن تسأل مثل هذا، لماذا أم سليم سالت؟ هل هذا لجراءة أم سليم؟ لا، إنما لأن أم سليم كانت تريد أن تنفذ مراد الله سبحانه وتعالى، يعني أم سليم لا تريد أن تكون حياتها فيها شيء من الغبش في تنفيذ الدين، حتى لو كان هذا الأمر هكذا يصعب على الشخص أن يقول، نعم، حتى لو كان، حتى لو كان، هذه المميزات العظيمة في أم سليم هي التي بلغت بها أن يراها النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، وأن يبشر النبي عليه الصلاة والسلام أم سليم وهي تمشي على وجه الأرض بأنها في الجنة.

طيب الوقفة، ليس الوقفة هذه خمس وقفات مهمة متعلقة بأم سليم رضي الله عنها وأرضاها، يبقى عندنا أمر أخير متعلق بابنها أنس بن مالك والبراء بن مالك.

هل البراء هل البراء هو ابن لأم سليم؟ هو قطعا أخ لأنس، وحقيقة انا كنت أتفكر في البراء وكذلك في أنس، فأنس نعم يكون ابن لأم سليم، لكن كنت أتعجب وأقول: كيف يكون البراء ابن لأم سليم هو أخ لأنس؟ لكن هل هو ابن لأم سليم؟ يعني في معرفتي لطبيعة المرأة القوية يصعب أن يكون ابنها بهذه الطريقة، صفة البراء بن مالك البراء شجاع، ليس فقط شجاع، نقول جريء، البراء جريء، حتى أنس شجاع لكن البراء جريء، وصفة الجرأة قوية في البراء، كما يقول عمر الفاروق عنه أنه البراء لا يولى على جيش، لماذا لا يولى على الجيش؟ لأنه البراء سيدخل الجيش كله في، يعني البراء البراء إقدام عنده إقدام قوي وعالي ومهلك، البراء كما يقول عمر الفاروق مهلك، فالبراء بن مالك رضي الله عنه وأرضاه به صفة، عنده صفة الجرأة وصفة القوة وصفة الإقدام، هذه يعني البراء فدائي، البراء شخصية فدائية، هذه الصفة، يعني هذا الإنسان الذي يكون بهذه الطريقة صعب أن يكون ابن لامرأة شديدة، صعب.

يعني المرأة التي تكون قوية عادة ابنها يكون يغلب عليه الحلم، هذه الصفات يعني يغلب عليه هذه الصفات، ليست صفات القوة إلا بحالة واحدة فقط، لما الأم تريد أن تصنع ابنها بهذه الطريقة وتراعي هذا الشيء، مثل ما كانت تفعل صفية مع الزبير، نعم هذا ممكن يكون، لكن بالأصل هذا ليس يعني الابن لا يكون بهذه الطريقة، المرأة القوية والشديدة التي من طبعها الشدة، من طابعها القوة، ابنها بالعاده يكون حليما، ابنها بالعادة يكون مطيعا، ابنها بالععادة يكون هادئا، وليس معنى هذا أنه ليس بشجاع، كلامي ليس عن الشجاعة، إنما كلامي عن الصفة النفسية المتعلقة بالإقدام، وال هكذا يعني الحلم مع الجرأة، هذا قصد البراء صعب أن يكون ابن لأم سليم بهذه الطريقة، صعب إلا أن تكون أم سليم هكذا أرادت أن تصنع، وهذا يحتاج من الأم إذا كانت هي شديدة مراعاة خاصة، لكن هذا أنا ما نظرت في سيرة أم سليم، أنا لم أنظر إليه كما نظرت في سيرة صفية، كانت تاخذ الزبير وتدخل الزبير في الأماكن المظلمة وكانت هكذا يعني، يعني كانت تدفع الزبير أن يقوم بهذه أن يفعل هذه الأشياء، فالزبير أصبح بهذه الطريقة شجاعة وشدة إلى آخره بسبب نفس التربية التي خضع لها عند صفية، لكن أم سليم لم تكن بهذه الطريقة، إذا الوضع الطبيعي المرأة لما تكون من طبعها الشدة أن يكون الابن يغلب عليه الحلم والهدوء، هذا أمر طبيعي، هذا أمر طبيعي.

