الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بالعيش مع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ومعنا اليوم بإذن الله صحابي من أعظم الصحابة، وهو سيد من سادات الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا الصحابي تميز بالعلم، بل أصبح هذا الصحابي هو أعلم أمتنا بالحلال والحرام كما جاء في الحديث. وكذلك جاء في الحديث بأن هذا الصحابي الجليل معاذ بن جبل يأتي يوم القيامة يسبق العلماء برتوة أي برمية حجر.
فاليوم إن شاء الله تعالى سنعيش مع معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه. وهو من الأنصار، من الخزرج من الأنصار، وشهد البيعة، بيعة العقبة الثانية، بيعة العقبة الكبرى. وكان عمر معاذ بن جبل لما أسلم كان قريب من العشرين سنة أو أقل منها بقليل، فاختلف العلماء، منهم من يقول بأنه ولد قبل الهجرة بعشرين سنة، ومنهم من يقول ولد قبل الهجرة بثمان عشرة سنة. المقصود من ذلك أن معاذ بن جبل كان في سن الشباب. ويقال بأن سبب إسلام معاذ بن جبل هو عبد الله بن رواحة، فكان عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه يأخذ الصنم الذي كان يعبده معاذ بن جبل وهكذا يلقيه في القمامة. فجاء معاذ ورأى الصنم بهذه الصورة، وكان صاحب عقل، فلما رأى إليه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه ولا يدفع عنها، وجد بأن عبادة الصنم لا تغني ولا تسمن من جوع. وهذه النوعية من الناس تحتاج إلى أدنى حركة.
وهذه الوقفة الأولى المتعلقة بشخصية معاذ بن جبل. معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه صحابي جليل وهو من أذكى الناس. والشخص الحصيف الذكي إذا لم يوجد من يؤثر على عقله، عادة ما لا يكون مقاداً لما يقاد إليه الناس، عاده يعني رجل ذكي ليس كالإنسان العادي، رجل ذكي عادة لا ينقاد إلى الجمهور. إنما ينقاد للجمهور لما تكون السلطة القوية ثقافية مثل ما كان في زمان العرب. فلما نأتي الآن وننظر في حال العرب في الجاهلية، نجد بأن عرب الجاهلية كانت عندهم سلطة القبيلة، سلطة القبيلة والآباء والأجداد إلى آخره، التعصب هذا كان قوي جداً. هذا التعصب القوي يسيطر على العقل، يسيطر على العقل فلا يخرج منه لا ذكي ولا غير ذكي. هذا التعصب لما يكون بهذه القوة لا يخرج منه أحد. لكن الذكي إذا تم تحريكه هكذا العقل وابعاده عن هذه السلطة، يخرج منها ويكون بالعاده أسهل من غيره في التأثر.
طبعا هذا الذكاء شيء، ونفس القبول النفسي والصفاء النفسي إلى آخره شيء آخر، والصفاء لا شك بأنه أعلى من الذكاء، أعلى من الذكاء. لكن طبيعة الإنسان الذكي أن العقل يكون متحرك، والعقل المتحرك بمجرد أن تلقي معلومة في ذهنه أو تتكلم معه أو تناقشه، عقله يبدأ يتحرك هكذا، ليس مثل الشخص الذي يجمد عقله أو الذي لا يستخدم عقله، فهذا مع الجمهور، هذا عادة مع الجمهور. إذاً معاذ بن جبل كان من الأذكياء، معاذ بن جبل كان من الأذكياء وفي سن الشباب، لكن هو كان ابن بيئته كحال بقية الناس. فلما تم تحريك هذا الأمر في ذهن معاذ رضي الله عنه مباشرة تفكر، كيف أن هذا الإله لا يستطيع أن يدافع عن نفسه؟ كيف يكون إله وهو لا يقوى أن يدافع عن نفسه؟ فهذا التأثير اليسير الذي صنعه عبد الله بن رواحة مع ما أراد الله سبحانه وتعالى به من خير لهذا الرجل حتى يصبح إمام العلماء في هذه الأمة، أثر في معاذ بن جبل، أثر في معاذ بن جبل. إذاً التأثير على الأذكياء يختلف عن التأثير على عامة الناس.
الذكاء من غير صفاء ما ينفع صاحبه. ولما نأتي وننظر في حال عمرو بن العاص مثلاً هو ذكي، وكذلك خالد بن الوليد وهو ذكي، لماذا تأخر إسلام عمرو وخالد؟ لأن والد خالد هو وليد بن مغيرة، ووالد عمرو هو العاص بن وائل، هذا سيد وهذا سيد، فكانت لنا آباء كنا نرى أن أحلامها كالجبال، يعني كانت السيطرة قوية، كانت السيطرة قوية جداً على عقل خالد وعلى عقل عمرو. لما ذهبت هذه السيطرة مباشرة قاد خالد إلى الحق، مباشرة قاد خالد وعمرو إلى الحق. كذلك هنا معاذ بن جبل هو ابن بيئته وفي البيئة كانت عندهم هذه الأصنام، فلما تم تحريك هذا الأمر عنده مباشرة يعني ترك هذا الذي كان عليه وانقاد وذهب إلى مكة وحضر بيعة العقبة الثانية. لما حضر بيعة العقبة الثانية هذا أول ما قام مع النبي عليه الصلاة والسلام، وكان معاذ مثل ما ذكرت في سن الشباب هو دون العشرين في هذه المرحلة.
فلما انتقل بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، نظر وأخذ يتفرس عليه الصلاة والسلام في أهل المدينة، وينظر إلى أصحاب المواهب، وينظر إلى أصحاب الصدق، وينظر إلى من يثمر فيه الكلام، من يثمر فيه الإيمان. فكان من الذين أثمر فيهم الإيمان معاذ بن جبل، وكان تقدم معاذ السريع مع المزية الموجودة عند معاذ بن جبل. معاذ بن جبل مميز بعدد من المميزات، لكن أشهر مزية عند معاذ رضي الله عنه وأرضاه عقله، عقل معاذ. لذلك معاذ هو من أصحاب العقول، معاذ من أصحاب العقول وهو يوضع في العقل من مكان الجسد. معاذ بن جبل لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام فيه هذا الذكاء وهذا التوقد الذهني مع السن الصغير نسبيا، قربه النبي عليه الصلاة والسلام منه، قربه النبي عليه الصلاة والسلام منه. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يردف معاذ، ولما ننظر في سيرة معاذ بن جبل، متى كان النبي عليه الصلاة والسلام أو كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام ينصح معاذ؟
نجد بأن معاذ بن جبل كان النبي عليه الصلاة والسلام يجعله رديفه، وكان يقول: يا معاذ بن جبل، فيقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: أتدري ما حق الله على العباد؟ -بعد ما يقولها ثلاثاً- ثم يقول: أتدري ما حق الله على العباد؟ فيقول: الله ورسوله أعلم. فيبدأ النبي عليه الصلاة والسلام يعلم معاذ بن جبل ويقرب ويدني معاذ منه. لماذا؟ لأن هذا الرجل رأى النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يصلح أن يقوم بمهمه حماية الإسلام، لما فيه من صدق ولما فيه من محبة للدين ولما فيه من إيمان، وكذلك لوجود الموهبة فيه، لوجود الموهبة فيه. هذه الموهبة مؤثرة في تلقي العلم، لذلك ننظر في زيارة النبي عليه الصلاة والسلام، نجد بأن هناك خطاب عام كان يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، وهناك توجيه خاص. التوجيه الخاص فيه زيادة في البيان. الخطاب عام يكون للجميع، لكن التوجيه الخاص يكون لذات هذا الإنسان، أي أنت يا معاذ بن جبل تصلح أن تكون عالم، بل أنت ستكون أعلم أمتي بالحلال والحرام.
لماذا؟ هل فقط لاجتهاد معاذ؟ لا، وكان اجتهاده سبب، ولكن كذلك لقوة معاذ العقلية، فاستطاع معاذ رضي الله عنه وأرضاه أن يدرك الكثير مما لا يستطيع عادة أن يدركه الناس. لماذا؟ لوجود قدرة على هذا الإدراك، الفهم قوي عند معاذ بن جبل، وهذا الفهم يثمر عنده إيصال هذه المعلومة وحماية الدين وتلقي الرسالة وبيان ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. لذلك كان يدنيه وكان يقول الرجل مبينا علاقة النبي عليه الصلاة والسلام بمعاذ بن جبل، ومعاذ كان يعرف هذا، فكان يقول: والله يا رسول الله إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. الدندنة أي الكلام الخفي الذي لا يفهم. فيقول: إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أسال الله الجنة وأستعيذ به من النار. فقال عليه الصلاة والسلام: «حولها ندندن»، يعني نحن كلامنا كله حول سؤال الله سبحانه وتعالى الجنة وكذلك الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى من النار.
إذاً معاذ كان عند الصحابه مميز، وكان هو رضي الله عنه وأرضاه يعرف بأن النبي عليه الصلاة والسلام خصه بما لم يخص غيره، ويعرف بأن النبي عليه الصلاة والسلام قربه منه لأمر يريده منه النبي عليه الصلاة والسلام. والنبي عليه الصلاة والسلام صاحب رسالة، وصاحب الرسالة لا يقرب من لا يستحق، صاحب الرسالة لا يقرب منه ما لا يستحق. لماذا؟ لأن صاحب الرسالة عنده مشروع في هذه الحياة، هو لا يعيش غرائزي، صاحب الرسالة لا يعيش كما يعيش عامة الناس بناء على أهوائهم بناء على غرائزهم، صاحب الرسالة يدوس غريزته، صاحب الرسالة يدوس هواه، صاحب الرسالة لا يسمح لعقله ولا لقلبه بأن ينصر ولا يسره، إنما هو ينظر عند المشروع، المشروع هذا ملأ عليه التفكير وملا قلبه، هو تشرب هذه الرسالة فامتلا القلب بحب هذا المشروع، إذا هو لا يفكر إلا بمصلحة هذا المشروع، هذا هو صاحب الرسالة. وكذلك العقل الذهن ما يتحرك إلا في مصلحة المشروع.
