دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 16 | مصعب بن عمير رضي الله عنه

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله واله وصحبه ومن والاه ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعا وبياكم وأسدد على طريق الخير خطائي وخطاكم.

نكمل هذه السلسلة المتعلقة بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام والتي من خلالها نريد الوصول إلى أمرين اثنين؛ الأمر الأول: فهم الإسلام وفهم النبي الإسلام عليه الصلاة والسلام فكيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يتخذ القرارات وكيف كان يختار الرجال وكيف كان يصنع الأصحاب؟ والشق الثاني: امتثال الأصحاب الذي بلغهم الوصول إلى هذه المراتب العالية.

فهناك شق متعلق بنفس الداعي بنفس المربي بنفس القائد وشق آخر متعلق بالمتربي بالمتعلم بالجندي بالممتثل، من خلال هذه القصص وهذه السير العطرة نصل إلى فهم الدين إلى فهم الإسلام حتى نستطيع بإذن الله أن نتشبه بهم أن نتشبه بهم ونسعى جاهدين للوصول إلى شيء مما وصلوا إليه رضي الله عنهم وأرضاهم.

اليوم معنا قصة صحابي جليل صحابي شهير وصحابي له منزلة عالية في الدين، وهذا الصحابي يلقب بسفير الإسلام، فلما يقال من هو سفير الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة يتبادر إلى الذهن مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه، ما إن للنبي عليه الصلاة والسلام سفراء كثر ولكن مصعب بن عمير هو السفير الذي قام بأظم سفارة بعثها النبي عليه الصلاة والسلام.

هو السفير الذي فتح الله سبحانه وتعالى به المدينة، هو السفير الذي هيأ الطريق للنبي عليه الصلاة والسلام والذي انتقلت الدعوة الإسلامية بالدور الذي قام به هذا السفير، فكان بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رجلين اثنين أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير، فلما أسلم أسعد بن زرارة واستضاف مصعب بن عمير فتحت قلوب الأنصار.

إذا مصعب كان مؤثر تأثير عظيم في الدين، وعندنا عدة وقفات مع هذا الصحابي الجليل مصعب بن عمير ممن آمن قديما في مكة وهاجر إلى الحبشة ثم بعد ذلك هاجر إلى المدينة وبعث النبي عليه الصلاة والسلام، فهو أول مهاجر من أهل مكة وإلا في الأنصار كذلك مهاجرون كما يقول ابن عباس.

انتقل إلى المدينة وذهب إلى المدينة ووطأ الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام هناك، مصعب بن عمير به العديد من الأمور الملفتة للنظر التي تدل على عظمة هذه الشخصية على عظمة هذا الإنسان رضي الله عنه وأرضاه فسنقف ما هو عدة وقفات.

الوقفة الأولى المتعلقة بمصعب بن عمير الإنسان أو مصعب بن عمير الشاب المترف الشاب المدلل، البيئة العربية كانت بيئة بها شدة وبها قوة، ومصعب العجيب أنه لم يكن مثل هذه البيئة بالأصل، يعني مصعب بن عمير تعرفون الذي يعيش في بيئة فقر ويكون هكذا شاب يكون غني كيف يكون هذا الغني كيف يعيش والبقية يعيشون بطريقة معينة؟

هذا الشاب يعيش بطريقة مخالفة لهم هذا هو مصعب بن عمير، تصور أنه كان في بيئة الناس فيها فقراء وهؤلاء الفقراء يبحثون عن لقمة العيش يبحثون عن تحصيل الأمور الأولية والأساسية، أما هذا بلغ هذه الأشياء، الأصل لما تريد أن تدعو تدعو من تدعو هؤلاء المساكين لماذا؟ لأن هؤلاء يستجيبون وهؤلاء عادة ينقادون وعادة يستجيبون وعادة تنتشر فيهم الدعوات.

لكن تذهب إلى الشخص المترف لماذا لماذا تذهب ذهب له ولماذا هو أصلا يستجيب ثم هذا المترف يستجيب تتغير حياته من أن يكون بهذه الصورة يعيش حياة اجتماعية عالية ومترفة إلى أن يصبح فقير مسكين، هل بالعاده هذا الانسان يستجيب بالعاده ما يستجيب لماذا استجاب مصعب بن عمير لماذا استجاب مصعب بن عمير؟

هذا يدل على صفاء عالي في هذا الرجل الشريف رضي الله عنه وأرضاه ويدل كذلك على كرامة إلهية عظيمة لهذا الإنسان، فالله سبحانه وتعالى اطلع إلى قلوب العباد وعلم بأن قلب مصعب بن عمير صالح للانقياد وأن هذه الفتن المانعة والقاطعة عن قبول الدعوات لن تمنع مصعب بن عمير أنما سيكون هذا الرجل مخلد في التاريخ وسينتقل من كونه الشاب المدلل إلى أن يكون نبراس يقتدي الناس به على مر العصور والآجال.

ومصعب بن عمير أسعد الناس به هو من كان حاله مثل حاله، لذلك الداعي لا يأس إنما يبلغ الرسالة للجميع، قد ياتي شخص يكون غني اجتماعيا في حالة مرموقة ومع ذلك يستجيب وينقاد للدعوة ويكون من أعظم البادرين لها ومن أعظم المضاحين لها.

مصعب بن عمير كان يقول ابن إسحاق في كتاب السيرة يقول كان أترف فتى في قريش، هذا الانسان عاش حياه مترفة، انظروا ما الذي حدث له بعد ذلك بعد ما أسلم كيف انتقلت الحياة من حياة الترف إلى أن رآه عثمان بن طلحة وبلغ قومه بأنه أسلم، قاد إلى دعوة النبي الجليل الكريم عليه الصلاة والسلام وبعد ذلك اخذوا يعذبونه ويفتنونه.

هذا الشاب المترف بدأت البلاءات معه ثم هاجر من مكة إلى الحبشة ثم يرجع بعد ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ثم يأتي من النبي عليه الصلاة والسلام ويبعثه إلى المدينة ويلاقي ما يلاقي هناك ثم يرجع بعد ذلك إلى مكة ثم يهاجر إلى المدينة ثم بعد ذلك يقاتل في بدر ثم يستشهد في أحد ويكون معه لواء المسلمين معه لواء المهاجرين.

وكيف قتل مصعب؟ مصعب قتل، يعني مصعب لم يتخلى عن الراية مباشرة إنما قطعت يمينه وأخذ الراية بيساره، يعني فعل مثل ما فعل بعد ذلك جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، هو متمسك بالإislam إلى آخر رمق رضي الله عنه وأرضاه.

إذا مصعب بعد ما قتل رضي الله عنه وأرضاه لم يجدوا ما يكفنون به إلا بردة إن غطوا راسه بدات رجلاه وإن غطوا رجليه بدا راسه، هذا الموقف آثار نفس عبد الرحمن بن عوف بل آثار قبل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء مصعب بن عمير ورأى النبي عليه الصلاة والسلام لابس بردة مرقوعة بفرو، هذا الشاب المترف خرج على النبي عليه الصلاة والسلام وما عنده بردة مرقوعة بفرو، فلما راه النبي عليه الصلاة والسلام بكى.

يعني كيف انتقل هذا الإنسان من كونه شاب مترف إلى أن عانى هذه المعاناة؟ لكن هذا هو الطريق فمن يريد الدرجات العالية لابد أن يقدم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة»، هؤلاء كانوا يفرحون في هذه البلاءات كما جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وإن كان أحدهم يفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء».

فكان الواحد منهم يفرح بالبلاء لماذا؟ لأنه يعلم بأن هذا هو الطريق ويعلم بأن هذا البلاء يوصله ويعلم بأن هذا البلاء يبلغه، فمصعب بن عمير من كان شاب مترف إلى أن أصبح بهذه الطريقة.

طيب كيف ثبت هو يعني كيف قاوم هذا الانتقال؟ اقول لك المقاومة إيمانية ليست غير ذلك، مصعب بن عمير هو مع هذه الحال هو يعيش سعادة ألم نشرح لك صدرك أفمن شرح الله صدره للإسلام؟ هذه اللذة المعنوية التي أعظم من جميع اللذات الحسية، «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، هذا يعيش حلاوة الإيمان.

لكن مشكلة البشر يظنون دائما بأن السعادة متعلقة بالمال أو السعادة متعلقة بنفس الحياة الاجتماعية، أنه يكون عنده هكذا أموال كثيرة وعنده هكذا وظيفة ذات راتب عالي إلى آخره ويكون صاحب منزلة اجتماعية عالية، هذه ليست سعادة هذه متعه هذه متعه تزول ولا تبقى، أما السعادة المتعلقه بالقلب.

كان يحدثني مرة أحد التجار عن تاجر صاحب مال كثير جدا يقول بأن باني جلست مع تجار وهو يقول لي هذا التاجر وهذا يملك والملك الله سبحانه وتعالى يقول بيت يقول باب بيته باب البيت قيمته تساوي بيوت فقط باب البيت، يقول حتى أن البيت من ساعته بالداخل أنك ما تقطع إلا بالسيارة يقول ومع ذلك هو من أضيق الناس عيشا.

لماذا؟ السعادة من الله سبحانه وتعالى السعادة ما توجد إلا بالدين سعادة لابد أن يقذفها الله سبحانه وتعالى، يجي انسان فقير انسان عادي مثل إبراهيم بن أدهم يقول أنا في سعادة لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدون عليها بالسيوف.

ولما سأل هرقل أبا سفيان عن اتباع النبي عليه الصلاة والسلام هل يرتد أحد منهم سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا، قال: كذلك الإيمان إذا خلط بشاشته القلوب.

مصعب بن عمير هذا الذي حدث معه انتقل من حال إلى حال، انتقل من كونه شاب مترف ودخل الإيمان في قلبه فوجد بأن هذا الإيمان له حلاوة، هذا الإيمان معه سعادة، لذلك من لم يذق حلاوة الإيمان هو إلى ما وصل، يعني شخص إذا الآن إلى الآن ما وصل إلى أنه يستشعر بأنها تمر عليه الحضانات بأنه يستشعر بأنه في الجنة أو يمر عليه نعيم هكذا يشعر براحة نفسية كبيرة.

هذه الراحة النفسية الكبيرة هي ثمرة من ثمرات الإيمان وأثر من آثار الإيمان، ليش معنى هذا الشخص ما يبتلى؟ يبتلى وسعيد، أسعد الناس هو النبي عليه الصلاة والسلام لأن الله شرح صدره وأعظم الناس بلاء عن الأنبياء وسيد الأنبياء هو النبي عليه الصلاة والسلام، يعني هذا البلاء مع هذه السعادة هي هكذا المعادلة.

فالقصة من ذلك أن مصعب لذلك الشخص إذا أراد أن يقاوم البلاء بقوته فقط من غير وجود الإيمان ما يستطيع ما يستطيع، فالإيمان هو يكشف لك المرتبة التي وصلت إليها، مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه هو مثال، مثال هذا الشاب المترف.

فكل يكون بهذه الصورة هو حاله قريب من حال المصعب بن عمير أو شبيه بمصعب بن عمير، فيكون شخص في بيئة مترفة في حالة مترفة ثم بعد ذلك ينقاد إلى الخير ويستجيب للدعوة وينتقل حاله من هذا الحال المترف إلى حال آخر، هذا هو أسعد الناس بمصعب بن عمير وهذا مثال مصعب بن عمير.

إذا الوقفة الأولى المتعلقة بمصعب بن عمير الترف، الترف ليس من الدين والتربية الإسلامية لا ترف فيها، ونذكر هنا موازنة متعلقة بطريقة الحياة كيف يعيش الإنسان؟ الإنسان لا يجعل الشهوات تتمكن منه، الإنسان لا يجعل الشهوات تتمكن منه وفي الحديث: «البذاذة من الإيمان»، فالإنسان لا يسمع الشهوات أن تتمكن منه، لكن كذلك الإنسان يحتاج أو لا باس بأن يظهر نعمة الله عليه بل هذا كذلك من الدين، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11].

ولما مر مالك بنظر على النبي عليه الصلاة والسلام وقال وهو لابس ثوب دون فقال ما آتاك الله من المال؟ قال: من الإبر والبقر والخير والغنم، قال: إذا آتاك الله مالا فليرى أثر نعمة الله عليك.

إذا لا باس أن يلبس الشخص الثياب العالية، فالنصوص جاءت بلباس بجواز لباس الثياب العالية والحث كذلك على لباس الثياب ليس العالية إنما الثياب الرديئة أو الدانية أو الرثة الثياب الرثة، طيب متى يمدح هذا متى يمدح هذا؟ يمدح صاحب الثياب العالية إذا كان من باب إظهار نعمة الله، ويمدح صاحب الثياب الرثة إذا كان من باب الانكسار لله سبحانه وتعالى.

ويذم صاحب الثياب العالية إذا كان من باب التكبر والعلو على الآخرين، ويذم صاحب ثياب الرثة إذا كان القصد منه إظهار الزهد وإظهار العبادة وإظهار هكذا التواضع، أما إذا كان الشخص ليس بهذه الطريقه فهذا يمدح.

والنبي عليه الصلاة والسلام كانت حاله يلبس الذي يعرض له فما كان يقصد شيء معين من الثياب إنما يلبس عليه الصلاة والسلام الذي يعرض له، القصد من ذلك أن التربية الإسلامية معها شدة، التربية الإسلامية معها شدة، يقول سيد سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه: اخشوشنو فإن النعم لا تدوم.

لابد أن تكون صاحب خشونة ولا تجعل النعم تتمكن منك ولا الشهوات تتمكن منك، وليس معنى هذا أن شخص يحرم على نفسه ما أحل الله ولا ما أباح الله سبحانه وتعالى لا، ولكن القصد من ذلك أن الإنسان ما يجعل الشهوة تتمكن منه، والشاب في بداية حياته يستطيع أن يسيطر على نفسه في هذا الشيء، فإذا سيطر على نفسه وعود نفسه على الخشونة تستقيم له الحياة بعد ذلك تستقيم له الحياة بعد ذلك.