هنا أم سليم أنس بن مالك طبيعي يكون لأم سليم لأن أنس من طبعه الحلم من طبعه الهدوء، لكن البراء من طبع الجرأة من طبع الإقدام، إذا هو كيف أصبح بهذه الصورة؟ ابن حجر رحمه الله تعالى يقول بأن البراء ليس أخ لأنس بن مالك لأبيه وأمه، إنما هو أخ لأبيه، وأم سليم ليس لها من أبناء إلا أنس وكذلك أبو عمير، وكذلك الابن الثالث الذي ولد لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام بأن يبارك به، هذا الابن الذي له تسعة أو سبعة من الابناء الذين قرؤوا وحفظوا القرآن، أما البراء بن مالك فليس هو على الصحيح ابن لأم سليم، ليس هو على الصحيح ورد على ابن سعد، فليس هو ابن لأم سليم، إنه أخ لأنس بن مالك لأبيه وليس لامه.

نعم هنا تكون الصورة قد اتضحت، وأن طبيعي جدا أن صفة البراء لا تكون هكذا راكبة عليه إذا كانت أمه أم سليم، وهذه المرأة التي هي من طبعها الحرص -إن صحت العبارة- أو هكذا شدة، هذه المرأة تكون دقيقة، هذه المرأة تكون دقيقة، بخلاف الأمهات هكذا التي ييأسن أو يتعبن من التربية، الأمر هنا يكون مختلف، أم سليم لا، كانت حريصة، أم سليم كانت حريصة على حفظ أنس وعلى تربية أنس وعلى توجيه أنس، وهذه المرأة التي تكون بهذه الطريقة هي التي يحفظ أبناؤها، فالأبناء يتفلتون خاصة لما يكبرون، المرأة إذا فرطت بالابن.

في مرحلة التربية مرحلة التأثير، الابن يفلت من الأم فلا يرجع بعد ذلك؛ يعني لما يكبر الابن لا يستجيب لأمه بالعادة، إلا إذا كانت هذه الأم حريصة على تربيته في وقت التربية. وللاسف نحن ننظر إلى كثير من الأمهات يتساهلون في تربية الأبناء، والمجتمع لما يكون مخالف لقصد المرأة أو اعتقاد المرأة أو هدف المرأة، هنا تحتاج المرأة إلى تضحية مضاعفة حتى تحمي هذا الابن من شر المجتمع. المجتمع بالاصل أقوى من البيت في التربية، فمقاومة المجتمع يحتاج إلى تربية خاصة، يحتاج أن الأم تكون قوية جدا وحريصة على ابنها، ولا تجعل الابن يتفلت، إنما تكون معه دائما وتشد عليه في موطن الشدة. بهذه الطريقة يصنع الابن بإذن الله، وبهذه الطريقة يحمى الابن من شر المجتمع.

أما إذا لم تكن الأم بهذه الطريقة، فالابن ما يقوى، والمولود عبارة عن عجينة أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. الاب والأم إذا تركوا التربية لم يقوموا بها، من الذي سيشكلها؟ المجتمع، البيئة، الصاحب في المدرسة. الصاحب في المدرسة هؤلاء سيشكلون أقوى من تشكيل البيت، لان البيت لم يشكل؛ البيت هكذا فقط دور الأم فقط المدرسة والدراسة وأهم شيء انك تختبر إلى آخر هذا. هذه الفتن الموجودة التي لا تصنع رجال ولا تصنع أناس ينصرون الدين، إنما تصنع أناس عاديين، وقد بعد ذلك يفسدون هم قطعا يقعون بالفساد المتعلق بالدين، لكن قد يفسدون كذلك حتى في المجتمع يعني يقولون يعذب المخدرات إلى آخره.

لكن الأم التي تكون حريصة على متابعة ابنها، وتكون هكذا دائما مع ابنها، وتوجه الابن وتتابع الابن، هنا الابن يتشكل بهذا التشكل، فلا يقوى المجتمع على تغييره بالأصل إلا أن شاء الله سبحانه وتعالى يكون هذا من البلاء، وما يقوى المجتمع. أما الأم لما تكون من البداية حريصة، من البداية متابعة، من البداية همها تلقين الابن الإسلام؛ وكما كان أحد الأشخاص في المدرسه، فكان المدرس المعلم يسأل الطلبة: ماذا تريدون أن تصبحوا لما تكبرون؟ فكان الطلبة يقولون: واحد يقول طبيب دكتور، واحد يقول مهندس، واحد يقول طيار. هذا رفع يده وقال: شهيد. هذا الابن رفع يده وقال: شهيد يا أستاذ.