فالنبي عليه الصلاة والسلام صاحب رسالة، صاحب الرسالة العظمى بهذه الأمة عليه الصلاة والسلام، فكان في مكة ينظر ويتفرس، وصلت الدعوة الآن إلى حد ما ترتقي، طيب من موجود ممكن إذا أسلم ترتقي الدعوة؟ عمر بن الخطاب، عمرو بن هشام أبو جهل. فدعا ربه سبحانه بإسلام أحد الرجلين حتى ما يكون في تقصير من نفس الداعي، وذكرنا هذا عدة مرات، لماذا ما دعا بإسلام رجلين إنما بواحد من الرجلين لهذا السبب؟ حتى ما يكون هناك تقصير من الداعي ولا يتم التكاكل، لكن الآن الرسالة تحتاج الآن دعا من هذا المنطلق، من هذا الباب. كذلك لما ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة الآن مجتمع جديد وهذا المجتمع به طاقات، من ضمن الطاقات الموجودة هذا الشاب، هذا الشاب حريص على الحضور، هذا الشاب ذهنه متوقد، هذا الشاب يفهم بسرعة.
ومن شروط العلم بل شرط العلم الأصلي الذكاء، شروطه قدر من الذكاء. ما ينال العلم إلا بسة سميرك عن تفصيلها ببياني، أول شرط ذكاء وحرص وافتقار وربة تقيد وسادة طول الزمان، فمن أعطاه الله فهماً ثاقباً كان شهاباً في العلوم ثاقباً. فالفهم مؤثر في استيعاب المعلومات، وهذا الثغر، هذا الثغر لا يتخصص فيه إلا الذكي، لا يتخصص فيه إلا الذكي. ليس معنى كلامي أن العلم ما يطلب إلا ذكي، لا، ولكن التخصص العلمي لن تصبح عالم محقق ما لم يكن عندك عقل، وليس عقل لوحده يكفي، لابد من فتح الله سبحانه وتعالى، لكن هذه موهبة. مثل خالد بن الوليد، خالد بن الوليد عنده عقل، لكن خالد بن الوليد رضي الله عنه عقله ليس علمي، إنما عقله عسكري. وحتى العقول نفسها تتفاوت، بعض الناس يكون عقله علمي، بعض الناس يكون عقله عسكري، بعض الناس يكون هكذا عقله تنظيمي إداري، بعض الناس يكون عقله تخطيطي وبعض الناس ما يملك الموهبة العقلية أصلاً إنما هو يكون ميداني أو يكون منفذ أو يكون جندي، يعني مثال، مثال يد مثل الجلاد، كيف الجلاد يكون قوي ويشترط فيها أن يكون كذا وكذا من وصفه، كذلك هذا الإنسان.
فكل إنسان في الإسلام له دور، هذا الدور ما يختاره الإنسان، إنما هو نفس الفهم الموجود عنده أو الموهبة الموجودة عنده هي التي تجعل يكون في هذا المكان، ولا هو يريد أن يصبح كذا هو لا يستطيع أصلاً يعني على هذا الشيء. هذا لا وجود له إلا عند أصحاب الخطاب العام، أما في الإسلام هناك خطاب عام لبيان عظمة هذا الشيء ثم هناك خطاب خاص لهذا الإنسان، لهذا الإنسان بعينه بذاته، أن هذا الإنسان يصلح لذلك لابد من التوجيه، ولابد من التوجيه وتوجيه لابد يكون الموجه عنده القدرة على فهم الإنسان ومستوعب اختلاف البشر في نفوسهم، وكذلك في عقولهم، وكذلك في مواهبهم، ويضع كل شخص في المكان المناسب له. بهذه الطريقه يقوم نظام، بهذه الطريقه تقوم الجماعة الإسلامية، يقوم المجتمع المسلم، وينصر الدين.
معاذ بن جبل النبي عليه الصلاة والسلام رأى فيه هذه الموهبة ورأى أنها قوية جداً عنده وليس ضعيفة، يعني العقل عند معاذ كان جداً قوي، والعقل العلمي، يعني بسرعة يفهم، بسرعة يفهم الكلام وبسرعة يفهم ما يريده النبي عليه الصلاة والسلام. فلما رأى فيه النبي عليه الصلاة والسلام مع وجود الحرص، مع وجود الرغبة، مع وجود هكذا الهمة في طلب العلم وتلقيه، وحتى أنه أثبت ذلك للنبي عليه السلام من خلال حفظ القرآن الكريم، فلم لم يقرا القرآن كما يقول أنس بن مالك الأربعة كلهم من الأنصار منهم كان معاذ بن جبل، منهم كان معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام من أراد أن يأخذ القرآن فليأخذه من أربعة، منهم كذلك معاذ بن جبل.
وأخذ النبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر سبحان الله يعني ملفت للنظر، النبي عليه الصلاة والسلام آخى بينه وبين عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن مسعود لم يكن أحد في زمانه أعلم بكتاب الله منه، وكان يقول: لو كنت أعلم رجل أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لأذهبت إليه، لرحلت إليه. فالمؤاخاة الآن بين عبد الله بن مسعود وبين معاذ بن جبل هذا دليل.
على أن كلا الرجلين سيساهم في تعليم الآخر، ويساهم في رفع همة الآخر، ويساهم في تحقيق المشروع، في تحقيق المشروع. لذلك اجتماع أصحاب المواهب في نفس العمل -طبعا ليس في كل شيء حتى نأخذ تقدير بك كما هو، لكن في أمور ضيقة أو يكونون هم خاصته- هذا لا شك بأنه يعني من الأمور المعينة على إدراك العلم وعلى تحصيل تحقيق في هذا الثغر أو هذا الفن الذي يدخل فيه الشخص ويسمع هذا، أنه ما يخلط البقية، وخالط البقية، ولكن هو تخصصه بالأصل هذا هو تخصصه بالأصل بالأصل هذا.
فمعاذ بن جبل رضي الله عنه كانت هذه الموهبة قوية فيه، ومثل ما ذكرت العلم لا بد فيه من ذكاء، لا بد فيه من ذكاء: إنما المرء بصغريه ليس برجليه ولا يديه لسانه وقلبه المركب في صدر درة فذاك خلق عجب ولكن ذاك باختلاف العلم كذاك مختلف باختلاف الفهم فالناس يتفاوتون تفاوت عظيم.
وبعض الناس يعني يظن هكذا بأن العلم بمجرد أنك تقرا عشرين ساعة باليوم خلال عشر سنوات تصبح عالم، لن تصبح عالم، لن تصبح عالم، لأن الوصول إلى درجة العلم تحتاج إلى موهبة وتحتاج إلى فتح، وإذا ما كان الشخص عنده الموهبة ما يستطيع مهما حاول لأن نفس الأداة ليست قوية. أضرب لكم مثال: أنا لما تأتي عند سيارة، هذه سيارة هي في الأصل مصنوعة حتى تحمل طن، طن واحد فقط، ما تأتي وتريد بالقوة أن تجعلها تحمل عشرة، تحمل عشرة طن بالقوة، تحمل مثل ما تحمل الطيارة؟ مستحيل، لا يمكن.
كذلك عقول البشر، كذلك عقول البشر. بعض البشر مخلوق من أجل العلم يعني عنده الموهبة العقلية الأصلية، هذا يستطيع أن يستوعب ما لا يستطيع الآخر أن يستوعبه، ما لا يستطيع الآخر أن يستوعب. لذلك أنا يعني أنا أوصي وأشد على من يستطيع أن يدرك العلم أن يتقي الله سبحانه وتعالى في نفسه، ليس بالأمة؛ الإسلام غني عنك، ولا بد أن تعيش بأن الإسلام غني عنك، لكن أنت محتاج للإسلام، أنت محتاج إلى رحمة الله سبحانه وتعالى وهذا الباب أنت خليته، أنت عنه ستستبدل بغيرك وتخسر خسارة عظيمة جدا.
فالذي يستطيع والذي يملك الموهبة هذا لا بد أن يضحي من أجل إدراك العلم. العقل لوحده ما يكفي، لابد من وجود الذكاء. يقول ابن تيمية عن بعض أصحاب العقول يقول: أوتوا ذكاء وما أوتوا ذكاء، أوتوا علوما وما أوتوا فهوما. فمن اتكل على نظره واستدلاله أو علمه ومعرفته خذل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقد يكون شخص عنده الموهبة ولكن هو ما يكون عنده ذكاء، ما تكون عنده طهارة قلبية، ما تكون عنده تزكية، وهذا العلم ما يثمر إلا باصحاب الإيمان، وقال الذين أوتوا العلم والإيمان.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام علم معاذ بن جبل وقال له: «يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». أحوج الناس إلى هذا الذكر هم طلاب العلم، لأن طالب العلم يتكل على نفسه كثيرا، ويعتمد على نفسه كثيرا، وينسى فضل الله سبحانه وتعالى فيبتلى، ويظن بأنه محسن، ويظن بأن بالقراءة والتحصيل إلى آخره سيصل إلى تحقيق المراد. لا، لن تصل، الرسوخ في العلم ليس بكثرة القراءة، إنما هو أمر وراء ذلك.
وفسر هذا الأمر عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل، وكذلك مالك بن انس بعده، وكذلك الذهبي وابن رجب وجماعة، تتابعوا، قالوا هذا المعنى: ابن عبد البر: العلم نور يقذف في قلب العبد، العلم نور يقذف في قلب العبد وشرطه الاتباع ومخالفة الهوى والابتداع. هذا هذا النور الذي يقذف في قلب العبد هذا ما يكون إلا بمحبة الله لهذا الإنسان، هذا النور ما يعطى، هذا النور ما يعطى لشخص معتمد على نفسه.
لما رأى الإام مالك الإمام الشافعي وهو صغير ورأى توقد ذهنه فقال: إني أرى بأن الله قد ألقى عليك نورا فلا تطفئه بالمعصية. انتبه به. ويروى عن الشافعي ابن كان يقول: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى هجر ذنوبي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يعطى لعاصي.
فالعلم هذا نور، هذا العلم نور، وهذا النور ما يعطاه الإنسان إلا لما يكون صاحب دين، إلا لما يكون صاحب إيمان، إلا لما يستحضر بأن هذه عطية إلهية، وأن هذه الموهبة نفسها المقصود منها أن تعبد الله سبحانه وتعالى، وليس أن تعلو على الناس، وليس أن تعلو على الناس وترى بأنك أذكى من البقية وأنك أعلى منهم، وهكذا، ثم تجلس مع الناس وانت صاحب عقل هكذا عالي إلى آخره.
ترى عقلك ما يخرج عن دائرة البشر، يعني مهما كنت ذكي في النهاية داخل دائرة الإنسان، ما خرجت عن دائرة الإنسان. والعقل الذي يصنع هو تحليل المعطيات ثم تركيب هذه المعطيات ثم الوصول إلى النتيجة. يظن الشخص بأن هذه النتيجة أخذها من غير المعلومات؟ لا، لم تأخذها من غير المعلومات. هذه النتيجة، العقل مثال مثال آلة الطبخ، كيف الآن لما تأتي بهكذا بعض المواد والاطعمة ثم بعد تكون النتيجة، ما يمكن أن تأتي بطعم غير موجود أصلا في هذه الآلة، غير موجود.