لكن إذا ما عود نفسه على هذا هذا يتعب في حياته يتعب كثيرا في حياته، والتربية الإسلامية مثل ما ذكرت معها تضحية معها بذل، شخص يقوم صلاة الفجر يقوم ليتوضأ ويسبغ الوضوء على المكاره، هكذا هي التربية الإسلامية.

في قصة أصحاب السبت يمنع الله سبحانه وتعالى الكفار، يمنع الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل من الاصطياد في يوم الجمعة ويقدر عليهم البلاء بأن الحيتان يوم الجمعة تأتيهم شرعة السمك هكذا يبدو على البحر ويطفو، لماذا اختبار؟ هذا الاختبار هو الذي تحصل من خلاله الإرادة، إذا الله يريد منك أن تحصل هذه الإرادة هذه التربية الإيمانية هذه التربية الإسلامية.

لذلك من خلال قصة مصعب بن عمير نلج إلى توجيه المحاضn التربوية أن الذي يصنع الكثير من الشباب في محاضن أو المربين بمسايرة الواقع هذه ليست تربية إيمانية، ثم يتعجبون بعد ذلك من انفراط الشباب وترك الشباب بسبب ذلك أنك ما رببيتهم التربية النبوية لم تربيهم التربية الإسلامية.

التربية الإسلامية تعتني بالإيمان ولن يقاوم أحد فتن هذا الطريق إلا بالإيمان ليس بما يفعل، نعم هذا الذي يفعل ممكن يكون مرحلة زمنية مؤقتة من باب هكذا مسايرة الناس حتى يتمكن الإيمان منهم لكن أن يتم الخضوع والانصهار.

والذوبان في الثقافة العامة حتى ما ينفض الشباب. أقول لك الآن سينفضون منك، لأنك الآن هم نظروا إلى المحضن التربوي عبارة عن مكان به سعادة فقط، عن مكان به متعة، به لعب، ويوفر له المحضن كل ما يوفره له من هو خارج المحضن. فما الفرق بينك وبينهم لما يأتي شخص آخر ويوفر لهم الذي لا توفره؟ سيذهبون له، بل حتى لو استمروا معك سيستمرون من غير إيمان، بمجرد أن تأتي فتنة تسقط هؤلاء. هذه لا علاقة لها بالتربية النبوية أبداً، إنما التربية النبوية تقوم بالأصل على ركنين أساسيين، أقصد في معاملة النفس وليس فقط بالعبادة وتحصيل الععبادة -وهذه مهمة كذلك أن نتكلم عنها، الإيمان وكذلك الصلاة إلى آخره-.

إنما مقاومة النفس تكون من خلال تعويد الإنسان على تحصيل إرادة، تعويد الإنسان على تحصيل الإرادة، فيقرر الإيمان في قلبه، يقرر الإيمان في قلبه، ثم بعد ذلك يحصل هذا الشخص إرادة فيقوم للصلاة. يعني أنت الآن دور المعلم هنا يبين، يعلم، فيستقر الإيمان، ثم يأتي الاختبار فيسعى هذا الطالب لتنفيذ الأمر، ثم يرجع إلى المعلم، ثم المعلم يوجهه ويقول: أنت الآن تسير على الطريق، فيبدا يوجه. هكذا هي التربية النبوية، هكذا هي التربية. أما يكون طالب هكذا محصور ومنعزل عن المجتمع، أو يكون طالب هكذا متعود على الترف دائماً، هذه لا علاقة لها بالتربية النبوية. فعزل الناس عن دعوة الناس لا علاقة لها بالتربية النبوية، عزل الشباب، عزل الطلاب عن مواجهه الناس والجمهور وحث الناس، ثم بعد ذلك يأتيهم ما يأتيهم من كلام ويرجعون ويجتمعون، هنا يتلقى الشخص القرآن ويستفيد وينتفع وفهم القرآن الكريم، هنا يتصلب هذا الشخص ويقوى ساعده.

أما أن تكون التربية مثل ما ذكرت أنها لا توجد بها شوائب، لا توجد بها هكذا قوة، فهذه ليست تربية، هذه ليست تربية نبوية. وكذلك لا يكون بها مواجهة للجمهور، وكذلك دعوة للآخرين، وتعرض إلى شيء لشيء بسيط من البلاء أو شيء يستطيع الإنسان أن يحتمله، فهذه كذلك ليست تربية ولا دعوة نبوية. مصعب بن عمير انتقل من حال إلى حال، خلاص الآن جاءت التربية الإيمانية، هو مترف، هذا الترف لا يستقيم مع الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ما تستطيع. إذاً ما الحل؟ الحل أنك تترك هذا الترف، تترك وتقاوم وتصبر وتصابر، الجزاء الجنة. الجزاء في النهاية الجنة، في الدنيا السعادة، إن في الدنيا نعيم من لم يدخله لن يدخل نعيم الآخرة، هذا النعيم هو السعادة، الطمأنينة، نعيم الإيمان، تعطى هذا في الدنيا. أما هل في الدنيا ستعطى الدنيا؟ هل في الدنيا ستعطى الدنيا وتعطى المال؟ لا يشترط، ممكن تعطاها وممكن ما تعطاها. الصحابة منهم من وصل إلى فتنة السراء وحصل المال، ومنهم من لم يصل، لذلك يقول خباب بن الأرت لما فتحت عليه الدنيا يقول بأننا هاجرنا مع النبي عليه الصلاه والسلام نبتغي بذلك وجه الله، فمنا من مات قبل أن تفتح له الدنيا فوقع أجره على الله، منهم مصعب بن عمير، منهم مصعب.

أما نحن فأينعت لنا الثمرة فنحن نهدها، فأينعت الثمرة، خلاص حصلوا الأموال فكانوا يخافون رضي الله عنهم وأرضاهم. ولما قدم لعبد الرحمن بن عوف الطعام وتذكر مصعب بن عمير، كيف أن مصعب هذا شاب الفتى المدلل في مكه، كيف لما مات وضعه على رجل إذخر، ما في لا يوجد لباس يغطون به، لا يوجد كفن، فيضعون الكفن على رأسه فتبدو القدمان فغطوا القدمين بالأذخر بشجر، فبكى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه ولم يأكل الطعام، تذكر هذا المشهد وهذا الموقف وقال: هو خير مني، قتل مصعب وهو خير مني. إذاً هؤلاء ماتوا قبل أن يحصلوا هذا، قد يحصل وقد لا يحصل، يعني قد تفتح الدنيا على شخص وقد لا تفتح عليه، وفتح الدنيا ليست علامة خير، قد تكون علامة شر كبير. وَاللَّهِ لَتَصُبَّنَّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا حَتَّى لَا يُزِيغَ قَلْبَ أَحَدِكُمْ زَاغَةً إِلَّا هِيَ.

قبل أن تفتح الدنيا يكون الشخص في سلامة، وفتنة الضراء أيسر بكثير من فتنة السراء عند عامة الناس، لذلك يقول عبد الرحمن بن عوف وهو الذي عانى الفتنتين: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. القصد من ذلك أن مصعب بن عمير كان فتى مترفاً، ثم انتقل بعد ذلك إلى البلاء إلى التربية الإيمانية، خلاص، وقبل هو قبل الآن بأن تكون النتيجة الجنة، وأن في الدنيا يحصل هذه السعادة والطمانينة. إذاً هذه الوقفة الأولى المتعلقة بطبيعة التربية النبوية، طبيعة التربية الإسلامية لابد أن تكون متعلقة بالإيمان بالأصل مع العناية بتحصيل الإرادة، هي لابد أن تقوى إرادة الطلبة، لابد أن يعتاد الطلبة على القسوة على الشدة التي يستطيعون الانتقال منها من مرحلة إلى مرحلة. أنا ما أسعد ولا أفرح لما يأتي شخص دائماً دعوة الناس يقابلون بها بالبشاشة، بل أسعد لما هكذا تقع عنده مشكله، لأن هذه المشكلة هي التربية، هذه المشكلة هي التربية، لأن هذا إنسان ممكن ما يقابل ما يقابله بلاء فيصعد ويصعد ويصعد، ثم فجأة يأتيه بلاء فيكسر كسراً قوياً، لأن هذا ما تربى، هذا خاوي، ويظن بأنه متربي بسبب المعلومات اللي عنده وبسبب استجابة الناس. لا، لابد أن يصيب شيء من هذا البلاء الذي يقسي من عوده ويقوي عوده، يقوي إيمانه، فالايمان هكذا يتقوى، الإيمان هكذا يتقوى.

إذاً، ناخذ من هذه التربية أن الشخص لابد أن يعتاد، وأن أهل المحاضن وأصحاب المحاضر لابد أن يربوا أبناءهم وطلابهم على التربية، ويعطونهم إيماناً، ومع الإيمان يرقونهم، يرقونهم الترقية التي يستطيعون عليها، وهكذا درجة فدرجة، وهذا هو الرباني، هذا هو المربي الحقيقي الذي يرتقي مع الناس، الذي يرتقي مع الناس ويعلم أن هذا الإنسان طاق وقته الآن في الاحتمال كذا، يزيد درجة، ثم يرتقي معه درجة، ثم يرتقي ويرتقي حتى يصل معه إلى أعلى درجة يصل إليها بالإيمان. هذه هي التربية الإيمانية وهذا هو الرباني الذي يعلم الناس بهذه الطريقه، فينظر إلى استيعاب العقل، وينظر إلى التحمل النفسي، ثم يحمله، ثم هنا يحمله، ما ينظر إلى التحميل النفسي هذا ويقف، إنما ينظر كم الطاقة التي عنده. نعم، سيتعب، هذا التعب يحتمله، إذاً هذا التعب اللي يحتمله لابد أن يعطيه، ثم ينتقل بعد ذلك، ثم ينتقل، ثم ينتقل حتى نصل إلى التضحيات الكبيرة والعظيمة بإذن الله.

إذاً، هذه الوقفة الأولى المتعلقة بهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، وينبغي على الدعاة ألا ييأسوا، ألا ييأسوا من هؤلاء. كان عندنا داعية هو الآن كبير في السن، عمره جاوز سبعين سنة، ماتت زوجته قبل أكثر من أربعين سنة، قبل أكثر من أربعين سنة، وكانوا هكذا الدعاة، كانوا فقراء، يعني كانوا سعدائي في ذاك الوقت هذا الجيل الماضي، وحدثني أحد يعني من عايش تلك المرحلة وموجود الآن، يعني كل الرجلين وهذا الرجل نفسه الذي اهتدى معهم كان موجوداً. يقول: كان ياتينا بسياره فارغة، يقول: كنا في المقرة وهؤلاء كانوا يجتمعون يعني في يحضرون على هكذا يصلون على الجنائز ويجلسون ويصومون اثنين وخميس وهكذا. فيقول: في يوم من الأيام حضرنا هكذا جنازة وكانت امرأة، وأتى شخص بسيارة فارغة غالية جداً في ذاك الوقت، ولابس هكذا لبس يدل على أنه لا يعني على أنه هكذا انسان غني جداً ومترف ترفاً كبيراً، يقول لي هذا شخص داعية.

يقول: فكلم بعض الشباب ونصحوه وعزوه، فقال: أنتم ماذا تصنعون؟ قال: هل نجتمع هكذا؟ وكان عندهم مسجد عبارة عن هكذا مبني من يعني من شنكو، من الكربي. فأتاهم هذا الشخص صاد يزورهم، هذا الشخص المترف أصبح يزورهم ويجلس معهم، ثم بعد ذلك بنى له المسجد هكذا بنيان كبير وعالي، ثم أصبح بعد ذلك سلط ماله -طبعاً هو يملك مال وفير جداً وعالي يعني بعشرات الملايين- وأصبح سلط مال هذا كله في سبيل الله، وابتلي ببلاءات يعني عظيمة عظيمة جداً، لكن هذا المال جعله خدمة للدعوة، فقامت كثير من الأعمال والأنشطة الدعوية، بل هذا الإنسان الكثير من الناس ما يعرفون اسمه لكن يعرفون آثاره، يعرفون آثاره.

فبعض القنوات التي كانت تدافع عن الإسلام، تدافع عن الإسلام ضد الرافضة، وكذلك الأعمال الكبيرة التي كانت من أهل السنة والجماعة ضد انتشار التشيع، كانت قائمة على مال هذا الرجل. هذا الرجل تبنى هذا المشروع وقام به وسخر ماله الكبير في، وما زال هو ملتزم ومهتدي وما زال وهو قوي ليس يعني ضعيف بالهداية، إنما اخذ الدين هكذا بشدة وبقوة، والآن عمره كبير يعني فوق سبعين سنة. فقصد من ذلك أن انظروا كيف هذا الإنسان اهتدى، كلموه جماعة من الدعاه واهتدى وعاش حياة مختلفة عن الحياة الأولى، وسخر هذا المال وسخر هذه هذا السلطان الذي عنده في نصرة الدعوة.

فالقصد أن هذه هذا النموذج، هذا النموذج موجود في كل مكان، فلا تيأس ولا تجزع، هذا النموذج موجود في كل مكان، هذا النموذج موجود. لذلك الدعاة إذا أدخلوا عقولهم أفسدوا الدعوة، هذه والله كلمة ثقيلة، أحياناً داعية يقول: هذا مستحيل يهتدي! ما قال لك إن مستحيل يهتدي، أنت ما تملك كل القلوب، هذا ممكن يهتدي، ويكون هدايته وانقياده للحق أعظم بكثير من انقياده الذين ما توجد عندهم حواجز بينهم وبين الحق. نعم، صاحب المال، صاحب السلطان الجاه هذا يكون بينه وبين الحق حواجز، وعادة ما يؤمن صحب المالا، عادة ما ينقض، هم أعداء الرسل في العادة، لكن ليس معنى هذا أن كل شخص منهم سيكون عدو، مثل ما ذكرنا في قصة سعد بن معاذ، انظروا كيف تدع سعد بن معاذ وضحي بهذا كله، وكيف سعد بن ضحي، وكيف الآن مصعب بن عمير هنا هذا الفتى المدلل يترك هذا كله وينتقل من حياته إلى أن يأتي ببردة مرقعة ب هكذا موقوعة بفروة، فينظر مرقعة بفرو فيبكي النبي عليه الصلاه والسلام لما يرى ما تدري، ما تدري كيف الإنسان يعني يتمكن الإيمان في قلبه.

وهذا الأمر، أي دخول الناس الدين أمر خفيف، ما تدري كيف يكون، يعني مره كنت أسأل بعض الأشخاص اللي كانوا في هم على معتقد ضال، واجتمعنا معهم مرة هكذا في لقاء عام، وكنت أسألهم: كيف أنت اهتديت؟ كيف أنت اهتديت؟ مجموعة من هكذا مذهب، يعني مذهب كفري، لكن اهتدوا بعد ذلك وأصبحوا مسلمين، هم قلة في هذا المذهب. فلما جلسنا قلت: كيف أنت اهتديت؟ فيقول: أنا اهتديت بسبب الأذان الثاني، يقول: اهتديت بسبب سماع سورة الواقعة. قلت: كيف يعني؟ قال: أتاني هكذا المقطع في قراءة سورة الواقعة، قال: فاستمعت فاهتديت. وهذا يقول: الأذان. قلت: كيف الأذان؟ قلت: كنت أمشي وسمعت صوت الأذان فدخلت المسجد، المسجد. قلت: هكذا بس؟ قال: بس والحمد لله، زوجتي كذلك اهتدت، وأبنائي الآن الحمد لله يعني يحفظون وهكذا. أسرة كاملة من خلال الأذان، وآخر قال: من خلال تفسير ابن كثير، والرابع قال: من كذا، يعني سبحان الله، ما تدري كيف يهتدي الناس! هذا الأمر ليس الفضيل بن عياض يريد أن يسرق وهو قاطع طريق ومواعد هكذا امرأة، يسمع شخص قرأ القرآن الكريم فيهتدي ويصبح الفضيل بن عياض. هذا الأمر ليس لنا، هذا إلى.

لذلك الواحد يبلغ الرسالة، يبلغ الرسالة، ما تدري كيف تهتدي الإنسان، ما تدري ما هو الموقف. لا تدخل عقلك، أنت دخلت عقلك هنا تعمل تعامل خاطئ، ما تدري أين تكون البركة، دائماً توكل على الله واستمر في تبليغ الرسالة، توكل على الله واستمر في تبليغ الرسالة. أحياناً يكون عندك هنا طالب، هنا مئة طالب، تدخل عقل، لا، المئة أفضل من واحد، أقول لك كيف؟ كيف عرفت؟ لذلك خطر أدخال العقل، خطر في هذه المسائل، إنما شخص يدعو الله نعم يقدر أنا ما أقول ما يقدر، لكن أقول: لا تعتمد على العقل، اعتمد على الدعاء، استعن بالله سبحانه وتعالى، اجعل هذا هو الذي يوجهك حقيقة، أما التقدير لا باس به، لكن التقدير مثل ما ذكرت خاضع للاستخاره، خاضع للاستخاره، فإذا توكلت الله بهذه الطريقه هنا تهدى وتوفق وتسدد، ويقذف الله سبحانه وتعالى في قلبك الهدايه التي من خلالها تصيب بإذن الله الحق.

إذاً، هذه الوقفة الأولى المتعلقة بالترف وطبيعة التربية النبوية وكذلك طريقه الدعوة أن شخص ما يدري من سيهديه وكيف سيهتدي هذا الإنسان. الأمر الثاني المتعلق في أو الوقفة الثانية المتعلقة بهذا الصحابي الجليل، اختيار النبي عليه الصلاه والسلام له، والنبي عليه الصلاه والسلام لا يختار إلا اختيار دقيق جداً (تنحنح)، يعني لما يختار النبي عليه الصلاه هذا الإنسان ويجعله هو الذي يحمل اللواء أو يجعله هو الذي يكون خليفته في المدينة، يخلف النبي عليه الصلاه والسلام في المدينة، أو يجعله هو الذي يقود الجيش، أو يجعله هو الذي يحمل هذه السفارة، هذا الاختيار قائم على عناية خاصة، قائم على دقة في الاختيار، هنا تبرز عظمة النبي عليه الصلاه والسلام في انتقاء أصحابه ومعرفة المواهب وتوجيه صاحب كل موهبة للعمل الذي يستطيع أن يقوم به. لماذا اختار مصعب بن عمير؟ أتى ستة من الأنصار وقيل ثمانية إلى مكة، وكانوا يريدون الاستنصار بهؤلاء أي أهل مكة على أعدائهم من بني عمومته، فلقيهم النبي عليه الصلاه و نصحهم عليه الصلاه وقرأ عليهم القرآن عليه الصلاه والسلام، فتاثروا به فرجعوا إلى المدينة، ثم بعد ذلك أتوا إلى مكة ووقعت بيعة العقبة الأولى، اثنا عشر رجلاً من الأنصار، اثنا عشر رجلاً من الأنصار، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وجلس معهم النبي عليه الصلاه والسلام.

بعد ما بايعهم النبي عليه الصلاة والسلام بيعة الإيمان، بيعة النساء المذكورة في سورة الممتحنة، آخر سورة الممتحنة. بعد ما ضيعهم النبي عليه الصلاة والسلام، نظر إلى أصحابه: كم رجل موجود مع النبي عليه الصلاة والسلام في مكة؟ مجموعة من الرجال. اختار واحد من هؤلاء؛ من الرجل الذي اختاره؟ مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه. طيب، لماذا مصعب بن عمير؟ ما الدور المراد من مصعب بن عمير؟ هذا هو الذي نريد أن نعرفه في هذه الوقفة.

مصعب بن عمير به صفات السفير، صفات السفير تنقسم إلى قسمين كبار. أنت الآن تريد أن تبعث سفيراً، من هذا السفير الذي تبعثه؟ لابد أن يكون هذا السفير به أمران اثنان؛ الأمر الأول الديانات، أو دعنا نقول مع الديانة -طبعا هذا لما يكون يا باعة المسلم- دعنا نقول الأمانة، دعنا نقول أمانة. الأمانة يعني ايش؟ يعني هذا لن يغدر، هذا لن يخون، هذا لن يبيع، هذا لما يرضى ما راح يقبل بالرِشوة، هذا لما يعطى لن يقبل، يعني هذا لن ينقلب علينا، هذا لن يغرر بالدعوة. إذا هذا المعنى لابد من وجوده لما تبعث الرسول، لأن هذا الرسول ممكن ينقلب، هذا الرسول ممكن يتغير، ممكن يفتن، إذا نحتاج أن نبعث رسولاً يكون من طبعه عدم الفتنة.

طبعا تقول لي: كيف أعرف الفتنة؟ صعبة، ممكن شخص يفتن. أقول: الماضي، لن تبعث شخصاً إلا وقد اختبرته، وقد نظرت إلى فعل هذا الشخص. كان مترفاً، يعني هذا الإنسان هو غير محتاج للمال، لو احتاج إلى المال ورجع إلى أمه وإلى عشراته وترك الدين، إذا هو هذا بعيد غاية البعد عن الفتنة. هذا الإنسان لو أراد المال هو أصلا كان صاحب مال؛ تخاف من من؟ تخاف من الفقير الذي ما سبق له أن حصل المال، نعم هذا تخاف منه وهذا لا تغرر به، دائماً انتبه حتى تنظر إلى فعله لما تقع على الفتن، شتان بين شخص كان صاحب مال ثم ذهب منه المال ويستطيع أن يرجع إلى هذا المال، وبين شخص بالاصل ما حصل المال.

لذلك لما قيل لسفيان الثوري وهو ووصف بالزهد: أيها الزاهد؟ فقال: الزاهد عمر بن عبدالعزيز، لست أنا، أنا ورع، أما عمر هو الزاهد. لماذا؟ لأن عمر خليفة، عمر هو الآن في مقام عالي، هو وصل إلى هذا المقام ومع ذلك يقول: هاتوا الخلافة فركلها، دفع الخلافة ووعد الخلافة، بلا، هذا هو الزاهد، هذا هو الزاهد. فالزاهد هو الذي يحصل الشيء ثم يتخلى عنه ولا يبالي به، هذا لن يفتن عادة بالمال، هذا لن يفتن بالمناصب، هذا يفتن لماذا؟ لأنه هو أصلاً محصن.

لما وقعت مناظرة بين ابن حزم الأندلسي وأبي الوليد الباجي، فقال له الوليد الباجي بأني أنا أعظم همة منك لأني طلبت العلم على قنديل باءة السوق إلى آخره، فرد عليه ابن حزم وقال: وأما أنت فطلبت العلم وأنت جالس في في هذا المقام مقام سلطان وتأكل في ملاعق الذهب إلى آخره، فرد عليه ابن حزم وقال: بل أنا أعظم همة منك؛ لأنك أنت طلبت العلم حتى تصل إلى مقامي، أما أنا طلبت العلم لشرف نفسي وعلو نفسي.

فقص من ذلك أن هنا الشخص لما يكون في يكون مترفاً أو يكون صاحب منصب صاحب جاه ثم يتخلى عنه من أجل الدين، هذا غالباً ما يفتن، بخلاف الشخص الذي لم يسبق له أن يكون عنده هذا الموقف أو يكون عنده هذا المقام، يكون عنده هذا المال، هذا نعم ممكن يفتن، لذلك لا تأمن هذا الشخص كثيراً، وليس معنى لا تأمن أنك تخونه، لا، لكن خف عليه، خف عليه أكثر من خوفك على الشخص الأول. عادة المال ما يكون عنده كبير، كثير يكون المال عنده كبير، يعني شعر فما يؤثر به كثيراً، ذاك عثمان بن عفان كان هو أصلا غني، هو تاجر، فالمال بالنسبة له ليست له قيمة كبيرة، ليست له قيمة كبيرة، فعادي يضحي لأن المال ما دخل قلبه، وهو متمكن من المال وما دخل قلبه، ما دخل قلبه.

لذلك كانت الجماعات الإسلامية أو بعض العاملين الإسلاميين كانوا يجعلون في صندوق المال هو الأغرياء، أي هم بالاصل أغنياء وتجار وتعرضوا إلى بلاءات وما زالوا مستمرين، لماذا؟ هؤلاء مؤتمنون على المال، هؤلاء مؤتمنون كثيراً على المال؛ لأن هؤلاء يصعب أن يفتنوا، هؤلاء يصعب أن يفتنوا. مصعب بن عمير فيه هذا الشيء، مصعب فيه هذا الأمر، مصعب مؤتمن، ورى النبي عليه الصلاة والسلام في هذه السنوات منذ أسلم مصعب بن عمير في دار الأرقم -قبل أن يخرج النبي عليه الصلاة والسلام من دار الأرقم إلى أن بعث الآن في السنة الحادية عشر، سنة الحادية عشر من البعثة- خمس ست سنوات ومصعب أثبت صدقه، أثبت القيادة، تلي عذبت، هاجر، إذا هذا إنسان مؤتمن على الدين، هذه السنوات كشفت معدن مصعب الأصلي والنقي.

هذا الشق الأول المتعلق بالسفارة، الائتمام؛ أنك تأتمن هذا الإنسان يكون صاحب أمانة، صاحب أمانة. الشق الثاني المتعلق بالصفات، تقول لي: طيب ما هي الصفات التي نحتاجها بالسفير؟

أقول لك: السفير لابد أن يكون حليماً، لابد أن يكون صبوراً؛ لأن إذا ما كان حليماً وصبوراً ممكن يستفز، فلا يقوم بالواجب عليه القيام به، لابد أن يكون صاحب حلم وصاحب صبر، وكذلك لابد أن يكون السفير ذكياً؛ لماذا؟ لأن السفير سيبلغ الرسالة، والذي بعثه هو أعطاه شيئاً معيناً محدداً، طيب إذا طرحت عليه الأسئلة، إذا تم التشريب عليه كيف سيتعامل؟ لابد أن يكون ذكياً، لابد أن يكون صاحب عقل جيد.

لذلك أنظروا إلى سفراء النبي عليه الصلاة والسلام، أنظروا إلى جعفر بن أبي طالب كيف كان مع النجاشي وكيف رد عليه، أنظروا إلى معاذ بن جبل لما بعثه النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليمن كيف كان عقل معاذ وكيف كان فهم معاذ، فهم معاذ بن جبل. السفير لابد أن يكون بهذه الطريقة، لابد أن يكون إنسان صاحب عقل ذكي وكذلك صاحب حيلة، أنظر إلى عمرو بن العاص كيف كان بهذه الطريقة.

إذاً لابد أن يكون السفير صاحب عقل ذكي، يعني ما يكون إنسان هكذا يحتاج إلى مدة طويلة حتى يأتي بالجواب، لا، يكون عقله حاضراً، ويكون كذلك صاحب كيد، صاحب حيلة، يعني يعرف يخرج من الأمور لما تقع عليه المشكلة، يعرف كيف يخرج منها، ويعرف كيف يتعامل مع المقابلة، ولا بد تكون الصفات هذه عنده قوية ليست ضعيفة، تكون هذه الصفات عنده قوية ليست ضعيفة. إذاً يكون حليماً، ويكون كذلك صبوراً، وكذلك يكون الإنسان الذكياً وعارفاً وفائماً، ويكون عنده علم، هو لما يبلغ هو فاهم ما الذي يريده الذي بعثه، يعرف حدوده، هو فاهم الدعوة، مستوعب الدعوة، ويعرف حدود هذه الدعوة، ويعرف الحد الذي يسمح الداعي به، هو لابد أن يكون بهذه الطريقة، لابد أن يكون فاهاً وعارفاً، لذلك العرب تقول: أرسل حكيماً ولا توصه. أرسل حكيماً ولا توصه لماذا؟ لأن هذا الحكيم، لأن الحكيم يكون عارفاً وواعي ومدركاً، فيعرف هذا الحكيم كيف يقدر الأمور، ويعرف ما الذي يقوله وما الذي لا يقوله؛ لأن كل كلمة محسوبة عليك لما تكون سفير وأنت في موطن الاختبار ليس في موطن العذر، فهؤلاء لن يعذروك، فهؤلاء ليسوا أصحابك، إنما هؤلاء مخالفون لك، فهؤلاء يريدون إسقاطك، يريدون إسقاطك أو إيقاعك، فلا بد أن يكون السفير يملك هذه الموهبة.

كذلك من ضمن الصفات التي ينبغي على السفير أن يتصف بها: صفة الشجاعة والثبات، لابد أن يكون قلب السفير قوياً ويكون شجاعاً، ما يكون ضعيفاً مهزوزاً هكذا يخاف ويغير بسرعة، لابد أن يكون عنده ثبات نفسي، عنده ثبات نفسي يستطيع أن يقاوم المغريات والضغوطات لما تقع عليه، فيكون عنده هذا الثبات.

كذلك من ضمن الصفات المهمة جداً بالسفير -التي هذه ما يملكها طبعا الإنسان- نفس صفة السفير الخلقية، نفس صفة السفير الخلقية، وأنظروا أنظروا إلى عظمة عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه لما يقول: إذا دخلتم، إذا كنتم مجموعة ودخلتم فقدموا أحسنكم اسماً؛ الناس يستبشرون بالاسم. وإذا دخلتم، أو إذا قدمتم فقدموا أحسنكم اسماً، وإذا دخلتم فقدموا أحسنكم وجهاً، قدموا أحسنكم وجهاً؛ يعني الاسم لابد أن يكون أفضلكم اسماً هو الذي يطرق سمع الشخص، ثم أحسنكم وجهاً هو الذي يراه الشخص، لأن هذا مؤثر، هذا مؤثر.

فمصعب بن عمير كان شاباً مترفاً وكان من أحسن فتيان مكة ومن أجمل فتيان مكة ومن أحسنهم خُلقاً وخَلقاً كما يقول عامر بن ربيعة رضي الله عنه وأرضاه يقول عامر بن ربيعة البدري يقول: هاجرت مع مصعب بن عمير فكان أقربهم لي، أقرب من هاجرنا معه إلى الحبشة، يقول: وكان رضي الله عنه وأرضاه أقلهم خلافاً، وكان أحسنهم خُلقاً، وأقلهم خلافاً يعني مصعب ليس من عادته هكذا الخلاف، إنما كان أقل خلافاً، وكان أحسنهم خُلقاً، كان سمحاً، صاحب سماحة، وهذه الأخلاق كلها مع وجود الصفات الخلقية لما يجتمع في شخص هكذا الوسامة مثلاً أو الجمال الخلقي مع وجود الطبع الحسن والجميل إلى آخره، هذا في السفارة يؤثر، هذا يكون مؤثراً.

لذلك أنظروا مصعب لما ذهب إلى المدينة، كيف أثر في المدينة؟ كيف لما آتاهم أسيد بن حضير وهو مغضب، كيف رد عليه بهدوء وعلم ولين؟ وكيف لما أتى سعد بن معاذ ورد عليه بهذه الطريقة بحلم وصفح وصبر؟ فاجتمع الآن في مصعب نفس الخلق الحسن وكذلك الخُلق الحسن، ففتح بإذن الله، طبعا هذا كله قبل ذلك الصدق مع الله سبحانه وتعالى، الصدق مع الله سبحانه وتعالى، وكيف أن خاطب أسيد فاسلم أسيد، خاطب سعد فأسلم سعد رضي الله عنه وأرضاه.

يعني مصعب بنى في سنة واحدة نقل الأنصار أو المدينة من حال إلى حال في هذه السنة، بايعهم النبي عليه الصلاة والسلام في بيعة العقبة الأولى، بيعة الإيمان، ثم في السنة التي تليها بايعهم بيعة القتال. قال: في السنة هذه ما الذي وقع؟ ما الذي جرى؟ ما الذي فعله مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه؟ كان مصعب حريصاً على إيصال الدعوات وعلى تقرير الدعوات في نفوس الأنصار، فأحسن مصعب بن عمير أيما إحسان في إيصال هذه الدعوة، فاستقر الإيمان في نفوس الأنصار وعم، وانتشر الأنصار في هذه السنة من خلال دعوة مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه.

إذاً مصعب كان حريصاً، مصعب يعلم بأنه أتى من أجل وظيفة معينة محدودة، هو الآن مسؤول عن الإسلام، فقام في هذه السنة بتبليغ الرسالة وإيصالها بأحسن وجه وأحسن طريق، وكان يرى قبل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام كيف كان يبلغ الرسالة، كيف كان يقول: أفرغت يا أبا الوليد؟ كيف كان يقول: بعثت بالحنيفية السمحة؟ كيف كان يخاطب الكفار؟ هو صاحب عقل وقاد، ذهن وقاد، وصاحب حكمة وصاحب معرفة وصاحب وهو بالاصل سمح وصبور وصاحب إيمان وصدق، فاجتمعت هذه الصفات في مصعب بن عمير فأحسن تبليغ الرسالة، رسالة أحسن رضي الله عنه وأرضاه تبليغ الرسالة، حتى في سنة واحدة انتقل الأنصار إلى أن يبايعوا النبي عليه الصلاة والسلام على قتال الأحمر والأسود، بعد ما استقر الإيمان في هذه السنة من خلال طريقة تبليغ مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه لهؤلاء.

إذاً نحن نحتاج في السفارة هذا الإنسان، نحتاج في السفارة هذا الإنسان. هناك كتاب جميل بعنوان (سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم) لمَحمود شيث خطاب، وكذلك هناك كتاب آخر ونقل منه هذا الكتاب محمود شيث خطاب، (رسل الملوك) للقاضي أبي يعلى الحنبلي، في بيان صفات السفير وفي بيان سفراء النبي عليه الصلاة والسلام، وفي دراسة لسفراء النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن كتاب محمود شيث خطاب لم يذكر مصعب بن عمير إنما ذكر سفراء النبي عليه الصلاة، لكن لم يذكر مصعب بن عمير، ومصعب قبل هؤلاء، مصعب هو أول سفير، وهو طبعا كذلك جعفر بن أبي طالب هو كان مقدماً في الصحابة في الحبشة، لكن مصعب هو السفير الذي خصه النبي عليه الصلاة والسلام حتى يفتح المدينة، حتى يفتح المدينة، حتى لقب بعد ذلك بسفير الإسلام وسفير رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام.

إذاً هذه صفة السفير مهم جداً أن نستوعبها، مهم جداً أن نعرف من الذي يصلح، ليس الكل يصلح. وهنا معنى مهم: بعض الناس يظن بأن كل شيء عبارة عن صناعة، لا، ليس كل شيء صناعة، هناك أشياء خُلقية، هناك صفات مطبوع الإنسان بها. الإسلام عبارة عن جماعة ليس عبارة عن فرد، الفرد لوحده ما يستطيع يفعل كل شيء؛ لأن هذا الفرد عنده صفات قوية ولكن عنده كذلك صفات ضعيفة، هذا الموقف أو هذا المقام يحتاج إلى هذه الصفة، هذا الإنسان تكون عنده صفة ضعيفة إذاً هو ما يصلح لهذا المقام، غيره يصلح له لكن هو ما يصلح لهذا.

لكن العمل جماعي، العمل جماعي والإسلام عبارة عن عمل جماعي، العمل الفردي لا يستطيع، لا يستطيع أن يقوم وأن يسد هذا المسد، العمل الفردي فقط يستطيع أن يبلغ الرسالة على سبيل العموم، لكن نريد أن نؤثر ونريد أن نرتقي، نريد أن نققيم دعوة إسلامية لابد أن تكون عندنا هذه النماذج، عندنا هذا الشخص القوي الشديد مثل عمر بن الخطاب، عندنا هذا الشخص الذي يغلب عليه الحياء والرحمة مثل أبي بكر الصديق، عندنا هذا الشخص الذي يغلب عليه كذا وهكذا، بمجموع هؤلاء يقوم العمل الإسلامي، وكل واحد من هؤلاء يوضع في المقام الذي يصلح له، في المقام الذي يصلح له، فمصعب بن عمير وضع في هذا المقام لأنه صالح له ويستطيع عليه.

الشق المتعلق بالديانة والإيمان إلى آخره؛ نعم هذا يؤخذ، هذا لا بد منه وتقريره. ولكن الشق الآخر المتعلق بنفس الصفات الخلقية، هذه ما يستطيع الإنسان يتكلفها، ما يستطيع الإنسان يتكلفها كذلك.

الشق المتعلق بالصفات الخلقية بعضها يستطيع وبعضها ما يستطيع؛ يعني بعضها يستطيع الإنسان أن يترقى فيها ويقويها، وبعضها يقوي هذه ويحاول كذلك أن يقوي الصفات الأخرى فيشكل تشكيلاً نهائياً قوياً، لكن في مقام معين محدد وليس في مقامات أخر، فكل إنسان له المقام الذي يستطيع أن يقوم بنصرة الدين من خلاله. مصعب بن عمير كانت عنده هذه الصفات عالية فهو بالأصل هكذا؛ يعني شاب مرتب.

هو بالأصل شاب مهذب مرتب لبق؛ يعني هو تعلم هذه اللباقة في بيته، هو تربى في حياته كلها بهذه الطريقة. هذا الإنسان اللبق لما يأتيه شخص ويستفزه هو لا يستفز، إنما يخاطب بلين وهكذا بحلم، لكن لما يأتي شخص آخر يكون قوي وجديد وهذا يقول لذاك يرد عليه، هنا السفارة ما السفارة؟ متى نبعث فيها الشخص الذي يكون به شدة؟ لما نريد أن نقاتل، نعم لا نريد أن ندعو، نريد أن نقطع علاقات، هنا نبعث هؤلاء، مثل ما بعث عبادة بن الصامت. عبادة بن الصامت أسود اللون فكان يقول الرومي: «أبعدوا عني هذا الشخص» خاف منه، هذا نعم.

هنا لما نريد أن نبعث شخصاً من أجل هذا الشيء نبعث هؤلاء؛ يعني كل مقام له الشخص المناسب له، كل مقام له الشخص المناسب له. هنا الآن نريد نحن أن ندعو الأنصار، دعوة الأنصار نحتاج إلى شخص من طبعه هذا، طبعه الحلم، طبعه العفو، وكذلك يكون واعي ومدرك في الدين وفاهم تفاصيل الإسلام ومدرك ويعرف كيف يقيم الحق، مصعب بن عمير كان هو الخيار الأفضل عند النبي عليه الصلاة والسلام، فكان أفضل واحد يصلح لهذا المقام هو هذا الرجل رضي الله عنه وأرضاه.

إذاً هذه الوقفة الثانية المتعلقة بمصعب بن عمير. الوقفة الثالثة المتعلقة بمصعب بن عمير وهي وقفة إيمانية متعلقة بقصد مصعب بن عمير. مصعب بن عمير بعد ما خاض معركة بدر وانتصر أهل الإسلام فيها، كان من ضمن المقاتلين الكفار أخ لمصعب بن عمير، فكان يقول مصعب لأخيه الأنصاري أخيه المسلم: شد وثاقه فإن له أماً تفديه. فنظر إليه أخوه وقال له: أباختي أنت؟ قال: لا، بل هذا أخو دونكم.

انظر إلى قوة الإيمان، إلى الولاء والبراء، إلى تحقيق هذا الأصل العظيم في الدين، إلى تحقيق هذا الأصل العظيم في الدين، وبهذا يتمايز الناس، وبهذا يتمايز الناس تمايزاً عظيماً جداً: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: 22]. الله أكبر، جمع في قلوبهم إيمان، أقر في قلوبهم الإيمان. إذاً صدق إيمان هذا الرجل وهذا الرجل، انظروا كيف يهاجر الحبشة ثم يرجع ثم يذهب إلى المدينة وهذا كله بلاء، ويتلقى ما يتلقى وهو يحمل الإسلام في جوفه، يحمل الإسلام على كتفه يريد أن ينصر هذا الدين.

أما في الحالة فقط أن يقيم لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ هذه هي صفة الصفوة، الصفوة لا يفكرون بحياتهم الدنيوية إلا ما يقيم حياتهم الأخروية، إلا ما يقيمون به أودهم، إلا ما يبلغهم إلى الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، هكذا يفكرون، أما الدنيا ليست في قلوبهم أبداً ولا تتاثر قلوبهم لأن عندهم هدف في هذه الحياة، هم يعيشون فوق الأرض فقط حتى يقرروا هذا الدين، حتى ينصر الإسلام.

إذاً صدق مصعب بن عمير، ثم لما جاءت المعركة؛ معركة بدر، قاتل فيها مصعب وكان من أول المبادرين، ولم يقل غيري يكفيني، أبداً، لأن هذه هي حياته، هو أصلاً يعيش من أجل هذا. ثم لما جاءت أحد أعطاها النبي عليه الصلاة والسلام اللواء، فحمل اللواء وقاتل رضي الله عنه وأرضاه حتى قتله ابن قمئة، وكان يظن النبي عليه الصلاة والسلام لشبهه بالنبي عليه الصلاة والسلام، فقيل قتل محمد، ولم يقتل النبي عليه الصلاة والسلام، إنما قتل مصعب رضي الله عنه وأرضاه.

وقطعت يمينه وبعد ذلك أخذ الراية بيساره، ثم أخذ هكذا بين عضديه حتى فاضت روحه؛ يعني هو متمسك بالإسلام إلى آخر لحظة، إلى آخر رمق. هذه علامة الصدق: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

واستشهد هذا الصحابي الجليل فختم الله سبحانه وتعالى بأفضل ميتة، أعظم ميتة على الإطلاق؛ الشهادة. فاختار الله سبحانه وتعالى هذه الشهادة لمصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه، وفاز مصعب عند الله سبحانه وتعالى بهذا المقام العالي والمنيف، وأصبح مصعب علامة من العلامات الفارقة في الدعوة الإسلامية ومنارة من المنارات العظيمة. وقامت الدعوة الإسلامية على مجموعة كبيرة من الرجال، من ضمن هؤلاء ومن أبرز هؤلاء الذين انتقلت بهم الدعوة الإسلامية كان هذا الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه.

الله أسأل أن يحشرنا مع هذا الصحابي الجليل، وأن يمن علينا بالاقتداء به وبقية إخوانه من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.