فقال ماذا؟ يقول صدمت، ونفس المعلم هذا يخبرني، فقال: شهيد يا أستاذ! يقول: فاقتربت منه وتعجبت من هذه الكلمة كيف أن الابن يقول: اريد أن أصبح شهيد، ولما كبر قتل شهيد! هذا الابن -أسأل الله أن يتقبله في الصالحين- قتل شهيد، من أين أتى بهذا؟ من أمه، لم يأخذ هذا من غير أمه بالأصل، إنما كانت والدته تقول بأني أريك أن تكون كذا، ومع بقية إخوته فكانت تقول: أريد منكم أن تصبحوا شهداء يا أبنائي، نحن هدفنا الآخرة، نحن نريد ما عند الله سبحانه وتعالى، نحن نريد الجنة العالية، نحن نريد الفردوس الأعلى. فكانت تربي أبناءها على هذه التربية، هنا يخرج الأبناء الذين ينصرون الإسلام، هنا يخرج أنس بن مالك، هنا يخرج هؤلاء الرجال الذين ينصر الله سبحانه وتعالى بهم دينه.

أما الأم التي تجعل الدعوة أو الدين أو التربية الإسلامية أو العيش مع القرآن، هذا تبع أو يكون هكذا فقط تغطية، يعني يكون الباطن هو عبارة عن دنيا، عبارة عن مدرسة، عبارة عن عمل، عبارة عن وظيفة، عبارة عن كذا، والظاهر فقط المتعلق بالدين، لما تنخر هذا الظاهر يخرج لك الدنيا، تخرج لك الدنيا! لماذا؟ لأن التربية كلها كانت على هذا وبس الأمر الظاهر هكذا، يعني يكون الباطن فاسد لكن مغطى بهذه لم تكن تربية إسلامية. التربية الإسلامية ليست بهذهّ الطريقة، وصناعة الصالحين لم تكن يوما بهذه الصورة، إنما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصنع اصحابه، كان يقول: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. عمار بن ياسر ينظر إلى أمه تموت وهي ثابته صابرة محتسبه أول شهيد بالإسلام، وينظر إلى والده، والنبي عليه السلام يقول: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. هنا يصنع الرجل.

لما يأتي صهيب الرومي وماله كله يذهب، يقول: ربح البيع أبا يحيى! ليست صناعة بمجرد كلام من غير وجود تضحيات، ومن غير وجود بذل، ومن غير وجود هدف حقيقي لا يفكر الإنسان إلا بتحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى كما يريد الله سبحانه وتعالى منه أن يقوم وأن يفعل.

نستطيع أن نقول بأن أم سليم امرأة عرفت الواجب عليها، فقامت بدعوة الزوج، وقامت بالتنازل عن مهرها، وقامت بتربيّة أبنائها، وقامت بالصبر لما وقعت عليها البلاءات. مات اثنان من إخوتها في بئر معونة؛ حرام بن ملحان هذا الرجل الذي طعن في ظهره وخرج الروح من صدره ومسح الدم بوجهه وقال: فزت ورب الكعبة! هذا أخو أم سليم. وكذلك أخوها الآخر مات قتل في بئر معونة. فامرأة عرفت الواجب عليها فصبرت على قتل إخوتها، وصبرت على موت ابنها، وقامت بتنفيذ مراد ربها، وضحت واغتنمت الفرصة لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، وقدمت أنس بن مالك إلى النبي عليه الصلاة والسلام ابنها الوحيد حتى يخدم النبي عليه الصلاة والسلام.

هذه امرأة عرفت الواجب عليها، وعرفت مراد الله سبحانه وتعالى، وأعانها الله سبحانه وتعالى ومن عليها ووفقها لأن تنفذ هذا المراد لصدقها في التعامل مع الله سبحانه وتعالى، حتى بشرها في الدنيا بأنها في الجنة قبل أن تلقى الله سبحانه وتعالى. فنقول هنيئا لأم سليم، وهنيئا للنساء اللاتي يسرن على نهج أم سليم رضي الله عنها وأرضاها. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.