كذلك العقل، كذلك العقل لما تأتي عند أي انسان وتقول له: خمسة ضرب فراغ يساوي كذا، ما يستطيع يجيب، لماذا؟ نقص في المعلومات ما يستطيع. والانسان الذي يعرف من العلم كما ذكر الخضر لموسى عليه السلام: ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر من البحر؟ لا شيء، الإنسان علمه لا شيء، لذلك هو فقط يعيش هكذا في الأرض حتى يطبق مراد الله سبحانه وتعالى.
لكن هو هكذا يعلو ويطغى ويتكبر كما هو الحاصل عند من يطلب العلم، غير لا يستحضر هذا المعنى العظيم والشريف، هذا يخسر خسارة كبيرة. إياك أن تكون أبا شبر، إياك أن تكون أبا شبر، ترى بأنك هكذا لا يوجد أحد مثلك متكبر، ثم بعد ذلك هكذا تنزل قليلا وتتواضع، ثم بعد ذلك تعرف أنك ما عندك شيء، فاياك أن تكون شبرا من البداية.
وطلاب العلم يقعون في هذا، لذلك أول ما تسعر به النار ثلاثة: منهم عالم، منهم عالم، لماذا؟ كان يطلب العلم حتى يققال عالم. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تطلبوا العلم لتماروا به السفهاء، ولا لتجاوروا به العلماء، ولا لتصرفوا وجوه الناس إليكم». انتبه، أنا أعلم أن هذا ثقيل عليك طالب العلم، لكن ترى خطير، الأمر خطير. فمن فعل ذلك فالنار النار، فمن فعل ذلك فالنار النار.
يكون الشخص صاحب موهبة عقلية وقدرة وقوة علمية، ثم بعد ذلك يبدا يعلو على الناس ويصرف وجوه الناس إليه، وكثير ما يتأول بأن هذا من أجل أن العلم يضيع، بأن أنا الذي ينبغي أن أتكلم إلى آخره، ويكون في مواطن لو ما تكلم الأمر يكون عادي، لكن هو يكون حريص دائما يظهر نفسه، دائما يظهر نفسه، دائما يتكلم. هذا يخسر، هذا يخسر.
والعلم النافع علامته هو أن يكسر صاحبه، فمن طلب العلم لله كسره العلم، كما يقول مالك بن دينار وغيره من العلماء، ولكن من طلب العلم لغير الله لم يزد به إلا فخرا. هذا هو الذي يعلو، وهذه علامة قوية، هذه علامة قوية ولا تظنوا بأن هذا أمر سهل، لا ينجو من هذه الحال إلا من كان صاحب إيمان عظيم وليس عادي، من كان صاحب إيمان عظيم وصاحب استعانة بالله سبحانه وتعالى، كما كان هنا معاذ بن جبل.
وانظروا هذا الحديث يرويه معاذ بن جبل ويعلمه النبي عليه الصلاة والسلام بالذات معاذ بن جبل لماذا؟ لأن معاذ يحتاج إلى هذا الحديث، وكذلك حتى يبلغ معاذ الناس، حتى يبلغ معاذ الناس. ومعاذ بن جبل هو صورة العالم المتخصص في العلم. معاذ بن جبل أبو بكر الصديق هو أعلم الصحابة رضي الله عنه وعنهم اجمعين، ولكن أبو بكر الصديق كان شمولي، أبو بكر الصديق كان شمولي، يعني كان هو حاكم، وهكذا مطلوب منه أن يقوم بأشياء كثيرة جدا.
معاذ بن جبل هو العالم الشمولي، تقول لي يعني ايش؟ اقول لك: فرق بين الشخص لما يكون في موطن القيادة ويكون هكذا قريب دائما من القائد، ويكون نائب القائد في مرحلة، ثم يكون هو القائد في مرحلة، هذه حياته تكون مختلفة بخلاف حياة العالم الذي عنده ثغر يريد أن يقوم به. معاذ بن جبل، عبد الله بن عباس، زيد بن ثابت، عبد الله بن مسعود، هؤلاء هذه صورتهم، يعني صورة العالم المتخصص في العلم.
لكن مع العلم عنده دعوة، ومع العلم عنده جهاد، ومع العلم عنده عبادة. طيب معاذ بن جبل هذه صورته، لذلك إذا اردنا أن نفهم صورة العالم كامل كما كانت في زمان السلف الصالح، بل كما أثنى الله سبحانه وتعالى على هذا القسم من الناس، لننظر إلى سير هؤلاء، ننظر كيف معاذ بن جبل عاشر.
معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يرجع ويصلي في قومه. معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه كان مؤثر في المجتمع. لما مات حمزه جاء سعد بن معاذ بنساء بني عبد الأشهل، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولكن حمزة لا بواكي له» لا يوجد من المهاجرين من يبكي على حمزة لأن عددهم قليل والمهاجرات قلة، فهنا تأثر النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى كيف أن قتل الأنصار تبكيهم نساء الأنصار وحمزة لا يوجد من يبكي عليه وهو أسد الله ورسوله.
فلما رأى ذلك النبي عليه الصلاة والسلام تأثر سعد بن معاذ، فمباشرة انطلق سعد وأتى بنسائه، نساء بني عبد الأشهل. ثم بعد ذلك معاذ بن جبل أتى بنساء بني سلمة، يعني معاذ كان قريب، معاذ كان قريب، وكان حريص هكذا أن يثبت للنبي عليه الصلاة والسلام بأنه يحبه، ثم نهى بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام.
قصد من ذلك أن معاذا رضي الله عنه وأرضاه كان النبي عليه الصلاة والسلام حريص أن يصنع هذه الصناعة، هذه الصناعة الشمولية، فكان يعلمه، كان يربيه، كان إذا وقع في تجاوز كان يشد عليه النبي عليه الصلاة والسلام، كان يشد عليه. وهذه هي التربية، هذه التربية، وستأتكلم عن تربية النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل.
لكن دعوني أغلق هذه النقطة الوقفة المتعلقة بالععلم: أن العالم لابد أن يكون صاحب عبادة، والعالم لابد أن يكون صاحب ديانة، والعالم لابد أن يخاف الله سبحانه وتعالى. ثم هذا معاذ بن جبل كان يصوم الهواجر، ولما حضرته الوفاة قال: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أرحب في الدنيا من أجل الدنيا، ولكن من أجل كذا وكذا، ومن ضمنها صيام الهواجر، صيام الأيام الحارة، وكذلك مزاحمة العلماء على الركب.
وكذلك هو كان مجاهد، كان هو مجاهد رضي الله عنه وأرضاه، فانطلق إلى اليمن، ثم بعد ذلك انطلق إلى الشام، وكان بجانب أبي عبيدة، بل استخلف أبو عبيدة رضي الله عنه وأرضاه لما لما مات أبو عبيدة في الطاعون، استخلف معاذ بن جبل. فمعاذ هو صورة العالم الكامل، كان متنقل كذلك بين بلدان، يعني معاذ هو مثال العالم الرحالة، العالم الرحالة هو يرحل ويذكر الناس.
وبعث النبي عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل إلى اليمن معلما وقاضيا، وكان الصحابه رضي الله عنهم إذا اختلفوا في حمص يرجعون إلى معاذ بن جبل، هو أصغر منهم سنا، يرجعون إلى معاذ بن جبل ويستفيدون من علمه وينتفعون به، هو أصغر منهم سنا. بل كان عمر الفاروق رضي الله عنه يقول: لولا معاذ بن جبل لهلك عمر، لما أفتاه بفتوى معينة.
فالقصد من ذلك أن معاذا رضي الله عنه وأرضاه كانت به هذه الموهبة، ثم صنع النبي عليه الصلاة والسلام هذه الصناعة الشمولية، فأخذ الإسلام الشمولي، فأخذ الإسلام الشمولي. فكان هو عابد، كان كثير الصلاة، كان يسابق الناس إلى المساجد، بل يقول بعض أهل الشام يقول: لما أتيت ودخلت في المسجد ورايت الناس هكذا حول معاذ بن جبل قلت: لآتينه غدا، قال فذكرت هجرته، قال فإذا هو قد سبقني!
يعني انظر الآن العالم أول واحد يذهب المسجد، يقول: فإذا هو قد سبقني إلى المسجد! وكان كذلك يقول الحديث رواه ابن مسعود: لو أنكم صليتم مثلما يصلي هذا في بيته لتركتم سنة نبيكم عليه الصلاة والسلام. وذكر بأن من حافظ على صلوات حيث ينادى بهن، الحديث الذي رواه الإمام مسلم في بيان فضل صلاة الجماعة. فمعاذ بن جبل كان عالم مطبق، عالم عامل، وعالم بعلمه.
فالقصد أن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه كان العلم يثمر عنده العمل؛ الجهاد، يجاهد؛ السفارة، يكون سفير، وهو من سفراء النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك من سفراء أبي عبيدة بن الجراح. الحديث عن سفارة معاذ رضي الله عنه وأرضاه وميزة معاذ في هذا أنا اريد أن أوصل الآن في قصة معاذ رضي الله عنه: أن طالب العلم لابد أن يكون شمولي.
الأمر الأول الذي يصلح لثغر العلم هو الذي يملك الموهبة. الامر الثاني: طالب العلم لابد أن يكون شمولي، لابد أن يكون مربي، لابد أن يكون داعية، لابد أن يكون هو عابد في نفسه، لابد أن يكون هو مشارك لقضايا الأمة. معاذ طاف العالم الإسلامي في ذلك الوقت في الحجاز ثم انتقل إلى اليمن وطاف اليمن، وطاف اليمن معلما ومذكرا وجابيا وقاضيا.
ثم انتقل بعد ذلك إلى المدينة. وبقي في مكة استخلف النبي عليه الصلاة والسلام في مكة مع عتاب بن أسيد، فعتاب هو القائد الحاكم ومعاذ كان هو المعلم والقاضي. ثم بعد ذلك انتقل إلى الشام، فمعاذ طاف العالم الإسلامي في ذلك الوقت حتى يبلغ هذه الرسالة، وحتى يبلغ هذه الرسالة وفاز بهذا البيان وهذا البلاغ.
إذاً، هذه الوقفة الأولى المتعلقة بمعاذ رضي الله عنه وأرضاه. الوقفة الثانية المتعلقة بمعاذ؛ تربية، كيف رباه النبي عليه الصلاة والسلام؟ النبي عليه الصلاة والسلام قرب معاذ منه وأخذ يعلمه، وكان معاذ من شدة حرصه يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام ثم بعد ذلك يرجع إلى قومه ويصلي بهم الصلاة، وكانوا ينتظرونه لأنه أعلم عشرته. فكان يصلي مع النبي عليه السلام صلاة العشاء ثم بعد ذلك يرجع إلى قومه ويصلي بهم. فجاء يوم من الأيام وهو شاب متحمس قريب من عشرين سنة، فرجع إلى قومه وصلى بهم بسورة البقرة.
وكان الناس يستيقظون من الصباح بل من قبل الفجر، فإذا جاءت صلاة العشاء يصلون ثم ينامون مباشرة. فلما رجع معاذ رضي الله عنه وأرضاه إلى مسجده، إلى مسجد قومه وصلى بهم وقرأ سورة البقرة، انفتل رجل وصلى صلاة خفيفة ثم بعد ذلك انطلق إلى بيته ونام. فلما أسلم معاذ قيل له إن فلاناً انفتل أي قطع الصلاة وصلى صلاة خفيفة ثم بعد ذلك انصرف. فقال معاذ: إنه منافق! إنه منافق! أي هذا فعل المنافقين. فلما قال معاذ هذه الكلمة بلغت الرجل، غضب الرجل غضباً شديداً فانطلق إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله إن أصحابنا واضح، وإن معاذ يصلي معك ثم يأتينا ويصلي بنا، وأنه صلى بنا بسورة البقرة، ففعلت كذا وكذا فقال إني منافق. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام غضباً شديداً وقال: «هذا الرجل سيعلم معاذ، سيعلم معاذ إذا التقى الصفان هل أنا منافق أو لا». فلما جاءت المعركة قتل هذا الرجل وحمل به شهيداً إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال لمعاذ: «هذا منافق؟ هذا فعل المنافقين».
القصد أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال الرجل هذه الكلمة غضب عليه الصلاة والسلام غضباً شديداً. والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث ابن مسعود البدري: ما رأيت النبي عليه الصلاة والسلام غضب في موعظة كغضبه في من يطيل الصلاة: «يا أيها الناس إن منكم منفرين، أيكم ما صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والضعيف وذا الحاجة».
فالقصد من ذلك أن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه أطال بهم الصلاة فنهاه النبي عليه الصلاة والسلام. انظروا الآن إلى الرحيم بابي و أمي عليه الصلاة والسلام كيف يشد الآن على رجل من أصحابه بهذه الصورة، يقول: «أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟». انظروا كيف يكررها ثلاث مرات وبهذا الاسلوب! فيستخدم الرحيم عليه الصلاة والسلام هذا الأسلوب الذي به شدة وعنف، لماذا؟ حتى ما يفعل معاذ هذا الشيء مرة أخرى. وكذلك حتى يعلم معاذ بأنك لا تجتهد اجتهاداً مخالفاً لما تعرفه مني، أن تراني اصلي وتصلي معي صلاة العشاء، هل سبق أن رايتني صليت بصلاة العشاء، صليت بسورة البقرة بصلاة العشاء؟ أبداً! إذاً، لماذا اجتهدت هذا الاجتهاد؟ يعني ما الذي حملك أن ترجع إلى قومه وأنت تعلم بأني لم أفعل هذا وفعلته؟ الذي حملك هو الحماس، الذي حملك هو الرغبة في الأجر، ولكن ليس من طريق النبي عليه الصلاة والسلام، يعني لم تمتثل السنة إنما زدت على هذا الامتثال. فغضب عليه النبي عليه الصلاة والسلام من أجل علم معاذ، وكذلك من أجل تربية معاذ؛ يعني معاذ سبق عند هذا العلم أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك تربية النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل تربية له بأن هذا الأمر ما يتكرر منك مرة أخرى، لماذا؟ حتى يكون إمام العلماء. العالم أحياناً يطغى عليه علمه، أحياناً لأنه اعتاد على العلم واعتاد على القراءة واعتاد وهو صاحب همة بالأصل فيريد أن يحمل الناس كلهم على همته ويحمل الناس كلهم على الذي يفعله. هذا بالنافلة افعل كما تشاء، لكن بالفريضه لا يحق لك أن تفعل بالناس، لابد أن تضبط العلاقة بين نفسك تعبدك الخاص وبين مراعاه الناس.
انتبه، لابد أن تفرق بين خطاب الخاصة وخطاب العامة. لابد أن تفرق بين قدرتك أنت الشخصية التي من الله سبحانه وتعالى بها عليك وبين تحميلك للناس ما لا يحتملون ولا يستطيعون. هنا النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يعلم معاذ هذه الموازنات، يريد أن يعلم ذاك. خطير جداً شخص يطلب العلم من غير أن يعلم أحد، يطلب العلم هكذا منعزل عن الناس ويقرا من الكتب ثم يخرج للناس ويريد أن يحمل عامة الناس والناس العاديين من غير أن يراعي عقول الناس أو من غير أن يراعي قدرات الناس أو من غير أن يراعي نفوس الناس. هذا خطير جداً، هذا خطير جداً على الناس، هذا خلاص لو طلب العلم هذه الطريقة واستمر ينعزل ويبقى مع الكتب حتى يموت لا يدخل مع الناس حتى ما يفسد الناس بالعلم. الناس يحتاجون مراعاة، والخطاب العام غير الخطاب الخاص، والذي تقوم به أنت غير الذي تحمل الناس عليه، وحتى نفس الخطاب الخاص قد يكون شخص نعم تحمله على الأشياء الثقيلة ولكن ليس نوع الثقل مثل الذي أنت عندك. فالرجل يفتح عليه بالصيام الثاني ما فتح عليه بالصيام، لكن فتح عليه بالصلاة ما تحمله بالقوة على الصيام، لأن هذه فتوح، هذه فتوح والناس يتفاوتون فيها، فهذا مفتوح عليه بكذا وهذا مفتوح عليه بكذا. وكثيراً ما رايت من طلاب العلم خللاً كبيراً في ضبط هذه الموازنة، وكذلك تحميل الناس ما لا يحتملون وادخال الناس في العلم التخصصي في كل شيء، طيب هذا ليس تخصص أصلاً، العلم لماذا أنت تريد أن تدخل له هذه الأمور الدقيقة هو غير محتاج لها.
فالقصد أن طالب العلم لابد أن يفهم هذه الموازنات، يفهم الخطاب العام والخطاب الخاص، وكذلك قدرة الشخص الخاصة. هنا معاذ بن جبل لما رجع وصلى بسورة البقرة هو ما راعى الناس، ما راعى الجمهور؛ هؤلاء يستيقظون من الصباح وأنت عندك قدرة، لكن هؤلاء ما عندهم قدرة، والنبي عليه الصلاة والسلام ما صلى بهم بهذه الطريقة. هنا غضب النبي عليه الصلاة والسلام حتى يضبط هذا الحماس. لم يعد معاذ إلى مثلها أبداً، لماذا؟ لأنه ذكي سريع التعلم سريع الفهم، فالموعظة الواحدة تكفيه، ذكي ما يقع بالأخطاء المتكررة. ولو أخطأ ذكي يخطئ من طريق آخر ما يخطئ من نفس الخطا الأول، بل المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. لكن لما يتكرر من شخص نفس الخطأ هذه مشكلة في هذا الشخص، وهذه علامة على إبعاد هذا الشخص وعدم تقريبه. هذه علامة الشخص لما يقع من خطأ وتتنبهه عليه ثم يقع من نفس الخطأ، يعني ايش خطأ آخر نفس الخطأ! هذه علامة أن هذا الإنسان لا يصلح أن يكون ممن يقوم بالأحمال الثقال، لأن هذا عنده مشكلة بالفهم. فمعاذ بن جبل لما نصحه النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الطريقة وهذه الصورة، انتفع معاذ رضي الله عنه وأرضاه.
وكذلك من ضمن وسائل التربية لمعاذ بن جبل التي حببته بالنبي عليه الصلاة والسلام، ما حبه له لما كان يقول عليه الصلاة والسلام: «والله إني لأحبك». يقسم له على استعظام بأنه يحبه! طيب، هذه الكلمات يقولها المربي للمتربي، كم يكون أثرها في نفسه؟ لا شك من أثر عظيم وبليغ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يربي أصحابه بهذه الطريقة. فكان يأخذ عمر بن الخطاب يقول: «لا يا عمر حتى يكون أحب إليك من نفسك». هذه أخذ اليد هذا التواصل الحسي هذا مؤثر جداً في النفس، والإنسان كان يتاثر، يعني الإنسان إذا نظرت إلى عينه: العين بالعين، العين تعلم في عيني محدثها أكان من حزبها أو كان من عاداها. إن عينيك أخبرتا عيني على أشياء لو لها ما كنت تبديها! يعني العين تتكلم بخلاف النصيحة التي تكون هكذا بعيدة أو هكذا التوجيه الذي يكون عبارة عن فقط كلمات مجردة. هذا غير فرق كبير يا إخوان بين النصح العام والنصح الخاص، والنصح العام الذي يكون عبارة عن خطاب عام هذا يؤثر لكن بنسبه عادية أو بنسبة معينة، لكن الخطاب الخاص فلان بعينه هذا تقول أنا افتقدتك أنا مشتاق لك واحببت أن أسلم عليك هكذا، هذا الخطاب الخاص هذا أثره أبلغ من أثر مئة رسالة عامة، بل مئة رسالة عامة ليست ذا تأثر كبير، لكن هذا تأثير عظيم جداً وكبير على الإنسان. فالنبي عليه الصلاة والسلام يخاطب معاذ خطاب مباشر: والله إني لأحبك! ويقسم كذلك عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك ينصح. انظر كيف النصيحة والوصية تأتي بعد إبداء هذه المشاعر هنا، كيف سيكون تمكن هذه النصيحة من قلب معاذ وكيف سيكون التزام معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه لهذه النصيحة وهذه الوصية؟ لا شك أنها عظيم جداً، وهذا هو الذي وقع من معاذ رضي الله عنه وأرضاه.
حتى لما النبي عليه الصلاة والسلام ارسله إلى اليمن وخرج معه وركب معاذ راحلته والنبي يمشي عليه الصلاة والسلام، أخذ يوصيه عليه الصلاة والسلام بوصايا كثيرة، ومن ضمن الوصايا أوصاه بحسن الخلق. حسن الخلق! لماذا؟ لأن العالم لا يخسر مثل خسارته لما يسوء خلقه. الناس التأثير عليهم ليس بالكلام أو ليس بالعلم، الناس يتاثرون بالتعامل، الله يقول في كتابه العظيم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا من حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. وهو محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام خير الناس وأكمل الناس في كل شيء، أمير عليه الصلاة والسلام ومؤيد بجبريل وحجة القرآن الكريم وأفصح الناس أفصح الناس، ومع ذلك الله لما ذكر سبب تأثيره في الناس ذكر صفة الرحمة! صفة الرحمة يعني تعاملك مع الناس هذا هو الذي جعل الناس تجتمع عليك. انظر هذا الفهم غير الفهم الذي يقول لك إن أقيم حجة على الناس بالقوة هكذا ثم بعد ذلك هم يتاثرون أو ما يتاثرون، لا ليس بهذه الطريقة، ليس بهذه الطريقة هؤلاء بشر والبشر يتاثرون بالخطاب بطريقة الخطاب طريقة التعامل. يعني لما ينظر إلى عملك وطريقة تعاملك معه ثم إنك تنصح، يتاثر. لكن قبل ذلك ما يتاثر هذا الإنسان، هذا ليس آلة أنت تتعامل مع حاسوب، أنت تتعامل مع بشر. البشر يتاثرون بابتسامة، يتاثرون بالرسالة، يتاثرون بالهدية، يتاثرون بهذا التعامل، فهذا التعامل يؤثر.
النبي عليه الصلاة والسلام، يعني أنظروا إلى التعامل مع معاذ، معاذ بن جبل كان له غرماء وطلبوا دينه، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام شفيعاً لمعاذ فلم يقبلوا أن هكذا يضعوا شيء من الدين، وكان هؤلاء يهود، فلما رأى ما وضعوا شيء أرسله إلى اليمن حتى يجبره عليه الصلاة والسلام، حتى يجبره فيكون عاملاً على الزكاة، فيكون عاملاً على جابياً حتى يجبره، فجبره النبي عليه (يعني النبي دخل شافعاً ثم حرص عليه الصلاة والسلام أن يسد حاجة معاذ رضي الله عنه وأرضاه). هذا كله كم يكون تأثيراً على نفس الطالب وكم يكون تمكن الدين في نفس هذا الإنسان!
التعامل يا شباب مع البشر لابد أن يكون بهذه الطريقة، لابد أن يكون الشدة في موطن الشدة واللين والرحمه وهي الأصل. طبعا ليست شدة، شدة عارضة وشدة تكون في موطن خاص، لكن الأصل ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على غيره، وإن الله رفيق يحب الرفق، هذا هو الأصل، هذا هو الأصل التعامل مع الناس.
إذاً، تربية النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل رضي الله عنه كانت قوية، كان يقرب منه ويدنيه وكان يردف عليه الصلاة والسلام. يعني أنا لما أنظر في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أقول النبي عليه الصلاة والسلام عنده أربع وعشرون ساعة، هذا أربع وعشرون ساعة كيف تقسم؟ يعني ممكن نجد أناساً مضحين باذلين للدين، لكن هذا البذل وإن كانت هناك نية صالحة لكن نفس توزيع الوقت ليس موافق للدين، ليس موافق للدين.
الآن النبي عليه الصلاة والسلام ينتقل إلى مجتمع، المجتمع هذا فيه أربعة آلاف خمسة آلاف شخص في المدينة عدد كبير جداً، طيب هؤلاء الخمسة آلاف والنبي عليه الصلاة والسلام متزوج من تسع نسوة، يعني النبي عليه الصلاة والسلام عنده تسع نسوة، وعنده كذلك أربع بنات، وعنده كذلك الأقارب عليه الصلاة والسلام أي الرحم، أي الرحم والنبي عليه الصلاة والسلام كان يصل رحمه وحريص على صلة الرحم. كذلك عنده عبادته الخاصة، كذلك عند تعليم الناس صاحب الرسالة، كذلك هو قائد الدولة هو قائد الدولة! طيب هذا الوقت كيف يقسم؟ يعني شخص لما يكون في هذه المنزلة وقته لا يملكه كيف يقسمه؟ لما تنظر إلى هذا الباب بهذه الطريقة أكثر الناس يحسبونها حسبة أني وقتي كله أعمره صح، بس كيف تعمره؟ كيف تقسم الساعات؟
فلما ننظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام نجد النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرب أبا بكر ويقرب عمر. فكان النبي عليه الصلاة والسلام ما يروح مكان إلا مع أبي بكر وعمر: كنت وأبو بكر وعمر، دخلت وأبو بكر وعمر، خرجت وأبو بكر وعمر. لماذا؟ لأن هذين الرجلين سيكونان هما القائدان بعده: «إن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا»، «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، فكان.
النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يعطيهم أكبر كم ممكن من المعرفة والعلم، وكان يستشير كذلك ويستفيد من عقل أبي بكر وعقل عمر، فكان يستشير الصديق مع الفاروق.
معاذ بن جبل الآن، نريد أن نربي شخص تربية خاصة أو نريد أن نصح الانسان هذا أو نصنع صناعة خاصة، الصناعة الخاصة لابد أن يكون معها تعامل خاص. هل النبي عليه الصلاة والسلام سيتعامل مع الجميع تعامل خاص؟ مستحيل. ما في وقت، ليه مستحيل؟ لأن الوقت لا يسمح، أربعة وعشرون ساعة تنتهي خلاص ما في وقت. طيب الآن هذه الأوقات كيف نقسمها؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان يدخل مع الناس وكان يذكر الناس تذكير العام، وكان إذا وقعت هكذا حادثة أو شيء، كان النبي عليه الصلاة والسلام يبادر إلى تنفيذ عبودية الوقت. لكن لما يكون هو في موطن الاختيار، يعني من يختار معه؟ هل يختار أبو بكر أو عمر؟ نجد أنه يختار الصديق مع الفاروق في عامة المواطن.
طيب معاذ بن جبل هذا نريد أن نصنعه حتى يكون هو إمام العلماء، إذا لابد أن يكون هناك توجيه خاص له، ولا بد أن يعطى من العلم ما لا يعطى غيره. وهو يفهم العلم، يعني لما يعطى علم خاص، ويفهم أن هذا العلم خاص وليس من الصواب أن يتم بثه إلى من لا يستوعبه أو لا يعرفه، طبعا هذه ميزة طلاب العلم الأذكياء أو أصحاب الدين مع ذكاء، ليس الذكاء فقط، إنما الدين مع ذكاء يستوعبون مثل هذه المسائل، بخلاف الذي ما يكون عنده هذا الشيء، يعني هذا يفتن الناس، كما هو موجود يعني في كل عصر من يعني من يدخل العلم وهو لا يستوعب هذه الأمور، لا شك أنه يخطئ كثيرا في بيان ما لا يجوز بيان للناس أصلا.
القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأخذ معاذ، طيب متى كان النبي عليه الصلاة والسلام يقربه؟ بعد الصلاة، معاذ كان مسارع يذهب إلى المسجد مبكرا من أول الناس، فكان ينظر إليه، وكان يقرب عليه الصلاة والسلام منه ويتحدث معه. كذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا انتقل من مكان إلى مكان يردف معاذ معه، طيب لماذا اردفه؟ حتى يعطيه العلم، حتى يرقيه، حتى يوجهه التوجيه الخاص هذا. هنا لما يردف النبي عليه الصلاة والسلام معاذ، هذا الإرداف اختيار، اختار النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون معه في هذه الرحلة في هذا المشوار في هذه الزيارة معاذ بن جبل. لماذا؟ هذه ربع ساعة ما تذهب، طيب هذه ربع ساعة غالية، هذه غالية عند الإنسان المحب لله والرسول عليه الصلاة والسلام الذي ما عنده توزيع كثيرا لوقته، إنما هو يكون عنده هدف معين ومشروع واحد.
كيف لما يكون شخص هكذا صاحب رسالة عظيمة جدا، هو النبي عليه الصلاة والسلام، يريد أن يشكل من كل ثانية في أعلى العبادات على الإطلاق، ويريد أن يصنع هذه المجموعة التي تحمل رسالة الإسلام. ومدة صناعة معاذ بن جبل عشر سنوات، فصنع النبي عليه الصلاة والسلام لما انطلق إلى المدينة، وذهب إلى المدينة، ثم بعث إلى اليمن في السنة العاشرة، هذا الرجل العظيم الذي أصبح إمام العلماء صنع في عشر سنوات. كيف كان يصنع؟ كان يختار هذا الوقت، فكان ينتقل من مكان إلى مكان على دابة عليه الصلاة والسلام، ويردف معاذ بن جبل ثم يقول: يا معاذ بن جبل. وانظر الآن إلى العلم الذي يعلم حتى معاذ بن جبل، يعلمه علم خاص، فيقول: أتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ فيقول: الله ورسوله أعلم. لبيك وسعديك، الله ورسوله أعلم، وثلاث مرات هذه كذلك بالتربية، لماذا؟ حتى يسترعي انتباه معاذ، وحتى ينتبه معاذ انتباه كبير، حتى يشعر بأن الآن الخطاب ليس خطاب مكرر أنت استمعت إليه، لا، يريد منه النبي عليه الصلاة والسلام أن يفهم الكلام الذي سيقول له وأن يستوعبه حق الاستيعاب.
فيقول: أتدرى ما حق الله على العباد؟ فيقول: الله ورسوله أعلم، ثم يسكت، ثم يكرر بعد ذلك، سكت هنيهة، ثم قال: يا معاذ، فيقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، فيقول: أتدرى ما حق الله على العباد؟ فيقول: الله ورسوله أعلم، ثم يسكت هنيهة، ثم يقول: يا معاذ، فيقول: لبيك يا رسول الله وسعديك.
فيقول: أتدرى ما حق الله على العباد؟ فيقول: الله ورسوله أعلم. فيقول: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا». تقرير للتوحيد، تعظيم لهذا الأصل، حتى ما يتزحزح، حتى يبقى هذا هو الأصل الذي ما نقبل فيه أي مساومة، ولا تدخل المصلحة فيه. ثم يسكت ثم يقول: أتدرى ما حق العباد على الله إذا هم فعلوه؟ فيقول: الله ورسوله أعلم. ثم يقول له كذلك ثلاث مرات، ثم يقول بعد ذلك: «أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ». فيقول معاذ: ألا أخبر الناس؟ هذه «ألا أخبر الناس؟» تكشف فهم معاذ أن العلم لا بد أن تبينه، تكشف فهم معاذ أن العلم لا تكنزه، إنما العلم لابد أن تنشره بين الناس وتبث بين الناس، هو كذا فهم العلم.
فيقول: لا تحدث الناس فيتكلوا. إذا هنا لا تخبر الناس بهذا العلم فيتكلون عليه، فيقولون: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم لا يعملون، لماذا ما يعملون؟ يقول لك الذي يقول هذه الشهاده حق على الله سبحانه وتعالى لا يعذبه، حقه على الله الذي أوجب الله سبحانه وتعالى على نفسه بأنه لا يعذبه، فيتكلوا. فهنا ما يفهمون القصد، القصد هنا من هذا الحديث هو بيان عظمة كلمة التوحيد، وليس القصد من هذا الحديث الاتكال على الكلمة من غير العمل، ليس هذا هو المقصود، إنما المقصود بيان عظمة هذه الكلمه، وفرق كبير بين بيان عظمة الشيء وبين الاتكال والتقصير في الأوامر الآخر، وهذا يفعل كثير من الناس، وهذا كله من الشيطان، هذا كله من يأخذ شيء من الدين ويترك الباقي يقول هذا يكفي خلاص، هذا فيه فضل كذا وكذا، إذا هذا ليس هو الفهم السليم للإسلام.
فمعاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، لما علم النبي عليه الصلاة والسلام فهم ولم يخبر بذلك الحديث حتى حضرته الوفاة فأخبر بذلك تأثما، خشية الإثم، حتى ما يكون كتم شيء من العلم، حتى ما يكون كتم شيء من العلم، فبين. واستفاد العلماء من هذا الحديث وإخبار النبي عليه الصلاة والسلام بماذا، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بماذا؟ بأنه ما يخبر الناس أن من العلم لا ينبغي، أن من العلم ما لا ينبغي إخباره. ما هو ضابطه؟ ضابطه أن يفتن الشخص الذي يسمعه، يعني ما تأتي عند الإنسان وهو أصلا مفتون بشيء، ثم تعطيه حديث هو موافق للشيء الذي هو عنده، فيفهم فهم خاطئ فيستدل به في بقية الحديث، مثل ما وقع بين الحجاج وأنس بن مالك، لما جاء الحجاج وسأل أنس: ما أشد عقوبة فعلها النبي عليه الصلاة والسلام؟ فأنَس أخبره، أخبر بأنه سمل أعين هؤلاء الذين استاقوا الإبل، ففعل ذلك الحجاج، فندم أنس أنه أخبر بهذا، الحجاج هو سأل ليس من باب المعرفة ويريد أن يطبق على من لا يستحق، بخلاف الذي فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فهنا الحجاج نفسه عنده فتنة في هذا الأمر، هو أصلا يسفك الدماء من غير نصوص، فلما يعلم هنا يزيد ويستدل، لأن الهوى يكون هنا قريب، الهوى يكون قريب من الاستدلال، فهو يريد أي شيء يدل على أن الذي يفعل صواب أو له مستند شرعي، فهناه لا يخبر هذا الشخص.
وكما تأتي شخص هو أصلا مرجئ مثلا، أو لا يبالي بالعمل كثيرا، وتاتي وتخبره بنصوص المتعلقة بالوعد، خطأ. كذلك شخص عنده شدة في الحكم على الآخرين إلى آخره، وهذه الشدة ليست دينية ونفسها طبيعتها كذا، وتأتي وتخبره بالنصوص الوارده في الوعيد، خطأ، لأن هذه قريبه من هواه، فهذا هو ضابط العلم الذي يكتم. القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يربي معاذ بهذه الطريقه، وكان يأخذ معاذ بن جبل وينتقل معه من مكان إلى مكان ويعلمه.
وجاء في مسند أحمد أن النبي عليه الصلاة والسلام عرض معاذ على حمار يقال له عفير، هذا حمار النبي عليه السلام، يركب حمار حتى يعلم معاذ التواضع، يعني معاذ الآن هو قريب، والانسان يتاثر بالصورة، مثل ما ذكرت لكم كثيرا، الإنسان يتاثر لما ينظر، ومن المشكلات الموجودة في هذا الزمن أخذ العلم عن طريق وسائل التواصل من غير النظر، يعني فقط وسائل التواصل نعم تسد شيء لا باس به، ولكن كذلك المخالطة والنظر إلى آخره، هذه لها أثر كبير في نفس الإنسان.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم معاذ، ومعاذ كان قريب منه، فكان يركب الحمار، هذا يؤثر في نفس معاذ أن معاذ مستحيل يتكبر إذا كان نفس سيد البشر سيد ولد آدم هو بهذه الطريقة. حتى أن الحمار عثر وسقط، عثر بهم فسقط النبي عليه الصلاة والسلام وسقط معاذ بن جبل. يقول معاذ: فوجدت في نفسي أسفا، حزنت كيف النبي عليه الصلاة والسلام يسقط من الحمار؟ ثم قام النبي عليه الصلاة والسلام ونفض الغبار وابتسم، قال: وضحك في وجهي، ثم ركب مرة ثانيه، فعثر الحمار مرة ثانيه وسقط، وصارع النبي عليه الصلاة والسلام مثل ذلك ثلاث مرات. هذا كيف سيجعل معاذ يبلغ الرسالة؟ تتعامل مع الناس مثل ما رأى النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل، لن يطغى على الناس، ولن يعلو على الناس، ولن يتكبر على الناس، وترى القليل من طلاب العلم أن يكون متواضعا، فتنة طلاب العلم كبر، فتنة طلاب العلم العلو على الآخرين. هنا هذا كله تعليم وتربيه لهذا الرجل العظيم رضي الله عنه وأرضاه.
كذلك الوقفه التي تلي هذه الوقفة، هذه الوقفة متعلقة بالتربية، الوقفة التي تليها المتعلقة بالسفارة معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه. ارسل النبي عليه الصلاة والسلام أو قبل ذلك، دعونا الوقفة كذلك المتعلقة بالعلم الأولى في صناعة العالم، النبي عليه الصلاة والسلام كان يربي معاذ رضي الله عنه وأرضاه على موازنات الإسلام، فلما بعث النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليمن قال: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»، يعني ايش؟ يعني استعد، استعد أنت لا تأتي الآن إلى وثنيين إنما تأتي إلى أهل كتاب يعني عندهم علم استعد، فليكن أول ما تدعوه إليه شهادة أن لا إله إلا الله. الآن ترتيب الاسلام، في ترتيب له أولويات، ليست كل شعائر الإسلام في منزلة واحدة في الدين، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك لذلك تنتقل معهم إلى المرتبة الثانية، أخبرهم بالصلوات الخمس، علمهم أن عليهم أن الله افترض عليهم كل يوم خمس صلوات، فإن هم أجابوك لذلك فتنتقل بعد ذلك إلى الزكاة، صدقة تؤخذ من أموالهم.
ثم قال: وإياك وكرائم أموالهم. يعني أنظر الآن إلى التعليم، أنت الآن معاذ بن جبل شاب أو طالب علم يقدم دائما العالي، نعم هذا في نفسك صح، لكن مع الناس قدم اللي يريد الإسلام، ثم هو اجعل هذه المساحة للشخص نفسه، هو يقدم أكثر ما عنده، يقدم بعض ما عنده. الشريعة الإسلامية افترضت الزكاة اثنين ونصف في المئة لما يبلغ المال النصاب، وكذلك من الإبل ومن البقر إلى آخره ومن الغنم، هو يقدم الذي يقدمه، لا تأخذ من كرائم الأموال أغلى ما عنده، إلا إذا هو سمحت نفسه بذلك ووصل لهذه المرتبة، يعني أنفق المال الذي يحبه، هذا يتفاوت الناس، لكن إياك وكرائم أموالهم، لا تفتي الناس، لا تضغط الناس في دينهم.
لا تفتي الناس في دينهم، لا تضغط الناس وتجعلهم يفتنون في دينهم، خذ منهم الأموال التي يعطونك إياها، واجعل المرتبة العالية لمن يريد أن يصل إليها. لذلك الشريعة فرقت بين واجبات والمستحبات، فعندنا واجبات لا يجوز الشخص أن يتركها، وعندنا مستحبات يتفاوت الناس فيها، يتفاوت الناس فيها. فقال: وإياك، تحذير بكرائم أموالهم، انتبه أن تقترب من كرائم الأموال حتى ما تفتن الناس، حتى ما تفتن الناس. وهذا ضابط الفتنة هنا، مثل ما ذكرته بالدين، يعني لو لو كان شخص لا يريد أن يعطي الزكاة نقول لا يعطيها رغما عنه، طيب تقول يفتن؟ هو الزكاة ركن ما تدخلون كلمة الفتنة، والله لوقات مفرقة بين الصلاة والزكاة كما قال أبو بكر، لكن الذي سمحت الشريعة الإسلامية به، نحن عبيد، فاستقم كما أمرت، نحن عبيد الله سبحانه وتعالى. الدائرة التي سمحت الشريعة الإسلامية بها نتعامل مع الناس وفقها، أما الدائرة الأخرى التي لم تسمح الشريعة، لابد أن ياتوا بالصلوات الخمس، لابد أن يصنع كذا، لابد أن يصوموا رمضان، أما صيام الاثنين وخميس، صيام الأيام البيض هذه تفاوت الناس فيها، تفاوت الناس فيها، نذكر الناس ونحث الناس، ولكن منهم من يصوم، منهم من لا يصوم.
كذلك الصدقة إلى آخره هذه أمور تفاوت الناس فيها، فليس مصاب أنك هكذا تقهر الناس، أو انك تضغط الناس في هذه الدائرة، أما الدائرة الأخرى فهذا دين لابد من وهذا واجب، هذا هذا واجب. إذا النبي عليه الصلاة والسلام علم معاذ بن جبل الترتيب وكذلك اختبر عقل معاذ.
اختبر عقل معاذ، فسأل معاذ: إلى ما تدعو الناس؟ فقال: أدعوهم إلى كتاب الله. قال: بماذا تحكم؟ قال: أحkm بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد؟ فقال: أجتهد رأيي ولا آلو. فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا. فالنبي عليه الصلاة والسلام فرح لما رأى طريقة تعامل معاذ بن جبل: الأصل تحكم بالكتاب، ثم بالسنة، ثم تجتهد في ذلك، تجتهد في فهم موازنة الشريعة، وفهم ما جاء به الدين، وإلى آخره.
كذلك معاذ رضي الله عنه وأرضاه، من ضمن صفاته وهذه الوقفة الثالثة المتعلقة بمعاذ، دعونا نقول: معاذ الإنسان ولا معاذ السفير؟ معاذ السفير، دعونا نأخذ معاذ السفير ثم معاذ الإنسان. معاذ السفير بعث النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليمن ليفقه الناس هناك، وبنى المسجد في اليمن، ونصح الناس، وبعث معلماً وجابياً وقاضياً، فنشر الإيمان والعلم بين أهل اليمن، وإن قادة أهل اليمن، وعلم النبي عليه الصلاة والسلام بأنك ستأتي قوماً رقيقة قلوبهم، يعني الآن هؤلاء ليسوا كما هو الحال في نجد مثلاً أو في الحجاز، أهل اليمن يتميزون عن البقية برقة القلب: أتاكم أهل اليمن وهم أرق قلوباً. وقال كذلك: الحكمة يمانية والفقه يمان. فالقصد أن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، بين له النبي عليه الصلاة والسلام طبيعة الناس الذين سيأتيكم معاذ بن جبل، هذه رقة القلوب تدل على أن هؤلاء تؤثرهم بسرعة، فلا تتشدد على هؤلاء، ورقيق القلب ما تتعامل معه بتعامل القسوة؛ لأن هو رقيق بخلاف الذي يكون عنده نوع هكذا، يعني لا تكون عنده الرقة قوية، هذا ممكن الشخص أحياناً يشد عليه، لكن الرقيق لازم تختار عباراتك حتى ما تجرحها، حتى ما تجرحها. وبين له بأن عندهم علم، يعني كشف النبي عليه الصلاة والسلام طبيعة المجتمع قبل أن يذهب معاذ بن جبل إليه حتى يستعد، حتى يستعد.
فمضى معاذ وأصبح سفيراً للنبي عليه الصلاة والسلام هناك، ونشر العلم والإيمان، وأقبل أهل اليمن حتى خرج الأسود العنسي، فخرج الأسود قبل موت النبي عليه الصلاة والسلام، وانتشر أمر الأسود، وأقبل الناس عليه، واستطاع أن يؤثر على عدد كبير من الناس، حتى تخفى الصحابة، ومنهم معاذ بن جبل هناك، وبداوا يحيكون، وجاءت رسالة النبي عليه الصلاة والسلام لقتل الأسود العنسي والحض على قتاله وقتله، فقتل الأسود العنسي قبل أن يموت النبي عليه الصلاة والسلام، ففرح بذلك النبي عليه الصلاة والسلام.
ولما بعث النبي عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل إلى اليمن ذهب معه يشيعه، فأوصاه كذلك مثل ما ذكرت النبي عليه الصلاة والسلام وصايا، ثم قال له كلمة مؤثرة ممكنة، قال: يا معاذ، لعلك لا تلقاني بعد عامي هذا، أو قال: لعلك تمر على مسجدي أو قبري. فبكى معاذ رضي الله عنه وأرضاه، وأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا يبكي لبكاء معاذ بن جبل. وفي بعض الروايات أنهاها البكاء من الشيطان، أن البكاء من الشيطان. وقال كذلك له النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ أَوْلِيَاءِيَ الْمُتَّقُونَ حَيْثُ كَانُوا﴾. يعني هنا النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يبين معاذ: أنك لا تتعلق بشخصي، خلاص أنت مسؤول الآن، أصبحت مسؤولاً عن نشر هذه الرسالة، عن القيام بواجب الدعوة.
ثم انطلق معاذ إلى اليمن مثل ما ذكرت، ودعا الناس هناك، وتزوج كذلك في اليمن زوجته الثانية، وكان قد تزوج قبل ذلك من الأنصار في المدينة، ثم رجع بعد ذلك إلى المدينة، وتلقى والتقى بعمر بن الخطاب في مكة، وكان مع معاذ رقيق، فقال: ما هذا يا معاذ؟ فأخبر معاذ، فقال: إنري أرى أن تعرضهم على أبي بكر، فإن أجازك وإلا فردها إلى بيت المال. فأبى معاذ، وقال بأن النبي عليه الصلاة والسلام بعثني اليمن ليجبرني. ثم نام، فلما نام رأى في المنام بأنه يساق به إلى النار، وعمر بن الخطاب يأخذ بحجزته، فاستيقظ معاذ وهو مذعور، وانطلق إلى عمر، وقال: ما أرى إلا أني فاعل الذي قُلْتَهُ. فانطلق إلى أبي بكر وأعطاه الرقيق، وقال أبو بكر: قد أجزتك فجزِ بهذا. ثم صلى ورائهم يصلون، فقال: تصلون لمن؟ فقالوا: لله. فقال: أنتم عتقاء. فأعتقهم رضي الله عنه وأرضاه.
ثم انتقل بعد ذلك وأصبح معاذ سفيراً، انتقل إلى الشام، واصبح مع أبي عبيدة بن الجراح، كان هو في مجلس الشورى وكان قريباً، بل هو أقرب الناس كان لأبي عبيدة في فتوحات الشام، وكان أبو عبيدة يستفيد منه ويستشيره كثيراً وكان يشور عليه، وكان عمر لا يريد منه الخروج، وطلب من الصديق أن لا يسمح له بالخروج، لكن الصديق لم يقبل بقول عمر، وقال: رجل أراد شهادة. فقال عمر: إن الشهادة ينالها رجل ولو كان على فراشه، ولأن نحتاج إلى معاذ في المدينة. لكن أبا بكر الصديق أبى، فانطلق رضي الله عنه وأرضاه إلى الشام، ودخل مع جند الشام وأصبح من القادة هناك، وكان قريباً من أبي عبيدة بن الجراح.
ولما جاءت وقعة معركة الفحومة، أرسل الرومان إلى أبي عبيدة رضي الله عنه وأرضاه بأن يبعث إليهم رجلاً حتى يناقشونه ويفاوضونه، فلم يجد أبو عبيده أفضل من معاذ بن جبل، فأرسل معاذ بن جبل، وذكرنا لكم في قصة مصعب بن عمير بأن السفير لابد أن يكون ذكياً، والسفير لابد أن يكون رابض الجيش، والسفير لابد أن يكون شجاعاً، والسفير لابد أن يكون صاحب منظر، ومعاذ بعثه إلى اليمن كمؤثر، فمعاذ كان من أجمل الناس شكلاً رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك من أحسن الناس خلقاً، ومن أذكى الناس، ولا بد أن يكون العالم سفيراً، فمعاذ كانت به هذه الصفات.
فلما بعث أبو عبيدة معاذ بن جبل إلى الرومان استعد له الرومان، وفرشوا هكذا البسط والنمارق حتى يفتنوا معاذ بن جبل، أو حتى يخيفوه، يعني هم قالوا: نفعل هذا كله، نظهر هذه الأبهة وهذا التقدم المادي حتى نفتن هذا الشخص فيتاثر ويكون معنا أو نخيفه. فذهب إليه معاذ ولم يبالي بهذا كله، وصدمهم معاذ، لم يجلس على هذه النمارق والبسط، إنما جلس على الأرض بل جلوس عليها، وقال: لا أجلس على هذه النمارق التي استأثرتم بها على ضعفائكم. أنظروا الآن إلى طريقة معاذ في النقاش، معاذ ما قبل، هم يريدون أن يفتنونه، معاذ جلس على الأرض، ثم قال: ما أجلس على هذه النمارق التي استأثرتم بها على ضعفائكم. الضعفاء هؤلاء يسمعون، يعني إيش هذا؟ إيش معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أننا نحن مختلفون عنكم، نحن ما عندنا هذه التفرقة الطبقية، طبعا هذا له تأثير كبير في نفوس الأتباع، الأتباع ما عندهم عقول لماذا؟ لأن العقول مغطاة بسبب هؤلاء، لكن هنا الآن معاذ يريد أن يزيل هذه الحواجز حتى يسمع هؤلاء، فيقول: التي استأثرتم بها على ضعفائكم. وجلس على الأرض، وقال: إنما أنا عبد من عباد الله، أجلس على بساط الله، ولا أستأثر بشيء ما لله على إخواني، أنا ما أفعل ما تفعلونه.
ثم قال: وثم دار بينه وبينهم يعني حوار هكذا عن الإسلام، وأجابهم، وسألوه عن عيسى عليه السلام، فقال: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. وبين لهم الإسلام إلى آخره. ثم بعد ذلك قالوا له: لماذا غزوتم بلادنا؟ وأبيِّن بأن انتصاركم على الفرس كان بسبب موت ملك الفرس كسرى، أما نحن ملكنا حي وجنودنا لا تحصى. وقالوا لا، بأن جنودنا أكثر من عدد الحصى ونجوم السماء. فرد عليهم معاذ، وقالوا بأن ملكهم حي وهرقل الموجود إلى آخره، فرد معاذ عليهم رد عجيب، وقال: إن كان ملككم هرقل فإن ملكنا الله، وأميرنا واحد منا. ملكنا الله وأميرنا واحد منا، يعني يريد أن يهدم الطبقية هذه الموجودة عندهم: إن عمل فينا بكتاب الله وسنة نبينا أقررناه، وإن عزلناه ولا يحتجب عنا، ولا يتكبر ولا يستأثر علينا، وأما عن كثرتكم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
فحاولوا به، فقال: ليس لكم عندنا إلا إحدى ثلاث: إسلام فيكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا وتكونوا إخواناً لنا، أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون، أو الحرب. فلما رد عليهم بهذا الرد غضبوا وقالوا: اذهب إلى أصحابك، إننا لنرجو أن نقرنكم في الحبال، وفي بعض النسخ: لتفرن، والله لنقاتلنكم حتى لتفرن إلى الجبال. فرد عليهم معاذ قال: أما إلى الجبال فلا، ولكن والله لنقتلن عن آخرنا أو لنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون. علو الإسلام، علو الإسلام! فرجع معه، ثم بعث الرومان إلى أبي عبيده، ونظروا إلى أبي عبيدة وجلس مع أصحابه ولم يعرف الرسول من هو أمير هؤلاء، فقيل: هذا هو، أي أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه، كان جالساً على الأرض مع أصحابه. القصد أن معاذ بن جبل كان سفيراً بعثه النبي إلى اليمن، ثم بعث الآن معاذ بعثه أبو عبيدة بن الجراح إلى الرومان، وكانت فيه صفات السفير، كانت فيه صفات السفير التي ذكرناها.
وكذلك معاذ رضي الله عنه وأرضاه الإنسان، معاذ الإنسان العابد، معاذ مثل ما ذكرت كان يهجر إلى الصلاة، معاذ كان يصوم الهواجر، معاذ رضي الله عنه وأرضاه وكان مدافعاً عن أصحابه، عن عرض المسلمين، لما كان في تبوك مع النبي عليه الصلاة والسلام سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن كعب بن مالك، فقال: الرجل حبسه يا رسول الله النظر في عطفيه. فقال معاذ: بئس ما قلت، والله ما علمنا عليه إلا خيراً. حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه. فقال: بئس ما قلت، والله ما علمنا عليه إلا خيراً. هنا الذب عن العرض، وهذا هو العالم، هذا هو العالم ليس الذي هكذا يتوسع في الحديث عن الناس، إنما لابد أن يكون حسن الظن للمسلمين فدافع عنه.
وكذلك معاذ رضي الله عنه وأرضاه الإنسان مثل ما ذكرت، حسن الخلق، نقي القلب، طيب النفس، معاذ لا تكاد تجد في سيرته أنه جرح رجلاً رضي الله عنه، إلا في القصة التي ذكرت لما غار على الدين، ولكن بين له النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه غيره ليست في موطنه، لما قال إنه منافق، لكن ما تجد معاذ أنه تعامل هذه الطريقة، وكان الناس يرجعون إلى معاذ، وكان معاذ حسن التعامل مع الناس، حسن التعامل مع الناس، واستفاد وانتفع من وصية النبي عليه الصلاة والسلام له. وكذلك كان معاذ رجل غيور، معاذ كان رجل غيور، فكان مرة من المرات زوجته هكذا تطل من القبة، أو كذلك قيل بأنه كانت تطعمه، فدخل عليه العبد وهي تطعمه، فغضب عليها رضي الله عنه وأرضاه، وهذه من غيرته وهكذا هم الرجال، وهكذا هم الرجال؛ فلما ارتفعت غيره عند الرجال ارتفع الحياء عند النساء، وإذا لم توجد غيره عند الرجل طبيعي أن المرأة لا تكون صاحبة حياء، فمعاذ كان رجل غيور، معاذ كحال بقية الصحابة كان رجل غيور.
كذلك معاذ رضي الله عنه وأرضاه، من ضمن الفوائد العظيمة التي يمكن أخذها من سيرة معاذ بن جبل وصية معاذ لما تاه رجل ونظر إلى معاذ بأنه قد مرض فأصابه الطاعون وخشي عليه الموت فبكى، فقال: والله إني ما أبكي لي قرابة بيني وبينك، لكني أبكي على العلم. فقال له: إن إبرهيم عليه السلام كان في الأرض ولم يكن هناك علم ولا إيمان، فأتاه الله سبحانه وتعالى العلم والإيمان، والعلم والإيمان في موطنهما، والله سبحانه وتعالى يعطيهما من يشاء. وعلمه أن يدعو الله سبحانه وتعالى، وعلم أن يدعو الله سبحانه وتعالى حتى ذهب العلم، ثم أوصاه بأن يذهب إلى العلماء عبد الله بن سلام وأبي الدرداء وكذلك عبد الله بن مسعود، وكان عبد الله بن مسعود يقول: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله. فقال له بعض من عنده: إن إبراهيم؟ فقال: إن معاذ مثل إبراهيم إماماً بالخير رضي الله عنه وأرضاه.
وكذلك معاذ بين للناس بأنه سياتي على الناس زمان يفيض المال، يكثر المال ويفتح القرآن حتى يأخذه الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد، فيشكو قائلاً يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن، ما هم بمتبعيه حتى ابتدع لهم غيره. يعني معاذ يبين بأن سياتي زمان القرآن هذا الذي يأخذ الآن فقط طلاب العلم، فقط طلاب العلم والمعرفة والإيمان، سياتي زمان يفتح حتى يأخذ الجميع، حتى المنافق يقرأ قرآن، فانتبهوا من هؤلاء واحذروا منهم.
ثم قالوا: واحذرك زيغة الحكيم. قال لأبي إدريس الخولاني: وما يدريني رحمك الله بأن الحكيم يزل أو يزيغ؟ كيف أعرف زلة الحكيم؟ أحذركم زيغة الحكيم زلة العالم. قال له: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المجهرات التي يقول الناس ما هذه؟ ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فانه لعله أن يراجع نفسه. يعني معاذ هنا يعلم طلاب العلم بأن العالم مهما بلغ تكون عنده زلة، طيب هذه زلة، كيف أعرفها؟ هذه زلة تكون واضحة ليست خفية، وهذه زلة مقصودة كما يقول ابن تيمية، والقصد منها امتحان الناس، امتحان الأتباع: هل هم يتبعون النبي عليه الصلاة والسلام أو هذا العالم؟ تقول: طيب فسر أكثر، أنا كيف أميز؟ أقول لك: الزلة تكون واضحة، العلماء كلهم يقولون بأن.
هذا مخالف، وهو يكون هذا من قبيل خلاف الشاذ، وليس خلافا معتبرا، فيكون خطأ واضحا بينا ما تحتمل النصوص ما تحتمل النصوص. وهذا الخطأ امتحان هو نفسه يكون معذور العالم الذي زل بهذه الزلة إذا كان قاصد الحق وبذل وسعه، ولكن الأتباع لا يجوز لهم اتباعه؛ لأن هنا المقال، يقول ابن عبد البر في السكار: يقول ما من عالم إلا وله زلة، ما من عالم إلا وله قول شاذ، حتى من الصحابة رضي الله عنهم، حتى من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
والفتاوى كثيرة في هذا؛ يعني ابن عمر كان يغسل عينيه في الوضوء حتى عمي، وكذلك يعني ما جاء في وضوء أبي هريرة رضي الله عنهما أنك توضأ إلى الإبط إلى آخره. فالقصص من ذلك أن هذا الأمر موجود، هذا الأمر هذا الأمر موجود حتى في الزمان الأول، وهذه مقصودة، والمقصود منها أن يتم تجريد المتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام؛ أشهد أن محمدا رسول الله، لا يتبع أحد في كل ما يقول إلا النبي عليه الصلاة والسلام. قال مالك بن انس: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، إلا صاحب هذا القبر.
فالزلة هي التي تكون واضحة وبينة، ويكون الكل مخالف له فيها، ويكون الكل مخالف له فيها. وهي ضبط معاذ هذه الزلة بأنها مما يشتهر، ويكون والنفس تنفر منه، ولا يكون له دليل، ولا يكون عليه دليل، ويكون واضح بأن هذا خطأ، يكون واضح بأن هذا خطأ. قال: ولا يثنينك ذلك عنه؛ ليس لأن عنده زلة تترك، انتبه؛ لأن هذا زل هنا صح، لكن البقية أقواله هي على استقامة، وإذا كنت ستترك كل شخص بسبب زلة عنده لن يبقى أحد. وذكر ابن قيم رحمه الله تعالى بأن أخطاء العلماء أقذار، والبحر إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، فهذا الخطأ يكون مغمورا في بحار الحسنات وبحار الخير الموجود عنده، وهو كذلك قد يكون يعني هذا الخطأ الموجود عنده هو معذور فيه، لكن لا يجوز لك أنك تقتدي به في هذا الخطأ، لا تقتدي به في هذا في هذا الخطأ.
إذا هنا معاذ يبين بأن زلة موجودة عند العلماء، وانتبه من هذه الزلة ولا تقتدي بهذا العالم بزلته، وكذلك يبين رضي الله عنه وأرضاه بأن هذا العالم ما يترك؛ لأن هذا عالم عنده خير كبير، وهذا العالم ممكن يراجع نفسه فيترك هذه الزلة، أو يتوب منها، أو يتبين له بعد ذلك، وهو سريع إلى العودة إلى الحق إذا كان صاحبا.
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه من شدة محبته لمعاذ رغب بأن يستخلفه، وقال: لو سألني ربي ذكرت بأنه أني سمعت نبيك يقول: ياتي معاذ يوم القيامة يسبق العلماء برتوة، وأعلم هذه الأمة بالحلال والحرام. ثم بعد ذلك حضرت معاذ رضي الله عنه وأرضاه الوفاة، ومات في طاعون عمواس.
فققتل أو مات واستشهد أبو عبيدة بن الجراح في هذا الطاعون، واستخلف معاذ، ثم ظهر طاعون في في إبهام معاذ بن جبل، ودعا الله سبحانه وتعالى بأن يكون لآل معاذ لبيت معاذ نصيب من هذا الطاعون. وبين الناس لما قال الناس بأن هذا رجس، وأن هذا الطاعون علامة سوء إلى آخره، بين معاذ بأن هذه رحمة وهذه شهادة.
ثم قال: عسى هذا القليل أن يكون كبيرا. فماتت زوجته ومات أبناه في هذا الطاعون، ثم مات هو بعد ذلك حتى يكون آلهم كله في ميزانه، حتى يكون آلهم كله في ميزانه. فكبرت هذه النقطة الصغيرة وأكلت جسم معاذ، ومات رضي الله عنه وأرضاه بالطاعون وفاز بالشهادة. هو خرج من أجل القتال، لكن قدر الله سبحانه وتعالى بأن يقتل رضي الله عنه وأرضاه، وأن يموت رضي الله عنه وأرضاه، ويستشهد بالطاعون وليس بسيوف الكفار، وليس بسيوف الكفار.
ولما ذهب معاذ إلى اليمن وجلس مع أبي موسى الأشعري وسألها العبادة، وبين لها أبو موسى الأشعري العبادة قال: أما أنا فأحتسب عند الله نومتي كما أحتسب عند الله قومتي. فظهر فضل معاذ بن جبل رضي الله عنه بأنه كان يحتسب كل شيء؛ يعني هو لم يكن من الناس الذين يجتهدون ثم بعد ذلك يتوقف لأنه يتعب، لا، حتى هذا الوقت هذا الذي المباح هو يحتسب فيه، فلما ينام يحتسب أن هذا النوم تقوية له، وهذه ميزة العلماء الاحتساب.
لذلك يقولون: النية تجارة، تجارة العلماء النية، تجارة العلماء. العالم يحتسب في كل شيء، العالم ينام يحتسب يقول إن هذه يتقوى بها على العبادة، الآخر ينام لكن ما يحتسب فما يأخذ أجر، لكن ما يأثم، أما الذي يحتسب هذا يؤجر. وكان الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى كان يذهب إلى المسجد ويقول: أحتسب عند الله سبحانه وتعالى وأنوي أربع وعشرين نية؛ أربع وعشرين نية، منها مثلا نية السلام، نية إنكار المنكر إذا رايت، نية نصح الناس إلى آخره، فكان ينوي أربع وعشرين نية في كل صلاة فيأخذ الأجور هذه.
وكذلك لم ينظر، لا أحد يتصدق إلى آخره، هو ينوي يتمنى أن يكون عنده مثل هذا، يعني ما يجعل هذه النية تذهب منه، إنما يكون حريصا دائما على إحضار إحضار النية، وهذه هي تجارة العلماء. فالعلماء ينالون المراتب العالية لمعرفتهم بالطرق المختصرة والعبادة الخاصة التي يريدها الله سبحانه وتعالى، وكذلك لإحضار النية واستحضار النية في الأعمال، حتى الأعمال المباحة.
بهذا نختم سيرة معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، هذا بعض ما يتعلق بمواقفه، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري