الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطايا وخطاكم. نكمل بإذن الله هذه السلسلة المتعلقة بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ومعنا اليوم عظيم من عظماء الإسلام، ورجل من خيار رجال هذه الأمة، ومن أعظم رجال هذه الأمة، وممن انتقل الإسلام بإسلامه من حال إلى حال.
وهذه النماذج التي ينتقل الإسلام بها من حال إلى حال، تتطلب وقفة مختلفة عن الوقفات التي لا يتأثر الإسلام بإسلام الرجل لما يسلم. طبعًا هذا لا وجود له، الإسلام لا يتأثر بإسلام الرجل إلا إذا كان الرجل مثل رجال في زماننا الذي نعيش فيه والأزمنة المتأخرة، ولكن في الزمان الأول كل من يسلم يتأثر الإسلام بإسلامه. وذكرنا لكم بأن الناس ينقسمون إلى قسمين: قسم من الصادقين الموهوبين، وقسم من الصادقين غير الموهوبين.
أما الصادق الموهوب، فالموهبة تستثمر في نصرة الدين. وأما الصادق غير الموهوب، فبصدق هذا الإنسان وبذله وتضحيته ينتصر الإسلام، ولا يشترط أن يكون الموهوب أعظم درجة عند الله سبحانه وتعالى من غير الموهوب، ولكن الموهوب مؤثر في الدعوة، وهذه الدعوة مصدرها رباني، ولكنها تتعامل مع الإنسان وفق طاقة الإنسان وقدرة الإنسان. فإذا ما أحسن الإنسان، لا يستطيع أن يرتقي بهذه الدعوة. لذلك نجد النبي عليه الصلاة والسلام كان يبذل كل ما يستطيعه، وكان يجتهد عليه الصلاة والسلام، كان يوزع الطاقات وينتقي الأفراد، والله سبحانه وتعالى كان يدبر له فوق ذلك.
فتدبير الله سبحانه وتعالى لهذه الدعوة معلق على نفس قيام صاحب الدعوة بالواجب عليه. اليوم معنا قصة رجل عجيب، قصة رجل عظيم، قصة رجل اهتز لموته عرش الرحمن. وكفى والله ما قبل هذا الرجل بأن يهتز عرش الرحمن أعظم المخلوقات على الإطلاق. نعيش مع وصف العرش في كتاب الله سبحانه وتعالى، العرش الله وصفه بأنه كريم، وصفه بأنه مجيد، وصفه بأنه عظيم. هذا العرش العظيم المجيد الكريم يهتز لموت إنسان يمشي على وجه الأرض. تصوروا وانظروا الآن إلى العالم في ذلك الزمان، كم فيه من الناس؟ كم فيه من الأمم؟ كم فيه من الأفراد؟ كم فيه من الحضارات؟ كم فيه من القبائل؟ كم فيه من الأعراق؟ أعداد مهولة لا يحصيها إلا بارئها سبحانه وتعالى.
ومن هؤلاء رجل إذا مات اهتز لموته عرش الرحمن. رجل اختاره الله سبحانه وتعالى من بين جميع هؤلاء القادة الموجودين حتى يسلم وينتقل بإسلامه الإسلام من حال إلى حال. هذا الرجل هو سيد الأوس رضي الله عنه وأرضاه، سعد بن معاذ الأوسي رضي الله عنه وأرضاه. سعد بن معاذ كان ممن أسلم في المدينة.
انتقل جماعة أو هاجر جماعة أو ذهب جماعة إلى مكة من الخزرج والتقوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فدعاهم عليه الصلاة والسلام وكان يقودهم رجل يقال له أبو الحيسر، وكان معهم رجل يقال له إياس بن معاذ. هذا إياس بن معاذ هو أخو سعد بن معاذ رضي الله عنهم. ثم رجعوا بعد ذلك إلى المدينة وكانوا قد أتوا من أجل طلب النصرة من قريش.
ثم بعد ذلك في السنة التي تليها أو بعدها بسنوات، جاء وفد من الأنصار وكلهم من الخزرج، فالتقى معهم النبي عليه الصلاة والسلام، ثم التقى عليه الصلاة والسلام مع الأنصار تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس في بيعة العقبة الأولى، بيعة النساء. ثم بعد ذلك في السنة التي تليها جاءت البيعة الثانية؛ ما بين البيعتين: بيعة النساء البيعة الإيمانية الأولى والبيعة الثانية بيعة القتال. بعث النبي عليه الصلاة والسلام مصعب بن عمير؛ هنا بدأت تتضح الرؤية للنبي عليه الصلاة والسلام، وبدأ الله سبحانه وتعالى يكشف للنبي الوجهة، ليست الوجهة الطائف، إنما الوجهة إلى أناس لن يقولوا لك كما قال أبناء عبد ياليل، هؤلاء الثلاثة الذين كان من أشد ما لقي النبي عليه الصلاة والسلام ردود هؤلاء. ستأتي يا محمد إلى أناس، إلى رجال، إلى قادة لا يقولوا لك كما قال هؤلاء؛ هؤلاء أي أبناء عبد ياليل قالوا ما قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام.
أما هذا الرجل الذي اختاره الله سبحانه وتعالى من بين جميع القادة في جزيرة العرب بل العالم أجمع، لن يقول هذه الكلمات، إنما سيقول لك: والله لو خضنا هذا البحر لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد. هذا الرجل نظر الله سبحانه وتعالى إلى قلبه وعلم أن هذا الرجل هو أفضل القادة في ذلك الزمان، أفضل رجل يعيش في هذه الأرض يصلح أن يحمي هذه الدعوة هو سعد بن معاذ.
فسعد بن معاذ الرجل استثنائي، ليس رجل عادي. أهل مكة كلهم لا يصلحون، كل قادة مكة هؤلاء لا يصلحون: لا الوليد بن المغيرة، ولا أمية، ولا أبو جهل، ولا أي واحد من هؤلاء كلهم، بل حتى أبو طالب، كل هؤلاء لا يصلحون، أهل الطائف لا يصلحون. كل من يعيش على وجه الأرض لا يصلح أن يحمي هذه الدعوة وأن يقوم بثقل هذه الدعوة إلا سعد بن معاذ وصاحبه سعد بن عبادة. إذاً هذه الوقفة الأولى المتعلقة بسر هذا الرجل وعظمة هذا الإنسان حتى يختاره الله سبحانه وتعالى من بين جميع من يعيش فوق الأرض. لماذا هذا الاختيار؟ ستعرفون لما تعرفون طريقة سياسة سعد بن معاذ وتعرفون صدق سعد بن معاذ وبذل سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه.
العبرة ليست في السنوات، إنما العبرة فيما يفعل الإنسان في مدة الاختبار. قد يعيش شخص أربعين سنة، ولكن لا يفعل شيء كبير للإسلام، يبقى هو في مكانه. وقد يعمل الشخص سنوات يسيرة لكن ينتقال بالإسلام من حال إلى حال، وكذلك هو يحسن التعامل مع الله سبحانه وتعالى فيفوز عند الله سبحانه وتعالى في المقامات العظيمة.
سعد بن معاذ لما نقل النبي عليه الصلاة والسلام وبعث وأرسل مصعب بن عمير سفير الإسلام مصعب بن عمير إلى المدينة النبوية وكان قد نزل على أسعد بن زرارة، وهذا كان ابن خالة سعد بن معاذ. وأخذ مصعب وسعد يحدثان الناس؛ فسعد أسعد بن زرارة يقرب الناس إلى مصعب ومصعب هو الذي يدعوهم. أسعد أسلم، لكن مصعب أسلم قديما وكان يصلح أن يبلغ الرسالة، أي قد استوعب منهج الإسلام ورسالة الإسلام، وستأتينا إن شاء الله تعالى هكذا درس خاص في هذا السفير العظيم مصعب بن عمير.
فأخذ مصعب يذكر الأنصار، يذكر الأوس ويذكر الخزرج حتى بدأ ينتشر صيت مصعب وبدأت تنتشر هذه الدعوة انتشار نسبي ليس كبير؛ لماذا؟ لأن إلى الآن القادة ما أسلموا، إلى الآن سعد بن عبادة وسعد بن معاذ ما أسلموا. فالانتشار لن يكون كبير، وهذه من الأمور المهمة التي يستوعبها الإنسان: إذا لم ينقذ الكبار لن ينقذ الجمهور. يعني إذا لم يصل الدعاة إلى المكان الذي يؤثرون فيه، موطن التأثير، أو لم يسلم هؤلاء القادة المؤثرون، لن تنتشر الدعوة الانتشار الذي يطمع إليه الدعاة. ومن يظن خلاف ذلك فهذا يعيش في وهم.
نعم، هناك قصة مستثناة؛ قصة يونس عليه السلام. ولكن هذه حالة مستثناة لا يقاس عليها، إنما يقاس على الأصل وليس على الاستثناء، والاستثناء يدل على قدرة الله الغالبة. ولكن الله سبحانه وتعالى كذلك تعبدنا ببذل الأسباب، تعبدنا ببذل الأسباب، وهذا له شرح.
القصد من ذلك أن هنا النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو، وكانت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام عامة للجميع، وأرسل هنا مصعب بن عمير. ومصعب كان يبلغ الرسالة ويدعو حتى وصل الخبر إلى سعد بن معاذ فغضب رضي الله عنه وأرضاه. وأمر أسيد بن حضير، وكان قريب منه وهما سيدا، وهما سيدا الأوس، فأمر أسيد بأن يذهب إلى أسعد وإلى مصعب وأن يزجرهما. وقال: لولا مكانة أسعد مني، أي لأنه ابن خالته، لكفيتك ذلك.
فانطلق أسيد بن حضير وكان من الشجعان الأقوياء، ووالد حضير كذلك كان من علية الأوس ومن كبار الأوس. فانطلق أسيد بن حضير وعنف أسعد وكذلك مصعب. فرد عليه مصعب بكلام لطيف وجميل وهادئ. فقال: هل لك بما هو أفضل من ذلك؟ قال: وما ذاك؟ قال: أن تجلس فتسمع. فقال: قد أنصفت، فجلس.
فحدثه مصعب بن عمير فتأثر ووجد لكلامه أثرا. فقال: إن خلفي رجل إن أسلم أسلمت الأوس. فرجع فلما رجع ورآه سعد، وقال: قد رجع إليكم بغير الوجه الذي ذهب به. قال: إن الخزرج أو إن بني حارثة قد عزموا أن يفعلوا كذا وكذا بأسعد.
فغضب سعد وأخذ رمحه وانطلق. فلما رآهما جالسين، علم بأن أسيد كان يريد منه أن. فلما رآهما سعد أنف عنهما. فقال له مصعب: هل لك أن تجلس وتسمع؟ وقبل ذلك قال له أسعد: أصدق الله في هذا. وقالها كذلك لأسيد بن حضير: أصدق الله سبحانه وتعالى في هذا، فإن أسلم هذا ليجيبن خلق كثير.
فجاء سعد بن معاذ وقال له مصعب: هل لك بما هو أفضل من ذلك؟ قال: وماذا؟ قال: أن تجلس فتسمع. قال: قد أنصفت، فجلس. وحدث مصعب وقرأ عليه القرآن. فقال: ما يصنع من يريد الدخول في هذا الدين؟ فبين له طريقة الدخول في الإسلام والشهادة، فأسلم سعد بن معاذ.
لما أسلم سعد بن معاذ، انظروا الآن إلى تحول هذا الإنسان. هذا الرجل أول ما أسلم انتقل مباشرة إلى الأوس وقال: أي رجل تعدوني فيكم؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا، وأثنوا عليه خيرا. فقال: إن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام ما لم تشهدوا بي شهادة التوحيد. فلم يبت سعد بن معاذ ولم تمسي تلك الليلة إلا والأوس قد أسلمت، فانتشر الإسلام وعم في الأوس الإسلام؛ سيد الأوس رضي الله عنه وأرضاه.
انظروا الآن إلى هذا الرجل كيف مباشرة ينتقل من إسلامه إلى أن يكون داعيا للإسلام. هذا هو الذي يبلغ، هذا الإنسان هو الذي يفوز بالمقامات العظيمة. لماذا؟ لأن هذا الإنسان صادق. انظروا كيف هنا كيف كان بهذه الطريقة، وكيف عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه لما أسلم. شتان؛ فرق كبير بين رجل يسلم ثم يتخفى ويختفي ويستحي وينحرج من الناس، وبين رجل يسلم ثم يبدأ ويدعو إلى الله سبحانه وتعالى. ليس هناك فاصل بين الإسلام وبين الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ومن يقول بأني أريد أن أطلب العلم أريد أن أفعل كذا وكذا ثم بعد ذلك أدعو إلى الله، أقول لك: هذا من أين أتيت به؟ هذا الفهم من أين أتيت به؟ أين وجدته؟ هل وجدته في القرآن؟ هل وجدته في سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل وجدته في سيرة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ من أين وجدت هذا الكلام؟ من أين أتيت به؟ لا وجود للإسلام، ليس هناك فاصل بين تلقي العلم وبين الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، بين الإيمان والاعتقاد والعمل الصالح ثم وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، هذا هو الإسلام.
فسعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه لما أسلم انتقل مباشرة من كونه فرد إلى أن يدعو وأن يستخدم سلطانه في نشر الدعوة الجديدة. إذاً سعد بن معاذ صاحب سلطان، وسعد بن معاذ لم يغرر أو لم يجعل سلطانه مانع من الدعوة، أو لم يحتج أن يفكر كثيراً في طريقة دعوة الناس، إنما مباشرة نفذ لعلمه بأنه قادر على هذا التنفيذ.
بعض الناس يتردد هنا، بعض الناس هنا يقول: لا نحتاج أن نخطط، نحتاج أن ندبر في أمر واضح وبين وجلي. هذا التدبير والتخطيط في هذا الموطن مع علمك بقدرتك على هذا الشيء، هذا كله من الشيطان، هذا كله من الشيطان. سعد بن معاذ لم يكن للشيطان عليه سبيل في هذه المعاني.
طيب لماذا؟ يعني لماذا الشيطان ما مسك سعد؟ لماذا الشيطان ما صد سعد؟ لماذا الشيطان ما صنع مع سعد مثل ما صنع مع أبناء عبد ياليل؟ لماذا الشيطان ما حضر في المدينة مثل ما حضر في مكة؟ لماذا الشيطان ما دخل وجاء بصورة رجل نجدي إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة كما صنع مع أبي جهل ومع أبي بن خلف وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة إلى آخره؟ لماذا؟ ما السبب؟ ما السر؟
السبب والسر أن هؤلاء أصابتهم رحمة الله. هذا هو السبب الوحيد، أن هذا الإنسان الله سبحانه وتعالى نظر إلى قلبه وعلم بأنه يستحق أن يشرف بهذا الشرف، وعلم بأن الله سبحانه وتعالى إذا أعطاه هذه المنقبة ومن عليه بالدخول بالإسلام، لم يتردد في نصرة الدين بل سيباشر ويبادر لنصرة الإسلام. هذا هو الفارق الكبير بين من يصفي قلبه وبين من يعلم الله سبحانه وتعالى من نفسه الصفاء والنقاء والقدرة والرغبة، وبين الشخص الآخر الذي لا يبالي: ﴿وَلَوْ عَلَمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: 23]. لكن الله علم بأن ليس فيهم خير، لذلك الله سبحانه وتعالى ما أسمعهم ولا هداهم.
سعد بن معاذ علم الله سبحانه وتعالى بأن فيه خير، وعلم الله سبحانه بأن هذا الإنسان يصلح أن يقود، وعلم بأن هذا الإنسان القيادة لم تؤثر به، يعني هذا الإنسان من الأشخاص الصافين الأنقياء، ليسوا من البشر الذين إذا تعرضوا للفتنة افتتنوا، ليسوا بهذه الطريقة، إنما هو من الناس الذين لا يبالون؛ المال في أيديهم لا في قلوبهم، والسلطان في يده ليس في قلبه. لذلك مباشرة انتقل من كونه سيد الأوس إلى أن يكون جندي في دولة النبي عليه الصلاة والسلام وفي سلطان النبي عليه الصلاة والسلام. مباشرة انتقل قد آن لسعد أن لا.
تأخذه في الله لومة لائم. انظر إلى الصدق العظيم الذي قام به هذا الرجل، والذي حقق في حياته. فهذا الإنسان سعد بن معاذ هو مثال للقائد الصالح، هو مثال لمن ضحى بسلطانه واستثمر منصبه في نصرة الدين.
تأتي الآن الوقفة الإصلاحية المهمة: هل يوجد أشخاص مثالهم مثال سعد؟ أقول لك: لا تخلو الأمة من رجال. ولا شك بأن هناك من أصحاب السلطان والجاه والمال من فيهم خير، ولكن لم تطرقهم دعوة الدعاة. فالتقصير اليوم ممن؟ من الشخص المفروض أن يكون مقامه مقام مصعب بن عمير. مصعب ما قصر، لكن أنت أيها الداعي قصرت، لذلك ما وصلت الرسالة. لماذا الرسالة ما تصل؟ لماذا الرسالة ما يتأثر بها الناس؟ لأن نفس الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى لم يبذلوا إلى الآن البذل الواجب عليهم. نعم، قد يبذل أفراد، لكن المجموع إلى الآن هناك أشخاص مثالهم مثال سعد بن معاذ، أصحاب وجاهة، أصحاب سلطان، أصحاب قدرة، وفيهم صفاء، ولكن المشكلة أن الدعوة ما طرقتهم.
انظروا إلى سعد بن معاذ قبل أن تطرق دعوة مصعب بن عمير، وسعد بن معاذ بعد ما تطرقه الدعوة، يعني ما الذي تغير؟ هنا الموقف لا يأخذ، ربما يعني موقف سعد مع مصعب ربما ما أخذ خمس دقائق. لكن كيف تحول سعد بن معاذ؟ طيب، كم شخص اليوم موجود مثالاً مثال سعد بن معاذ؟ وإلى الآن ما تحول. لماذا ما تحول؟ لأن الدعاة اليوم ليسوا كمصعب بن عمير. دعاة اليوم يقولون الناس فسدت، دعاة اليوم يقولون الناس ابتعدت، الناس كذا وكذا. تسأل أشخاصاً يقولون الناس فيها وفيها. طيب أين مصعب بن عمير؟ لماذا مصعب ما قال هذا الكلام؟ لماذا مصعب لما ذهب إلى المدينة وهم يعبدون اللات، يعبدون صنماً، ما قال هذا الكلام، إنما أخذ يدعو إلى الله؛ لأنه يعلم بأن الدعوة محمية بالله، ليس بك أيها الداعية. لماذا تجعل نفسك في مقام الإله؟ لماذا أنت تجعل نفسك في مقام لم يجعلك الله سبحانه وتعالى فيه؟ أعظم الدعاة النبي عليه الصلاة والسلام، الله قال: ﴿إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 26]. لماذا لم تقم بواجب النذارة؟ هناك أشخاص ينتظرون دعوة الدعاة. هناك أشخاص كثر مثالهم مثال سعد بن معاذ ينتظرون مصعب بن عمير. ولكن أين هو مصعب بن عمير الذي يدعو الناس والذي يبلغ هذه الرسالة؟
القصد من ذلك أن هذا النموذج، أي نموذج سعد بن معاذ، ما أتى إلا بعد دعوة العديد من أصحاب الوجاهة والسلطان. النبي عليه الصلاة والسلام عرض نفسه على قبائل العرب على اثنين وأربعين قبيلة، وقبل ذلك كان عليه الصلاة والسلام يدعو أهل مكة وكبار أهل مكة. كل هؤلاء لم يكونوا مقصودين، إنما المقصود سعد بن معاذ. طيب، سعد هذا كيف نصل إليه؟ لن تصل إليه إلا بعد ما تدعو هؤلاء، يعني لا بد أن يصيبك في طريق الدعوة صدود، وفي طريق الدعوة منع، وفي طريق الدعوة أناس هكذا يستهزئون. يعني لن يأتي سعد إلا بعد أبناء عبد ياليل. هذه قاعدة: تريد أن تصل إلى تحقيق الإسلام؟ تريد أن تعبد الله؟ تريد أن تبلغ الرسالة؟ لا بد أن تدعو أبناء عبد الأشهل.
طيب، ما نعرف نحن من، ما نعرف الآن من هو سعد بن معاذ، ما نعرف الآن، الآن كم موجود من أصحاب السلطان والجاه وأصحاب المال إلى آخره، كثر. طيب، من من هؤلاء مثالاً مثال سعد؟ ما ندري، ولا ينبغي أن ندري. إنما الذي ينبغي علينا، والذي يجب علينا، هو أن ندعو إلى الله، ننصح فلان وننصح فلان وفلان، حتى يوصلنا الله سبحانه وتعالى، ولسنا نحن، وليس بقدرتنا ولا بجهدنا، حتى يوصلنا الله سبحانه وتعالى إلى أناس ينصرون الإسلام مثل سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه.
القصد من ذلك أن سعد بن معاذ هو صاحب السلطان والجاه، الذي ضحى بسلطانه وبذل هذا السلطان من أجل الإسلام، لذلك اهتز لموته عرش الرحمن. عرش الرحمن العظيم الكريم المجيد يهتز برجل! نعم، يهتز إذا كان مثل سعد بن معاذ، إذا كان صدقاً مثل صدق سعد بن معاذ.
فالقصد من ذلك أن سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، بمجرد أن أسلم، انتقل مباشرة في نفس اليوم، يعني ما تأخر سعد، سعد في نفس اليوم بلغ الرسالة، أصبح داعية. طيب، من الذي أمر سعداً؟ لأن تقفوا معي في هذه الوقفة العجيبة والله، يعني هل مصعب قال لسعد: قل للأوس؟ لم يقل له. طيب، كيف سعد قال هذا الشيء؟ يعني سعد لماذا بلغ؟ هذا هو الشرف، هذا هو نور على نور، هذا فمن كان على بينة من ربه. هذا هو شرف النفس العالي جداً. هذا ما ينتظر أحداً يقول له افعل، إنما هو مباشرة يفعل. هذا ما ينتظر أحداً يشد عليه ويحثه ويذكره تذكيراً كبيراً، هو مباشرة يفعل. لماذا؟ هذا عمر بن الخطاب؛ عمر لما أسلم، لماذا انتقل مباشرة وأخذ يبلغ الناس؟ لماذا؟ هذا هو الصفاء، هذا هو النقاء. لماذا الصديق أول ما أسلم أصبح يأتي بعثمان، ويأتي بأبي سلمة، ويأتي بالأرقم بن أبي الأرقم، وبفلان وفلان، ستة من العشرة المبشرين بالجنة؟ كيف الصديق تحرك بهذه الطريقه؟ هذا هو الإنسان الصادق، هذا الصدق العالي، هذا ليس الصدق العادي، هذا هو الصدق العالي، هو مباشرة يتحول إلى داعية، مباشرة يتحول إلى باذل للإسلام، مباشرة يتحول إلى جندي لهذا الدين، مباشرة تحول إلى عبد، يعرف أنه عبد. هذا هو الذي يحقق المراتب العالية، هذا الشخص هو الذي يحمى به الدين، هذا الشخص هو الذي ينصر الإسلام.
أما تجد يأتي شخص خمس سنوات طالب علم، خمس سنوات داخل في الطريق ولم يتحرك، ولم يبلغ، إنما يجلس هكذا فقط يتذمر ويلوم، هذا ليس عبداً من عباد الله، هذا لا علاقة له بالإسلام، هذا دين جديد، هذا فهم جديد، هذا ليس هو الإسلام، ولو قرأت ما قرأت من العلم، ولو قرأت ما قرأت من الكتب، إذا كنت تتعامل مع الإسلام على أنه عبارة عن تنظير مجرد عن التطبيق، تنظير مجرد عن العمل، تنظير مجرد عن التحرك في هذه الرسالة، في هذه الدعوة، أقول لك إلى الآن لم تفهم الإسلام، ولو قرأت كل ما ألفه علماء الإسلام، ليس هذا هو دين الله سبحانه وتعالى الذي أنزله على نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام.
والناس هنا يتفاوتون؛ قسم ينتظر أن يبلغ النبي عليه السلام أو يأمره، وقسم مباشرة يتحرك، هؤلاء أصحاب الصدق العالي؛ عمر بن الخطاب، وقبله أبو بكر الصديق. انظر هنا سعد بن معاذ مباشرة، أبو بكر ما كان صاحب سلطان، لكن مباشرة أصبح يدعو وأتى بفلان وفلان وفلان، حتى بلغت الدعوة ما بلغت. عمر بن الخطاب مباشرة أخذ يمر على الكفار ويمر على حلقات. وكذلك هنا سعد بن معاذ صاحب سلطان، مباشرة استخدم السلطان في نصرته. لماذا؟ لأنه عرف مباشرة معنى كلمة عبد، يعني هو لما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم يقلها كما يقولها الكثير، وهو قالها يعرف معنى الإله، عرف بأني الآن دخلت، انتقلت من كوني صاحب ملك وسلطان إلى كوني عبداً لهذا الرب العظيم، عبداً لهذا الإله الجليل، عبداً منقاداً لأمره، مستسلماً لدينه وشرعه وسلطانه، ثم قال: وأشهد أن محمداً رسوله. لم ينظر ولم ير النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لما قال: أشهد أن محمداً رسول الله، علم بأنه الآن تخلى عن هذا السلطان إلى هذا النبي الكريم، إلى هذا الرجل الذي سيقدم بإذن الله إلى المدينة، خلاص، والآن استسلم والآن دخل في الدين ودخل في السلم كافة، استسلم لهذا الدين انقاد له. هذا هو الذي وفق، هذا هو الصادق، هذا هو الذي ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، هو الذي يصيب المراتب العالية، هذا الذي يصيب الصديقية العالية، خواص الصادقين هؤلاء، هؤلاء هم خواص الصادقين.
القصد أن هذا الرجل لم ينم تلك الليلة إلا وقد فشا وانتشر الإسلام في الأوس، فعم الإسلام الأوس. ثم بعد ذلك انتقل مصعب بن عمير وكذلك جماعة كبيرة من الخزرج والأوس إلى مكة في العام الذي يليه، وبلغ مصعب بن عمير النبي عليه الصلاة والسلام، واجتمع مع الأنصار في بيعة العقبة الثانية، بيعة العقبة الكبرى.
ولم يحضرها سعد بن معاذ. طيب، لماذا لم يحضرها سعد بن معاذ؟ هنا لم يحضر سعد هذه البيعة، قد يكون السبب والله أعلم أن سعداً لم يرد أن ينتشر الخبر بمعنى. سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه سيد وليس من عامة الناس. فعدم حضور سعد هنا، هو سيد الأوس، يعني الخزرج كان بها سادة، صح سعد بن عبادة كان سيد الخزرج، لكن كذلك كان عبد الله بن أبي له قيمة، وفلان وفلان من الخزرج لهم قيمة كبيرة، أما الأوس فكان سعد متفردة بسيادتهم. لعل سعد لم يحضر هنا في هذه البيعة، في بيعة العقبة الكبرى، حتى ما ينتشر الخبر. وهنا البيعة كانت بيعة سرية، فالنبي عليه السلام تواعد مع الأنصار بعد ما سكن الناس في منتصف أيام التشريق، فالبيعة كانت بيعة سرية ولم يعلم بها الكفار، فلعل سعد ما حضر من أجل هذا الأمر، لعل سعد لم يحضر من أجل هذا الأمر حتى ما يفشو هذا الأمر وينتشر ويعلم الناس به، لعل هذا هو السبب، ولعله يكون سبباً آخر، سعد كان معذوراً في عدم وجوده أو عدم ذهابه إلى مكة في هذه السنة، الله أعلم.
والقصد من ذلك أن سعد بن معاذ، لا يمكن أن يصنع الأوس شيئاً لا يعرفه سعد بن معاذ، يعني لا يمكن أن يصنع الأوس وأن يدبر الأوس وأن يجتمع الأوس من غير إمرة وإذن وتخطيط وتدبير سعد بن معاذ، هذا لا يمكن أن يكون، فسعد كان سيداً عالياً، ولم يكن سيداً عادياً، يعني سعد كان متمكناً من الأوس، أي أن الأوس كانت منقادة له انقياداً قوي وعالياً.
فالقصد من ذلك أن سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، كان ممن أسلم، وانتقل الإسلام بإسلامه من حال إلى حال. فلما أسلم فتحت المدينة، ثم أسلم بعد ذلك أو قبل ذلك أو مع ذلك سعد بن عبادة، فأصبحت المدينة ممهدة لهذه الدعوة الجديدة، فلما أسلم هذان الرجلان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، أسلمت الأوس وأسلمت الخزرج. هنا جاء الأمر الإلهي بانتقال النبي عليه الصلاة والسلام، فبدأ المهاجرون ينتقلون، حتى بعد ذلك جاء الأمر أن ينتقل النبي عليه الصلاة والسلام، فانتقل النبي عليه الصلاة والسلام، وكان في مقدمة من استقبل النبي عليه الصلاة والسلام سيداً وحاكماً وسلطاناً على هذه المدينة من غير أي منازعة، هو سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
فتم الاستسلام، وبيعة العقبة كانت واضحة وبينة، وكذلك بيعة العقبة الأولى بيعة الإيمان، والثانية فما لنا؟ قال: الجنة، عليه الصلاة والسلام، ولم يعط الأنصار شيئاً من الدنيا. سعد بن معاذ يعرف بذلك، أي ليس له شيء، خلاص، السلطان انتقل منه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأصبح جندياً في دولة النبي عليه الصلاة والسلام، في سلطان النبي عليه الصلاة والسلام، الذي هو سلطان الله سبحانه وتعالى.
انظروا كيف الآن يتخلى عن هذا كله. هذا الأمر هو الذي منع كفار مكة من الانقياد، مع أن كفار مكة، أي أهل مكة، كانوا أقرب نسباً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن مع ذلك لم ينقادوا. يعني أهل مكة لو آمنوا وانقادوا لدعوة النبي عليه السلام لبقيت فيهم، ولحكموا العالم ولسادوا العالم. ولذلك لما جاء أبو جهل ومعه كبار أهل مكة إلى أبي طالب والنبي عليه السلام كان عنده، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كلمة واحدة تقولونها تدين لكم بها العرب وتؤدي لكم العجم الجزية. فقال أبو جهل: وأبيك عشراً، يعني أعطيك عشر كلمات وليس كلمة واحدة، قال: قولوا لا إله إلا الله. فأبوا أن يقولوا هذه الكلمة ولم يقولوها. طيب لماذا؟ هذا منكم من قريش، من أقربكم، من أقرب الناس لكم نسباً، منكم، لا، لم يقبلوا.
بينما ذاك الرجل بعيد عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنسب، هو من قحطان والنبي عليه السلام من عدنان، ومع ذلك ينقاد لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام ويتخلي عن كل هذا السلطان. من الذي يقوى على هذا الشيء؟ آخر شيء يخرج من قلوب الصالحين حب السلطة والتصدر. الصالح يعاني من فتنتين: فتنة المال وفتنة الشرف. لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». المال يطغي ويفسد، وقد يقوى الصالح على المال، فلا يتأثر بالمال، تعطيه دنانير ودراهم والأموال الكثيرة، قد ينجو من فتنة المال، لكن هل ينجو من فتنة السلطان وفتنة الجاه؟ هذه صعبة جداً، هذه لا تخرج إلا آخر شيء، يعني آخر ما يخرج من قلوب الصالحين حب السلطة والتصدر، هذا آخر شيء يخرج. فتجد الشخص بسيطاً يتابعه مئة، مئتان، إنسان عادي، بمجرد أن يزداد عدد متابعيه، ينقلب إنسان آخر، وتعامل معك تعامل آخر كأنه ليس هو الأول. لماذا؟ لأن هذا الإنسان إلى الآن ما تجرد تجرداً كبيراً. طيب، كيف سعد بن معاذ بلحظة واحدة، بلحظة واحدة يعني ما احتاج إلى تصفية كبيرة وكبيرة، بلحظة واحدة يتخلى عن هذا كله ويسلم هذا كله للنبي عليه الصلاة والسلام؟ كيف؟ إجابة كيف هي أن الله علم بأن فيه خيراً.
هذا الإنسان قلبه مصفى، هذا الإنسان قلبه صافي. تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة. خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا. هذا الإنسان معدنه ذهبي. فهذا المعدن الذهبي لما التقى معه الدين هو أصلاً صافي، فالتقى معه الدين فشع هذا النور.
وتنازل عن كل هذا ولم يعد عنده هم ولا قصد إلا كيف يحقق الكلمة التي قالها أمام مصعب بن عمير: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. هذه كيف يحققها في حياته؟ كيف يحقق العبودية لله والاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام كما أراد الله؟ لذلك هنا سعد بن معاذ ما احتاج النبي عليه الصلاة والسلام أن يراعي سعد بن معاذ. هذه والله بحد ذاتها وقفة.
يعني انظروا كيف الآن النبي عليه الصلاة والسلام هو قائد، والنبي عليه الصلاة والسلام هو أعلم إنسان بالإنصاف، فكان يوازن النبي عليه الصلاة والسلام. فانظروا مع يهود بني قينقاع لما أتاه المجرم عبد الله بن أبي، ترك النبي عليه الصلاة والسلام يهود بني قينقاع من أجل المصلحة العامة. ولما كذلك مع يهود بني النضير كذلك، أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام ولم يجعله عبد الله بن أبي يفعل الذي يريده، وما منع عبد الله بن أبي.
لكن لما جاء الأمر مع يهود بني قريظة الأمر اختلف، اختلف تماماً. ما احتاج النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه هنا ممكن يقول سعد بن معاذ كلمة يجعل النبي عليه الصلاة والسلام يوازن، لكن ما احتاج هو إلى هذه الموازنة أبداً. إنما سعد كان مباشرة حكم بالحكم الذي سيأتينا بعد قليل بإذن الله. يعني سعد بن معاذ لم يحتج النبي عليه الصلاة والسلام أن يراعي مشاعره، لم يحتج. وشتان بين شخص تحتاج أن تراعيه لأنه هو سيتأذى أو هو لن يقبل، فنعم هذه مصلحة وتقدر، ولا هو شخص آخر ما يحتاج إلى هذا الشيء إنما هو جندي، جندية تامة وكاملة وعالية، هو يفعل ما يريد الله.
هذا أبو عبيدة بن الجراح، هذا عباد بن بشر، هذا سعد بن معاذ، وهذا سيد. يعني سعد يختلف عن البقية بأنه سيد، يعني هذا المقام مقام عالي، هو مقام صاحب سلطان وتحت يديه كل هذه الأعداد، هؤلاء كلهم جند وينقادون لأمره، ومع ذلك ما احتاج النبي عليه الصلاة والسلام أن يراعي في هذا المعنى إلا فقط من قبل النبي عليه الصلاة والسلام، يعني النبي عليه الصلاة والسلام هو يعطيه الراية، النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يسود، هكذا. وهذا اختيار النبي عليه الصلاة والسلام لهذا ليس لأن سعد هو سيد الأوس فيما يظهر لي، إنما لقوة سعد في الحق، ولصلابة سعد، ولانقياد الناس لسعد. يعني ليست مراعاة نفسية لسعد، لا، إنما لأن سعد رضي الله عنه وأرضاه قادر على أن يسد هذا المسد.
فالقصد من ذلك أن سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه استمر مع النبي عليه الصلاة والسلام، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام من أجل قتال الكفار في عدد من السرايا فخلف وأمر على المدينة سعد بن عبادة، ثم أمر سعد بن معاذ، ثم بعد ذلك خرج من أجل القافلة. فلما خرج من أجل أخذ القافلة ولم يكن يعلم النبي عليه الصلاة والسلام ولا الصحابة بالقتال، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرج من كان ظهره حاضر، فكان من ضمن من خرج سعد بن معاذ وجماعة من الأوس وعدد كبير من الخزرج، وكان القصد القافلة وليس القتال.
ففاتت هذه القافلة، وعلم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فجمع الناس، وكان معه ثلاثمائة وبضعة عشر. عامة هؤلاء من الأنصار، والقليل من المهاجرين، فكان عدد المهاجرين قريب من ستة وثمانين شخص، والبقية كلهم من الأوس والخزرج. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أشيروا علي أيها القوم، بعد ما بين لهم بأن القافلة قد ذهبت، والجيش قد خرج، أي جيش الكفار، ماذا نفعل؟ هل نعود إلى المدينة ونرجع، أو نقاتل؟
فقام أبو بكر فتكلم وأحسن وأثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قام عمر فتكلم وأحسن وأثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام. وهو يقول: أشيروا علي أيها القوم. حتى قام المقداد فقال كلمات عظيمة أثرت بالنبي عليه الصلاة والسلام، وكان مما قاله: والله يا رسول الله ما نقول كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّ هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]. بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. والله يا رسول الله لو سرت بنا إلى برك الغماد لخذناه معك. برك الغماد هذه منطقة في اليمن أو قيل في الحبشة، يعني لو أردت أن تسير بنا الآن إلى الحبشة أو إلى اليمن ذهبنا معك. فسر النبي عليه الصلاة والسلام وغبط عبد الله بن مسعود المقداد على هذه الكلمات.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: أشيروا علي أيها القوم. هنا فهم سعد بن معاذ أنه هو المقصود، أي الأوس والخزرج، الأنصار هم المقصودون. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كانت بيعته، أي بيعة العقبة، قد يفهم الأوس والخزرج منها أن الحماية فقط للمدينة وليس خارج المدينة، فلا يرون بأن هذا من ضمن بنود البيعة. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن ينظر إلى ما يقوله السواد من الجيش، العدد الكبير.
فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه فقال: لكأنك تعنينا يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: أجل. فقال: يا رسول الله آمنا بك. هذه الكلمة؛ آمنا بك. هو فهم كلمة الإيمان، فهم معنى أن يقول الشخص: أشهد أن لا إله إلا الله، ففهم أن الإيمان معناه الاستجابة، معناه الانقياد، معناه التصديق، معناه التنفيذ، معناه التطبيق، ليست كلمة عامة هكذا، وليست كلمة عادية يقولها الإنسان، ولا حتى كلمة يدخل الشخص في جدالات ونقاشات حول معنى هذه الكلمة من غير تطبيق هذه الكلمة. وحتى إيمان الصحابة إيمان مع عمل، يعني ليس إيمان عبارة عن تنظير، إنما إيمان مع تطبيق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ [الأنفال: 72]. يعني الهجرة مع الجهاد هذه كلها مع الإيمان.
القصد من ذلك أن سعد بن معاذ قال: لكأنك تعنينا يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: أجل. فقال: يا رسول الله آمنا بك واتبعناك، يا رسول الله صل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وسالم من شئت، وحارب من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منها ما شئت، وما أخذت أحب إلينا مما تركت. والله يا رسول الله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد. وإنا يا رسول الله صبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك.
المقداد يقول لئن سرت بنا إلى برك الغماد، أي إلى موطن في اليابسة، وسعد يقول لو خضت بنا هذا البحر، يعني تريد أن تدخل البحر؟ ندخل معك. ثم قال كلمة تدل على أنه قائد، تدل على أنه قال: وما تخلف منا رجل واحد. يعني نحن الآن العدد الأكبر لن يتخلف واحد بعد كلامي. لذلك اختاره النبي عليه الصلاة والسلام، لن يتخلف واحد بعد الكلمات التي قلتها.
فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام هذه الكلمات العظيمة فرح وسر وقال: أبشروا. ثم بين لهم بعد ذلك لما اقتربنا من بدر مصارع القوم، وقال: أبشروا إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، إذا ذهبت القافلة فالله سبحانه وتعالى سينصرنا على هؤلاء. يعني انظروا الآن إلى كلمات سعد كيف ثبتت، يعني بدر قامت على سعد بن معاذ.
الآن الوقفة الأولى المتعلقة بإسلام الأوس وانقياد الأوس؛ انظروا كيف سعد نقل الإسلام، الأوس كلهم أسلموا بإسلام سعد بن معاذ. ثم سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه هو الذي يتسبب في بدر، يعني لو سعد ما قال هذه الكلمات، لو سعد ما قبل بذلك، هل ستكون بدر؟ هل لو قال سعد يا رسول الله نرجع إلى المدينة؟ يعني لو سعد نازع النبي عليه الصلاة والسلام في السلطان منازعة السيد مع السيد أو الوزير مع السيد أو من له سلطان، أبداً هذا لم يفعله سعد وكان يستطيع أن يفعل هذا كله.
حتى تفهموا كلامي يا شباب، سعد بن معاذ رضي الله عنه كان عربي أصيل، وهو سيد بن سيد، يعني عنده عزة السادة، هو عربي وسيد، يعني العرب عندهم هذه العزة، هذا سيد سادات العرب، ومع ذلك هذا كله ما أثر فيه ولا شعرة. نحن الآن إنسان عادي، لا هو سيد ولا أبوه سيد ولا هو يملك العزة الطاغية، ثم هذا بمجرد أن يعطى شيء يسير تحضر نفسه حضور تحتاج إلى أن تألف تألُف كبير، حتى ما هو؟ هو ما يجد دافع قوي عنده. هذا رجل عنده دافع عظيم، ومع ذلك الدين كان أقوى من هذا بكثير، حتى إن هذا الدافع كأنه لم يكن موجوداً.
القصد من ذلك أن كلمات سعد هذه أثرت تأثيراً عظيماً في النبي عليه الصلاة والسلام، وسُرّ النبي عليه الصلاة والسلام بها وحفظها لسعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه. فبدر كانت بسعد بن معاذ، يعني لو ما قال سعد هذه الكلمات لما كانت بدر، لكن هذه كرامة إلهية وعطية ربانية لهؤلاء. لكن ذكر ابن هشام في سيرته، قال بعد ما ذكر بأن الله سبحانه وتعالى لما أراد لهم من كرامته، أي بالأنصار، أراد الله أن يكرم هؤلاء لعلمه بأنهم يصلحون، فأكرمهم بهذه المواقف العظيمة، الشريفة، العالية.
حتى كانت الأوس إذا جلست مع الخزرج كانوا يتفاخرون، فكانت الأوس تقول: منا أربعة، منا من اهتز لموته عرش الرحمن، هكذا يتفاخرون بسعد بن معاذ. وكذلك الخزرج ترد عليهم، وعندهم ما يتفاخرون به، وهذا الذي يتفاخر به الناس، ولا أظن القبائل تستطيع تتفاخر بمثل هذا التفاخر، ولا يمكن، فالتفاخر خاص بهؤلاء رضي الله عنهم.
والقصد من ذلك أنه جاءت بدر، فلما جاءت بدر، سعد أشار على النبي عليه الصلاة والسلام ببناء العريش، فقبل بذلك، ثم أصبح جندياً واقفاً أمام، الله أكبر، والله هذا الموقف ما أدري كيف يشرح، يعني هو واقف أمام، الآن هو سيد، وهو بالأصل الناس تقف له بهذه الطريقة، الآن هو يقف للنبي عليه الصلاة والسلام بهذه الطريقة، هو الآن واقف أمام خيمة وعريش النبي عليه الصلاة والسلام ومعه سلاحه، يعني أصبح هو الآن جندياً عند النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الذي كان، نعم هذا الذي كان وما زال، والذي اهتز له بعد ذلك عرش الرحمن، هو لم يهتز له عرش الرحمن إلا من أجل هذه المواقف.
واهم من ظن بأنه سيصيب الصديقية من غير أن يضحي بأغلى ما يملك، الصديقية ليست مرتبة عادية، الصديقية ليست مرتبة الصالحين العامة: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69]. الصديقية ليست مرتبة الصالح، وليست مرتبة حتى الشهيد. الصالح يفعل الصالحات، يفعل الأعمال التي يحبها الله سبحانه، ويجتنب المحرمات، لكن لا يشترط أن يضحي بأغلى ما يملك، لا يشترط أن يتنازل عن الأمور التي ما يتنازل عنها عادة الناس، لكن هو ما يلقى به إثم. الشهيد يضحي بنفسه، الصديق ليس بهذه الطريقة، الصديق يضحي بحظوظه، هذه مرتبة، يعني انظروا لعباد بن بشر، تذكرون قصة عباد لما تكلمنا عنه كيف كانت استجابة عباد وكيف كانت أمانة عباد.
عباد بن بشر من بني عبد الأشهل، من عشيرة سعد بن معاذ، من فخذ سعد بن معاذ، وسعد بن معاذ هذا كله سلطانه وجاهه هذا كله لم يأبه به، إنما وقف جندياً عند النبي عليه الصلاة والسلام. هذا كله إثبات، الله ينظر إلى قلبه أنه لم يفعل هذه الأشياء، وهو واقف هكذا جندياً عند النبي عليه الصلاة والسلام لأنه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يعرف مقتضى هذه الشهادة العظيمة.
ثم أخذ يحرس النبي عليه الصلاة والسلام، وضع جماعة من الأنصار يحرسون النبي عليه الصلاة والسلام من الأشدّاء حتى يحموا النبي عليه الصلاة والسلام، وقال يا رسول الله -وطلب منه أن لا يقاتل- إنما نحن نقاتل، فإن انتصرنا فالحمد لله وإن كانت الأخرى فإن لك أقواماً في المدينة ما نحن بأشد محبة لك منهم، ولكن لم يكونوا يعلمون بأنه يوجد قتال. فإذا انتصرنا فالحمد لله، إذا ما انتصرنا فارجع إلى المدينة واحتمي بها. يعني حتى وهو في حياته يريد أن يحمي النبي عليه الصلاة والسلام وأن يبلغ هذا الدين وأن يفوز بشرف نصر الإسلام.
فجاءت بدر وانتصر أهل الإسلام، وأخذ الصحابة يأسرون الكفار، فكره سعد بن معاذ هذا الأمر بشدة حتى رآه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: كأنك تكره يا سعد أن نأسر الكفار؟ فقال: نعم يا رسول الله، كان يريد أن يثخن فيهم، وهذا هو حكم الله سبحانه وتعالى الذي وافق عمر بن الخطاب في أسرى بدر. المقصد من ذلك أن سعد كان كارهاً لهذا، لماذا كاره لهذا؟ لأنه كان شديد البغض لقوم أخرجوا النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك.
هو دعا الله سبحانه وتعالى بعد ما أصيب بكحله، وقال: اللهم إن كان قد بقي من قتال قريش شيء فلا تمتني، أريد أن أعيش حتى أقاتل هؤلاء، فليس قوم أبغض إلي من قوم كذبوا نبيك وأخرجوه.
من شدة حمقه على هؤلاء الكفار، هذا هو الولاء والبراء، من قوة إيمانه وقوة ولائه للإسلام وبغضه لأعداء الإسلام كان يريد أن يقاتل هؤلاء الذين أخرجوا النبي عليه الصلاة ولا يريد أن يموت قبل أن يقضي على هؤلاء، حتى ما يفوته موقف من المواقف فيه انتصار للنبي عليه الصلاة والسلام ممن آذى النبي عليه الصلاة والسلام.
فإنك تعلم أنه ليس أحب إليه من قتال قوم كذبوا نبيك، هذه كذبوا نبيك وأخرجوه، يعيش الإيمان، وهؤلاء بالذات لأنهم هم الذين فعلوا ما فعلوا، فكان هو كاره، سعد كان صاحب ولاء وبراء، كاره لهؤلاء الكفار، ولا يريد أن يكون بينه وبينهم هكذا صلح أو أسرهم ونفدي هؤلاء، إنما نريد أن نثخن فيهم.
القسم ذلك أنه جاءت بعد ذلك معركة أحد، واستمر سعد وقاتل مع النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المعركة، واستمر سعد يثبت الإيمان والإسلام والصدق في الاستمرار في نصر الدين وضحى بمدينته وبرجاله، فقد يقتل من الأوس جماعات كثيرة، كل هؤلاء في ميزان سعد بإذن الله، وكل هؤلاء بسبب كلمة سعد التي قالها أول ما أسلم وقال.
فاستمر الأمر وصدق سعد في تضحيته واستمراره حتى جاءت بعد ذلك حادثة الإفك الشهيرة، وكانت حادثة عنيفة ومؤثرة ومزلزلة للمجتمع المسلم، وآذت النبي عليه الصلاة والسلام أذية عظيمة جدا، حتى بلغ الأذى في النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوم ويجمع الناس، فجمع الناس فحضر المهاجرون والأوس والخزرج.
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا رجل يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي؟ يعني من يعذرني من هذا الرجل الذي أذاني هذه الأذية العظيمة حتى وصل به الحال أن يطعن في شرفي وعرضي، وأن يطعن في زوجتي؟ هنا أثار سعد بن معاذ، وقال: يا رسول الله، إن كان منا أي من الأوس كفيناك إياه قتلناه ضربنا عنقه مباشرة، إن كان منا لن نراعي فيه حرمة ولا إلاً ولا ذمة ولا نسب، هذا هذا هذا الإيمان.
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]، وإن كان من إخوتنا أي من الخزرج أمرتنا فائتمرنا أمرك، يعني ماذا تريد؟ تريد أن نقاتل الخزرج؟ تريد أن نقاتل هؤلاء نقاتلهم ما عندنا مشكلة، إذا كنت تريد أن نفعل هذا سنفعله، القيادة عجيبة استجابة عجيبة.
ثم استمر بعد ذلك وجاءت حادثة الخندق الشهيرة وكان يعمل وشارك في جميع هذه المشاهد رضي الله عنه وأرضاه، وينظر إلى مدينة الآن وإلى ديار آبائه وأجداده كيف أن الكفار اجتمعوا من كل حدب وصوب عليها، فهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يعطي غطفان ثلث ثمار المدينة، ولكن يدعو عليه الصلاة والسلام السعدين، فيأتي سيد الأوس سعد بن معاذ وسيد الخزرج سعد بن عبادة رضي الله عنهما، ويطرح عليهم النبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر.
فيرد سعد بن معاذ ويقول: يا رسول الله، أمر تحبه تريده؟ هل هذا أمر من الله أولاً؟ فنسمع ونطيع، أو أمر تحبه فنصنعه محبةً لك، أو أمر تصنعه لنا؟ فقال: بل أمرٌ أصنعه لكم، قال: يا رسول الله، ليس لهم عندنا إلا السيف، ليس لهم عندنا إلا السيف، ثم مزق هذه الصحيفة، ورد النبي عليه الصلاة والسلام على هؤلاء الكفار بأنه لن يعطيهم هذه الثمار.
هذه الكلمات التي قالها سعد بن معاذ وكان معها سعد بن عبادة كلمات ضريبتها قد يكون ذهاب الأوس والخزرج، ضريبتها قد يكون قتل الجميع، قتل أطفال، قتل نساء، بل سبي نساء حتى ليس قتل نساء، يعني ليست كلمة تقال هكذا من غير ضريبة، إنما الضريبة عظيمة وباهظة، باهظة الثمن، لكن مع ذلك قال هذه الكلمات لقوة الإيمان وشرف النفس، فالتقاء هذا مع هذا يجعل النور عظيم وعالي وقوي.
ثم استمر سعد ابن معاذ رضي الله عنه وأرضاه حتى أصيب في هذه الغزوة، أي في غزوة الخندق بأكحله، فبعد ما أصيب أخذ ينزف رضي الله عنه وأرضاه حتى بنى له النبي عليه الصلاة والسلام خيمة بجانب المسجد حتى يعود من قريب، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يعود سعد ابن معاذ في هذه الخيمة.
وجاء جبريل ونزل على النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا محمد، وضعتم السلاح؟ فقال: نعم، قال: والله ما وضعناه، ثم أخبر بأنه سيذهب إلى بني قريظة ويسبق النبي عليه الصلاة والسلام ويزلزل بهم، فذهب جبريل واستنهض النبي عليه الصلاة والسلام الناس وقال: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة.
فانطلق الأصحاب رضي الله عنهم وأرضاهم، وصلوا إلى هناك وفتح الله سبحانه وتعالى قريظة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأرسل النبي عليه الصلاة والسلام أبا لبابة، فأتاهم وأشار وأخرجوا له الصبيان والصغار فرق لهم، وقالوا: ما الذي سيصنع النبي عليه الصلاة والسلام؟ فأشار إلى حلقه أي الذبح، ثم ندم بعد ذلك ندما شديدا أبو لبابة رضي الله عنه وأرضاه ورجع، وأمر زوجته بأن تربطه في المسجد في سارية في المسجد.
القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يحكم في بني قريظة، فتعرضت الأوس للنبي عليه الصلاة والسلام، يعني كما تركت بني قينقاع وبني النضير للخزرج، اترك لنا بني قريظة، فقريظة كانوا هم حلفاء الأوس في الجاهلية، وقينقاع والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أترضون بسعد؟ قالوا: نعم.
فأمر بأن يؤتى به محمولا، فأتي رضي الله عنه وأرضاه محمولا، فلما أتي به قال النبي عليه الصلاة والسلام: قوموا إلى سيدكم. فحمْل رضي الله عنه وأرضاه وأجلس بجانب النبي عليه الصلاة والسلام، وسوده النبي عليه الصلاة والسلام وملكه بني قريظة، فجلس سعد وقال: أحكمي نافذ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم.
ثم استحى أن ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: على من هاهنا؟ أي هل هذا الحكم سيجري وسيمضي حتى على من هو جالس في هذا المكان؟ ولم ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام إجلالا له وتعظيما وتفخيما له عليه الصلاة والسلام، حتى في هذا سعد ما طلب، لكن الأوس طلبوا.
فقالت الأوس لسعد بن معاذ: أرفق بمواليك، يعني اصنع كما صنعت الخزرج، كما صنع عبد الله بن أبي المجرم الخبيث، لكن شتان بين هذا وهذا، فقال سعد وهو يحمل: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. ألا تأخذه في الله لومة لائم يعني لن أتراجع عن أمر يريد الله سبحانه وتعالى من أجل من سيلوم، هذا اللوم لا قيمة له مقابل رضا الله سبحانه وتعالى، يعني هو يريد أن يشتري رضوان الله سبحانه وتعالى ولن يترك ما يريد الله من أجل لومة هؤلاء اللائمين.
فقال: أحكمي جاري على من ها هنا، ولم ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام تعظيما وإجلالا، فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، قال: إني أحكم بأن تقتل المقاتلة يقتل الرجال، وأن تسبى النساء والذرية، وأن يقسم المال، فقال عليه الصلاة والسلام: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات، هذا هو حكم الله.
لم يحتج النبي عليه الصلاة والسلام ويضطر أن يجامل وأن يحفظ المجتمع وأن يحفظ الناس من أجل مراعاة سيد لهؤلاء، أبدا ما احتاج إلى هذا عليه الصلاة والسلام، قال: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات، فأصاب سعد رضي الله عنه ورضاه حكم الله.
نُقّيَتْ ووُصِّفَتْ المدينة من اليهود فأصبحت المدينة بعد حكم سعد بن معاذ خالصة للإسلام، خالصة الإسلام، هذا الحكم هو الذي قضى على وجود اليهود في مدينة النبي عليه الصلاة والسلام ولم يدخلوها إلى آخر الزمان بإذن الله، فأصبحت هذه المدينة صافية وخالصة وموطن الإيمان، إن الإيمان ليأرز إلى المدينة أي الإيمان سيرجع إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها.
سعد بن معاذ الذي حكم على اليهود وصفى هذه المدينة ونقى هذه المدينة، وأصبحت المدينة صافية وخالصة من وجود هؤلاء الذين يثيرون الفتن والقلاقل، بسعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه بحكم سعد، ثم رجع سعد بعد ذلك ودعا الله سبحانه وتعالى بأن يبقيه إن كان هناك قتال مع قريش، وإن لم يكن هناك قتال مع قريش وقد وضعت أوزارها فافجرها.
فانفجرت من لبته، ولم يروعهم إلا والدم قد دخل عليهم المسجد، فقالوا: دم من هذا؟ فقالوا: سعد بن معاذ، فانطلق النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ودخلوا على سعد فإذا هو ميت، فاضت روحه إلى باريها، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بتجهيز سعد، فجهز سعد من أجل دفنه فحمل، فكانت الجنازة خفيفة، ونزلت الملائكة من السماء تحضر جنازة سعد بن معاذ حتى جاء في بعض الروايات بأن جبريل نزل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: من هذا الذي مات الذي اهتز لموته عرش الرحمن؟ من هذا الذي مات الذي من أجله أنزل الله سبحانه وتعالى سبعين ألف ملك يشيعون جنازة هذا الرجل؟ من هذا الرجل؟ فقال: هذا سعد بن معاذ.
فمات سعد رضي الله عنه وأرضاه، ولما مات وخرجت الروح لم تكن خروج روحه مثل خروج بقية الأرواح، بقية الأرواح ترتفع إلى السماء إذا كانت صالحة وتستقر في المكان الذي تستقر فيه، لكن روح سعد انطلقت إلى العرش، واهتز عرش الرحمن الذي استوى عليه الله سبحانه وتعالى استواء يليق بجلاله فرحا واستبشارا لروح سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه.
سبحان الله، عجيب مخلوق يمشي على الأرض يهتز له عرش سبحانه وتعالى، ليس بنبي ولا رسول، ولكن صديق بلغته الرسالة فتحرك مباشرة، قس على ذلك، استمر بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ومات سعد بن معاذ، و لم تطوى هذه الصفحة إلى الآن.
فجاءت النبي عليه الصلاة والسلام هدية عبارة عن جُبّة من سُندس من حرير، فلما رآها الناس عجبوا منها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام مذكرا بسعد بن معاذ: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا، مناديل يعني يعني أقل شيء، أقل شيء، أيسر شيء في الجنة لسعد بن معاذ خير من هذا، خير من هذا.
تذكر النبي عليه الصلاة والسلام بمنزلة سعد رضي الله عنه وأرضاه الشريف المنيف، وما زال سعد رضي الله عنه وأرضاه يحصل الأجور العظيمة بتثبيت الإسلام وبانتقال الإسلام، ففارق كبير جدا في المرحلة التي وصل إليها الإسلام بعد موت سعد والمرحلة التي كان عليها الإسلام قبل أن يسلم سعد.
يعني الإسلام قبل أن يسلم سعد بن معاذ كان محصور في مكة، محصور في مكة والكفار لهم السلطة والقوة والظهور أي المادي ظهور بالاستيلاء بالسلطان المادي، ولكن بعد إسلام سعد بن معاذ الأمر اختلف تماما، انتقل الإسلام وانتقل سنوات يسيرة ست سنوات يصل الإسلام إلى ما وصل إليه، لماذا؟ لأن سعد قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
كم شخص الآن موجود في الحياة التي نعيش بها لو قال هذه الكلمة لانتقل الإسلام بإسلامه، لكن إلى الآن ما وصلنا إليه، شوفوا يا شباب أختم هذه الكلمة بنصيحة: انتبهوا أن يحصركم الواقع، لا تجعلوا الواقع حاصرا لكم، بلغوا الرسالة، ما تدري من يهتدي، ما تدري من يسلم، ما تدري من ينقاد.
بلغ الرسالة كل من تراه، كل من تلقاه، حتى لو كان يغلب على ظنك بأنه لن يهتدي، حتى لو كان يغلب على ظنك بأنه لن يهتدي، ما تدري، ما تعرف، هذه القلوب ليست لك، هذه القلوب بيد الله سبحانه وتعالى، استمر في البيان والبلاغ والتذكير، فقط استمر، استمر، ستصل هذه الدعوة إلى أناس يعلم الله سبحانه وتعالى صلاحيتهم لها، فلما يسلم هؤلاء أو ينقاد هؤلاء أو يهتدي هؤلاء ستنتقل الدعوة بإسلامهم وانقيادهم هذا الانتقال العظيم والكبير.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا مع نبينا عليه الصلاة والسلام ومع المهاجرين والأنصار ومع سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري